أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

رواية باسل وإيناس الصعيد كاملة جميع الفصول بقلم منال سالم

رواية باسل وإيناس واحدة من افضل الروايات الرومانسية المصرية حيث لم تتوقع إيناس أن لقاءً عابرًا سيغيّر حياتها، ولا أن باسل—بهدوئه وثقته—سيأسر قلبها بهذه السرعة.هو لم يعتد التعلّق، وهي تخشى الاقتراب، لكن بينهما شيء لا يمكن تجاهله… شرارة تجمعهما رغم ترددهما.هكذا تبدأ حكاية باسل وإيناس: حبّ يولد من صدفة، ويكبر رغم كل ما يحاولان إخفاءه




رواية باسل وإيناس الصعيد كاملة جميع الفصول

في مكان ما شبه مظلم
جلست تلك الفتاة على المقعد، وتلفتت حولها بحذر، ثم أخفض رأسها كي لا يلاحظ وجودها أفراد الأمن..
مــدت يدها لتخرج تلك الذاكرة الإلكترونية الصغيرة، ووضعتها في مكانها بالحاسوب، وضغطت على عدة أزرار على عجــالة لتنقل سريعاً تلك البيانات الهامة عليها..
حبست أنفاسها وترقبت مرور الثواني عبر شاشة الحاسوب وكــأنها أدهرٍ..
ابتلعت ريقها بتوتر، واختلست النظرات بحذرٍ بعينيها الخضراوتين..

ضغطت هي على شفتيها بقســـوة وهي تمتم بقلق بلكنة أجنبية:
-يا الله! It may take much time ( سوف يستغرق الأمر وقتاً )
إزدردت ريقها مجدداً، وتلفتت حولها بخوف، ثم حبست أنفاسها في صدرها، وترقبت إنتهاء نقل البيانات بفــارغ الصبر..
مرت ثوانٍ أخــرى، وتنفست الصعداء، ثم اعتلى ثغرها إبتسامة إنتصــار حينما أضاءت الشاشة بإكتمال عملية النقل..

سحبت الذاكرة الصغيرة من موضعها، ودستها في جيب بنطالها الجينز، ثم أغلقت الحاسوب، ونهضت وهي محنية للأسفل لتتجه نحو باب الغرفة..
شعرت بإهتزازة في جيبها، فمدت يدها لتمسك بهاتفها المحمول، ونظرت إلى شاشته، فقرأت اسم رفيقتها، فضغت على زر إلغاء المكالمة، ثم تسللت على أطراف أصابعها لتخرج من الغرفة..
إشرأبت بعنقها للأعلى لتتأكد من عدم ملاحظة أي أحد لها..

راقبت بتريث حركة الكاميرا الدائرية، ثم غطت رأسها ووجهها، وما إن تأكدت من إبتعاد زاويتها عنها حتى أسرعت بالركض ناحية مخرج الطواريء..
لم تتوقف ( سابين ) للحظة عن القفز نزولاً على الدرجات حتى وصلت إلى الطابق السفلي، ومنه عرجت إلى القبو حيث المخرج النهائي..
كان في إنتظارها سيارة رياضية أرتعشت إنارتها الأمامية فور أن رأتها..
ألقت هي بنفسها داخل السيارة لتنطلق بها مبتعدة عن المكان..

ظلت تلهث سابين لعدة لحظات، وأرجعت رأسها للخلف في المقعد، ثم مــالت بها للجانب لتحدق في رفيقتها مايدي التي سألتها بلكنة عربية غريبة:
-هل إنتهيتِ؟
أجابتها بصوت شبه متقطع:
-نعم
سألتها مارلي مجدداً بإهتمام:
-وهل رأكِ أحد؟
هزت كتفيها وهي تجيبها بنبرة حائرة:
-مش عارفة، I don t know yet، بس أنا خدت حذري
أومــأت الأخيرة برأسها ايجابياً وهي تردد بإقتضاب:
-أوكي.

سابين مشعل المصري هي شابة – ذات ملامح بسيطة – في الثالثة والعشرين من عمرها، متوسطة الطول، نحيفة، لديها شعر كستنائي اللون مموج قليلاً ورثته عن أمها الأجنبية لورينا، وعينان خضراوتان ورثتهما من أبيها مشعل، وأهداب كثيفة تغلفهما. ولها بشرة قمحية، وبصفة عامة فهي تجمع بين الملامح الشرقية والغربية في سماتها الجسمانية..

هي وحيدة والديها واللذين انتقلا للعيش في ولاية أخــرى، فاضطرت هي للعيش بمفردها لتكون بجانب مقر عملها..
تخرجت سابين من إحدى جامعات ولاية أوهــايو الأمريكية بتقدير مرتفع فأهلها للحصول على فرصة عمل مميزة في إحدى الشركات المرموقة…
تخصصت هي في دراســة البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات، وأحرزت فيها إنجازاتٍ ملموسة مما جعلها مؤهلة للعمل في أشهر المؤسسات وأقواها..

لم تكتسب سابين الصداقات العديدة – كقريناتها – بسبب إنشغالها بالبحث العلمي المتواصل، ورغبتها في الوصــول إلى أعلى المنازل، ورغم هذا هي لديها صديقة مقربة من أصول لبنانية تدعى مارلي، كانت رفيقتها في الدراسة، ثم في السكن، وتتحدثان العربية معاً…

بعد مرور إسبوع،
في مقهى مـــا بولاية أوهايو،
أعادت سابين تشغيل الذاكرة في حاسوبها المحمول، وتفقدت تلك الملفات السرية، ثم أردفت قائلة بجدية:
-أنا سلمت نسخة منها للـ FBI ( المباحث الفيدرالية الأمريكية )، ومنتظرة جلسة المحاكمة.

ردت عليها رفيقتها مارلي بلكنة عربية قلقة وهي تتلفت حولها:
-أنا أخاف عليكي سابو، إنتي ممكن تتأذي.

ابتسمت لها سابين إبتسامة مطمئنة، وهتفت قائلة بهدوء:
-متقلقيش مارلي، أنا عاملة حسابي، محدش هايعرف حاجة لحد ميعاد الجلسة، There s nothing to worry about ( لا يوجد ما تقلقي لأجله ).

تنهدت مارلي بعمق، ومدت يدها لتمسك بكف رفيقتها، وضغطت عليه قليلاً وهي تردد بتحذير:
-بليز، دول عصابات ومافيا، وانتي لوحدك، وأنا مش هاقدر احميكي.

ردت عليها سابين بثقة:
-لو حصل حاجة، And I doubt ( وأنا أشك في هذا )، هما هيدخلوني برنامج حماية الشهود لحد نهاية المحاكمات.

أومــأت برأسها إيماءة خفيفة وهي تتابع قائلة:
-اوكي! But Take care ( خدي بالك ) honey.

ابتسمت لها بعذوبة وهي تقول:
-Don t worry ( لا تقلقي ).

ظلت الأوضـــاع هادئة بالنسبة لسابين حتى حـــان موعد أول جلسة محاكمة، فتحول الأمـــر إلى شيء مربك للغاية خاصة حينما أصدر القاضي حكمه بـ:.

(( ترسل كافة الأدلة المقدمة من المدعي العام إلى هيئة المحلفين للإطلاع عليها، وإبداء رأيهم المبدأي في القضية المعروضة أمامهم، كذلك يتم الإستماع إلى الشاهدة الرئيسية سابين مشعل المصري في الجلسة القادمة يوم، /، /، ، ويُحذر على المدعي عليهم الإنتقال أو السفر لحين إنتهاء المحاكمة )).

إستشعرت مارلي وجود خطر محدق برفيقتها خاصة حينما رأت في أعين أصحاب تلك المؤسسة الهامة – ذات النفوذ والصيت – نظرات عدائية للغاية، ونذير شـــر وهو ينهضون عن مقاعدهم..
مــــال أحدهم برأســـه على رفيقه، وهمس له بكلمات مقتضبة:
-Do it now نفذ الآن!

إزدردت مارلي ريقها بخوف، ومالت على سابين، وحدقت فيها بنظرات مضطربة، ثم همست لها:
-I m scared , it s not good at all ( أنا خائفة، الأمر غير مبشر على الإطلاق )
-Don t worry, they can t touch me ( لا تقلقي، لا يمكنهم إيذائي ).

انتظرت الاثنتين لبرهــة حتى أصبحت قاعة المحكمة شبه خاوية، فتحركت سابين نحو المدعي العام، وأجرت معه حواراً قصيراً طمأنها فيه على الوضع القانوني في القضية، وكذلك على توفير الحماية لها..

لم تستبشر مارلي خيراً، وتوقعت الأســـوأ، وبالفعل حدث ما كانت تخشاه، ففور خروجهما من المبنى القضائي، تفاجئت كلتاهما بسيارة دفع رباعي سوداء تنفتح نافذتها لتبرز منها فوهــة سلاح آلي، ثم أمطرهما بوابل من الطلقات النارية..
فانحنت الاثنتين وهما تصرخان بإهتياج للأسفل لتتفادهم..

تحولت المنطقة بعد عدة لحظات إلى بركة من الدمــاء، وسقط العديد من الضحايا الأبرياء من الذين تصادف وجودهم في نفس المكان، وأصيبت مارلي إصابة بالغة في ساقها وذراعها..
تجمع العشرات من الأشخاص حولهما، وصدحت صافرات سيارات الشرطة في الأجواء..
دب الرعب في قلب سابين بعد أن رأت بعينيها هــول المنظر، وأيقنت أنها بالفعل في خطر دامي إن لم تتحرك المباحث الفيدرالية فوراً وتتخذ الإجراءات اللازمة لحمايتها..

أوصلت رفيقتها للمشفى، وظلت قابعة معها إلى أن اطمــأنت عليها، فقررت التصرف فوراً للنجاة ببدنها، وانصرفت بصحبة رجــال الشرطة لضمان سلامتها الشخصية…

في مكتب حماية الشهود التابع للمباحث الفيدرالية،
ضربت سابين بقبضتها بعنف على الطاولة المعدنية وهي تصرخ بإهتياج باللغة الإنجليزية:
-لقد بت مهددة من قبل هؤلاء المجرمين، كيف تقول لي أهدأ، وأنا حياتي في خطر كبير.

أشـــار لها الضابط قائلاً بهدوء:
-سيدتي، نحن نبذل ما في وسعنا، والجلسة التالية بعد 4 أشهر من الآن.

صرخت فيه بإنفعال وعينيها تنذران بالشر:
-وماذا تتوقع مني أن أفعل طوال تلك المدة، هل أختبيء في منزلي وأنتظر موتي؟ أخبرني!

رد عليها بنبرة رسمية:
-سنرى الأفضل لكِ.

لوحت بذراعها وهي تضيف بصوت هـــادر:
-أنا أريد حماية شاملة، فأنتم من دفعني لعمل هذا.

رد عليها الضابط ببرود:
-إنها من أجل مصلحة وطنك.

صاحت فيه بغضب:
-أنا أقدر وطني، ولكن ماذا عن حياتي؟ ألا يوجد تقدير لها؟

لم تجد سابين أي رد منه، فهدرت بإنفعال واضح:
-حياتي على المحك ألا تفهم؟

أشـــار لها مجدداً بكف يده وهو يتجه نحو الباب:
-اهدأي سوف نتخذ اللازم.

وبالفعل عهدت المباحث الفيدرالية الأمريكية إلى توفير حماية لها عند منزلها، فشعرت بالطمأنينة نوعاً ما، ولكن للأسف تلاشى هذا الشعور سريعاً حينما تعرض المنزل للهجوم الضــاري وقتل جميع من فيه، ولحسن حظها أن سيارتها تعطلت أثناء عودتها إليه، فنجت من هذا الحادث الغاشم..
لم تهنأ هي بنوم عميق لعدة ليالٍ، وانتقلت من فندق إلى أخــر – ليلة بعد أخرى – بهوية زائفة حتى يتعذر الوصول إليها..

وظلت تتخفى عن الأنظار لتنجو بحياتها حتى فاض بها الأمر، فعادت إلى مكتب حماية الشهود التابع للولاية، ورفضت الخروج منه دون حل جذري في أمرها..
اجتمع بها مدير المكتب، وطمأنها قائلاً:
-لا تقلقي سيدتي، لقد تدبرنا أمرك، وسنضمن لكِ حماية قصوى.

هتفت فيه بصوت متشنج وهي ترفع حاجبيها في استنكار:
-كيف هذا، وقد قتل رجالكم عند باب منزلي؟ وأنا بت مهددة بالقتل في أي لحظة!

رد عليها بجدية:
-لن يتكرر الأمر، كان سوء تقدير منا للموقف برمته، ولكن أعدكِ أنكِ ستكونين تلك المرة في أمان تام.

سألته بإزدراء وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
-وكيف سيحدث هذا؟

في مكـــان أخـــر بالعاصمة المصرية ( القاهرة ) مجهز بالكثير من المعدات الرياضية، ويعج بالكثير من الرجـــال الأشداء..
إتخذ أحــد الأشخاص ذوي الأجسام الرياضية البارزة، والعضلات المفتولة أو كما يطلق عليه عادةً حائط بشري – وضعية القتال في منتصف الحلبة الرياضية، ثم أمــال رأســه للجانب ليتفادى لكمة مباغتة، وانحنى بجذعه للخلف قليلاً ليبتعد عن المهاجم، ثم سدد له لكمة مضادة وهو يهتف بحنق:.

-مش تاخد بالك يا باسل!
رد عليه ( باسل ) قائلاً بإستهزاء:
-إنت اللي باين عليك خستعت يا مسعد، ومابقتش نافع!

إعتدل ( مسعد ) في وقفته، ووضع يديه في منتصف خصره، ورمقه بنظرات ضيقة قبل أن يجيبه بنبرة محتجة:
-خستعت ايه بس! ده أنا بأتعلف زي التور من الحاجة كل ما بأروحلها!
رد عليه رفيقه بإبتسامة هادئة:
-ربنا يباركلك فيها!
تابع مسعد قائلاً بمزاح وهو يبرز عضلات ذراعيه:
-ما إنت لو بتجي عندنا زي تملي كان زمانك مربي عضلة الباي والتراي والفاموليا كلها، والسكس باكس كانوا فاطوا من مكانهم!
رفع باسل يده معترضاً وهو يقول:.

-لا يا عم أنا مش أد السمن البلدي بتاع الحاجة صفية.

التوى ثغره بإبتسامة عريضة وهو يضيف:
-إنت هاتقولي! إنت أخرجك لقمة وتجري، وعلى رأي أمي الضيف المجنون ياكل ويقوم
عبس باسل بوجهه وهو يهتف معترضاً:
-جرى ايه يا مسعد إنت هاتغلط؟!
رد عليه مسعد بهدوء وهو يرفع حاجبه للأعلى:
-لأ دي الحاجة مش أنا!
أشـــار باسل بإصبعه محذراً بنبرة عدائية:
-طب خد بالك لأحسن البونية الجاية هاطيرلك بيها صف سنانك!

عبس مسعد بوجهه، واعترض بجدية زائفة:
-لالالا، ده تهديد شديد اللهجة، وأنا لا أقبل!
-يا عم آآ…

-إنتبـــــاه
قالها أحد الأشخـــاص بنبرة صارمة ورسمية، فإنتصب الجميع في وقفتهم، وشدوا من صدورهم العريضة أمامه..

رمقهم القائد العسكري – ضياء – بنظرات إعجاب قبل أن ينطق بجمود:
-استرح!

إرتخت عضلات الجميع قليلاً، لكن لم يجرؤ أحد على التحرك من مكانه..
توجه القائد العسكري – ذو الرتبة العالية – إلى مسعد وباسل، فإنتصب الاثنين بجسديهما، وهتف الأخير قائلاً:
-تمام يا فندم
أشــار لهما بيده قائلاً:
-استرح!
ثم أخذ نفساً عميقاً، وتابع بجدية:
-أخبار التدريبات ايه يا وحوش؟

رد عليه مسعد بثقة بالغة:
-تمام يا فندم، إحنا جاهزين لأي مهمة.

تقوس فم القائد ضياء قليلاً وهو يردد:
-عظيم! أنا عاوزكم تكونوا جاهزين لأي حاجة هاكلفكم بيها.

تساءَل مسعد بتردد وهو يبتلع ريقه:
-هو، هو يا فندم مافيش أمل أنضم لـ آآ، لـ، للحرس الرئاسي؟

ضيق القائد ضياء عينيه، ورمقه بنظرات حادة قبل أن يرد عليه بجمود:
-لأ يا مسعد، وبعدين إنت هنا في أقوى فرع في القوات المسلحة، القوات الخاصة، فخر لأي حد إنه يكون فيها، وخصوصاً لواء الصاعقة.

برر مسعد موقفه قائلاً:
-أنا عارف يا فندم، أنا بس طموحي أوصل لـ آآ…

قاطعه القائد ضياء بنبرة جادة:
-لما تيجي فرصة مناسبة، وغير كده أنا دايما بأكلفك بالمهام الصعبة
هز مسعد رأســه بحركة خفيفة وهو يرد:
-شكراً يا فندم، وأنا جاهز لأي حاجة.

ظهر شبح ابتسامة على ثغره وهو يتابع بنبرة تفاخر:
-وده المطلوب منكم يا رجالة!

ثم أشـــار بعينيه وهو يكمل بنبرة آمـــرة:
-كملوا تدريباتكم!

انتصب الإثنين بجسديهما أكثر وهما يرددان بنبرة رسمية:
-تمام يا فندم
ثم تابعاه بأنظارهما إلى أن ابتعد عنهما، فنفخ مسعد في ضيق..
ربت باسل على كتفه وحفزه قائلاً:
-معلش يا مسعد، إنت عارف إنه مش هيوافق أبداً بسبب آآ..
قاطعه مسعد بنبرة شبه حانقة:
-أعمل ايه يعني؟ ما أنا حاولت كتير، بس للأسف يدوب بأنجح على الحروكرك يا بأسقط، وده ماينفعش خالص معاهم!
ثم غمغم بتهكم:.

-هما الظاهر عاوزين جهابزة في اللغة، قواميس ناطقة، إلياس المترجم، قاموس الموس من الألف للكوز، مش زي حالاتي يدوب بأفك الخط في الانجليزي!

تنهد باسل بصوت مسموع وهو يواسيه قائلاً:
-متكبرش الموضوع، بكرة تتعدل وتنجح!

رمقه بنظرات جامدة وهو يردد بخفوت:
-موت يا حمار، ده أنا جاهل في اللغة!

ســأله باسل بإهتمام وهو قاطب جبينه:
-بتقول ايه؟

نفخ مسعد بنبرة ضائقة وهو يقول بإمتعاض:
-متخدش في بالك، ويالا خلينا نكمل نفخ في أم العضلات دي!
-ماشي، وأهو الإحتياط واجب!

قطب مسعد جبينه بشدة، وتساءل بمزاح:
-واجب! طب لحد صفحة كام؟
لم يجبه باسل بل سدد له لكمة قوية ومباغتة في وجهه طرحته أرضاً على الفور..

مسعد محمد غـــراب، رائد بالقوات الخاصة – وتحديداً لواء الصاعقة – في القوات المسلحة المصرية في أواخــر العشرينات من عمره، يمتاز بالبشرة الخمرية، والطول الفاره، والجسد الممتليء بالعضلات البارزة.
عينيه بنيتان، وشعره كث – شبه مجعد – من اللون الأسود، ولديه شفتين غليظتين..

هو أخ وحيد وسط ثلاثة أخوات ( إيناس، أسماء، وإسراء )، تزوجت إثنتين منهما، وتبقت الصغيرة المشاكسة إيناس لصغر سنها، ولأنها ماتزال طالبة في المرحلة الإعدادية.
والده محمد كان لواءاً في قوات المشاة، وأحيل على المعاش قبل عدة أعوام، ووالدته السيدة صفية هي ربة منزل..

كان مسعد متفوقاً في دراسته فيما عدا مادة اللغة الانجليزية، فقد كان دائم الرسوب فيها، وتمكن بصعوبة من إجتياز إمتحانها و النجاح فيها في الثانوية العامة، ثم إلتحق بعدها بالكلية الحربية، وأثبت تفوقه الرياضي والأكاديمي، وانضم لصفوف قوات الصاعقة..
ودائماً ما يدفعه طموحه للترقي والحصول على مكانة أفضل بين أقرانه، وخاصة أن لديه هدف هــام يشغل كل تفكيره، ألا وهو الإنضمام إلى الحرس الرئاسي وحماية الرئيس…

وهو أيضاً محبوب بين زملائه، ومعروف عنه بروحه المرحة، وخفة دمـــه فإستطاع بسهولة أن يصنع الكثير من الصداقات، وصـــار له رفقاء في كل مكان، ولكن الأقرب إليه هو زميله باسل سليم..

ومنذ وقت قريب انضم مسعد إلى التشكيل الجديد لفرقة عمليات من نوع خـــاص جـــداً تتبع قوات الصاعقة، وظيفتها تأدية مهام خطرة للغاية وبالغة السرية، وعلى قدرٍ عالٍ من الدقـــة والحرفية، وقد وجد فيها السبيل لتحقيق مبتغاه والوصول للقصر الرئاسي، فالتوصيات التي تقدمها الفرقة بعد مدة لكل ضابط تفتح أمــامه الكثير من الفرص المميزة..

في منزل مسعد غراب،
أمسكت السيدة صفية بالمقلاة في يدها بعد أن انتهت من طهي الثوم والكسبرة معاً، ثم قذفتها على طاجن الملوخية الساخن وهي تشهق بنبرة شبه مرتفعة..
رمقتها ابنتها الصغرى إيناس بنظرات متعجبة، وتشدقت متسائلة:
-نفسي أعرف لزمتها ايه الحركة دي؟

ردت عليها صفية بثقة:
-ده اللي بيخلي مفعول التقلية يشتغل
سألتها إيناس بمزاح:
-هي تعويذة لا سمح الله؟
لكزتها والدتها في كتفها وهي تضع المقلاة في الحوض، ثم تابعت بجدية:
-ايش فهمك إنتي، خليكي في مذاكرتك، وسمعيلي يالا اللي بعد حملة فريزر.

ردت عليها إيناس بتذمر:
-يا ماما أنا خلصت التاريخ من بدري، ودخلت على التقلية، قصدي على الجغرافيا!

ضربت صفية مقدمة رأسها بكف يدها وهي تردد:
-أه صحيح، مخدتش بالي.

ابتسمت إيناس إبتسامة عريضة وهي تهتف بحماس:
-أنا رأيي نفضنا من المذاكرة ونركز مع الملوخية بالأرانب.

عبست والدتها بوجهها وهي تقول:
-انتي ما بتصدقي يا نوسة.

استنشقت إيناس رائحة الطعام الشهية التي تسيل اللعاب، وهتفت بسعادة:
-اه يا ماما، ريحتها تحفة.

ردت عليها صفية بتفاخر وهي تشير بكف يدها:
-طبعاً، ده أنا عليا شوية ملوخية بالأنارب إنما خرافة!

عدلت لها ابنتها جملتها الأخيرة قائلة بهدوء:
-أرانب يا ماما مش أنارب!
رمقتها والدتها بنظرات حادة، وردت بإصرار:
-هي بتتنطق كده! هتعدلي عليا.

هزت إيناس كتفيها في عدم إكتراث وهي تقول بخفوت:
-وأنا مالي، أنارب أنارب، المهم أكل في الأخر!

ثم مدت إصبعها لتتلمس الطعام، فضربتها والدتها على كفها وهي تنهرها بحدة:
-ايدك!
تأوهت من الآلم، وهتفت متذمرة:
-آآي، يا ماما ده أنا بس هادوق
-أما يجي أبوكي!
ردت عليها على مضض:
-ماشي!

ثم إستدارت بجسدها لتتجه نحو باب المطبخ، ولكنها توقفت عن الحركة لتسأل والدتها:
-أومال مسعد هاينزل أجازة امتى؟

نهرتها والدتها بنبرة شبه حادة:
-اسمه أبيه مسعد، ده الفرق بينكم أد كده، هو مش عيل بيلعب معاكي في المدرسة؟!

ردت عليها إيناس بعدم اكتراث:
-يا ماما فوكك من جو الأفلام ده، أبيه ونينة وطنط، احنا في عصر الفيس بوك، يعني خلصانة بشياكة، على وضعك يا برنس، سلام يا حمام، وهكذا دواليك!

لوت وصفية فمها وهي تقول:
-ماشي يا ليمضة! برابند في الكلام!

سألتها إيناس بإلحاح:
-ها مقولتيش هينزل امتى؟
-يوم ولا اتنين، لسه مقالش
-طيب..!
ثم إتجهت الإثنتين إلى خــارج المطبخ ليكملا حديثهما..

في غرفة مكتب ما بالقاهرة،
هب رجل ما – يرتدي ملابساً عسكرية – منتفضاً من على مقعده، واستطرد حديثه قائلاً بجدية بالغة:
-تمام يا فندم، واحنا على استعداد تام نتحمل المسؤلية، وعندنا من الضباط الأكفاء اللي يقدروا يسدوا في الموضوع ده.

انصت للطرف الأخـــر عبر الهاتف، ثم تابع بجدية:
-أكيد السرية موجودة، اطمن يا فندم.

مط فمه للأمام، وأكمل بهدوء:
-حاضر، مش أي حد، أنا فاهم ده كويس.

ثم تابع بنبرة جادة وهو عاقد جبينه:
-حالياً بأفكر في ضباط القوات الخاصة، هما أكفأ ناس يقدروا يقوموا بالمهمة دي، وتلقوا تدريبات عالية على التعامل مع أوضــاع أشد خطورة من اللي حضرتك بتحكي عنه.

أومــأ برأســـه عدة مرات، وأضاف قائلا:
-مفهوم، مفهوم، ممكن نستعين بتشكيلنا الجديد من قوات الصاعقة، هما حرروا رهائن قبل كده في كذا عملية، فمش هايتعذر عليهم حماية واحدة لفترة صغيرة.

هز رأسه بحركة خفيفة وهو يتسائل بنبرة رسمية:
-أها، تمام، هتوصل امتى؟

صمت لعدة ثوانٍ وأكمل قائلاً:
-تمام معاليك، والنهاردة هايكون عند حضرتك أسماء الضباط المكلفين بحمايتها.

التوى ثغره بإبتسامة باهتة وهو يقول:
-اطمن يا فندم، أنا بنفسي هاحط خطة تأمينها!

ثم كور قبضة يده، وإستند بها على سطح مكتبه، وختم حديثه قائلاً بجدية:
-تحت أمرك!

أنهى هو المكالمة، وفرك طرف ذقنه، وغمغم مع نفسه بخفوت:
-هي السهل الممتنع، بس محتاج أثبت كفاءة المجموعة الجديدة اللي شكلتها بنفسي، وده مش هايتم إلا لما أتكلم مع الفريق ضياء على إنفراد وفي عجالة..!
في مكتب ما بجهة سيادية،
طرق الفريق ضياء بأصابعه بحركة ثابتة على سطح المكتب الزجاجي، ثم فرك طرف ذقنه بكفه الأخر، وتطلع إلى القائد بنظرات قوية، ثم استطرد حديثه قائلاً بهدوء:
-بس المهمة دي تخص رجال الشرطة أو أفراد من آآ…
رد عليه القائد مقاطعاً إياه بجدية مفرطة:
-الموضوع جاي من فوق يا سيادة الفريق
حرك الفريق ضياء رأسه موافقاً إياه في الرأي، وبرر قائلاً:.

-أنا فاهم، بس رجالتنا بيتعاملوا مع أهداف حية، وبنبعتهم لمهام في أماكن محدش يعرف عنها حاجة، إزاي هانقنعهم يحموا البنت دي من غير ما نقولهم؟!
شبك أصابع كفيه معاً، وانتصب بكتفيه أكثر، وتابع بهدوء جاد:
-احنا محتاجين فرد أو اتنين من رجالتنا يكونوا ملازمين ليها 24 ساعة بحجة مقنعة
-ممممم..
وأضاف قائلاً بتحذير:.

-ومش أي حِجة والسلام يا سيادة الفريق، ماتنساش احنا معانا مجموعة قمة في الذكاء والدهاء، من الأخر محنكين، ومش هايخيل عليهم أي كلام هيتقالهم!
هز رأسه بإقتناع وهو يقول:
-عندك حق يا فندم، أنا مختارهم بعناية، وعارف مهارات كل واحد فيهم
أشار له بإصبعه بعد أن حل كفيه، وأكمل بهدوء:
-فكر كويس، ورشحلي الأجدر بالمهمة دي
قطب جبينه، وضاقت نظراته وهو يرد:
-أنا في دماغي فكرة كده، بس مش عارف إن كانت هاتنفع ولا لأ.

سأله بإهتمام وهو محدق به:
-ايه هي؟
أجابه الفريق ضياء بجدية:
-هاقولك يا فندم، بس أنا محتاج كمان أنسق مع الهدف لضمان السرية
هز رأسه موافقاً وهو يتابع بنبرة جادة:
-تمام، اعتبره حصل، وهانبعت التعليمات بعد ما نتفق على الخطة المطلوبة سوا!
-تمام يا فندم
-وبالتوفيق!
في ساحة ما قتالية،
أخفض مسعد رأسه خلف ذلك الساتر الصخري، واختلس النظرات بحذر لينتقي النقطة المناسبة ليتحرك من عندها ويتسلل خلف خطوط العدو..

أشار له شريكه باسل بإصبعه بحركة ما، وهمس قائلاً:
-جاهز
-تمام
ثم أومأ مسعد برأسه بحركة خفيفة ليتحرك بعدها الاثنين بخطى حذرة نحو حائط ما..
إختبأ الاثنين وراءه، وهمس باسل بصوت خافت:
-هنطلع من هناك، الهدف قصادنا!
حذره مسعد بصوت خفيض:
-ماشي، بس إدي ( خلي ) بالك كويس
لوى باسل ثغره، وهمس متهكماً:
-أكيد يعني، ما احنا مش عاوزين نخسر
أضاف مسعد بسخرية:
-هو من امتى بنخسر؟!
-بلاش تنبر فيها.

-ده مش نبر، دي الحقيقة، وبعدين إحنا هانروح ونعلي الطموح!
نفخ باسل بنفاذ صبر، وهمس بغيظ:
-يادي الألشات الرخيصة اللي هاري أمي بيها، ارحمنا شوية
عبس مسعد بوجهه، ورد عليه بنبرة محتقنة:
-يا بني ده أنا بأديك طاقة
همس له باسل متذمراً:
-مش عاوزها، خليهالك
اعترض مسعد قائلاً بصوت خافت للغاية:
-براحتك
رمقه باسل بنظرات حادة، وكز على أسنانه قائلاً بنبرة مغلولة:.

-لا حول ولا قوة إلا بالله، ده تدريب يا مسعد، والرك في الأخر على أرض الواقع!
نفخ مسعد بعمق، وتابع قائلاً:
-بص احنا نسمي بالله وهتفرج
أكمل باسل بخفوت وقد ضاقت نظراته:
-عند 3 هنتحرك، وهنط من هناك، بعدها هتضرب نار في اتجاه 6: 00 وأنا في اتجاه 00: 00، وهينضم علينا بقية الفرقة، وآآ…
ظل باسل يشرح بإيجاز تفاصيل خطته بناءاً على الوضع المتاح أمامهما، وأصغى إليه مسعد بإنتباه تام، ثم همس بإعجاب:.

-الله ينور، الصراحة لفة دماغك دي كادو!
لوى باسل فمه قائلاً بسخط:
-كادو! ربنا يستر، جاهز؟
رفع مسعد إبهامه، ورد عليه بصوت خفيض للغاية وهو يغمز له:
-كله تمام
هز باسل رأسه قائلاً بحماس:
-على بركة الله
ثم أشار بإصبعه وهو يتابع بجدية:
-1، 2، 3.

وبالفعل قفز الاثنين من أعلى الحائط، وبدأ التراشق بالنيران، وأعقبها إلقاء القنابل الغازية، ثم دار قتال يدوي شرس مع عدة أشخاص وجوههم مصطبغة بالسواد، وانضم إليهما أخرين، واحتدمت الأجواء حتى سُمع صوت صافرة مدوية، وأعقبها صياح جهوري:
-انتباه
توقف الجميع عن الإقتتال، وانتصبوا بأجسادهم فقد حضر الفريق ضياء بشحمه إلى ساحة القتال في سابقة غريبة مما أثار دهشة وفضول الضباط..

عقد الفريق ضياء كفيه خلفه ظهره، وصاح بصوت آجش:
-عاش يا وحوش، التقارير اللي بتجيني أول بأول عن التدريبات بتبين مهاراتكم وأدائكم العالي، أنا فخور بيكم
ثم دنا من باسل ومسعد، ووقف قبالتهما، وحدق فيهما بنظرات غامضة، وتابع قائلاً بجدية مفرطة:
-مسعد عاوزك تخلص تدريب وتجيلي على مكتبي!
-تمام يا فندم
قالها مسعد بنبرة رسمية وهو يشد كتفيه للخلف.

ثم تحرك مبتعداً عنه، وتابع حديثه محمساً ضباطه بكلمات مشجعة لتشد من أزرهم، وأنهى حديثه قائلاً:
-ربنا يحميكم يا رجالة!
لم يتوقف عقل مسعد عن التفكير في سبب استدعاء الفريق ضياء له..
همس له باسل متساءِلاً:
-تفتكر هايكون عاوزك في ايه؟
ضغط مسعد على شفتيه قائلاً بجدية:
-مش عارف، بس شكله موضوع خطير!
-طب أما تعرف طمني
-ربنا ييسر
باسل سليم رضوان، هو الرفيق المقرب من مسعد، يصغره بثلاثة أعوام، ويحمل رتبة نقيب..

يمتاز كغيره من ضباط قوات الصاعقة بالجسد الرياضي القوي والطول الفاره، بالإضافة إلى شخصية جادة للغاية..
هو متفوق دراسياً، وبارع في المهارات العقلية والبدنية، ولديه سرعة بديهة..
لديه بشرة بيضاء لكنها اصطبغت باللون البرونزي بفعل أشعة الشمس، أما عينيه فهما عسليتان، وشعره يميل للون البني، ووجهه حسن الطلعة..

هو من عائلة مرموقة في مستواها الإجتماعي والثقافي، لديه أخوين أكبر منه ( خالد، وأحمد )، فالأول متزوج ويعمل في السلك الدبلوماسي بإحدى الدول العربية، والثاني طبيب أسنان، وملتحق ببعثة دراسية بالعاصمة الإنجليزية لندن..
والده مستشار قضائي، ووالدته أستاذة جامعية..

لم يعترض أحد من عائلته على انضمامه للكلية الحربية، وشجعوه على المضي قدماً فيها، وأثبت جدارته، وبرز سريعاً بين أقرانه، واستحق أن ينضم بعد برهة للتشكيل الجديد، ويحقق فيه إنجازات واضحة..

في إحدى المطارات الأمريكية،
تلفتت سابين حولها بحذر، ووضعت نظارتها القاتمة على وجهها، وعبثت بخصلات الباروكة الحمراء التي ترتديها لتغطي جبهتها، ثم أومأت برأسها قليلاً لضابط المباحث الفيدرالية المرافق لها، وتحرك الاثنين في إتجاه البوابة الأمنية…
ناولت هي الضابط المسئول عن إنهاء إجراءات السفر الأوراق المطلوبة، فهز رأسه بحركة خفيفة بعد إطلاعه على ما بها – وخاصة تلك الورقة المختلفة – وهتف بصرامة:.

-يمكنك الذهاب
ابتسمت له مجاملة، وخطت نحو وجهتها بثبات..
لحق بها ضابط المباحث الفيدرالية، وهمس لها بجدية وهو يسير إلى جوارها:
-اطمئني، نحن إلى جوارك
التوى ثغرها بإبتسامة هادئة وهي تهمس بإيجاز:
-شكراً
تابع الضابط قائلاً بتحذير:
-لقد نفذنا الجانب الخاص من خطتنا، وتذكري ما ستفعليه بعد ذلك، وسنكون على تواصل معكي في كل خطوة، لكن حافظي على السرية!
ردت عليه بهدوء وهي توميء برأسها:
-لا تقلق.

ثم أسرعت في خطواتها نحو الممر المؤدي للطائرة..
لاحقاً في مكتب ما بالقاهرة
دق مسعد الباب بدقات خفيفة على باب المكتب قبل أن يُسمح له بالدخول..
أدى التحية العسكرية لقائده، فأشار له الأخير بعينيه قائلاً بنبرة جادة:
-استرح يا مسعد
لم تتبدل تعابير وجه الأخير وهو يرد قائلاً:
-تمام يا فندم
ثم اتجه بعدها للمقعد القريب ليجلس عليه معتدلاً..
-ثواني وهاكون معاك
قالها الفريق ضياء وهو يطالع عدة أوراق أمامه.

هز مسعد رأسه بإيماءة خفيفة وهو يردد:
-براحتك يا فندم
مرت عدة دقائق، والصمت هو سيد الموقف، ومع ذلك كان مسعد يعتصر عقله بشدة محاولاً تخمين ما يريده الفريق ضياء منه..
أبعد الأخير الأوراق التي يمسكها، ثم حدق في ضابطه بنظرات غامضة قبل أن يسأله بهدوء:
-قولي يا مسعد
رد عليه الأخير بنبرة شبه عادية:
-أيوه يا فندم
انتصب الفريق ضياء في جلسته أكثر، وسأله بترقب:
-إنت لسه عاوز تنضم للحرس الرئاسي؟

لم يتردد مسعد في الإجابة عليه، وقال بثقة:
-طبعاً يا فندم، ده بعد اذن سيادتك
التوى فم الفريق ضياء بإبتسامة خفيفة، وأكمل:
-تمام، عموماً، أنا جايبك هنا عشان الموضوع ده
ضاقت نظرات مسعد، وسأله بثبات زائف:
-خير يا سيادة الفريق
أجابه قائلاً بجدية:.

-شوف يا مسعد، في خبيرة دولية محنكة بتعمل دراسات على مستوى عالي جداً عن أفراد الحراسات، وطلبت تعمل تقييم لعدد من الضباط التابعين للحرس الرئاسي، بس إنت عارف الكلام ده ماينفعش عندنا في مصر، فإقترحنا عليها إن التقييم ده يكون على القوات الخاصة، ورشحتك إنت للموضوع ده
أصغى مسعد بإنتباه تام لكل كلمة قالها قائده، ولكنه لم يفهم ما المغزى من ورائه، فسأله:
-بس أنا ايه دوري؟
أجابه الفريق ضياء بجدية:.

-لو تقييمها عنك طلع ممتاز هاتنتقل فوراً للحرس الرئاسي
اتسعت حدقتيه في صدمة، وهتف متساءلاً بعدم تصديق:
-بجد يا فندم؟
تشنجت تعابير وجه الفريق ضياء وهو يرد بضيق قليل:
-طبعاً جد، أنا مش بأهزر يا مسعد!
تنحنح بخشونة، واعتذر قائلاً:
-مقصدش يا فندم، بس، أصلي مش مصدق، يعني أنا هابقى من حرس الريس؟!
صحح له قائلاً وهو يشير بإصبعه:
-لو نجحت!
هتف مسعد بحماس واضح على تعابير وجهه، وفي نبرته:
-أنا هاعمل يا باشا أقصى طاقتي.

هز الفريق ضياء رأسه بحركة خفيفة وهو يضيف:
-تمام، أنا لسه مش عارف فترة التقييم هاتكون أد ايه، بس هي هاتكون ملازمة ليك طوال فترة وجودها هنا
-اللي تشوفه يا فندم
ثم تابع محذراً بجدية أكثر:
-ومش هوصيك، أمنها ورعايتها وآآ…
قاطعه مسعد قائلاً بثقة:
-يا باشا أنا هاكون زي ضلها
ثم تمتم مع نفسه بسعادة خفية:
-ده أنا هابقى زي البق لازق في قفاها، مش طالع ولا بالطبل البلدي، ده حرس الريس مش هزار!

أكمل الفريق ضياء حديثه بهدوء:
-كويس، كمان ماتنساش إنت من أكفأ الظباط عندي، وحصلت على ترقيات استثنائية قبل زمايلك اللي من دفعتك، غير كده كان زمانك لسه نقيب و آآ…
قاطعه مسعد بهدوء حذر:
-ولا يجي في بالك يا فندم، أنا أدها وأدود إن شاء الله
أومأ الفريق ضياء برأسه بإيماءة موافقة، وردد:
-تمام، متخيبش ظني فيك، لأني متوقع إنك تعمل المطلوب وزيادة، وخصوصاً إنك أثبت مهاراتك وتفكيرك السريع في ليبيا وكينيا.

تقوس فمه بإبتسامة مغترة وهو يهمس لنفسه:
-دي أقل حاجة عندي!
سأله هو بإستغراب:
-بتقول ايه؟
رد بإرتباك قليل:
-هاكون عند حسن ظن سعادتك
أشار له بإصبعه وهو يقول محذراً بلهجة شديدة:
-ده المتوقع، كذلك التقييم سري، لأنه لو اتعرف فرصتك هاتروح، وهتخسرها، وإنت عارف إن المنافسة قوية
-اطمن يا فندم، محدش هايعرف، ده مصيري متوقع على التقييم ده!
-عظيم، عاوزك تجهز نفسك، وتطلع على المطار في الميعاد ده تستقبلها
-أوامرك يا باشا.

ثم مد الفريق ضياء يده بورقة مطوية، وأكمل قائلاً:
-دي ورقة فيها بياناتها، اكتب اسمها عشان لما تستقبلها، لأنك مش هاتكون عارف شكلها
تناول هو الورقة منه، وألقى نظرة سريعة على محتواها، وتبدلت تعابير وجهه للصدمة، وتسائل بقلق:
-هي بالانجليزي الورقة دي
رد عليه الفريق ضياء متساءلاً:
-عندك مشكلة فيها؟
تنحنح بحرج وهو يرد بإقتضاب:
-لأ
ثم غمغم مع نفسه قائلاً بتحسر:.

-انجليزي يا مرسي، باين كده من أولها إن أنا بخ خلاص من الليلة كلها!
أضاف الفريق ضياء قائلاً بنبرة عادية:
-مسعد ماتنساش تلبس بدلة وإنت رايح هناك، مش لازم ميري في المطار!
انتبه له مسعد ورد عليه بجدية:
-حاضر يا فندم
ثم نهض عن مقعده وأدى له التحية العسكرية مجدداً..
أنهى الفريق ضياء حديثه بإبتسامة متفائلة وهو يقول:
-أنا حاطط أمل كبير عليك، وبأنبه عليك للمرة الأخيرة موضوع التقييم سري!

حرك مسعد رأسه بخفة وهو يرد عليه:
-تمام معاليك
ثم تحرك في إتجاه الباب، وهمس لنفسه برجاء وهو يدس الورقة في جيبه:
-يا رب صبرنا وربحنا، وبين عبادك ما تفضحنا!

في منزل مسعد غراب
انتهت السيدة صفية من مسح الصالة الخارجية لمنزلها، وأسندت الممسحة والدلو بجوار باب المنزل، ثم تحركت في اتجاه المطبخ لتكمل طهي الطعام بعد أن رفعت صوت التلفاز..
توهمت ابنتها إيناس أنها سمعت صوت قرع الجرس، ولم تضع في إعتبارها أنه منبعث من التلفاز، فركضت مسرعة نحو الباب، ولم تنتبه إلى الأرضية المبتلة، فإنزلقت قدمها، وسقطت على وجهها وهي تصرخ متأوهة من الآلم..

جاءت والدتها على إثر صراخها، ولطمت على صدرها وهتفت مصدومة:
-يا لهوي، مالك يا نوسة؟
فركت إيناس ظهرها، وتأوهت بصوت مكتوم وهي تجيبها:
-آآه، مش تقولي يا ماما إنك ساقية الأرض مياه!
سألتها والدتها بفتور:
-هو انتي وقعتي؟
تعجبت إيناس من سؤال والدتها الأغرب، وردت عليها متهكمة:
-لأ، كنت بأعمل أمبليه!
نهرتها صفية قائلة بحدة:
-يا بت اتعدلي وانتي بتتكلمي، آآخ، ياما نفسي ربنا يهديكي وتتشال الحتة الزيادة دي من لسانك.

مدت يدها للأمام، وهتفت بتذمر:
-طب خدي بإيدي وساعديني
لوحت لها والدتها بذراعها، وردت عليها وهي تتحرك مبتعدة:
-أنا مش فايقة للدلع بتاعك ده، أنا ورايا طبيخ، قومي لوحدك
ضغطت إيناس على شفتيها بغيظ، وهتفت متبرمة:
-ماشي يا ماما، براحتك، بس افتكريها!
في نفس التوقيت فُتح باب المنزل، وولج مسعد إلى الداخل وهو يحمل حقيبة صغيرة على ظهره..

تفاجيء بوجود أخته الصغري ممددة على الأرضية، فهتف متعجباً وهو يرفع حاجبه للأعلى:
-نوسة!
ثنيت إيناس ركبتها، وردت عليه بإبتسامة:
-مسعد، حمدلله على سلامتك
سألها مستفهماً وهو يغلق الباب خلفه:
-ايه يا بنتي مالك فارشة في الأرض كده ليه؟
ردت عليه مازحة:
-كنت بأقوم بدور الفالة ( الخرقة )
حرك رأسه بإيماءة خفيفة وهو يقول:
-ماشي..
في منزل مسعد غــــراب،
تأنق مسعد على غير عادته، وإرتدى أكثر حِلاته أناقـــة لتليق بتلك المهمة الخــاصة..
خرج هو من الغرفة، فوجد والدته قد أعدت له الطعام ووضعته في علب بلاستيكية، ثم أسندتها بداخل حقيبة سمراء..
رسمت على ثغرها ابتسامة سعيدة وهي تقول:
-اتفضل يا حبيبي، حبة أكل يستاهل بؤك
تناول منها الحقيبة السمراء، وسألها بإهتمام:
-طابخة ايه يا أمي؟
أجابته بنبرة أمومية وهي تشير بكف يدها:.

-ورق عنب وكرنب من اللي قلبك بيحبه، وشويتلك الفراخ في الفرن، وعملتلك كمان رز بالخلطة!
تحمس مسعد كثيراً وهو يرد بإشتهاء:
-الله! الله! أنا رأيي أطنش المهمة وأقعد أكل أحسن!
ربتت والدته على كتفه، وهتفت بمرح:
-بالهنا والشفا يا حبيبي، مطرح ما يسري يمري
أمسك بكف يدها، ورفعه إلى فمه ليقبله، ثم قال ممتناً:
-تسلم ايدك يا حاجة، هاتوكل أنا على الله!
رفعت يديها للأعلى – وكذلك بصرها – وهتفت بتضرع:.

-ربنا يحميك ويحرسك في طريقك، ويسدد خطاك!
تنهد بعمق وهو يضيف قائلاً:
-يا رب، ادعيلي، لأحسن أنا محتاج كل الدعاء الأيام دي أوي
ردت عليه بإبتسامة صافية:
-بأدعيلك وربي اللي عالم
-ماشي يا أمي، أشوفك على خير
-مع السلامة يا مسعد! ربنا يوفقك يا بني ويكرمك!
اتجه مسعد إلى الباب، وأخـــذ نفساً عميقاً، وزفره على عجالة وهو يدير المقبض ليخرج وهو يمني نفسه بأنه الأجدر لتلك المهمة القادمة…

على متن الطائرة،
نهضت سابين من على مقعدها، وسحبت تلك الحقيبة اليدوية من الدرج العلوي، ثم ســارت ناحية المرحاض الخلفي..
ولجت داخله، وأوصدت الباب خلفها، ثم تفقدت الوثائق الأخــرى التي كانت معها
احتفظت هي بملحوظات صغيرة عن طبيعة مهمتها في القاهرة..
كانت مدركة أنها مقبلة على شيء هــام، خاصة وأنها ستتعامل مع نوعية معينة من الرجال الأشداء، وعليها أن تكون مقنعة حتى تنطلي عليهم الخدعة..

كذلك تأكدت من وجود ثياب بديلة لتغير فيها حينما تترجل من الطائرة حتى تعود لهيئتها الأصلية..

في المقهى الحديث،
ولج مسعد إلى داخل المقهى، وبحث بعينيه سريعاً عن والده، ولكن سد عليه الطريق النادل الذي هتف بحماس:
-مسعد باشا! أهلاً وسهلاً بسيادتك
رد عليه مسعد بإقتضاب:
-شكراً يا سيدي!
ثم أدار رأســـه للجانب وســأله بجدية:
-سيادة اللوا فين؟
استدار النادل برأســه للخلف، وأشــار بيده وهو يجيبه بإبتسامة سخيفة:
-هناك في الركن المميز بتاعه
رد عليه مسعد بإيجاز:
-ماشي
أضاف النادل قائلاً:.

-أجيب لسيادتك الأورد ولا آآ…
قاطعه مسعد قائلاً وهو يتحرك في اتجاه والده:
-لا مش عاوز حاجة، أنا ماشي على طول
أومـــأ النادل برأســه، وتابع قائلاً:
-براحتك يا باشا، أنا موجود في الخدمة، ناديني وهتلاقيني قصاد سيادتك
وبالفعل وجد مسعد والده في مكانه المعتاد يلعب الطاولة مع أصدقائه المسنين..
أخــذ نفساً عميقاً، وانتصب بكتفيه، ثم وقف قبالته، وأدى له التحية العسكرية وهو يقول بنبرة رسمية:
-تمام يا فندم!

التوى ثغر أبيه بإبتسامة سعيدة وهو يهتف له بحماس:
-استرح يا سيادة الرائد!
سحب مسعد مقعداً جانبياً، وجلس عليه وهو يقول:
-مساء الخير عليكم
رد عليه أحدهم متسائلاً بإهتمام:
-ازيك يا مسعد؟
أجابه قائلاً بإبتسامة ودودة:
-الحمدلله
أضـــاف أخر قائلاً بتبرم:
-سيادة اللوا مش راحمنا في الطاولة
ورد عليه شخص ثالث بمزاح:
-ده خبير دولي
وأضـــاف الشخص الأول قائلاً:
-خصم مش سهل
رد عليهم محمد قائلاً بزهــو وتفاخر:.

-دي حاجة بسيطة، وبعدين أهي حاجة أشغل بيها وقتي بعد ما طلعت على المعاش!
شعر مسعد بالضجر من ذلك الحديث الممل، فنفخ بحذر، ثم تنحنح بخشونة، واستطرد قائلاً بصوت خفيض وهو يشير بكفه:
-بابا، أنا كنت جاي آآ…
قاطعه أبيه بصرامة:
-استنى شوية
أصــر مسعد قائلاً:
-يا بابا مافيش وقت، ده آآآ..
قاطعه والده مجدداً ولكن ليوجه حديثه إلى رفاقه وهو يقول:
-عارفين يا جماعة مسعد ده بيفكرني بأخويا الكبير الله يرحمه.

لوى مسعد ثغره بضيق واضح على تعابير وجهه، وهمس بإمتعاض:
-آآخ، ايوه هنبدأ التسييح، وسرد الملحمة التاريخية!
تابع محمد قائلاً بتباهي:
-أنا زي ما قولتلكم قبل كده اني سميته مسعد على اسم أخويا الشهيد، بطل من أبطال حرب أكتوبر، ده لولاه آآ…
قاطعه مسعد قائلاً بحنق:
-كنا خسرنا سينا، وضاعت كل حاجة، ومخدناش اليوم أجازة، عارف والله يا سيادة اللوا، كمل الحكاية دي بعدين، أنا هاسلم وآآ…

رمقه والده بنظرات حادة، وقاطعه بنبرة جادة:
-يا بني اصبر، خليني أكمل
رد عليه مسعد بنفاذ صبر:
-الطيارة مش هاتستنى
انعقد ما بين حاجبي أبيه، وســأله بإهتمام غريب:
-طيارة؟!
سعل بخفوت، ثم رد عليه بتوتر قليل:
-قصدي المهمة، عندي تدريبات وآآ، وشوية آآ..
ثم رسم ابتسامة بلهاء على وجهه، وغمز قائلاً:
-ما تفكك يا باشا مني!
رد عليه محمد متفهماً:
-ماشي يا سيادة الرائد، لينا أعدة سوا
لوح له بكفه وهو يقول:
-أكيد، سلام.

عنفه والده قائلاً بجدية مبالغة:
-التحية العسكرية يا ولد
انتصب مسعد في وقفته، وصاح بثبات:
-تمام يا فندم!

في المطار،
هبطت الطائرة على المدرج المخصص بها، واستعد الجميع للنزول منها..
تملك سابين الحماسة لرؤية ذلك البلد الذي ولد فيه أبيها،
و ارتسم على شفتيها إبتسامة مشجعة..
شعرت بدفء الأجواء وهي تنزل على الدرج المعدني، وتلفتت حولها محاولة إلقاء نظرة عامة على المكان المحيط بها..

ولجت هي إلى القاعة الخاصة بإنهاء الإجراءات، فوجدت الزحــام بها شديداً، ولمحت بعينيها لوحة معدنية تشير إلى المراحيض، فغيرت وجهتها، وســارت نحوها لتبدل ثيابها، وترتدي ما يتناسب مع صورتها الموضوعة في جواز سفرها الأصلي..

في نفس التوقيت، صف مسعد سيارته أمـــام مدخل المطار، ومسح بمنشفة ورقية ذلك العرق المتصبب على جبينه..
نفخ بضيق وهو يحاول إرخاء رابطة عنقه قليلاً، وتمتم بإنزعاج:
-خنقة من أولها
تذكر أنه نسي مراجعة تلك الورقة المطوية التي أعطاها له الفريق ضياء، لذا بحث سريعاً عنها في جيوبه، وتملكه الخوف وهو يهمس:
-لأحسن تكون ضاعت! دي هاتبقى كارثة!

حبس أنفاسه وهو يبحث عنها بتوتر حتى وجدها بداخل حافظة نقوده، فتنفس الصعداء..
زفــــر بصوت مسموع وهو يحدث نفسه بعتاب:
-مش تفتكر حطتها فين ياخي بدل حرقة الدم دي! ده أنا أعصابي باظت، من أولها كده!
تنفس بعمق ليضبط إنفعالاته من جديد، ثم حدق في الورقة بنظرات مطولة..
فرك ذقنه بحركة ثابتة، وأردف قائلاً بحيرة:
-طب دي أستهجى اسمها إزاي؟

ظل يحاول قراءة الاسم عدة مرات لكنه كان يفشل في تهجئته، لذا فكر للحظات في الإستعانة بشخص ما ليساعده على ترجمة اسمها، ولكن خشي من افتضاح المهمة، فطرأ بباله أخته الصغرى إيناس، وتذكر مدى براعتها في اللغة الإنجليزية، فتهللت أساريره، وصــاح بحماس:
-هي مافيش غيرها، الأروبة الأوزعة هاتجيب أرار المكتوب هنا!
وبالفعل أخـــرج هاتفه المحمول من جيب سترته، وهاتف أخته التي أجابته بحدة:.

-عاوز ايه يا مسعد، مش كنت عاوج وشك عليا؟!
رد عليها بنبرة دبلوماسية زائفة:
-ده انتي الحتة اللي في الشمال يا نوسة!
هتفت إيناس قائلة بعدم اقتناع:
-طالما قولت كده تبقى مزنوق في حاجة
حرك رأسه إيجاباً وهو يرد عليها:
-ايوه، ميزتك إنك فهماني!
ســألته أخته بجدية:
-ها، قول، عاوز ايه؟!
أخــذ نفساً عميقاً، وزفره مرة واحدة وهو يجيبها بهدوء:.

-شوفي يا ستي، أنا معايا كام كلمة مش عارف أترجمها، فخدي ثواب في أخوكي وترجميهالي!
ردت عليها بنبرة عادية:
-ماشي، اقراها!
هتف محتجاً وهو يمرر أصابعه في شعر رأســـه ليفركه:
-بأقولك مش عارف أقراها عشان أترجمها!
ردت عليه بصوت شبه آمـــر:
-طب اسبلهالي ( Spell it )
ســألها مندهشاً مما قالته وقد رفع حاجبه للأعلى:
-آآ، ايه ياختي؟!
أوضحت له قائلة:
-استهجى حروفها يعني
-ماشي، استني.

أخـــذ مسعد نفساً عميقاً، وزفره ببطء وهو يحاول قراءة الحروف بهدوء حذر:
-بصي أول حرف إس ( S )
ردت عليه بهدوء:
-ماشي، اللي بعده
أضاف قائلاً بعد لحظة بصوت شبه متلعثم:
-تاني حرف آه
ســألته متعجبة مما قاله:
-آه! انت في حاجة بتوجعك؟
برر لها قائلاً بنفاذ صبر:
-يا بت الحرف بتاع الأبوول!
صححت له قائلة بتفاخر:
-اسمها آبل ( Apple ) يا مسعد
نفخ بضيق وهو يقول:
-عديها، خدي الي بعدها، بـ، آآ، بـ. آآ
ســألته إيناس مستفهمة:.

-تقصد بي ( P )؟
رد عليها متسائلاً بفضول:
-مش عارف، بس هي هاتفرق معاكي؟
أجابته قائلة بجدية واضحة في نبرتها:
-طبعاً في النطق هاتفرق
-ممممم
ســـاد صمت لدقيقة كاملة، حاول فيها مسعد محاولة نطق الحرف مع نفسه قبل أن يرد عليها..
نفذ صبر إيناس، فســألته بإستفهام في مرة واضحة:
-طب هي عاملة ازاي؟ يعني B for book or P for Pen؟!
لم يفهم كلمة واحدة مما قالته، فهتف معترضاً:.

-بالراحة عليا يا إيناس، وفهميني واحدة واحدة! أنا مش ملاحق
ســـألته بهدوء:
-أوكي، هي ( بي ) خفيفة ولا تقيلة؟
رد عليها بجدية:
-اللي فاكره إننا بنطلع فيها لسانا
هتفت مستنكرة وقد إرتفع صوتها في الهاتف:
-نعم؟ مافيش ( بي ) بنطلع فيه لسانا
-لا والله؟!
ســألته مرة أخرى بهدوء حذر رغم ضيقها منه:
-طب العصاية فوق ولا تحت؟
ســألها بعدم فهم وهو يحك مقدمة رأسه:
-عصاية مين؟
ردت عليه بسخرية من جهله:.

-يالهوي يا مسعد، ده انت واقع خالص!
ثم قهقهت بصوت مرتفع لتثير غيظه، فانزعج من أسلوبها المتهكم منه، وعنفها قائلاً:
-اتلمي أحسنلك، وبطلي تريقة، بدل ما آآ…
قاطعته قائلة بغطرسة:
-انتي اللي عاوزني مش أنا!
هتف بها بصوت شبه غاضب:
-خلاص، مش عاوز منك حاجة
ردت عليه بتعجب:
-ده انت اللي متصل!
تمتم مسعد مع نفسه بسخرية:
-تعويذة دي ولا اسم؟!
أدركت إيناس أنها تمادت في المزاح مع أخيها، فإعتذرت له قائلة:.

-خلاص يا مسعودي متزعلش، ها، قول اللي بعده!
نفخ بنفاذ صبر وهو يرد قائلاً:
-انجزي وهامليكي الباقي وانتي جمعيها وقوليلي
لمع عقلها فجــأة، وقررت أن تستغل الفرصة وتحصل منه على مبلغ مالي لتشتري ما تحتاج إليه، فهتفت بنزق:
-ماشي تدفع كام؟
رد عليها بإمتعاض:
-إيناس مش وقتك
بررت له موقفها قائلة بدلال:
-بصراحة يا مسعودي دي فرصتي ولازم أستغلها!
اغتاظ مسعد من استغلالها للموقف، ولم يعد يتحمل المجادلة معها، فصاح بغلظة:.

-أنا غلطان إن عبرت واحدة زيك
ردت عليه قائلة بتحدٍ:
-مضايق ليه، مش قولتلك مسيرك تحتاجني، وإنت طنشتني لما بأقولك تشيلني!
هتف قائلاً بحنق:
-طيب خليكي فكراها، وأهو مسير الموز يجيبك يا قرد!
صاحت فيه بنبرة مغتاظة:
-أنا قرد يا مسعد
رد عليها ببرود متعمداً إستفزازها بعد أن أغاظته:
-لأ، نسناس، غوري شوفي مذاكرتك يا فقر!
توعدت له قائلة بغضب:
-والله يا مسعد لـ، آآآآ…

لم يصغْ إلى صياحها الهائج وتهديدها له، بل أغلق الهاتف في وجهها، وحاول أن يترجم هو اسمها بمجهوده الشخصي دون اللجوء لأي مساعدة…
بحث بداخل تابلوه سيارته عن ورقة فارغة ليدون فيها اسمها..
وبالفعل عاود تكرار المحاولة، وبدأ في تهجئة اسمها ببطء:
-صـ، سـ، آآ، لأ هو صاد، طيب اللي بعدها آه، يعني صــا..!
تحمس بعد نجاحه في قراءة أول حرفين، وهتف بإعجاب:
-والله أنا أنفع بس أركز، استعنى على الشقا بالله!

تابع المحاولة وأكمل القراءة بصعوبة واضحة:
-بـ، بــ، ، طب نلزق البه في الصـا، تبقى صابـ، صابآآ..
هتف بعدم تصديق دون أن يكمل القراءة للنهاية:
-صابرين، طلع اسمك صابرين!
ضرب بيده المقود، وأكمل متباهياً بصياح:
-يااااه! ده أنا طلع عين أم في فك طلاسم اسمك، وفي الأخر صابرين، آآآه يا شيخة، والله أنا أنفع بس أتحط على الطريق الصح
اعتدل في جلسته، ومط كتفيه وهو يتابع بثقة:
-نكمل بقى بقية الاسم، يا مسهل.

أكمل التهجئة قائلاً بحذر:
-مـ، مـا، ماء!
التوى ثغره وهو يقول مازحاً:
-ماء، مالي قلبت شبه الخروف، أكيد هي حاجة تانية!
ابتلع ريقه، وأكمل ببطء:
-مـ، ما، آآ، سـ، ماسـ، آآ، ماسهال!
حك جبينه وهو يغمغم بإستغراب:
-ماسهال! دي جاية من إسهال ولا ايه؟! اسم عجيب! بس مش هايكون أغرب من بتاعي!
تقوس فمــه بإبتسامة مغترة وهو يحدث نفسه:
-المهم إني جبته في الأخر، حلاوتك يا مسعد وإنت مركز، يا قاموس المفهومية يا متعلم!

مـــد يده ليدون على ورقة أخــرى فارغة اسمها وهو يقول:
-مش ناقص غير أكتبه على الورقة دي بخط كبير عشان تشوفه الست لما تيجي!
شعــــر هو بإضطراب قليل في معدته نتيجة خوائها من الطعام، فزفر بضيق:
-وده وقته! أشوف الولية اللي جاية من برا الأول وبعد كده أكل المحشي وأحلي كمان!
نظر في شاشة هاتفه المحمول فوجد أن الوقت قد تجاوز المحدد بقليل، فصاح بهلع:.

-أوبا، ده أنا شكلي سرحت على الأخر، وإتأخرت عليها، ربنا يستر وماتكونش جت!
ترجل من السيارة، وركض مسرعاً نحو الداخل وهو يحمل في يده الورقة المدون عليها اسمها…

انتهت سابين من إجراءات الخروج، وظلت تلوح بيدها محاولة الحصول على قدر من الهواء، فالرطوبة عالية، والجو شبه حـــار، ومختلف تماماً عن الجو بولاية أوهـــايو..
ما أثار إنزعاجها حقاً هو أسلوب المحيطين بها الفظ، فالكل يتدافع للخروج دون إنتظار دوره..
رمقتهم بنظرات ساخطة، ولم تعقب..
فهي لم تأتِ لإثارة المشاكل..

تحركت بخطوات ثابتة نحو الممر المؤدي للخـــارج، فاستمعت هي إلى صوت سباب لاذع، وشتائم بغيضة من أحد الأشخاص الذين يحاولون المرور..
حدجته بنظرات مستنكرة، وتمتمت مع نفسها بضيق:
-أوغــاد!
اتجهت بعدها إلى المنطقة الخاصة بإستلام حقائب السفر، وسحبت حقيبتها، ثم تفاجئت بمن تصدمها لتأخذ حقيبتها قبلها وهي تقول بحنق:
-حاسبي ياختي، هي مش ناقصاكي إنتي كمان.

فغرت سابين فمها مدهوشة من تصرف المرأة الوقح، وكانت على وشك الرد عليها، ولكن ألجم لسانها عبارتها التالية وهي تقول بإهانة صريحة موجهة إليها:
-بنات كسر وقيع جايين من زبالة برا يلوفوا على رجالتنا هنا، جتكم مصيبة تاخدكم، كلكم نفخ وبلاستيك!
حذرتها سيدة أخــرى واقفة بجوارها:
-دي أجنبية خدي بالك
حدجتها تلك السيدة بنظرات إحتقارية، وردت بعدم إكتراث:
-دي حمارة مش هاتفهم حاجة، يالا بينا!

هزت سابين رأسها مستنكرة ما سمعته تواً، وسريعاً ما تلاشت الصورة الوردية عن وداعة الأشخاص هنا..

وقف مسعد في الخــــارج، وإشرأب بعنقه لأكثر من مرة محاولاً رؤية جميع من يخرج من بوابة المطار الداخلية..
رفع الورقة التي بيده للأعلى، وغمغم بصوت حاد:
-هي مجاتش ولا ايه؟ أنا نافوخي ســاح من الحر والجو نــار!
خرجت سابين من المطار، وبحثت بعينيها بدقة عن الضابط الذي من المفترض أن يكون في إنتظارها، لكنها لم تجد أي أحد، فقط أوجه غريبة محدقة بها وكأنها كائن فضائي..

نظرت إلى هيئتها لتتأكد أنها لم ترتدي ما يدعو للشك..
هي فقط ترتدي سروالاً من الجينز الضيق، وأعلاه كنزة وردية رقيقة بلا أكتاف تغطي أردافها، وتضع نظاره شمسية أعلى رأسها…
التفتت إلى الجانب برأسها، وضاقت عينيها بنظرات غريبة حينما رأت تلك اللافتة الصغيرة التي يحملها أحد الأشخاص..
تحركت في إتجاهها، وأمعنت النظر جيداً فيما دون عليها..
التوى ثغرها بإبتسامة صغيرة وهي تقرأ اسمها المكتوب باللغة الانجليزية..

فتنهدت في إرتياح وهي تهمس لنفسها:
-Finally ( أخيراً )
تحركت سابين صوبه، وأشـــارت إلى نفسها بإصبعها حينما وقفت قبالته وهي تردد بجدية باللغة الإنجليزية:
-هذه أنا ( That s me )
تأملها مسعد بنظرات متفحصة لهيئتها، وانفرج فمه بإندهاش واضح، فقد كان يتخيلها امرأة عجوز في الخمسينات من عمرها، لكنها كانت على عكس توقعاته تماماً، فتاة شابة جميلة، وربما مثيرة قليلاً بملابسها تلك..

ابتلع ريقه بصعوبة، ورد عليها متساءلاً بتلعثم وهو يشير إلى اسمها المدون على الورقة:
-إنتي دي؟
أومـــأت برأسها إيجاباً، فهتف بحماس وهو يرسم ابتسامة بلهاء على وجهه:
-يا أهلا وسهلاً، دي إيجيبت ( مصر ) نورت!

ضيقت عينيها في عدم فهم من لكنته العجيبة، ورمقته بنظرات إستغراب، فقد كانت هيئته لا توحي بأنه ضابط حماية على الإطلاق قد جاء لإستقبالها وإيصالها إلى مقر عملها المؤقت، بل شخص أبله يقف أمامها يتميز فقط بالطول الفاره والجسد الرياضي العريض..
أشــــــار لها مسعد بيده لتتحرك، ففهمت ما يريد، وأكمل قائلاً بحماس كبير:
-إن شاء الله هتتبسطي معايا، قصدي معانا!

هزت رأسها مستنكرة، ووضعت يدها على جبينها، وحدثت نفسها بقلق:
-في غلط في الموضوع، استحالة ده يكون الشخص اللي هايحميني، ده، ده شكله غبي يا متخلف، إزاي يعملوا كده معايا، لازم أكلم الـ FBI، وأفهم بالظبط أنا هتعامل مع مين!
عبست سابين بوجهها، وظلت ترمق مسعد بنظرات إزدراء جلية من خلف نظارتها التي وضعتها على وجهها..

أرادت هي أن تفرض حدوداً جادة للتعامل معه حتى تتضح الصورة كاملة أمامها، وقررت أن تتواصل معه باللغة الانجليزية فقط..
أشــــار لها مسعد بيده مجدداً لتتحرك خلفه إلى الأمــــام حيث ركن سيارته..
وتابع قائلاً بإهتمام:
-أنا مش عاوزك تقلقي، أنا هاكون معاكي، وإن شاء الله هاتتبسطي هنا، أنا خير من يمثل القوات الخاصة، مش هاتندمي!
نفخت بضيق واضح، وتجهمت قسمات وجهها أكثر من ثرثرته اللامتناهية..

وضع مسعد حقيبة سفرها في صندوق السيارة، وتفاجيء بها تجلس في المقعد الخلفي وكأنه سائقها الخاص فلم يعقب، وتحرك نحو مقعد القائد ليقود السيارة..
تنحنح بخشونة، وحرك المرآة الأمامية لينظر إليها، واستطرد حديثه متسائلاً بإبتسامة عريضة:
-إنتي اسمك صابرين ماسهال، صح؟
التوى فمها بتهكم، وانعقد ما بين حاجبيها في صدمة..
وتساءلت مع نفسها بذهول:
-هو بيقول اسمي؟ ولا قصده ايه بالظبط؟!
أضـــاف قائلاً بتنهيدة:.

-أنا مسعد غراب يا مدام صابرين؟ صحيح إنتي مدام ولا آنسة؟ سامحيني أنا عاوز أعرف مقصدش آآ…
لم تنتبه هي إلى بقية ما يقوله، بل كانت تضغط على شفتيها بغيظ، فقد كان ثرثاراً للغاية، ورأسها مصاب بصداع كبير بعد ساعات من السفر المتواصل، وهي ليس لديها المقدرة لتحمل تلك الحماقات التي يتفوه بها أو حتى الرد عليها…
استشعر مسعد عدم تقبلها لأسلوبه، فزفر بخفوت، وهمس لنفسه:.

-بينها غبية وهاتقرفني! بس أنا مش عارف هاتكلم معاها إزاي؟
أدار محرك السيارة وتحرك بها مبتعداً عن المطار..
كان الطريق مزدحماً، خاصة وأنه وقت الذروة، فتحركت السيارة ببطء شديد..
حاول هو أن يسترسل في الحديث مرة أخــرى معها، فأردف قائلاً بنبرة مرتفعة لتنتبه له:
-أكيد هايبقى في سكة بينا عشان نتكلم، صح يا مدام صابرين؟
ما أثار غضبها حقاً هو نطقه لإسمها بصورة خاطئة، فصححت له قائلة:.

-It s Sabeen not Sabreen ( إنه سابين، وليس صابرين )
هز رأسه متفهماً وهو يردد بثقة بالغة:
-ايوه، أيوه أنا فاهمك، صابرين!
حركت رأسها مستنكرة غبائه، ونفخت بصوت مسموع:
-أووف!
ظن مسعد أن الحرارة العالية تزعجها، فأكمل مبرراً:
-عندك حق تنفخي، الجو حر على الأخر، لولا بس التكييف بايظ في العربية كنت شغلتهولك ورطبت على قلبك بشوية هوا ساقعين!

أدركت سابين أنها لن تتحمل أسلوبه العجيب في التفاهم معها، فهو يزداد غباءاً، وصبرها قد نفذ حقاً، لذا قررت أن تتراجع فوراً عن رأيها في التحدث معه بالإنجليزية فقط، وهتفت بنزق بلكنة عربية متكسرة:
-أنا بأعرف شوية أربي ( عربي )!
هتف بحماس وقد تقوس ثغره بإبتسامة واسعة:
-اشطا يا صابرين، ايوه بقى، مش تقولي كده من بدري! إحنا نلزق الجميل من عندك، والحلو من عندي، وهانعمل أحلى ريمكس سوا!

لم تتمكن سابين من فهم عبارته الأخيرة، فرددت بحيرة وقد قطبت جبينها:
-أنا not افهم u ( أنا مش فهماك )
هتف بحماس وهو يشير بيده:
-استني بس، ده انتي هاتسمعي مني درر يا صابرين!
صححت له مجدداً بجدية:
-سابين
قال لها ببرود استفزها:
-ايوه صابرين، انتي مش عارفة العربي بتاعنا
نفخت بإنزعاج أكثر، وتمتمت قائلة:
-Oh stupid ( شكله غبي )!

حـــاولت أن تضبط أعصابها معه فهو يثير رغبتها في التخلص منه بسبب غبائه المفرط من وجهة نظرها، وقررت أن تغير الحديث معه، فســألته بإهتمام زائف بلكنتها المصطنعة:
-إنت، اسمك ايه؟
أجابها وهو يتنحنح بحرج:
-مسعد محمد غراب!
فغرت شفتيها متعجبة، وســألته مستفهمة وقد تحولت نظراتها للغرابة:
-What ( ماذا )؟
استشعر مسعد الحرج من اسمه، وظن أنها تسخر منه، فتبدلت تعابير وجهه للضيق، ورد عليها بإقتضاب:.

-مسعد غراب، إسمي مسعد غراب! مش عاوز تريقة!
حاولت سابين أن تلفظ اسمه، فبدت متلعثمة وهي تقول بلكنتها الغريبة:
-مو، مـــوسـ، موسأد، أو، أوراب
صــُدم مسعد من طريقتها المثيرة في لفظ اسمه، وهتف مشدوهاً وهو يرفع حاجبيه للأعلى:
-ايه ده، قوليها تاني كده؟!
ســألته بإستغراب من طريقته:
-What ( ماذا )؟
هتف بتحمس وهو يسلط أنظاره على صورتها المنعكسة في المرآة:
-اسمي، Name، مسعد غراب!

هزت كتفيها في عدم مبالاة، وكررته بحذر، ولكن تلك المرة بنبرة رقيقة:
-مــو، موسـأد
تنهد بصوت مسموع، وهتف بسعادة:
-الله! تاني معلش!
عقدت ما بين حاجبيها بإستغراب أعجب، وحركت رأسها وكأنه تسأله عما يريد، فأجابها بتلهف:
-آآآ، اسمها آجــ، أيوه Again يا صابرين!
شعرت سابين أنها ربما تردد اسمه بطريقة خاطئة، فلهذا يريد منها تكرار اسمه بطريقة صحيحة..
فقالت متساءلة بجدية:
-موســـأد، Right ( صح )؟

شكرهاً ممتناً، وحدق أمامه بنظرات سعيدة، وحدث نفسه بحماس واضح على تعابير وجهه:
-ده أنا كان عندي تلوث سمعي، تيجي البنات تتعمل منك، موسأد، موســأد، والله شكلي هاحب اسمي منك…!
في مكتب ما،
أومأ الفريق ضياء برأسه بإيماءة خفيفة وهو يستمع إلى ما يُقال عبر هاتفه المحمول، واستطرد حديثه قائلاً بإعجاب:
-تمام، كده كل شيء ماشي زي ما احنا مرتبين
اعتدل في جلسته، وتساءل بإهتمام:
-هو خد باله؟
حرك رأسه مجدداً، وأضاف بهدوء:
-عظيم، أنا عايز العينين تفضل عليهم لحد ما توصل عندي بدون ما حد يحس!
مط فمه للأمام، وأصغى لما يقال من الطرف الأخر، ثم تابع بجدية:
-ماشي، بلغني بالجديد أول بأول!

أنهى الفريق ضياء المكالمة مع ذلك المجهول، وهمس لنفسه بتوجس:
-ربنا يستر يا مسعد وماتعكش الدنيا معاها!

في الساحة التدريبية،
أغلق باسل ضلفة خزانته الخاصة بقوة، وزفر بضيق وهو يطالع شاشة هاتفه المحمول، جلس على المقعد الخشبي المسنود أمامها، ومط فمه للأمام، ثم فرك رأسه بكفه، وبدى حائراً بدرجة ملحوظة، ولما لا؟ فقد اختفى رفيقه مسعد منذ برهة ولم يعرف عنه أي شيء إلى الآن..
تنهد بإنهاك، وتمتم مع نفسه بضجر:
-كان المفروض يكلمني! طب أنا هاطمن عليه ازاي وأعرف اللي حصل، وأنا نازل أجازة يومين!

تصفح هو ورقة تصريح الأجازة التي حصل عليها من قائده، ثم طواها بعناية ووضعها في حافظة نقوده..
ثم حك طرف ذقنه بإصبعيه، وتابع حديث نفسه:
-ممكن يكون طلع على البيت مرة واحدة، خلاص أنا هاعدي عليه قبل ما أروح!
نهض من على المقعد، ورفع ساقه للأعلى ليربط حذائه، ثم اعتدل في وقفته، وسحب حقيبته، وألقاها على كتفه وتحرك نحو الخارج..

في سيارة مسعد غراب،
لم تختفِ الإبتسامة السعيدة من على وجه مسعد بعد أن أطربت أذنيه بصوت سابين وهي تلفظ اسمه..
ظل يختلس النظرات نحوها من المرآة الأمامية، بينما حدقت هي في النافذة الملاصقة لها لتتأمل معالم القاهرة..
استطرد مسعد حديثه متساءلاً بمرح:
-ايه رأيك يا مدام صابرين في البلد، جود ( Good ) ها؟
لوت ثغرها لتنفخ بهدوء، ولم تعقب عليه، ولكنها كانت منزعجة من ضجيجه المتواصل، فحدثت نفسها قائلة بحنق:.

-مش ممكن، ده كارثة متنقلة، مش بيسكت لثانية، لأ وعارف إني مش بأفهم عربي، واللي طالع عليه يقولي صابرين، أنا كرهت نفسي من نص ساعة معاه، يا ريت أوصل بسرعة عشان أخلص منه!
أكمل مسعد قائلاً بإستمتاع:
-إيجيبت طبعاً غير أي بلد، حاجة كده مليانة آآ..
لم تتحمل سابين أكثر من هذا، فقاطعته متوسلة:
-بليز! Can you shut up ( ممكن تصمت )؟
عقد جابينه بإندهاش كبير، وسألها بغموض بادي على تعابير وجهه:
-عاوزة شطا؟ ليه؟!

ردت عليه بإمتعاض وهي تنفخ بضجر:
-أووف، إنت مش يفهمني!
هتف قائلاً بحيرة وهو محدق في إنعكاس صورتها:
-ما هو لو أنا أعرف عاوزة ايه هاعمله يا مدام صابرين
انزعجت سابين من استمراره في إلصاق لقب سيدة بها، فصاحت بضجر:
-بليز Stop saying Ma am ( كف عن قول سيدة )، أنا Miss ( آنسة )، مس، نو مدام، سابين بس!
تشكل على فم مسعد ابتسامة ودودة وهو يرد بسعادة:
-وماله لما نشيل التكليف بينا!
همست لنفسها بإستغراب مرددة بتلعثم:.

-تاك آآ، هاه؟!
بينما هز رأسه متعجباً وهو يضيف بإندهاش:
-حقيقي الأجانب دول ليهم حاجات غريبة، بس معنديش مانع، أنا أقولك صابرين حاف، وأنتي تقوليلي موسأد حاف
قالت سابين بلكنة رقيقة:
-هاف!
أوضح لها قائلاً بثقة:
-اسمها حاف، بال ( ح ) يعني من غير أي اضافات! نو سبايسي
أدركت سابين أنها تتعامل مع شخص لديه مشكلة عويصة في فهم اللغة الانجليزية، فهتفت بإستياء وهي تحاول السيطرة على أعصابها:
– أووه، بليز، هدوء!

-مش عاوزة دوشة، فهمتك، طيب.

في شركة ما بولاية أوهايو،
هب رجل ما ذو طلة مهيبة من على مقعد مكتبه، وضرب بكف يده سطحه بعنف وهو يصيح متساءلاً بإهتياج في الهاتف المحمول:
-ماذا تعني؟ هل تلاشت هكذا دون أن تترك أثراً؟
استدار حول مكتبه، وأكمل بغضب هادر:
-ابحثوا عنها حتى تجدوها، فلن أضع رأسي على المحك لأجل حمقاء مثلها أفسدت كل شيء!

عودة إلى القاهرة، وتحديداً في سيارة مسعد،
علق مسعد في زحام السير، وبدى الطريق طويلاً للغاية بالنسبة لسابين، حاول هو أن يسلك طريقاً مختصراً، ولكن كل الطرق مزدحمة فهي ساعة الذروة..
كما زادت حرارة الجو المصحوبة بالرطوبة، فأصابتها بالحنق الشديد..
استشعر مسعد ضيقها، وفكر في طريقة للتهوين عليها، ولكن قطع تفكيره المتعمق رنين هاتفه..

مد يده ليلتقطه، ثم حدق في شاشته فوجد اسم باسل عليها، فضغط على شفتيه، ولم يجبه..
فهو قد تلقى تعليمات شديدة بشأن عدم إخبار أي شخص بشأن طبيعة مهمته الحالية، والتي تقتضي استقبال الخبيرة، ثم إيصالها إلى مكتب قائده الفريق ضياء ليبلغه بالتالي..
تعطلت حركة السير بسبب حادث تصادم سيارتين، فتوقفت السيارات، وبدأت الأبواق تصدح عالياً، بالإضافة إلأى أصوات تذمرات ممزوجة بالسباب من قائدي السيارات..

هزت سابين رأسها بإنزعاج، ووضعت يدها على مقدمة جبينها الذي أمالته للأمام، وهتفت بضجر بلكنة عربية غريبة:
-هانوصل امتى؟
رد عليها بإبتسامة مهذبة:
-قريب إن شاء الله، اصبري بس
سألتها بنفاذ صبر بعد أن سئمت من الوضع الممل:
-When ( متى )؟
فرك مسعد فروة رأسه بحيرة، وحاول تفسير تلك الكلمة الموجزة التي نطقتها تواً، فيأس من فهمها، فردد بحماس وهو يشير بيده:
-بصي احنا هانروح ونعلي الطموح، يعني جوو ( Go ) لقدام.

هزت رأسها مستنكرة ردوده الغريبة عليها، وهمست بحنق:
-oh, shit ( تباً )!
التفت مسعد برأسه للجانب فلمح حقيبة الطعام التي أعدتها له والدته وأسندها إلى جواره، فتشكل على فمه ابتسامة سعيدة..
ثم قطع الصمت السائد لثوانٍ بينهما قائلاً بحماس:
-تلاقيكي جعانة ودماغك هتنفجر من الصداع، أنا عندي بقى الحل لكل ده
رفعت سابين رأسها لتنظر نحوه، ورمقته بنظرات غريبة، بينما تابع هو بتحمس أكثر:.

-شوفي يا صابرين أنا معايا شوية أكل بيتي هتاكلي صوابعك وراه
انفرجت شفتيها بصدمة مما يقول، وهتفت بنزق:
-هاه، What ( ماذا )؟
أجابها بتفاخر وهو يغمز بعينه:
-أمي عاملة محشي إنما ايه، خرافة، استني دوقي من صوباع وهايعجبك.

لم تفهم ما الذي يقصده، ولكنها رأته يفتح تلك الحقيبة البلاستيكية السمراء، ويخرج منها علباً ما، وبدأ برصها على المقعد، ثم فتح أحدهم، وقربها من أنفه ليستنشق رائحتها، فتجهمت تعابير وجهها من تصرفاتها المريبة، وهمست لنفسها بقلق:
-ده مش طبيعي! مجنون! أنا ممكن أموت مشلولة منه!
استدار بجسده نحوها، ومد يده ليلتقط منشفة ورقية ثم أمسك ب ( إصبع ملفوف الكرنب )، وقربه منها وهو يهتف بإصرار:.

-كلي المحشي ده، هايعجبك، ده، ده اسمها ايه، ايوه، افتكرت حاجة معمولة ( هاند ) بيت!
صححت له قائلة:
-It s Handmade ( مصنوع يدوياً )
لم يعبأ بما قالته، وهتف متحفزاً وهو يحرك يده للأمام:
-أي حاجة بس كليه
بدت علامات الإشمئزاز واضحة عليها بعد أن تأملت الملفوف بتمعن دقيق، ورفضت بإصرار أشد وهي تشير بكفيها:
-No , no, no ( لا، لا )
اعترض على رفضها قائلاً بإستغراب:.

-بتنونوي ليه الوقتي، ده طعمه حلو والله، على فكرة أمي نضيفة في أكلها!
حركت سابين رأسها معترضة بوضوح وهي تقول:
-I don t want ( لا أريد )
تابع مسعد قائلاً بتشجيع:
-دوقي بس يا صابرين، والله ما هتندمي، بصي أنا بأكله كده
ثم تناوله أمامها بإشتهاء وكأنه يتناول قطعة من حلوى الشيكولاته وهو يردد:
-الله الله! يا سلام!
فغرت فمها مشدوهة، ثم سريعاً ما أغلقته، ونظرت نحوه بنفور..

التقط هو إصبعاً أخراً ملفوفاً بطريقة جيدة، وقربه منها وهو يهتف بحماس:
-خدي ده حلو والله، هايعجبك وملفوف لفة فخيمة ولا ورق البفرة
لوت شفتيها في تأفف وعي تجيبه:
-مش آوز ( عاوزة )
رد عليها متعجباً بإصرار:
-وز ايه؟ بأقولك محشي، كلي يالا، هاتكسفي ايدي
أبعدت يده بعيداً عنها وهي تحتج قائلة:
-No , stop it ( لا، توقف عما تفعل )
حرك هو يده بقوة نحوها هاتفاً بإلحاح:
-خديه، هيعجبك.

وفجأة انزلق إصبع الملفوف من يده، وسقط على سروالها الجينز فلطخه، فصرخت بهلع وكأن حية لدغتها
انتفض مسعد في مكانه، واعتذر قائلاً بتبرير:
-أسف، أسف، والله ما اقصد، ده، ده اتزفلط من ايدي غصب عني، هي السمنة اللي زحلقته، أمي مكترة منها فالصوباع بيفط من ايد الواحد!

صرخت فيه سابين بإنفعال مهينة إياه بعدة شتائم لاذعة بالإنجليزية دفعة واحدة بعد أن رأت الكارثة التي أحدثها بها، فلم يستوعب منها ما تقول، ولكنه فهم من تصرفاتها المتشنجة أنها غاضبة للغاية، فعبس بوجهه ورد عليها بحنق قليل:
-يا ستي مكانش صوباع محشي وقع، محسساني إني رميتك بنابلم ( قنبلة )!
أشارت له بإصبعها وهي تصيح بصرامة:
-ششش! Enough ( كفاية )، I am done with you ( اكتفيت مما تفعله بي ).

لم تعجبه طريقتها الحادة في الصراخ فيه، فرمقها بنظرات ساخطة، وجز على أسنانه قائلاً بصوت خفيض يحمل الضيق:
-أنا غلطان إني عبرتك، اتفلقي!
رمقته بنظرات غاضبة، وسألته مستفهمة بإنفعال:
-What re you saying ( ماذا تقول )؟
ثم أعادت تكرار سؤالها بلكنتها العجيبة ولكن بغضب:
-إنت قول ايه؟
تجاهلها عمداً، وحدق في الطريق أمامه، وهمس من بين أسنانه بغيظ:
-بنت مين يعني عشان تتنكي أوي على اللي جابونا!

حاولت أن تتذكر اسمه لتنادي عليه، ولكنها نسيته، فضربت بكفها كتفه وهي تسأله بحدة:
-مو، موس، ، أوه، u اسمك ايه؟
التفت برأسه إلتفاتة صغيرة ناحيتها، ونظر لها من طرف عينه، فأغاظتها نظراته الضائقة نحوها، فتشنجت تعابيرها، ثم أزعجها بشدة أنه أشاح بوجهه بعيداً عنها وكأنها شخص نكرة..
ففغرت شفتيها مصدومة من تصرفه هذا..
تنهد مسعد بإنهاك، ثم أضاف بفتور:.

-احنا قربنا نوصل! أنا هاوديكي عند الباشا، وكل واحد فينا من سكة، صحيح الرياسة تناكة، بس احنا مش ماية في التلاجة!
أرجعت ظهرها للخلف، وحدقت فيه بإندهاش أعجب، بينما تابع هو بضيق واضح في نبرته:
-من الأول أنا عارف إننا مش هانسلك مع بعض يا صابرين، يالا، تتعوض من سكة تانية، وأهي الجيات أكتر من الريحات!

فهمت سابين من كلماته أنه إنزعج من أسلوبها الفظ معه، ولكنها لم تخطيء فهو من تعمد استفزازها بإلحاحه المستمر بتناول ذلك الطعام الغريب، فلطخ ثيابها، وأصابها بالإنفعال..
أرادت أن تعتذر منه، ولكنها فكرت سريعاً إن فعلت هذا فسيكتشف أنها تفهم كل كلمة لفظها، وهي عليها أن تكون حذرة في التعامل مع الأخرين، وخاصة الغرباء..
لذا أثرت الصمت، واكتفت بتنظيف سروالها بمناديل مبللة..

زفرت بضيق فقد ظلت بقعة الملفوف مطبوعة عليه، بالإضافة إلى رائحته المميزة..
بينما لم ينبس مسعد ببنت شفة طوال الطريق..

في منزل مسعد غراب،
صاحت السيدة صفية بنبرة مرتفعة شبه آمرة من داخل غرفة نومها:
-افتحي يا نوسة الباب لبتاع الزبالة، وأديله الكيسة اللي في المطبخ
نهضت إيناس من على الأريكة بتثاقل، وتمتمت بتذمر:
-هو مافيش إلا أنا
ثم ولجت للمطبخ، وأحضرت كيس القمامة،
واتجهت بعدها لتفتح باب المنزل بعد أن سمعت قرع الجرس مرة أخرى وهي تردد بصوت عالٍ وحاد:
-جاية يا بتاع الزبالة!

كانت هيئتها بثيابها المنزلية غير لائقة على الإطلاق، ولكنها كافية للإعتقاد بأنها خادمة هذا المنزل وليست من قاطنيه..
شهقت مصدومة حينما رأت باسل أمامها، وشعرت بالحرج الشديد منه وخاصة أنها كانت تمد يدها بكيس القمامة..
أخفت الكيس خلف ظهرها، ورسمت إبتسامة بلهاء على ثغرها وهي تقول:
-باسل، خير
ضاقت نظراته بغضب واضح وهو يسألها بجمود بعد أن استمع لعبارتها الأخيرة والتي نعتتها فيه بجامع القمامة:
-هو مسعد هنا؟

تلعثمت من نظراته المسلطة عليها وهي تجيبه بتلعثم:
-أيوه آآ، لأ، هو نزل!
سألها مستفهماً بعد أن إرتاب من ردها الغير مقنع:
-يعني جه؟
تنحنحت بخفوت، وأجابته بهدوء حذر:
-اه، بس مشى تاني
سألها بجدية وهو يفرك جبينه بإصبعيه:
-متعرفيش راح فين؟
هزت رأسها نافية وهي تقول بإختصار:
-آآ، لأ
أشار لها باسل بيده وهو يتابع بضيق:
-ماشي، قوليله لما يرجع إني عديت عليه، وخليه يعبر أهلي ويرد على الموبايل!

ردت عليه هامسة بإبتسامة سخيفة:
-من عينيا يا بِسِلّة ( نوع خضار بزلاء )
لم يسمع باسل ما قالته بوضوح، فرفع حاجبه للأعلى، وهتف بصوت أكثر جدية:
-نعم!
حاولت أن تكتم ضحكاتها من هيئة وجهه المتجهم، وردت بهدوء مصطنع:
-حاضر يا باسل
رمقها باسل بنظرات متفحصة لهيئتها الغريبة فبدى متأففاً نوعاً ما، ثم أشاح بوجهه وهو يتحرك مبتعداً متمتماً بتهكم:
-بتاع الزبالة شكله أحسن منها!

خجلت إيناس من نظراته المستهزأة بها، وعاودت النظر إلى هيئتها فأدركت أنه على حق في النفور منها، وعللت قائلة بحزن:
-ماهو ده مش منظر أفتح بيه الباب! دي ليه حق يقرف يقرب مني، يا خسارة البريستيج اللي بقى بلح قصاده!

في مكتب ما بجهة سيادية،
ولجت سابين إلى تلك البناية الشاهقة وحديثة الطراز عبر بوابتها الأمنية، وتأملتها بإنبهار واضح في نظراتها..
لحق بها مسعد كظلها، وحافظ على وجود فارق خطوتين بينهما..
استقبلهما بعض الرجال من ذوي الحلات السوداء، ثم أرشدهما أحدهم إلى غرفة ما، فاتجه الاثنين نحوها، وجلسا في مكتب ما لبعض الوقت منعزلين عن العالم الخارجي..

تحاشى مسعد النظر إليها، ومال بجسده للأمام ليستند بمرفقيه على فخذيه، ونكس رأسه قليلاً للأسفل، وظل يتمتم بكلمات مبهمة يواسي فيها نفسه، بينما وضعت سابين ساقاً فوق الأخرى لتغطي تلك البقعة الظاهرة في سروالها والتي حاولت تجاهلها لتخفي حرجها، ولكن لتأكدها من نظرات المحدقين بها فقد كانت متأكدة أنها في حالة مزرية بسبب غباء هذا المتطفل..

بعد برهة من الصمت الحذر، نفخ مسعد بإستياء، وأرخى ظهره للخلف وهو يقول بعدم اكتراث وبنبرة خفيضة مواسياً نفسه:
-كان لازم يعني أوافق على المهمة دي وأعمل نفسي أدها، وانا عارف من الأول إن مافيش فايدة منها!
تنهد بعمق وهو يكمل بيأس:
-يالا مافيش أجدع من إن الواحد يعمل بالحكمة اللي بتقول خليك في حتت وريح جتتك!

ظلت سابين تهز ساقيها بعصبية وهي تغمغم مع نفسها بسخط بعد أن رمقت مسعد بنظرات شبه إحتقارية وهي مكفهرة الوجه:
-الواحد ممكن يتعامل مع أي حد إلا الغبي! وأنا وقعت مع أغبى الناس، مش ممكن ده يكون مؤهل لحماية حتى نفسه، ده أخره يكون حارس في مول، شركة وتبقى كتير عليه أصلاً، بجد أنا مش مصدقة إني هاخلص أخيراً منه، وأتعامل مع ناس أذكياء، بس لازم أتكلم مع ال FBI..!

في نفس التوقيت ولج الفريق ضياء إلى داخل الغرفة، فهب مسعد منتفضاً من مقعده، وانتصب بشدة في وقفته، وهتف بنبرة متصلبة:
-تمام يا فندم
-استرح يا مسعد
قالها الفريق ضياء بهدوء وهو يشير بيده، فنفذ الأخير أمره، وأرخى جسده قليلاً. ثم اتجه نحو سابين، ومد يده ليصافحها وهو يقول بإبتسامة رسمية باللغة الإنجليزية:
-مرحباً بك في مصر آنسة سابين!
ردت عليه بنفس االلكنة الإنجليزية وهي تبادله ابتسامة رقيقة:
-أشكرك.

سألها الفريق ضياء بإهتمام:
-كيف كانت رحلتك؟
ردت عليه بصوت متعب:
-مرهقة نوعاً ما!
ثم سلطت أنظارها على مسعد، وأكملت بحنق:
-ولكنها لا تقارن بمن قابلت
استدار برأسه حيث تنظر، وقال مبتسماً:
-أرى أنكِ تعرفت على مسعد
انتبه مسعد إلى اسمه الذي قيل وسط ذلك الحوار الغير مفهوم، فأدرك أن الحديث عنه..
تساءلت سابين بهدوء حذر:
-هل يمكن أن نتحدث على انفراد؟

لم ترغب هي في الحديث أمام مسعد عما يخصها، فإمتثل الفريق ضياء لطلبها، وأردف قائلاً بجدية:
-مسعد!
رد عليه بصوت شبه جاد:
-ايوه يا فندم
أشار له بعينيه وهو يضيف بصوت آمر:
-روح جهز نفسك، وانتظر مني التعليمات الجديدة
حرك مسعد نظراته نحو سابين، ورمقها بحدة قبل أن يجيب بجدية:
-حاضر يا سيادة الفريق
ثم تحرك بعدها ناحية الباب وهو يتوقع الأسوأ منها..
أشار الفريق بيده لسابين لتجلس وهو يقول بهدوء:
-تفضلي.

ردت عليه بإبتسامة رقيقة:
-أنا بأتكلم آربيك ( عربي ) كويس جنرال!
التوى ثغره بإبتسامة عريضة وهو يقول:
-كويس، يعني نقدر نتفاهم من غير ما يكون في عقبات
أومأت برأسها ايجاباً وهي ترد بثقة:
-أكيد!
ثم تحولت نبرتها للعدائية وهي تضيف:
-بس أنا مش قايلة للكائن اللي كان هنا
انعقد ما بين حاجبي الفريق ضياء في إندهاش، وسألها متعجباً:
-قصدك مسعد؟
هزت رأسها وهي ترد عليه بضيق:
-ايوه، ده غريب وآآآ…
قاطعها معترضاً:.

-مسعد غراب من أفضل الناس اللي هاتتعاملي معاهم، ومؤهلين لحمايتك
هتفت بتهكم واضح على تعابيرها:
-ده!
رد عليها بجدية:
-أيوه، أنا عارف إن موضوعك سري، وقليل جداً اللي عارفينه، وبالتالي أنا رشحت أجدر حد بالمهمة دي
احتجت سابين قائلة بإهانة:
-جنرال، ده، ده آآ، أنا مش عارفة أقولها ازاي But he s dump ( متخلف )
عبس الفريق ضياء بوجهه، وصاح بإنزعاج:
-آنسة سابين، مقبلش إنك تقولي على واحد من أمهر رجالتي كده.

شعرت هي بخطئها، فتداركته مسرعة:
-أنا مش عارفة أتعامل معاه، فإزاي هنتواصل سوا، ده، ده مش بيفهمني حتى!
فرك الفريق ضياء ذقنه، وأضاف قائلاً بحرج قليل:
-احم، هو، هو عنده مشكلة في اللغة، بس صدقيني عملياً هو من أكفأ الضباط!
توسلت له قائلة بإستعطاف:
-بليز، ممكن نغيره جنرال، بليز، ده طلبي!
هز رأسه نافياً وهو يبرر لها:
-صعب! كل ما يكون عدد اللي عارفين بطبيعة وجودك هنا قليل يكون أفضل!
سألته مستفهمة بجدية:.

-هو عارف أنا هنا ليه؟
أردف قائلاً بنفي:
-لأ، هو معتقد إنك خبيرة دولية وبتعملي أبحاث، ما إنتي قريتي المطلوب منك، اللي بلغني إن ال FBI عرفوكي ب آآ…
قاطعته سابين قائلة بيأس:
-أها، أنا عارفة ده، بس توقعت حد مختلف
أخذ الفريق ضياء نفساً عميقاً، وزفره على مهل، ثم تابع قائلاً بجدية:
-آنسة سابين، احنا بنحاول نوفرلك الحماية المطلوبة من غير ما نثير الشكوك، وأظن إننا مش هنعرضك للخطر
ابتسمت بسخرية:
-أتمنى!

أضاف قائلاً بثقة:
-اطمني، احنا أد كلمتنا، وأقامة سعيدة في مصر، وإن شاء الله تكون تجربة مختلفة!
ردت عليه بإبتسامة مجاملة:
-شكراً
وضعت سابين يدها على كتفها لتفركه قليلاً فقد آلمتها عضلاتها بعد ذلك المجهود المرهق، ثم تساءلت بهدوء:
-هو أنا هاروح الفندق امتى؟
قطب جبينه متعجباً وهو يرد عليها:
-فندق! واضح إن في سوء فهم عندك
ضاق ما بين حاجبيها بإندهاش وهي تسأله:
-ليه؟
ضغط على شفتيه، ورد عليها بهدوء وهو يشير بيده:.

-هاوضحلك أكتر.

على الجانب الأخر، في غرفة جانبية،
بدل مسعد ثيابه المدنية بزيه العسكري، وظل يسب في نفسه بحنق واضح على تعابير وجهه المشدودة، كز على أسنانه قائلاً بغل:
-زمانتها بتجَوِد مع الفريق ضياء وبتقول عني في الخمر يا ليل، وطبعاً أمريكانية، يعني مافيش خط أحمر معاها، هتدوس لحد ما ألوص، وأنا كده ضعت!
نفخ بغيظ وهو يكمل:
-منك لله يا صابرين، بقى دي أخرتها! أنا لو وقفت عسكري تشريفة يبقى فضل ونعمة!

صاح أحد الضباط بصوت مرتفع وهو يلج للغرفة:
-مسعد، الفريق ضياء عاوزك حالاً
رد عليه مسعد بإمتعاض:
-حاضر، اديني جاي!

انتهى الفريق ضياء من إعادة سرد تفاصيل الخطة الموضوعة لتأمين سابين بإيجاز، ففهمت الأخيرة مقصده بإقتناع قليل، ورغم إعتراضها على وجود مسعد معها في خطة الحماية إلا أنه لم يكن لديها خيار أخر سواه..
ردت عليه بإستياء وهي تتنهد وقد بدى على وجهها علامات غير راضية:
-اوكي جنرال، أنا موافقة!
انتبه الاثنين إلى صوت دقات ثابتة على الباب، فصاح الفريق ضياء قائلاً بنبرة رسمية وهو يدير رأسه في إتجاهه:
-ادخل!

ولج مسعد للداخل بهيئته العسكرية فإتسع فم سابين في إندهاش ملحوظ حينما سلطت أنظارها عليه، فقد بدى كشخص أخر له طلة مهيبة غير ذلك الأبله الذي تعاملت معه قبل قليل، رمشت بعينيها عدة مرات لتتأكد أنه نفس الشخص، وهمست بلا وعي:
-م، موسأد!
لم ينظر هو نحوها، فقد كان متوقعاً أنها أنهت مهمته معها قبل أن تبدأ، لذا أدى التحية العسكرية قائلاً بصرامة دون أن يظهر حنقه منها:
-تمام يا فندم!
أردف الفريق ضياء قائلاً بجدية:.

-اتفضل يا مسعد استلم مهمتك مع الخبيرة!
إرتفع حاجبيه للأعلى في صدمة، وتحركت أنظاره تلقائياً نحوها، وهتف بعدم تصديق:
-أنا…!
لم تختفِ علامات الإندهاش من على وجه سابين بعد أن رأت مسعد بزيه العسكري..
بينما أفاق هو من صدمته الكبيرة، وأشاح بنظراته بعيداً عنها، و انتبه إلى صوت الفريق ضياء وهو يؤكد عليه محذراً:
-هتكمل مهمتك معاها للأخر يا سيادة الرائد، ومش عاوز آآ..
قاطعه مسعد قائلاً بجدية واضحة وقد انتصب بجسده:
-اطمن يا فندم، هانفذ الأوامر كلها
هز الفريق ضياء رأسه بإيماءة خفيفة وهو يتابع:.

-تمام، عاوزك تنتقل لمركز التدريب، وتقوم باللازم هناك
رد عليه بإيجاز جاد:
-حاضر
وأضاف قائلاً بصرامة:
-من اللحظة دي هي مسئوليتك، ومش عاوز أخطاء
-تمام سيادتك
تابعت سابين الحوار الرسمي بينهما بتعجب واضح على قسمات وجهها المشدوه، فقد تبدل حال ذلك المتطفل الغبي – من وجهة نظرها – ليصبح أكثر جدية بطريقة مثيرة للإعجاب..
لم تتوقع هي أن تتأثر بهيئته المختلفة، فحاولت أن تحافظ على جمودها أمامه..

انتبهت لصوته الجاد وهو يوجه حديثها لها قائلاً:
-اتفضلي!
لوت فمها بإبتسامة مصطنعة، ثم نهضت من على المقعد وودعت الفريق ضياء..
تنحى مسعد جانباً ليفسح لها المجال لتمر أولاً، ثم تحرك في إثرها..
سار الاثنين سوياً في الممر المؤدي إلى المصعد الموجود في نهايته، ولم يجرؤ أحدهما على قطع لغة الصمت السائدة بينهما…
وضع مسعد نظارته الشمسية السوداء على وجهه، وتعمد أن يشب بجسده للأعلى ليبدو أكثر صلابة وقوة..

نظرت له سابين بإستغراب بطرف عينها، وازدردت ريقها بتوتر، فقد لاحظت الفرق الشاسع بينهما في الحجم..
بعد أقل من ثلاث دقائق كان كلاهما يقف أمام سيارة مسعد، والذي استطرد حديثه قائلاً بنبرة شبه منزعجة وهو يفتح الباب الأمامي:
-اركبي
ضيقت نظراتها وحدقت فيه بغموض، فلوى ثغره بعد أن حك طرف ذقنه، وتمتم مع نفسه بضيق:
-باينها مش هاتفهمني!

لذا دون تردد جمع علب الطعام البلاستيكية، وأبعدها عن المقعد ووضعها بالخلف، وأشار لها بيده لتجلس..
تنهدت بإرهاق، وركبت في السيارة دون أن تنطق بكلمة..
دار مسعد حول السيارة، وركب خلف عجلة القيادة، وأدار محركها، وتحرك بها بهدوء تام..

في منزل مسعد غراب،
أبدلت إيناس ملابسها، وإرتدت كنزة ضيقة من اللون الأبيض، وأعلاها قميصاً فضفاضاً ( كاروه ) يجمع بين اللونين الأحمر والأسود على سروالها الجينز، وعقدت شعرها الأسود – المجعد – برابطة شعر صغيرة على هيئة ذيل حصان ثم ضفرته على هيئة جديلة لتتمكن من جمعه، ثم خرجت من غرفتها، وصاحت بنبرة عالية وهي تعلق حقيبتها الرياضية على كتفها:
-ماما، أنا نازلة الدرس!
ردت عليها السيدة صفية بنبرة عالية:.

-ماشي، بس ماتتأخريش، خلصي وتعالي على طول!
هتفت قائلة بتهكم:
-هو أنا اللي بأشرح، الرك على المستر لما بيخلص
حذرتها والدتها قائلة:
-طيب يا ليمضة، بس متتلعكيش وإنتي راجعة
-حاضر
خرجت إيناس من منزلها، فقابلت والدها على الدرج، فسألها مستفهماً:
-رايحة فين يا نوسة؟
أجابته بضجر وهي تتنهد بتعب:
-عندي درس يا بابا، الواحد زهق طلوع ونزول
ربت على كتفها قائلاً بحنو:
-ربنا يوفقك يا بنتي، هانت
-ايوه!

أضاف والدها محمد قائلاً بجدية:
-خلي بالك من نفسك يا نوسة
ردت عليه وهي تهز رأسها قليلاً:
-حاضر يا بابا
سألها والدها بهدوء وهو يشير بكفه:
-مش عاوزاني أوصلك للمكان اللي هو فيه؟
أشارت بإبهامها للخلف، وهي تجيبه:
-لأ يا بابا، ماهو مش بعيد، جمب فرن العيش اللي على ناصية الشارع
هز رأسه خفيفاً، وتابع بجدية محذراً إياها:
-طيب، على مهلك وإنتي ماشية
-حاضر.

قالتها إيناس وهي تركض نزولاً على الدرج، بينما أكمل والدها طريقه نحو منزله…

في سيارة مسعد،
ظل مسعد طوال الطريق محدقاً أمامه، ومتحاشياً النظر إلى سابين الجالسة إلى جواره، فقد فضل الصمت لترتيب أفكاره القادمة في التعامل معها خاصة وأنه بات مسئولاً بصورة رسمية عن مرافقتها طوال فترة وجودها، بالإضافة إلى رغبته في الحصول على توصية مميزة في تقييمها النهائي مثلما تصور ليترقى وينضم للحرس الرئاسي..

ما أثار فضول سابين – نوعاً ما – هو تعمده تجاهلها، وكأنه يلقنها درساً بطريقته الخاصة لفظاظته السابقة معه..
حاولت أن تكسر حاجز الجليد بينهما، فأردفت قائلة بلكنة رقيقة وهي مسلطة أنظارها عليه:
-u، اسمك، ايه؟
تثاءب مسعد بدلاً من إجابتها، ثم حرك رأسه للجانبين لتسمع فرقعة فقرات عنقه، فضاقت نظراتها متعجبة من تصرفه الغريب..
أعادت تكرار سؤالها بنبرة مرتفعة:
-اسمك؟

رمقها بنظرات باردة من طرف عينه، وسلط أنظاره على الطريق، ثم هتف بنبرة متذمرة عالياً وهو يشيح بيده خارج نافذة السيارة:
-إنت يا بني، مش تحاسب، في بني آدمين معاك في الشارع، مش طريق أبوك ده!
فغرت شفتيها متعجبة من صياحه الجهوري الغاضب..
طرق بأصابعه على عجلة القيادة، وظل يندندن مع نفسه بكلمات غير واضحة..
فضغطت على شفتيها مغتاظة، ثم رسمت على برود مصطنع، ورددت قائلة بتلعثم:
-إنت، مو، ما، موس، موس، موس.

جاهد ليخفي إبتسامته من محاولتها الفاشلة لتهجئة اسمه، ورد عليها ساخراً وهو ينظر نحوها:
-هتفضلي تقولي مز كتير، كده أنا هاتغر في نفسي! وهاصدق إني مز
لم تستوعب المقصد من جملته الأخيرة، ولكن أدهشها إبتسامته العذبة..
تفاجئت به يجيبها بهدوء وهو ينظر لها من خلف نظارته القاتمة:
-أنا اسمي مسعد يا صابرين
صمت هو للحظة ثم أضاف معاتباً:
-شوفتي أنا فاكر اسمك وانتي لأ! ليا لي عندك حق عرب!

احتارت سابين كثيراً في إيجاد الوصف الملائم لهذا الشخص العجيب، فتارة تجده أبلهاً، وتارة تجده جاداً، وفي أحيان أخرى خفيف الدم..
أفاقت سريعاً من تفكيرها فيه، ورسمت تعابير الجمود على وجهها، وعقدت حاجبيها، وكانت على وشك الرد عليه، ولكن رن هاتفه، فنظر إليه، ومد يده ليمسك به، ثم هتف قائلاً بنبرة فاترة وهو محدق في شاشته:
-باسل!

تابعته سابين بإهتمام، وظنت أنه لن يجيب على اتصال رفيقه مثل المرة الأولى لوجودها، لكنه فاجئها برده عليه قائلاً بحماس:
-برنس! فينك؟
سأله رفيقه بجدية:
-انت اللي فينك يا مسعد، مش باين ليه؟
رد عليه بإمتعاض:
-معلش، كان عندي مأمورية رخمة
ردد باسل بإستغراب:
-رخمة!
التفت مسعد برأسه نحو سابين ليجيبه على مضض:
-جدا، وحط عليها كل اللي يجي في بالك من كلام إنت عارفه!
ثم حدق أمامه، وتابع ساخراً:
– لأ وريحتها محشي!

إنفرج فم سابين في صدمة مما يقول، واحتقنت عينيها غيظاً منه، وهمست لنفسها بغل:
-أنا ريحتي محشي؟!
تساءل باسل بعدم فهم:
-محشي؟! ايه اللي بتقوله ده يا مسعد؟!
حرك رأسه للجانبين، ورد عليه بفتور:
-متخدش في بالك!
سأله باسل بإهتمام:
-المهم خلصتها؟
رد عليه نافياً:
-لأ لسه، إنت عارف بقى، المأموريات اللي من النوع ده مابتخلصش!
أضاف رفيقه قائلاً:
-الله يعينك
فرد عليه مسعد بتنهيدة مطولة:
-يا رب
سأله باسل بإستفسار:.

-طيب هاترجع المركز، ولا هاتعمل ايه دلوقتي؟
رد عليه بجدية:
-لأ رايح هناك، ماهي المأمورية معايا، قصدي هاكمل باقيتها هناك!
سأله بإهتمام أدق:
-دي تبع الفريق ضياء؟
شرد مسعد للحظة، وسأله بعدم فهم:
-مين؟
أجابه باسل بتعجب:
-المأمورية، شبهه يعني، حاجة آآ…
قاطعه مسعد معترضاً وهو يدقق النظرات في سابين:
-لأ المأمورية أحلى، دي خضرا وآآ..
ضاقت نظراتها، وحدجته بحدة، فتنحنح بحرج، وتابع بجمود:
-احم، أقصد باردة ومعندهاش دم!

لم يفهم ما الذي يقوله رفيقه، فسأله بحيرة:
-انت يا بني ركز معايا وقولي بتكلم عن ايه بالظبط؟
أجابه بإبتسامة بلهاء:
-المأمورية اللي قصادي
كزت سابين على أسنانها بحنق، وهمست بصوت خفيض للغاية:
-أنا يتقال عني مأمورية، اوكي!
أضاف مسعد قائلاً بغطرسة:
-قبل ما انسى ابقى عدي على البيت عندي وقول لأبويا مسعد غراب أدها وأدود، سامعني مسعد
عضت سابين على شفتها السفلى، وهمست لنفسها:
-أها، موسأد، افتكرت
تساءل باسل بجدية:.

-انت في حد جمبك يا مسعد؟
رد عليه الأخير بإيجاز:
-أيوه
تفهم رفيقه الموقف سريعاً بذكائه، وأدرك أن صديقه ربما يكون غير قادر على الحديث حالياً بأريحية كما إعتاد منه، فبادر قائلاً بهدوء:
-تمام، طيب أما تفضى كلمني براحتك
رد مسعد قائلاً بنبرة عالية:
-ماشي يا صاحبي، عاوز مني حاجة؟
-لأ يا كبير، ولو عرفت تنجز مأموريتك بدري هتلاقيني عند الكافيه اللي جمبك
-ماشي، سلام.

أنهى مسعد المكالمة معه، وألقى بالهاتف على التابلوه، وأدار رأسه في اتجاه سابين التي كانت وجنتيها تشتعل حنقاً، ورسم إبتسامة باردة على ثغره وهو يقول:
-ده صاحبي، بس لسانه اييييه، بينقط مازوت!
ضغطت على أسنانها بغيظ وهي تهمس:
-هو برضوه ولا انت!
تابع قائلاً بهدوء وهو يشير بيده:
-طبعاً إنتي مش فاهمة حاجة من اللي بأقولها، بس اشطا
نفخت بضيق، وفتحت فمها لتتحدث إليه، ولكنه أضاف بحماس:.

-عارفة يا صابرين، أنا قلبي انشرحلك، صحيح انتي قفلتيني منك في الأول، بس يالا، المسامح كريم، وأهوو اللي ما يعرفك يجهلك!
ردت عليه بنبرة شبه محتدة رغم رقتها:
-إنت آآ، اكلم too much ( كتير )!
-لأ ده أنا رغاي وودني، خدي من ده كتير
جاهدت لتفهم مصطلحاته، وسأله مستفهمة:
-ايه؟
رفع نظارته القاتمة لأعلى جبهته، وحدجها بنظرات غامضة وهو يقول بجدية:
-شوفي احنا لسه مع بعض، والمشوار في أوله، بس عاوزك تعرفي حاجة.

تعجبت من نظراته المسلطة عليها، وسألته بحيرة:
-ايه؟
مال برأسه نحوها، وأضاف قائلاً بنبرة شبه غامضة وهو يغمز لها بعينه اليسرى:
-اللي مايربيهوش الأهالي، يربيه مسعد طول الليالي!

في منزل مسعد غراب،
أسندت صفية صينية المشروبات الباردة على الطاولة الصغيرة، ثم مدت يدها لتمسك بكأس زوجها، وناولته إياه، فشكرها ممتناً، ثم جلست إلى جواره في الشرفة..
نظر محمد ناحيتها، وتنهد قائلاً بشوق:
-البنات وحشوني يا صفية
ردت عليه بنبرة حنونة:
-ربنا يصلح حالهم، هما قالوا هايجوا قريب!
التوى فمه ليضيف بضجر:
-ايوه، بيقولوا كده ومش بنشوف وشهم
ضاقت نظراتها وهي تقول بعتاب:
-مش مع إجوازتهم يا محمد.

هز رأسه موافقاً وهو يقول بفتور:
-على رأيك، المهم يكونوا متهنيين
ابتسمت له صفية وهي تضيف:
-اطمن أنا مكلماهم وهما بخير
ثم تنهدت بحرارة وهي تضيف بتمني:
-عقبال ما نطمن على مسعد!
رد عليه بجدية:
-إن شاء الله، هو الواد ده مقالكيش إن كانت في واحدة كده ولا كده في دماغه
ضربت صفية كفاً على كف وهي تقول بحزن:.

-لأ، وبعدين يا حسرة قلبي عليه، مافيش حاجة بتكمله، كل ما نروح نشوفله واحدة يمكن تعجب، نبص نلاقي المفروض اتفركش قبل ما يبدأ
حرك محمد كفه في الهواء وهو يقول بتعجب:
-أنا مش عارف بس حظه قليل ليه مع البنات مع انه طيب وأخلاقه كويسة
ضاقت نظرات صفية حتى أصبحت حادة وهي تنظر إلى زوجها، وسألته مستنكرة:
-تفتكر ليه يا سيادة اللوا؟!
رد عليه بهدوء وهو يهز كتفيه:
-مش عارف.

تمتمت صفية مع نفسها بضجر وهي تهز رأسه بحركة ثابتة:
-أل يعني مش عارف، من اسمه طبعاً!

في مكان أخر،
انتهت إيناس من درسها الخاص، ووقفت مع رفيقاتها أسفل البناية يتبادلن الحديث عن المنهج الدراسي العقيم..
قفزت إحدى الفتيات بحماس وهي تتجه نحوهن، وهتفت بتنهيدة عميقة:
-مش هاتصدقوا يا بنات، آسر هايروح معايا السينما
عبست إيناس بوجهها، وسألتها بإستغراب:
-وانتي هاتروحي معاه عادي يا هدير؟
ردت عليها هدير بثقة وهي تتغنج بجسدها:
-اه طبعاً، ده الكراش بتاعي!
قطبت إيناس جبينها أكثر، ورددت بتعجب:
-كراش.

ردت عليها ( هند ) بتنهيدة حارة:
-ايوه، كل البنات هاتموت عليه
التوى ثغر إيناس وهي تضيف بسخرية:
-بس أنا شايفاه عادي، مافيش فيه حاجة!
اعترضت هدير قائلة بضيق:
-انتي مش فاهمة أصلاً
حذرتها إيناس بجدية:
-يا بنتي احنا صغيرين على الكلام ده
هتفت هدير بإحتجاج واضح في نبرتها ونظراتها:
-صغيرين ايه بس، اللي أدنا زمان كانوا بيخلفوا عيال
أضافت هند بمزاح:
-واضح إن هدير مستعجلة!
قهقهت إيناس وهي تقول بمزاح:
-جدا.

إغتاظت هدير من إستهزاء إيناس بها، فإعتدلت في وقتها، ووضعت يدها على خصرها، وعبست بوجهها وهي تقول بسخط:
-متزعليش مني يا إيناس، بس مين هايبصلك أصلاً، وانتي كده؟!
ثم رمقتها بنظرات شبه مهينة من رأسها لأخمص قدميها..
تشنجت تعابير وجه إيناس إلى حد ما، وسألتها بحنق:
-تقصدي ايه؟ وضحي كلامك معايا
أجابتها بغطرسة:
-أي ولد بيحب البنت اللي تلفت نظره، فبيدور على طريقة يتكلم بيها معها زيي كده!
ردت عليها إيناس بتذمر:.

-أها، طب ما أنا بأتكلم مع زمايلي عادي، بالعكس بيجوا يسألوني عن مواعيد الدرس، وعن الملخصات لو نزلت وآآ..
قاطعتها هدير قائلة بنبرة متهكمة:
-ده عشان انتي زيهم
عقدت إيناس ما بين حاجبيها بضيق، وسألتها بإستفسار:
-نعم، مش فهماكي!
أخذت هدير نفساً عميقاً، وزفرته دفعة واحدة وهي تجيبها بجدية:
-هما بيكلموكي كأنك بوي ( ولد ) زيهم
هتفت إيناس بصدمة وهي فاغرة فمها:
-بوي!
أوضحت لها هدير قائلة بفتور وهي تشير بإصبعها:.

-اقصد ولد، ما انتي مش فارقة عنهم حاجة، شوفي طريقة لبسك وشكلك، وحتى تسريحة شعرك!
صدمت إيناس مما قالته رفيقتها على مرأى ومسمع بقية الفتيات، فعجزت عن الرد عليها..
تابعت هدير قائلة بسخرية:
-يا نوسة ده أنتي مش بتفكري تفردي شعرك ولا تعملي فيه حاجة وهو أكرت كده!
أضافت هند قائلة بمزاح:
-بصراحة انتي محتاجة تتصنفري عشان تباني قصادهم بنت!
ثم ضحكت الفتيات على هيئتها بطريقة استفزتها أكثر..

حافظت إيناس على هدوئها، وردت قائلة ببرود:
-أنا عاجبني شكلي كده، وبعدين أنا مش هابص على عيال، دول بياخدوا المصروف من أبوهم!
تقوس فم هدير للجانب وهي تقول:
-وهو حد قالك كلمي دول، في شباب تانيين أكبر ينفعوا!
هزت إيناس رأسها معترضة، وتابعت بجدية واضحة:
-وأنا مش عاوزة، أنا هدفي الوقتي أنجح وأجيب مجموع حلو عشان أدخل فصول الفائقات في ثانوي
أشارت لها هدير بيدها في عدم إكتراث وهي تردد:.

-خليكي انتي في مذاكرتك اللي مش هاتجيب نتيجة، وفي الأخر هتتساوي مع أي واحدة غشت ونجحت! كله محصل بعضه
عنفتها إيناس قائلة:
-يا باي على الإحباط بتاعك!
ثم علقت حقيبتها على كتفها، وتابعت بإصرار:
-أنا مبسوطة باللي أنا فيه
وضعت هند يدها على كتف هدير، وأردفت قائلة برقة:
-خليها على راحتها
التفتت هدير برأسها نحوها، وردت بتصنع:
-أنا بأنصحها!
نفخت إيناس بضجر وهي ترد عليها:.

-وأنا مش عاوزة النوعية دي من النصايح، ويالا باي عشان ألحق أروح البيت!
ردت عليها هدير بسخط:
-ده انتي ساكنة هنا، تتأخري ايه بس
أوضحت لها إيناس قائلة:
-أنا معودة بابا على مواعيدي اللي زي السيف
أضافت هند قائلة بصوت خافت:
-سبيها يا هدير، ويالا احنا عشان نظبط خروجة السينما
-اوكي
سارت إيناس بمفردها في الطريق الخلفي وهي تتعجب من تفكير رفيقاتها حول الإرتباط بالشباب..

فلم تنتبه هي لوجود شخص ما يراقب فريسته القادمة لسرقة ما معها من نقود في غفلة منها..
التوى ثغر ذلك اللص بإبتسامة خبيثة، وألقى ببقايا سيجارته على الأرضية بعد أن حدد هدفه، ثم تبعها بحذر..
أخرجت إيناس هاتفها المحمول لتتابع أخر المستجدات على صفحتها بالفيس بوك، وكانت مندمجة في قراءة بعض التعليقات على منشور ساخر..
اقترب اللص من إيناس، وأصبح على بعد خطوتين منها..

كانت حقيبتها تتدلى من على كتفها بطريقة مغرية لأي شخص ليسرقها، وبالفعل نفذ اللص خطوته التالية حينما توقفت لتطبع تعليق ما…
جذب بعنف الحقيبة منها، وركض سريعاً للأمام، فصرخت هي مصدومة من فعلته، وعَلِق ذراعها بالحقيبة مما اضطر اللص لضربها بقوة في كتفها ليحرر الحقيبة..

وقعت إيناس على الأرضية كردة فعل لضربته المباغتة، ولكنها لم تستسلم لآلامها، حيث نهضت سريعاً، ووقفت على قدميها لتركض على إثره وهي تصرخ بصوت مرتفع:
-حرامي، الحقووووني، اتسرقت! حرامي، حد يمسكه
لم يتوقع اللص أن تركض تلك الفتاة خلفه، فحاول تضليلها، والهروب منها..

في نفس التوقيت، أنزل النادل قدح القهوة الساخن الذي طلبه باسل على طاولته القريبة من الرصيف، فشكره، ثم بدأ يرتشفها ببطء..
ظل ينظر إلى حركة سير السيارات والزحام في أول الطريق بعدم إهتمام..
ولكن سريعاً انتبه لما يحدث على الناصية، واعتدل في جلسته، وضاقت نظراته ليدقق في تلك الفتاة الصغيرة وذلك الرجل الذي تركض خلفه…
ارتسمت علامات الصدمة على وجهه حينما تأكد من هويتها، وهتف بذهول:
-إيناس!

هب باسل سريعاً من على مقعده، وركض خلفهما..
استطاع أحد المارة الإمساك باللص، وأوقعه أرضاً، ولكن ضربه الأخير بقوة، ثم زحف مبتعداً ليتمكن من النهوض، وعبر للناحية الأخرى من الطريق فتعذر على أحد الإمساك به..
كانت إيناس على وشك عبور الطريق أثناء حركة السيارات السريعة دون إكتراث، فشاغلها الأكبر الإمساك بمن سرقها، ولكن قبض باسل على ذراعها، وأحكم قبضته عليه، ثم جذبها للخلف وهو يصيح بها:.

-استني يا إيناس، إنتي مجنونة
تلوت إيناس بذراعها محاولة تحريره وهي تردد بإصرار:
-حاسب يا باسل، خليني أمسك الحرامي
صاح بها بصوت هادر وهو يرمقها بنظرات غاضبة:
-إنتي مش شايفة الشارع!
أضافت بسخط:
-ده سرقني!
أشار بكفه بنبرة شبه محتدة:
-خلاص، هرب
ثم أرخى قبضته عنها، فنفخت بضيق، واحتجت قائلة:
-يوووه، ما إنت لو مامسكتنيش كنت آآ…
قاطعها قائلة بجدية:
-كنتي بقيتي مفرومة على الإسفلت.

صدمت من رده، ورمقته بنظرات غريبة، بينما تابع باسل قائلاً بجدية:
-إنتي مش واخدة بالك من الإشارة المفتوحة!
التفتت حيث أشار، وركلت الأرض بقدمها اليمنى وهي تنفخ بتبرم:
-أوف! فلت مني ابن المحظوظة
اقترب أحد الأشخاص من إيناس، ومد يده بحقيبتها وهو يقول بنبرة خشنة:
-اتفضلي يا بنتي شنطتك أهي!
ردت عليه إيناس بإمتنان:
-كتر خيرك يا عمو!
حذرها الرجل قائلاً بجدية:
-خلي بالك وانتي ماشية
ردت عليه إيناس بإعتراض:.

-هو غفلني بس!
أضاف الرجل قائلاً بصوته الآجش وهو يتحرك مبتعداً:
-ربنا يحميكم يا بنتي وينجحك
ابتسمت له مجاملة وهي تقول:
-متشكرة يا عمو
عقد باسل ساعديه أمام صدره، وسألها بضيق بادي في نبرته وفي نظراته إليها:
-خلصتي؟
ردت عليه بجدية وهي تتفحص محتويات حقيبتها:
-استنى أما أطمن على الشنطة!
تفاجيء مما تفعله وأرخى ذراعيه، وإعترض قائلاً بسخط:
-هو هيلحق يبص فيها!
هتفت إيناس قائلة بإصرار:
-برضوه، ده فيها شقى عمري كله.

سألها بإهتمام:
-فلوس يعني؟
ردت عليه بجدية مفرطة:
-لأ ملخص الدراسات!
ضرب بكف يده مقدمة جبينه، وتمتم بحنق:
-أخت مسعد، هاخد منها ايه!
تنهدت إيناس بإرتياح، واعتلى ثغرها إبتسامة عريضة وهي تقول:
-كله تمام الحمد لله
عقد باسل ما بين حاجبيه، وسألها معاتباً بإنزعاج:
-وبعدين إنتي ازاي أصلاً تجري ورا حرامي بالشكل ده؟
ردت عليه بشراسة وهي تجز على أسنانها بقوة.

-اومال عاوزني أسيبه، ده لو كنت طولته، كنت خدته مقص، وبركت فوقيه، وأديته باللوكميات واحدة ورا التانية لحد ما أنزل صف سنانه!
التوى ثغره بتهكم، ورد عليها بسخرية:
-لأ باين إنك تقدري تعملي كده
انتصبت إيناس بجسدها، وهتفت بفخر:
-ماتستقلش بيا، ده أنا كنت بألعب كارتيه!
رد عليها بسخرية:
-بتلعبي ولا بتأكليه؟!
عوجت شفتيها لتقول بإعتراض:
-هيهيهيه، بايخة!
أشار باسل بكفه لها وهو يضيف بهدوء:
-طب تعالي أوصلك البيت.

ردت عليه بتذمر وهي تعلق حقيبتها على كتفها:
-ما هو هناك أهو، مش هاتوه يعني!
رمقها بنظرات حادة وهو يقول بتبرم:
-يا ساتر على لسانك، عنده حق مسعد يتهبل منك!
رمشت بعينيها وهي تتساءل بتلهف:
-هو بيحكيلك عني؟!
هز رأسه نافياً:
-لأ، إطلاقاً
تابعت إيناس قائلة بحماس:
-ماشي، عارف يا باسل الصيف الجاي هاتعلم تايكوندو ولا كونج فو عشان أبقى مستعدة لأي مفاجأت!
شعر باسل بالملل من ثرثرتها الزائدة، وأردف قائلاً بإقتضاب:.

-يالا يا إيناس، ربنا يهديكي!
تجاهلته إيناس، وظلت تنفض سروالها الجينز من التراب العالق به، فصاح بها مستهزئاً:
– يالا يا وحش الكونج فو
ضاقت نظراتها، وعبست بوجهها وهي تردد بسخط:
-بتتريق!
رد عليها بإيجاز وهو يهز رأسه نافياً:
-لأ!

انتهت إيناس مما تفعله، ثم سارت إلى جوار باسل بخطوات ثابتة وعلى ثغرها إبتسامة سعيدة، ولكن سريعاً ما تلاشت حينما انتبهت لصوته الخفيض وهو يتمتم لنفسه ساخراً منها لتشعر بإهانته الصريحة نحوها وهو يقول:
-استحالة تكون دي بنت…!
ضغطت إيناس على شفتيها بقوة محاولة التحكم في النيران المستعرة بداخلها عقب إهانة باسل لها..
رمقته بطرف عينها بنظرات شرسة، وبدى الوجوم واضحاً على تعابير وجهها، فمهما كانت تصرفاتها لا يحق له الإساءة إليها..
لم تستطع إيقاف تلك الأفكار العنيفة التي اجتاحت عقلها لتأديبه..
ودت لو تعلقت بعنقه، وقبضت عليه بكفيها وخنقته بقوة حتى يشعر بآلمها من كلماته، فبعض الكلمات وإن كانت موجزة قد تصيب في مقتل..

التفت باسل برأسه فجأة نحوها، فوجدها محدقة به بنظرات غير مريحة، فسألها بإستغراب:
-مالك؟ بتبصيلي كده ليه؟
ضاقت نظراتها الغاضبة نحوه، وأجابته بإقتضاب:
-مافيش
لم يعر باسل للأمر أي اهتمام، ولم يهتم حتى بسؤالها عن سبب عبوسها المفاجيء، فزاد حنقها منه..
حدق أمامه، وأشار لها بيده وهو يقول بجمود:
-احنا وصلنا، اطلعي يالا
كزت على أسنانها وتوعدته في نفسها:
-ماشي يا بسلة، هاوريك!

تحركت بخطى سريعة نحو مدخل البناية، بينما استدار هو عائداً للمقهى..
وقعت عيني إيناس على حجر صغير مُلقى عند بوابة البناية، فطرأ ببالها فكرة طائشة..
لم تتردد في فعلها، بل أسرعت بالإنحناء، ومدت يدها لتلتقط الحجر، ثم التفتت عائدة في إثر باسل..
وقفت في مكانها، وركزت أنظارها عليه، ثم أرجعت ذراعها للخلف، وألقته بكل ما أوتيت من قوة عليه..
ارتطم الحجر بظهر باسل، فقبضت ذراعها وهي تهتف لنفسها بتشفي:
-احسن.

شعر باسل بآلم مفاجيء في ظهره، فإلتفت للخلف ليرى ما الذي حدث وقد تحول وجهه للعبوس الشديد..
في تلك الأثناء ركضت إيناس عائدة للداخل كي لا يراها..
لمح باسل طيف شخص ما يركض، فتحرك بخطوات أقرب للركض، فرأها وهي تصعد على الدرج، فحك مؤخرة رأسه وهو يقول بضجر:
-هبلة دي!
لف هو ذراعه للخلف ليفرك موضع الآلم، وتساءل مندهشاً:
-عملت كده ليه؟!

ركضت إيناس على الدرج، ولم تتوقف لإلتقاط أنفاسها اللاهثة، فقد خشيت من ردة فعل باسل..
ولكن مازال ذلك الشعور بالسخط والضيق مسيطراً عليها..
خاصة وأنها كانت كلمات جارحة بما تكفي لإشعارها بالنقص…
في نفس التوقيت رأت هدير رفيقتها إيناس وهي تسير إلى جوار ذلك الشاب الوسيم أثناء عبورها للجانب الأخر من الطريق، وانفرج فمها بصدمة جلية على تعابيرها..

فهي لم تتوقع أن تراها بصحبة أي أحد، وأثار فضولها أن تعرف المزيد عن علاقتهما سوياً…
عبثت بشعرها المصفوف بعناية، وطرحته للخلف بدلال وهي تغمغم مع نفسها:
-مش ممكن، المز ده ماشي معاها، أكيد في بينهم حاجة، لازم أطأس منها وأعرف!
عقدت هي النية على كشف غموض تلك العلاقة الغير منطقية من وجهة نظرها خلال المساء عندما تنتهي من فسحتها الحالية…

في منزل عائلة مسعد غراب،
فتحت إيناس باب منزلها بالمفتاح الذي يخصها، ثم سارت نحو غرفتها، وصفقت الباب خلفها بعصبية، وألقت بحقيبتها دون إكتراث على الأرضية، ثم وقفت أمام المرآة لتتأمل هيئتها بدقة..
ظلت محدقة لنفسها لفترة من الزمن..
أمسكت بخصلات شعرها المجعد وهي ترتجف، ودققت النظر في حاجبيها الكثيفين والغير منمقين..
تحسست بأناملها بشرتها، وأدارت وجهها للجانبين لتتفحصه أيضاً..

وأدركت أنها بالفعل لا تمتلك مواصفات الجمال القياسية..
هي فتاة عادية، بسيطة الملامح، بشرتها غير بيضاء لتلفت الانتباه، ولا تمتلك أعين ملونة، أو حتى تضع عدسات لاصقة كغيرها، بل هي على العكس مشاكسة، حادة الطباع، تتصرف بطريقة صبيانية للغاية..
تأملت ملابسها أيضاً، لم يكن بها أي لمحة أنثوية على الإطلاق..
ترقرقت العبرات في عينيها بعد أن رأت بوضوح أنها بالفعل تشبه الرجال في أغلب صفاتهم..

وتردد في أذنيها صدى كلمات باسل المهينة، فنكست رأسها خزياً، وسدت أذنيها بكفيها بقوة..
ولجت والدتها إلى غرفتها، ونظرت لها متعجبة، وسألتها بإستغراب:
-مالك يا نوسة؟ في حاجة حصلت؟
رفعت هي رأسها للأعلى، ونظرت إلى والدتها بأعينها الدامعة، تحركت شفتيها بحركة عصبية، وقاومت رغبتها في البكاء، لكنها لم تتحمل نظرات والدتها نحوها…
شهقت صفية بقلق حينما رأت ابنتها على تلك الحالة، وأسرعت نحوها وهي تسألها بخوف:.

-حصلك ايه يا نوسة؟ اتكلمي!
أجهشت إيناس بالبكاء وهي تمتم قائلة:
-هو، هو أنا وحشة يا ماما
احتضنتها والدتها، وضمتها إلى صدرها، ثم مسدت على شعرها وهي تقول بحزم:
-وحشة، قطع لسان اللي يقول عنك كده
أرجعت إيناس رأسها للخلف، وحدقت في عيني والدتها وهي تسألها بجدية مفرطة:
-هو أنا شبه الولاد؟
قطبت صفية جبينها بتعجب، وعبس وجهها وهي ترد عليها بتساءل:
-الله! مين قالك كده؟!

ابتلعت تلك المرارة العالقة بجوفها وهي تتابع بصعوبة:
-طب، طب أنا ليه مش زي بقية البنات عندي شعر حلو وعينين ملونة؟!
ردت عليها والدتها بإستنكار:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، في ايه يا إيناس، اقعدي كده واهدي وفهميني بالظبط اللي حصل!
سردت إيناس لوالدتها ما حدث مع رفيقاتها بعد أن جلست كلتاهما على طرف الفراش، وتعمدت هي حذف الجزء الخاص بباسل حتى لا تتعرض للتوبيخ..

أشفقت صفية على حال ابنتها، ومسحت على وجنتها برفق، ثم أردفت قائلة بنبرة أمومية حانية:
-دول بنات تافهين وهبل، انتي زي القمر وحلوة
اعترضت إيناس قائلة بتبرم:
-بس، بس أنا اتقالي استحالة تكوني بنت!
كانت تقصد بعبارتها الأخيرة ( باسل ) الذي أساء إلى شخصها..
هدرت والدتها بنبرة شبه منفعلة:
-دول اتعمى في عينهم، وغيرانين منك
التوى ثغرها بتهكم وهي تقول:
-هايغيروا مني ليه؟!
ردت عليها والدتها بثقة:.

-عشان انتي أشطر منهم ومتفوقة، هما عاوزين يحبطوكي وآآ…
لم تقتنع إيناس بما تقوله والدتها، ولم تنتبه إلى باقي حديثها فقد وجدت أنها مبررات واهية وغير كافية لإخماد النيران المستعرة بداخلها..
ربتت صفية على ظهر ابنتها، وتابعت قائلة بهدوء جدي:
-مش عاوزاكي تحطي في بالك الكلام الفارغ ده، وركزي في مذاكرتك، إنتي داخلة على امتحانات، ومحتاجة كل ثانية عشان تنجحي وتجيبي مجموع وتحققي اللي نفسك فيه.

كفكفت إيناس عبراتها بكم قميصها، وردت بإقتضاب:
-ربنا يسهل
ابتسمت لها والدتها إبتسامة دافئة وهي تقول:
-ربنا يهديكي يا بنتي، ويبعد عنك ولاد الحرام!
هزت إيناس رأسها بهدوء ولم تضفْ كلمة، ولكن عقلها لم يتوقف عن التفكير فيما حدث لها..

في مكتب ما بجهة سيادية،
أغلق الفريق ضياء الملف الذي كان بحوزته، وحدث قائده قائلاً بجدية:
-ده يا فندم تقرير أولي باللي حصل
تناوله القائد منه، وتفحصه بنظرات سريعة وهو يوميء برأسه متفهماً، ثم رد عليه بنبرة رسمية:
-عظيم، أنا محتاج أكون على اطلاع أول بأول بالمستجدات، الموضوع حساس جداً
تقوس فم الفريق ضياء بإبتسامة محدودة وهو يقول:
-اطمن يا فندم، أنا بنفسي بأشرف على العملية دي.

أشار له القائد بإصبعه وهو يقول بنبرة محذرة للغاية:
-أنا متأكد من اهتمامك، بس لازم تأكد على رجالتك عدم التعرض ليها، ماتنساش إنها لوحدها معاهم، واحنا عارفين الشباب ودماغهم!
استنكر الفريق ضياء ما يقوله، واعترض قائلاً:
-أنا رجالتي بعاد كل البعد عن النوع ده من الأفكار
رمقه القائد بنظرات جادة وهو يؤكد عليه:
-الحرص واجب برضوه
هز الفريق ضياء رأسه متفهماً، وأردف قائلاً بهدوء:
-حاضر يا فندم، أنا هانبه على الكل.

-تمام..

في سيارة مسعد،
دندن مسعد مع نفسه بلحن مرح وهو يضرب بأصابعه على المقود، بينما تهدل كتفي سابين في إنهاك واضح عليها..
التفتت نحوه برأسها، وسألته بنبرة خافتة ورقيقة ولكن باللغة العربية الفصحى:
-متى سنصل ( الفندق )؟
أدار مسعد رأسه ناحيتها، وعقد ما بين حاجبيه بإستغراب وهو يردد بعدم فهم:
-بندق، انتي جعانة؟
عضت على شفتها السفلى وهي ترمقه بنظرات حادة، بينما تابع هو قائلاً بإندهاش:.

-أنا مش معايا بندق، والحاجات دي مش بنشوفها إلا في ياميش رمضان، يا إما على وش التورتة لما تكون محترمة ومتوصي عليها!
تنهدت بتعب من ثرثرته المبالغة، ثم ابتسمت له بتصنع وهي تقول بإنهاك:
-بليز، أنا آوز ( عاوزة ) أنام
هز رأسه بحركة خفيفة، وهتف متحمساً:
-أها فهمتك، احنا قربنا نوصل خلاص
سألته جدياً وهي عابسة الوجه:
-أنا هاذهب إلى أين؟
أشار لها بكفه وهو يقوس فمه بضيق:.

-بلاش وحياة أهلك جو الدبلجة السوري ده، كلميني عربي
استغربت منه، واعترضت قائلة:
-هذا آربيك ( عربي )
أخفض نبرة صوته وهو يردد بخفوت:
-هذا وهذه وجو الإعراب ده أنا واقع أصلاً فيه
أدار رأسه في إتجاهها مرة أخرى، وأكمل قائلاً بجدية:
-احنا محتاجين كورسات تواصل سوا يا صابرين، لأحسن الدنيا هتكلكع معانا، وهانلوص!
ردت عليه بضجر وهي تحرك رأسها بيأس:
-بليز ممكن إنت اكلم بالراهة ( بالراحة )
غمز لها قائلاً بمرح:.

-حاضر، عيوني، بالراحة بالراحة، بشويش بشويش!

بعد برهة، وصل مسعد بسيارته إلى مركز التدريب الخاص بتشكيله العسكري..
اعتدلت سابين في جلستها على المقعد، وتأملت المكان بنظرات دقيقة ومتفحصة..
كانت تتوقع أن يتجه بها إلى الفندق، ولكنها تفاجئت به يصطحبها إلى مكان أخر مليء بمن يشبهه من ذوي الثياب العسكرية، وأصحاب الأجساد القوية…
لاحظ مسعد حالة الشرود البادية على وجهها، فاستطرد حديثه قائلاً بتحمس:
-أهلا بيكي في معقل الرجال، هنا هتشوفي العجب كله.

ابتلعت ريقها بتوتر فقد كان المشهد مربكاً، فهي أنثى بمفردها وسط هذا المجتمع الذكوري..
رسمت ابتسامة هادئة على ثغرها، ولم تعقب بشيء..
ركن مسعد السيارة في المكان المخصص لها بالجراج..
بينما جابت سابين بنظراتها المترقبة المكان من حولها..
ترجل هو من سيارته، ودار حولها ليفتح الباب لسابين..
ابتسمت له ممتنة، ثم ترجلت هي الأخرى منها..
أشار لها بيده وهو يقول بجدية:
-تعالي، احنا هانروح المبنى الرئيسي من هنا.

أومأت برأسها إيجاباً وهي تقول بإيجاز:
-اوكي
فتح مسعد صندوق السيارة، وسحب حقيبة سابين للخارج، ثم أغلقه، وتحرك للأمام، ولحقت هي به..
استمعت سابين إلى صوت صافرات إعجاب تأتي من نواحي متفرقة، وبعض العبارات المتغزلة بها دون أي خجل، فتوردت وجنتيها حرجاً مما يحدث..
صاح أحدهم بنبرة عالية:
-منور يا مسعد
بينما أضاف أخر:
-نورك غطا على الكهربا
وهتف ثالث متغزلاً:
-جميل و أبيض
-حوش اللي وقع منك يا مسعد.

-حلاوتك زايدة النهاردة ومغطية
-مش هتاخدنا بالحضن يا مسعد، ده حتى وحشة في حقك
تنحنح مسعد بخفوت، فقد أزعجه ما يحدث من تجاوزات غير مقبولة، وأدار رأسه في اتجاهها، ورسم ابتسامة بلهاء على ثغره وهو يقول:
-معلش، احنا آآ، شعب عاطفي بطبعه
ضيقت نظراتها وسألته بإيجاز:
-بجد؟
تنحنح بصوت مسموع، وتابع قائلاً بحرج:.

-احم، مش مقتنعة صح، بصي هما الشباب مأفور حبتين، بعيد عنك عندهم جفاف عاطفي، حرمان من الحنان، بس طبعاً ده بيحصل في حدود الأدب!
رفعت حاجبها مستنكرة وهي تقول لنفسها بسخط:
-لأ باين!
وصل مسعد عند البوابة الرئيسية للمبنى العسكري، فأسند حقيبتها على الأرضية، وإستدار نحوها، وأشار لها بيده قائلاً بحزم:
-استنيني هنا ثواني
-اوكي
ولج هو للداخل، بينما وقفت هي بمفردها تتلفت حولها بحذر..

وقعت أنظارها على أعين الرجال المحدقين بها، فدب في أوصالها رعشة خفيفة..
أشاحت بوجهها بعيداً، وتمتمت مع نفسها بقلق:
-شكل الأيام الجاية هاتكون صعبة، يا ريت أمشي من هنا بسرعة!
غاب مسعد لفترة فشعرت سابين بالقلق من غيابه الذي طال..
وبالطبع لم تسلم من التعليقات السخيفة والمبالغة من الشباب المتحمس لوجود أنثى وسطهم..
لمحته وهو يسير بخطوات سريعة نحوها وهاتفاً بجدية:.

-معلش اتأخرت عليكي، بس كان في مشكلة كده وبأحلها
نظرت له بحيرة وهي تحاول فهم ما يقول، لكنه سريعاً ما أضاف بعدم اكتراث:
-بس متقلقيش، مسعد الجن، بيظبط كل حاجة
ابتسمت له وهي تردد على مضض:
-اوكي
لمح هو الشباب المتجمع على مقربة منها، فلوح لهم بذراعه وهو يهتف بحماس:
-منورين يا رجالة
رد عليه أحدهم بمكر وهو يغمز له:
-ايه يا مسعد مش تعرفنا
أجابه بحذر وقد إرتسم على قسمات وجهه ملامح جادة:.

-خبراء أجانب، أمريكان، ها، أمريكان، ماشي، يعني مارينز، وحركات، فخدوا بالكم، ومتوصي عليها من فوق!
هتف أخر بنبرة عالية رغم عدم اقتناعه:
-تمام يا باشا، احنا موجودين في الخدمة لو عوزت حاجة
لوح لهم بكفه وهو يرد:
-شكراً
تساءلت سابين بإرهاق وهي محدقة بمسعد:
-موسأد، هو أنا هأنام فين؟
رد عليها بإبتسامته العريضة:
-هنا يا صابرين
ارتفع حاجبيها للأعلى في تعجب واضح، وهتفت مصدومة:
-ايه What) )؟

رفع لها إبهامه بعلامة الإنتصار وهو يرد بثقة:
-أنا خدتلك أوضة مخصوص، زي ما بيقولوا وصاية، احنا بنعتبرها فايف ستارز
سألته بنزق وهي تنفض خصلات شعرها:
-في فندق هنا؟
تجهم وجهه وهو يرد بجمود:
-لأ طبعاً، في أوض للظباط!
أشارت له بإصبعها وهي تسأله بفضول:
-إنت نام هنا؟
رد عليها بجدية
-ايوه، أومال يعني بأبات في الطل، الكل بيبات هنا
هزت رأسها متفهمة وهي تقول بخفوت:
-أها، I got it ( فهمتك ).

انحنى مسعد بجذعه للأمام ليمسك بحقيبتها، ثم أشار لها برأسه وهو يتحرك قائلاً:
-تعالي هاوريكي هتقعدي فين!
ثم رمقها بنظرات ذات مغزى، وأكمل سيره نحو غرف الضباط الملحقة بالمبنى السكني المتواجد في زاوية المركز..
تبعته سابين بخطوات حذرة، وازدردت ريقها بتوجس وهي تحدث نفسها:
-مش مرتحالك، شكلك ناوي على حاجة…!
في مركز التدريب،
تحركت سابين خلف مسعد وتلفتت حولها بحذر متأملة أوجه المحدقين بها وكأنها كائن فضائي قد هبط تواً من مكوكه الصاروخي..
كانت الحرارة عالية للغاية، ولا يوجد أي مساحة للإستظلال بها..
لوحت بيدها في الهواء محاولة تحريك تلك النسمات الثابتة لعلها ترطب عليها، لكن دون جدوى..
تساءلت هي بصوت مرهق:
-موسآد، ألا يوجد مظلات؟
إستدار برأسه نحوها، وسألها بعدم فهم وهو محدق بها:
-ايه؟
ردت قائلة بإنهاك:.

-مظلات!
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول بحماس:
-اه طبعاً موجود، ده احنا عندنا تشكيل بالكامل على أعلى مستوى ممكن تتخيليه!
سألته بتلهف وهي تتلفت حولها:
-فين؟ ( Where )
أومأ بعينيه وهو يجيبها بثقة:
-في المركز بتاعهم، هما مش هنا، وبيقوموا بمهمات في آآ…
أدركت سابين أن مسعد لم يفهم سؤالها جيداً، فقاطعته معترضة وهي تشير بيدها:
-نو نو نو ( No, no) موسأد، إنت مش إفهم، أنا أتكلم عن مظلة، ممم، Umbrella ( شمسية ).

حك مؤخرة رأسه بيده، وسألها بحرج:
-اللي هي آآ، بسطيهالي شوية
ردت عليه بجدية:
-Umbrella!
بدى مسعد غير قادراً على فهم لكنتها، فعضت على شفتها السفلى وهي تحاول إجابته باللغى العربية، فخرج صوتها متلعثماً وهي تقول:
-هي شم، شم، آآ..
قاطعها قائلاً بحماس مفرط:
-شمامة
إرتفع حاجبها للأعلى، وفغرت فمها لتردد بحيرة:
-ماذا ( What )؟
فسر لها قائلاً بهدوء:.

-شمام، بتاع أصفر كده بيتاكل، بيتقال عليه في الفلاحين أناناس، وهو شبه الكنتالوب وآآ…
قاطعته قائلة بعد أن توصلت لمعنى الكلمة الصحيح:
-لأ، هي شمسية!
أرجع رأسه للخلف، وتنهد بعمق وهو يضيف بعتاب زائف:
-آها، طب ما تقولي شمسية، لزمتها ايه تعوجي بؤك عليا
ابتسمت له ابتسامة باردة وهي تسأله:
-سوري، هي فين؟
أجابها بإيجاز وهو يهز كتفيه في عدم مبالاة:
-مافيش!
ردت عليه بلكنة عربية متكسرة:
-هاه، فيش!

حرك رأسه مؤكداً بجدية:
-ايوه، مافيش شماسي هنا!
قطبت جبينها بشدة، واحتجت قائلة بضيق واضح في نبرتها وتعابير وجهها:
-ليه موسأد؟ دي مهمة، إحميك من الشمس!
برر لها قائلاً بإمتعاض وقد ظهرت علامات الوجوم إلى حد ما في تقاسيمه المشدودة:
-يا صابرين احنا مش بتوع شمسيات ومظلات والحركات دي، احنا أقصى طموحنا هنا ناخد أجازة ومانشوفش وش ناس معينة، ومحدش يقرفنا فيها!
-اوه! غريب ( Wired ).

اعترض طريق مسعد أحد زملائه، وتشكل على وجهه ابتسامة سخيفة وهو يتساءل بفضول:
-مين دي يا مسعد؟ مش تعرفنا يا بطل!
رد عليها بنبرة قاتمة وهو يرمق زميله – فادي – بنظرات ساخطة:
-اهو ده واحد من الوشوش اياها!
هتف فادي قائلاً بإصرار:
-مردتش عليا! مين دي يا باشا؟
أجابه مسعد بفتور:
-خبيرة أجنية يا فادي!
أردف فادي قائلاً بسخرية:
-خميرة
احتقن وجه مسعد نوعاً ما، ورمقه بنظرات قوية وهو يتابع بنبرة جادة للغاية:.

-بأقولك خبيرة دولية جاية هنا، فبلاش ألشك الرخم الله يكرمك
تفحص فادي سابين بنظرات دقيقة أحرجتها من رأسها لأخمص قدميها وهو يكمل بتعجب:
-واحنا من امتى بيبعتولنا صواريخ كده أرض جو من غير ما يقولولنا؟!
تحرك مسعد بجسده ليسد عليه الرؤية، وتابع قائلاً على مضض:
-بأقولك ايه يا فادي دي تقفيل بلاد برا، أمريكاني يعني، ومتوصي عليها من فوق أوي!
ثم رفع إصبعه ليحذره قائلاً:.

-فخلي بالك، شغل العواطف والترحيب الأوفر والحركات النص لبة دي ماتكولش معاها، فمافيش داعي منه!
حك مؤخرة رأسه بعدم اقتناع وهو يتمتم:
-ماشي، ماشي، بس قولي هي جاية زيارة عندنا؟
نفخ مسعد بنفاذ صبر وهو يجيبه:
-حاجة زي كده!
سأله فادي بفضول وهو يضيق نظراته:
-يعني هاتقعد معانا؟
أجابه بإمتعاض بادي في نبرته:
-احتمال!
ارتسمت ابتسامة عريضة على ثغره، وهتف بتحمس زائد:.

-يا سيدي احنا عاوزين نخدم، ونقوم بواجب الضيافة مع الأجانب، لزوم تنشيط السياحة!
رد عليه مسعد ساخراً:
-اه، ما أنا عارف قلبكم الرهيف، فجأة الحس الوطني زاد عندكم وفاض!
أضاف فادي قائلاً ببرود:
-طبعاً
ثم تحرك للجانب، وحدق في سابين بنظرات مطولة وهو يسألها بصوت رخيم:
-والجميل اسمه ايه؟
وضع مسعد يده على كتف فادي، وضغط عليه بقوة وهو يقول بحنق:
-صابرين مابتعرفش عربي، فلخص.

قطب فادي جبينه بإندهاش، ومط فمه قليلاً بتعجب وهو يردد بعدم تصديق:
-مممم، صابرين، بقى الحلاوة دي كلها اسمها صابرين
رد عليه مسعد بإمتعاض:
-حكمة ربنا زي ما أنا اسمي مسعد!
أضاف فادي قائلاً ببرود مستفز:
-يا شيخ، طب أنا بأعرف لغات كويس!
هز مسعد رأسه بحركة خفيفة وهو يضيف ساخراً:
-ايوه، معاك لغتين وهاتخويها بالتالتة قريب
قهقه فادي بطريقة سخيفة، ثم هتف:
-دمك خفيف يا مسعد
نفخ مسعد بصوت مسموع وهو يرد عليه:.

-متشكر يا سيدي
لوح فادي بيده وهو ينظر في إتجاه سابين ليضيف:
-عاوز أقولك يا أستاذة إن مسعد ده أكتر واحد آآ…
قاطعه مسعد ليقول بحنق:
-مختلف هنا
مازحه فادي قائلاً بضحكة عالية:
-لأ متخلف!
انزعجت سابين من أسلوب ذلك الشخص السمج، ورمقته بنظرات ساخطة وزفرت بهدوء..
انزعج مسعد من اسلوبه الفج في المزاح، وحذره بجدية واضحة:
-هاتغلط يا فادي؟!
رسم فادي على شفتيه ابتسامة هادئة وهو يرد عليه بحذر:
-بأهزر معاك، فكك بقى!

ثم اندفع بجسده ناحية سابين التي تراجعت خطوة للخلف، ومد يده ليصافحها وهو يقول بنبرة دبلوماسية:
-هالو أنا فادي
ردت عليه سابين بفتور وهي تسحب يدها سريعاً من قبضته:
-هاي أنا سابين!
تعمد فادي أن يتحدث باللغة الإنجليزية مع سابين، فقد وجدها فرصة للتودد إليها دون أن يعترضه مسعد، لذا رفع حاجبيه في إعجاب، وتمتم قائلاً وهو يغمز لها:
-واو، اسمك جميل ( Nice name by the way ).

ظهر على وجه سابين علامات الإنزعاج واضحة من طريقته المصطنعة، ومع هذا أجبرت نفسها على الحفاظ على هدوئها أمام ذلك السخيف، وضغطت على شفتيها لتجيبه بإبتسامتها المهذبة:
-ثانكس
سألها فادي بفضول وهو يعمق نظراته نحوها:
-هل هذه أول زيارة لكِ لمصر ( Is it your first time to visit Egypt )؟
أومأت برأسها إيجابا وهي ترد عليه برقة:
-أها، نعم
أضاف هو قائلاً بإبتسامة عريضة:.

-أتمنى أن تستمتعي بإقامتك معنا ( Hope you enjoy staying here )!
لم يفهم مسعد كلمة واحدة مما تقال وظل يحرك رأسه ببلاهة وهو ينظر نحوهما، ولكن نفذ صبره، فصاح بحنق:
-وأنا هاقضيها متفرج كده كتير، قصر يا سيدي في الكلام
نظر له فادي قائلاً بعتاب:
-حاضر، مش بأرحب بالخبيرة
رد عليه مسعد بسخط وهو يرمقه بنظرات منزعجة:
-كفاية ترحيب، حتى كتر السلام بيقل المعرفة.

تجاهل فادي حديث مسعد، وإستدار برأسه ليتأمل سابين مجدداً بنظراته الجريئة، ثم أضاف بتهكم متعمداً إهانة زميله وهو يشير نحوه بإبهامه:
-ضعي في الإعتبار أن مسعد لا يعرف الإنجليزية، هو جاهل وغبي ( Mos ad doesn t know English at all, he s stupid and dump )
ردت عليه سابين بضيق:
-أها، أعرف هذا ( Yeah, I know this )
سأله مسعد بجدية وقد استشعر وجود خطب ما:
-انت بتقولها ايه؟
ابتسم له ببرود وهو يجيبه:
-بشكرلها فيك.

رمقه مسعد بنظرات حادة وهو يتابع بتبرم:
-لأ واضح فعلاً، أنا حاسس بده
اقتربت سابين من مسعد، وارتفع بقدميها عن الأرضية الإسفلتية قليلاً لتهمس له في أذنه بلكنتها العربية الغريبة:
-هو قول إنت هومار ( حمار ) في إنجليش
سمعها فادي، وتعجب من ردها باللغة العربية، فتنحنح بحرج، وهتف مسرعاً بمزاح:
-دونكي يعني!
حدجه مسعد بنظرات نارية، وكز على أسنانه بقوة قائلاً:
-كتر خيرك يا فادي
أضاف فادي بنبرة سخيفة:.

-عشان تعرف معزتك عندي!
رد عليه مسعد بهدوء مصطنع:
-شكراً يا سيدي، تسلم على ذوقك، يعني مش عارف من غيرك شكلي كان هيبوظ ازاي أكتر من كده!
ثم إستدار برأسه ناحية سابين، وصاح بها بنبرة شبه آمرة:
-يالا يا صابرين لأحسن لو طولنا شوية هانفجر هنا!
-اوكي
قالتها سابين وهي تتحرك خلفه بخطوات مسرعة..
ظلت أنظار فادي معلقة بهما، وحك موخرة رأسه عدة مرات وهو يتنهد بحرارة، ثم حدث نفسه بمكر:
-شكلها هتلعب معانا كلنا!

في منزل مسعد غراب،
اتجهت السيدة صفية لتفتح باب المنزل بعد أن سمعت تلك الدقات الخافتة عليه، وارتسم على محياها إبتسامة عذبة وهي ترحب بالضيفة قائلة:
-تعالي يا هدير، خشي يا بنتي
قبلتها هدير من وجنتيها، وهتفت بإبتسامة رقيقة:
-هاي طنط، إزيك؟
ردت عليها صفية بنبرة أمومية:
-الحمدلله يا بنتي!
ثم ربتت على ظهرها وهي تسألها بإهتمام:
-اخبارك انتي ايه؟ ومامتك صحتها عاملة ايه؟
هزت رأسها بحركة خفيفة وهي تقول بهدوء:.

-تمام يا طنط
ثم بحثت بعينيها عن إيناس، وتساءلت بجدية:
– هو، هو إيناس موجودة؟
أومأت صفية برأسها إيجاباً وهي ترد:
-أيوه، خشيلها، هتلاقيها في أوضتها!
رسمت هدير ابتسامة ناعمة على ثغرها، ونظرت لها ممتنة وهي ترد:
-اوكي يا طنط.

تفاجئت إيناس برفيقتها هدير تقتحم عليها الغرفة، فنهضت من على الفراش، وحدقت فيها بذهول، وسألتها بإندهاش:
-في حاجة حصلت يا هدير؟ إنتي جيتي ليه هنا؟ هو المستر قال حاجة جديدة وأنا معرفش؟
أشارت لها بكفها وهي تجيبها بهدوء:
-اهدي يا نوسة، مافيش حاجة حصلت!
سألتها الأخيرة بنزق وهي قاطبة لجبينها:
-أومال جاية بنفسك هنا ليه؟!
ردت عليها هدير ببرود وهي ترمقها بنظرات غير مريحة:
-وحشتيني!

زاد انعقاد ما بين حاجبي إيناس، ونظرت لها بعدم تصديق، ثم هتفت معترضة:
-ده بجد!
زادت ابتسامتها الغامضة اتساعاً وهي ترد عليها:
-أه طبعاً
عقدت إيناس ساعديها أمام صدرها، وضاقت نظراتها بشدة وهي تحدق بها، ثم أردفت قائلة بعدم اقتناع:
-هدير، جيتك النهاردة مش عادية
لوحت لها رفيقتها بإصبعها، وطلبت منها بهدوء:
-اقفلي بس الباب علينا وهافهمك!
تحركت إيناس صوب الباب، وأرخت ساعديها، وردت متمتمة بإيجاز:
-اوكي.

تأكدت هي من غلق الباب، ثم استدارت لتواجه رفيقتها، وسألتها بلا تردد:
-خير؟!
جذبتها هدير من ذراعها لتجلس إلى جوارها على طرف الفراش، ثم ضافت نظراتها المتفرسة في ملامح وجهها، وأخفضت نبرة صوتها وهي تسألها بفضول جلي:
-قوليلي يا نوسة مين المز اللي كان معاكي؟
فغرت إيناس شفتيها بتعجب لتقول:
-مز!
أومأت برأسها وهي تهتف بحماس واضح في تعابير وجهها وتصرفاتها:
-ايوه، الشاب اللي بطول وعرض اللي كان ماشي معاكي.

هزت إيناس كتفيها نافية:
-بس أنا مكونتش ماشية مع حد
غمزت لها هدير وهي تتابع بلؤم:
-عليا برضوه، ده أنا شيفاكي معاه!
أنكرت إيناس قائلة بإصرار:
-يا بنتي محصلش
عبست هدير بملامح وجهها، وزمت فمها وهي تحتج قائلة:
-إيناس، مش تلفي عليا، أنا شوفتك بعينيا وانتي راجعة معاه هنا!
فكرت إيناس قليلاً فيما تقوله رفيقتها، وشردت لوهلة مستعيدة ما حدث معها، ثم تشدقت ب:
-لأحسن تكوني بتكلمي عن باسل!

انفرجت شفتي هدير بإعجاب واضح وهي تقول:
-ايه ده، هو اسمه باسل، واو، لايق عليه!
هزت إيناس كتفيها في عدم مبالاة، وتابعت بفتور:
-بس ده صاحب أخويا
حركت هدير رأسها مستنكرة وهي تقول بعبوس زائف:
-صاحب أخوكي! وماشي معاكي عادي؟!
ردت عليها إيناس بجدية:
-يا هدير ده اكبر مني بكتير، يعني الفرق بينا مش أقل من عشر سنين!
عضت هدير على شفتها السفلى بإعجاب، وأردفت بنبرة متحمسة:
-واو، كمان، يعني فاهم وخبرة!

نهرتها إيناس قائلة بحدة:
-انتي يا بت هبلة، ده زي أخويا!
اعترضت هدير على ما تقوله ب:
-اخوكي مين، مافيش كلام من ده معاه!
تعجبت إيناس مما تصرح به رفيقتها، وقطبت جبينها بحيرة، وبرقت عينيها وهي تهتف بإنزعاج:
-هدير، وضحي كلامك!
تنهدت هدير بعمق، ثم همست بنبرة هائمة وهي تشرد بنظراتها:
-المز شكله جامد طحن، يستاهل الواحد يمشي معاه!
وفجأة تحولت نظراتها للجدية وهي تحذرها:
-اوعي تضيعيه منك.

التوى ثغر إيناس بإبتسامة ساخرة وهي ترد بإستخفاف:
-بطلي هبل!
وضعت هدير يدها على فخذ رفيقتها، وضغطت عليه قليلاً وهي تضيف بجدية:
-يا نوسة أنا عاوزة مصلحتك، واحد زي ده هتلاقي ألف واحدة تحوم حواليه!
نهضت إيناس من جوارها، وأولتها ظهرها، ثم شردت لوهلة فيما قالته، وتخيلت نفسها برفقة باسل يسيران سوياً بمفردهما..

ولكنها سريعاً ما نفضت تلك التخيلات عن ذهنها، وازدردت ريقها، ثم تنحنحت بخفوت، واحتجت بجدية زائفة وهي ترد:
-هدير إحنا في إعدادي، وكام شهر وهنبقى في ثانوي، ماينفش الكلام ده، كمان هو مش بيفكر أصلاً فيا بالطريقة دي!
أرجعت هدير جسدها للخلف، ووضعت ساقها فوق الأخرى، ثم هزتها بحركة ثابتة وهي تسألها ببرود:
-ليه يعني؟
ابتلعت إيناس ريقها بتوتر، وهتفت بجدية مبالغة:
-لأنه ماينفعش!

أخذت هدير نفساً عميقاً، وزفرته على مهل، ورفعت كفها للأعلى، ثم تابعت بهدوء وهي تنظر إلى طلاء أظافرها:
-خليكي ناصحة، واجبريه يشوفك قصاده!
حكت إيناس جبينها، وسألتها بإهتمام:
-قصدك ايه؟
اعتدلت هدير في جلستها، وردت عليها بنبرة عملية:
-ده فرصة، شاب وبيشتغل واكيد عنده شقته، والنوع ده من الشباب بيحب يخطب الصغرين، و سنة ولا اتنين ويخطبك وتتجوزوا!

اندهشت إيناس من تفكير رفيقتها الذي يتجاوز مرحلتهما العمرية الحالية، ورمشت بعينيها عدة مرات محاولة إستيعاب ما تقوله…
ثم حذرتها قائلة وهي تشير بسبابتها:
-بس لو انتي فضلتي زي ما انتي كده شبه البويز مش هايفكر فيكي من أساسه!
-ممممم
أضافت هدير بخبث وقد نهضت عن الفراش:
-أنا عاوزة مصلحتك، وقولت اللي يملاه عليا ضميري
بدى الإرتباك واضحاً على تعابير وجه إيناس، وفركت فروة رأسها بحيرة وهي تغمغم بقلق:.

-مش مرتاحة يا هدير
لفت هدير ذراعها حول كتف رفيقتها، وهمست لها بمكر:
-فكري فيها براحتك، وهتعرفي إني غرضي مصلحتك، أوكي؟
ثم سحبت ذراعها، وتحركت بخطوات رشيقة نحو الباب..
سألتها إيناس بتلهف وهي تتابعها بنظراتها:
-انتي رايحة فين؟
ردت عليها بنعومة:
-هارجع البيت
استغربت إيناس من إنصرافها المفاجيء، وهتفت:
-بس انتي جيتي فيه ايه وآآ..
قاطعتها هدير بنبرة رقيقة:.

-هانبقى نرغي براحتنا بعدين، المهم انتي فكري في اللي قولته، اوكي!
ضغطت إيناس على شفتيها لترد قائلة:
-ماشي، ربنا يسهل
لوحت لها رفيقتها بكفها وهي تقول:
-باي يا نوسة
-باي باي
جلست إيناس على طرف الفراش لتفكر ملياً فيما قالته رفيقتها، ما أثار إندهاشها حقاً هو مفهومها الغير عقلاني في تناول أمور لا تتناسب مع عمرهن الزمني..
ومع هذا تغير منظورها للمسألة برمتها، وبدأت تفكر فيها من ناحية أخرى…

في مركز التدريب،
توقف مسعد أمام عدة مبانٍ منخفضة متلاصقة – مطلية باللون الأبيض الذي يميل للرمادي – لا تتجاوز الثلاث طوابق، ثم التفت برأسه نصف إلتفاتة نحو سابين، واستطرد حديثه قائلاً بهدوء:
-المفروض إنتي هاتقعدي هنا
حدقت هي في المباني بنظراتِ دقيقة وتأملت هيئتها بفضول عجيب..

فقد كانت مختلفة عما خطر في تصورها، فكانت أقرب للمساكن العادية التي يرتادها المصطافون قديماً كما رأت في صور والدها الفوتغرافية القديمة، لا يوجد بها أي شيء مميز..
تحرك مسعد للأمام، ومر في الرواق حتى وقف أمام باب خشبي أزرق، وأسند الحقيبة إلى جوارها، ثم أخرج المفتاح الصغير من جيبه، ووضعه في موضعه وفتحه، ثم دفعه بيده لينفتح على مصرعيه، واستدار برأسه للخلف ليقول بنبرة مرتفعة:
-تعالي يا صابرين.

اتجهت نحو الباب، ووقفت على عتبته، وحدقت في الظلام الدامس الذي يغلف الغرفة، وشعرت بثقل الهواء في الداخل، ثم ابتلعت ريقها، وهمست متساءلة بجدية وهي تشير بإصبعها:
-أنا Stay here ) أبقى هنا )؟
رد عليها مسعد بهدوء:
-هو أنا مش فاهم بتقولي ايه، بس ده مكانك، وإن شاء الله تعجبك الأوضة!
تسمرت هي في مكانها، فصاح بها بحماس:
-خشي برجلك اليمين
مالت برأسها نحوه لتسأله:
-ايه ( What )؟
ابتسم لها وهو يقول:.

-ادخلي يا صابرين، دي ليلتك فل إن شاء الله!
هزت رأسها إيجاباً، ولكنها ردت بتوجس ظاهر في نبرتها:
-اوكي، بس It s dull ( مظلمة )
بدت عبارتها غامضة بالنسبة له، ولكنه لم يهتم، وأشار لها بيده قائلاً بإصرار:
-ادخلي بس وهانورلك النور
هزت رأسها معترضة، وأشارت نحوه لتقول بإلحاح بلكنتها الرقيقة:
-إنت أول!
ابتسم لها ببلاهة وهو يضيف بمزاح:
-متخافيش مافيش عفاريت جوا، هما بيطلعوا بالليل بس.

دب في جسدها إرتعاشة خفيفة فقد فهمت مقصده، وصاحت بخوف:
-ايه؟
تجمدت تعابير وجهه وهو يضيف بنبرة خافتة:
-بسم الله الرحمن الرحيم، سلام قول من رب رحيم
ارتعدت سابين قليلاً، وسألتها بقلق:
-إنت قول ايه؟
رد عليها بنبرة خافتة للغاية أخافتها نوعاً ما:
-باستعيذ بالله من الشيطان!
انكمشت على نفسها، وبدت مذعورة بدرجة ملحوظة، ورمشت بعينيها لتردد بتوسل:
-موسأد، بليز، أنا أخاف!
انتصب مسعد بجسده، وصاح بصلابة عجيبة:.

-تخافي وأنا موجود، هو إنتي معاكي ابن أختك، عيب عليكي يا صابرين!
ثم ولج بعد عبارته للداخل، وبحث عن مفتاح الإنارة ليضيء المكان..
تأملت سابين الغرفة بعد أن تمت إضاءتها بنظرات متفحصة، وجابت ببصرها كل ركن فيها..
احتوت الغرفة على فراش عريض بالمنتصف، وخزانة ملابس بسيطة محفورة في الحائط الجانبي، وكذلك طاولة على الجانب موضوع إلى جوارها مقعدين بلاستيكين، وكومود ملاصق للفراش
قطع تأملها صوت مسعد وهو يسرد قائلاً:.

-بصي دي أحسن حاجة متوفرة حالياً، كان في أوضة تانية، بس احم، آآ، المجاري طافحة فيها، والريحة مقولكيش فواحة، نشادر أقل وصف ليها!
هزت رأسها متفهمة وهي تقول بهمس:
-اوكي
ابتسم لها ابتسامة مطمئنة، ثم أضاف محذراً:
-مش عاوزك تقلقي من أي كائنات تشوفيها هنا!
شهقت مصدومة مما قاله، وسألته بتوتر:
-ايه ( What )؟
أوضح لها ما يقصد بهدوء مريب:.

-ما انتي مش لوحدك، واحنا مش في العمران أوي، احنا في وسط صحرا، والطبيعي إنك تلاقي مخلوقات تانية بتشاركك كل حاجة!
اتسعت حدقتيها في صدمة، وبدت غير قادرة على تفسير ما قاله، فأضاف موضحاً:
-مش عاوزك تقلقي، هما مش بيطيروا، دول أغلبهم زواحف!
سألته بنبرة حائرة بعد عبارته الغامضة:
-مش فهماك!
أولها ظهره، وأضاف بجدية وهو يشير بيده:
-انتي بس سدي عقب الباب بفوطة ولا ملابة قديمة عشان التريشا ( نوع من أنواع الثعابين ).

فغرت فمها مدهوشة نوعاً ما، وتمتمت بإستغراب:
-هاه
أردف مسعد قائلاً بضجر:
-إنتي مال الغباء نزل عليكي مرة واحدة كده ليه!
ردت عليه بحنق:
-أنا مش افهم كلمة دي
فسر لها ما يقصد قائلاً بصوت شبه متلعثم:
-التريشا دي يعني تعبان، اللي هو اسمه كان آآ، سآآ، سن، سناكس ( Snacks ) ( مقرمشات )
توهمت سابين أنه يتحدث عن نوع من الطعام الخفيف، فسألته بتعجب:
-ده يتاكل؟
فرك طرف ذقنه بكفه، وأجابها بهدوء:.

-هو احنا هنا ممكن ناكله عادي، بس معرفش انتي نظامك ايه معاه!
قضمت سابين شفتها قليلاً، وسألته بحرج خاصة حينما تعذر عليها فهم ما يردده من كلمات بدت غامضة لها:
-ممكن U ( انت ) إوصف تيشة دي!
صحح لها قائلاً:
-تريشا، مش تيشة!
-اوكي
تابع مسعد قائلاً وهو يفسر بيده:
-هو صغير وبيمشي على بطنه، وبيعمل صوت سسسس
جحظت بعينيها مصدومة، وتساءلت بهلع:
-إنت اقصد Snake ( ثعبان )؟
هز رأسه موافقاً بقوة:
-ايوه، هو ده!

شهقت بذعر جلي، وكتمت فمها بكفيها:
-أوووه
تعجب مسعد من ردة فعلها المبالغ فيها، وسألها بإستغراب:
-في ايه؟
قفزت في مكانها بخوف وهي ترد بنبرة مرتعدة:
-هنا في snakes ( ثعابين )؟!
أجابها بثقة وثغره يعلوه إبتسامة عريضة:
-بالهبل، متعديش!
حركت سابين رأسها بصورة هيسترية بعد أن دار بمخيلتها أوهاماً مزيفة عن وجود تلك الأفاعي الغريبة في غرفتها، وصاحت بنبرة خائفة:
-أنا مش اقعد هنا.

مرر مسعد يده في فروة رأسه، وتأملها بنظرات متعجبة، ثم تمتم مع نفسه بريبة:
-أومال لو عرفتي الباقي هتعملي ايه…؟!
في مركز التدريب،
تلفتت سابين حولها بذعر، ورفعت ساقها عن الأرضية الصلبة لتتأكد من عدم وجود أي أفاعٍ أسفل قدميها
وضع مسعد إصبعه على طرف أنفه ليحكه قبل أن يضيف بهدوء:
-أنا بأوضحلك الحياة هنا عاملة ازاي
ابتلعت سابين ريقها بصعوبة، وهمست بقلق:
-أنا آآ، أهاف ( أخاف ) من انت تقوله
تمطع بذراعيه قبل أن يتابع بحماس:.

-شوفي يا صابرين، ساعات وانتي اعدة كده في حالك هتلاقي فيران معدية، متخافيش، طول ما هي صغيرة انتي في أمان!
رددت بلكنتها العربية الغريبة وقد إرتفعت حاجبيها للأعلى:
-ف، فران!
أومأ برأسه إيجاباً وهو يوضح بثقة:
-فيران، جمع فار، البتاع الصغير اللي بياكل الجبنة
سألته سابين بنعومة:
-انت أقصد mouse؟
اعتلى ثغره ابتسامة عريضة، وهتف بسعادة:.

-ايوه، هو ميكي ماوس، احنا هنا عندنا أحجام كتير منه، سمول، وميديم، واكس اكس اكس لارج!
تشكل على تعابير وجهها علامات الذهول، بينما أكمل هو بنفس النبرة الواثقة:
-بصي كلهم عادي، انتي بس ممكن تقلقي من الفاميلي سايز، ده مايعرفش أبوه، ديله غبي، وسنانه رهيبة، وشكله أصلاً مقرف وجربان ويجيب المرض!
امتعض وجهها لتهتف بتأفف بعد أن بدت نظرات الإشمئزاز واضح في عينيها:
-إيوو
أشار بسبابته وهو يضيف بجدية:.

-اه، نسيت أقولك احنا عندنا أم أربعة وأربعين!
تعجبت من العبارة الأخيرة، وسألته بإستفهام:
-اي دي موسأد؟
أوضح لها بهدوء وهو يفرك جبينه:
-دي بنقول عليها بالإنجليزي آآ، انا فاركها دي سهلة خالص!
تابعته بنظراتها المتوترة وهو يتحرك ذهاباً وإياباً، وفجأة صاح بحماس جلي:
-ايوه، افتكرت، هي اسمها فور باي فور
عقدت ما بين حاجبيها في إندهاش، ولوحت بذراعيها قائلة:
-هي Car، بيب بيب!
هز رأسه نافياً:
-لأ، أم أربعة وأربعين!

هزت سابين كتفيها في عدم مبالاة، ورددت بيأس:
-مش إفهم
قال لها مبتسماً:
-دي عادية، لما تشوفيها هتعرفيها
-اها
ثم حذرها قائلاً بجدية:
-المهم خلي بالك من العقارب، دول مش كيوت خالص، ومش لونهم اسود زي عندكم، لأ دول صفر وسمهم والقبر!
تشنجت تعابير وجهها قليلاً وهي تهتف بصعوبة:
-آآ، مش إعرف قولها!
فسر لها مشيراً بيديه:
-عقارب، البتاع اللي شبه الكابوريا، اللي بيعمل كده بديله!

ارتجف جسدها وقد فهمت ما يقول، ورددت بإرتعاد:
-أها، عرفته، ده مرعب!
عبس مسعد بوجهه وهو يضيف:
-جدااا، العناكب وشغل سبايدر مان هتلاقيه أساسي هنا
أشارت سابين بإصبعها للأسفل وهي تتساءل بإرتباك:
-اووه، وأنا suppose to ( المفروض ) أقعد مع دول؟ صح؟!
حرك رأسه إيجاباً وهو يجيبها بحماس:
-اينعم، الله ينور على دماغك، شوفي أنا كده حاطيتك على أول الطريق، وإنتي اجتهدي معاهم!

ثم رسم ابتسامة عريضة على ثغره في محاولة منه لطمأنة سابين التي بدت أكثر ذعراً وهلعاً عن ذي قبل..
وفجأة هتفت بصوت مرتجف وهي تتحرك نحو باب الغرفة:
-أنا مش اقعد هنا موسأد، Never ( استحالة )
اعترض مسعد طريقها قائلاً بإستغراب وهو يفتح ذراعيه في الهواء:
-ليه بس، والله اطمني، دي حاجات عادية
هزت رأسها رافضة وهي تحاول المرور من أمامه:
-نو، نو، أنا Scared ( خائفة )
نفخ بضيق وهو يتوسل لها:.

-أمانة عليكي كلميني بحاجات أفهمها!
حدقت فيه بعينيها الناعستين، وهمست له برقة:
-أنا أهاف موسأد ( أخاف )
تنهد بحرارة وهو يطالع نظراتها وهمس لنفسه:
-أهاف، يا سيدي على الرقة!
ثم تنحنح بخشونة واعتدل في وقفته، وأردف قائلاً بجدية:
-بصي، أنا معاكي، حطي هدومك انتي بس في الدولاب ومالكيش دعوة!
عقدت ساعديها أمام صدرها، وهزت رأسها معترضة وهي تقول بإصرار:
-نو، ( لا )
-يا صابرين متخافيش، مافيش حاجة فيه حتى بصي.

قالها مسعد وهو يتحرك صوب خزانة الملابس، ثم فتح ضلفتيها على مصرعيهما ليرى ما بالداخل، فكانت خاوية إلا من بعض الحشرات..
التفت برأسه نحوها نصف إلتفاتة، وهتف بصوت هاديء:
-أهوو، مافيش إلا صراصير وبس!
إرتخى ساعديها فوراً في صدمة، وسألته:
-ايه؟
أجابها بثقة وهو يبتسم لها:
-صرصار، معروف إنه صديق البنات الأول، حتى شوفي.

أمسك مسعد بذلك الصرصور القابع على رف الدولاب من شواربه بإصبعيه، ثم إستدار بجسده ناحيتها، ورفعه في وجهها، فصرخت بهلع وهي تركض للخارج:
-إيوو، مامي!
تعجب من ردة فعلها المبالغة، واستنكر صراخها المخيف، وصاح بسخط:
-في ايه يا صابرين، ده صرصار مش خنفسة، ده أنا حتى محدفتوش عليكي زي الهبلة إيناس!
ثم ألقاه مسعد خلف ظهره، وتبعها بخطوات متريثة وهو يمط فمه في تعجب…

لم تتمكن سابين من الفرار، فقد أمسك بها فادي – ذاك الضابط السمج الذي إلتقته سابقاً من خصرها، ومنعها من الركض، ورفعها عن الأرض قليلاً لينظر لها بإستمتاع وهي تتلوى في أحضانه محاولة تحرير نفسها من قبضته المحكمة حولها..
ضربته هي بقبضتيها في صدره بعنف، ولكن لم تكن قوتها بالهائلة لتبعده عنها وتتخلص منه…
خرج مسعد من الغرفة فوجده ممسكاً بها، فصاح به بصوت غاضب:
-فادي، إنت بتعمل ايه؟

رد عليه ببرود وهو ينظر لها بجرأة:
-ولا حاجة يا باشا، أنا بأرحب بالزبونة!
لكمته سابين بقبضتها المكتورة في صدره، وصرخت فيه:
-دعني أذهب ( Let me go )
وقف مسعد أمامه، ونزع قبضته عنها وهو يصيح به بغلظة:
-سيبها يا فادي!
همس لها فادي بنبرة اخافتها:
-على عيني أسيبك يا قمر
انهالت هي عليه بعدة شتائم متتالية باللغة الانجليزية بعد أن حررها، فرمقها فادي بنظرات حادة، وتحولت تعابير وجهه للوجوم، وصاح بصوت مهدد:.

-نعم؟ الكلام ده ليا أنا؟!
استشعر مسعد الخطر من نبرته المزعجة، وتعابيره المشدودة، فسأله بحذر:
-هي قالتلك ايه؟
كز على أسنانه بشراسة، ولم يجب على مسعد، ففهم الأخير أنها وبخته بسباب لاذع، فأردف قائلاً بمزاح ليخفف من حدة الأجواء:
-يبقى قالتلك ( تباً ) زي ما بنقرى في الأفلام
لوح لها فادي بكف يده وهو يتابع بصوت عدائي:
-لولا إنك في حماية مسعد باشا كنت اتصرفت معاكي!

لم تعبأ سابين بتهديده الزائف، وهتفت متحدية إياه:
-إنت غبي، أنا هاشتكيك!
غمز لها مسعد محذراً:
-مابلاش الغلط يا صابرين!
ثم تحرك قليلاً ليسد بجسده الطريق على فادي لو فكر في التعرض لسابين، وسأله بجدية وهو محدق به:
-عاوز ايه يا فادي؟
رمق هو سابين بنظرات ساخطة، ورد عليه بنبرة مغلولة:
-انا كنت جاي اخدم
هتف مسعد بضيق:
-متشكرين يا فادي، مش محتاجين خدماتك!
أشارت سابين بسبابتها متعمدة إهانة فادي وهي تضيف بسخط:.

-أنا مش أوز ( أعوز ) حاجة منك إنت!
صاح بها فادي بنبرة غليظة وهو يتحرك للفتك بها:
-مالك في ايه، مفرودة على ايه!
جفل جسد سابين من عنفه، وابتلعت ريقها بإرتعاد قليل، ورغم هذا إدعت ثابتها..
منعه مسعد بجسده، وحال دون إعتراضه إياها وهو يهتف بصوت قوي:
-ملكش دعوة بيها يا فادي، وكلمني أنا لو عندك حاجة!
ثم إستدار برأسه ناحية سابين، وصاح بصوت آمر:
-تعالى جمبي يا صابرين!

تحركت هي لتقف خلفه، ولم تكف عن رمق فادي بنظرات إحتقارية
همس لها مسعد من بين أسنانه:
-إنتي مش أده، ده لو عطس فيكي هايلزقك في السقف!
ثم انتبه ثلاثتهم إلى ذلك الصوت الجهوري الصادح من بعيد:
-مسعد، في ايه؟
اتسعت حدقتي مسعد في إندهاش، وهتف بذهول:
-باسل؟!

في مقهى ما،
قطمت هدير قطعة من ال ( تشيز كيك ) الموضوعة أمامها، وتلذذت بها وهي تلوكها في فمها، فنظرت لها هند بنظرات حادة، وهدرت فيها بضيق:
-يا بنتي اتكلمي، أنا زهقت، قالتلك ايه؟
ابتلعت تلك القطعة، ومسحت بالمنشفة الورقية فمها، وردت بهدوء:
-مش صاحبها
هتفت هند بسعادة وقد برقت عينيها بحماسة واضحة:
-بجد؟!
أومأت برأسها بحركة خفيفة وهي تكمل موضحة:
-ايوه، ده صاحب أخوها، وبالنسبالها عادي!

عضت هند على شفتها السفلي، وأكمل بإعجاب:
-واو، حلو أوي، دي فرصتنا نتصاحب عليه!
ردت عليها هدير بنبرة هادئة:
-اها، ما أنا بأفكر بس في سكة اقرب منه عن طريقها
هزت هند حاجبها وهي تسألها بمكر:
-يعني هي هاتكون كوبري؟!
أجابتها هدير بإيجاز:
-بالظبط
شدت هند كتفيها، وأضافت بتحمس:
-وأنا معاكي
-اوكي يا بيبي!
اقترب منهما شاب ما، وتساءل بصوت رخيم:
-ها يا بنات، جاهزين للسينما؟
ردت عليه هدير بنعومة:
-ايوه.

أشار لها برأسه وهو يقول:
-طب يالا
سألته هند بجدية:
-مين هيحاسب؟
ابتسم لها الشاب قائلاً:
-انا هادفع أكيد
نظرت له هدير بإمتنان وهي تقول:
-ثانكس
رد عليها بهدوء:
-على ايه، دي حاجة بسيطة!

في مركز التدريب،
تفاجيء مسعد بحضور باسل إلى مركز التدريب في هذا التوقيت، خاصة وأنه يعلم بمسألة حصوله على أجازة، إذن فوجوده هنا يعد أمراً غامضاً إن لم يكن مريباً..
لذا سأله بنزق وهو ينظر نحوه:
-انت مش كنت أجازة يا باسل؟
رد عليه رفيقه بجدية واضحة:
-ايوه، بس اتلغت!
سأله مسعد مستفهماً وقد دارت برأسه العديد من التساؤلات:
-ليه؟
أجابه بصوت جاد وهو يوزع أنظاره مابين سابين وفادي:.

-الفريق ضياء بلغني أتواجد معاك ضروري هنا عشان الخبيرة
رد عليه مسعد بتساؤل أخر:
-هو انت عرفت؟
أجابه باسل بإيجاز:
-ايوه
تنحنح فادي بصوت خشن، وفرك مؤخرة رأسه بيده، وأردف قائلاً بجمود:
-واضح كده إني وجودي مالوش لازمة
رد عليه باسل بجدية وهو يحدجه بنظراته الصارمة:
-يا ريت تسيبنا مع بعض شوية يا فادي!
همس مسعد من بين أسنانه:
-انت كلك على بعضك مالكش لازمة.

ثم تابعه ثلاثتهم بأنظارهم الحانقة وهو يتحرك مبتعداً عنهم، إستدار باسل في اتجاه سابين، ورحب بها قائلاً بود:
-هاي أنا باسل!
ردت عليه بإبتسامة مهذبة وهي تجيبه باللغة الإنجليزية:
-وأنا أدعى سابين ( me Sabeen )
صاح مسعد متذمراً:
-اتكلموا عربي الله يكرمك، أنا مش ناقص خوتت دماغ!
رد عليه باسل بهدوء:
-اوكي
ثم وجه حديثه إلى سابين قائلاً بجدية:.

-أنا، أنا مش عاوزك تقلقي يا مدام، احنا هنا معاكي، وهنلازمك لحد ما تخلصي التقييم بتاعك، ولو في أي مشكلة بلغيني بها على طول، وأنا هاتصرف
تنهدت سابين بإرتياح، ونظرت له ممتنة وهي تقول:
-اوكي! ثانكس
وتشكل على ثغرها إبتسامة رقيقة وهي تهمس لنفسها بإعجاب:
-واو، أخيرا حد بيفهم هتعامل معاه!
تساءل باسل بجيدة وهو يطالع المكان من حوله بنظرات متفحصة:
-انت هاتقعدها فين يا مسعد؟
رد عليه مسعد بسخرية:.

-تفتكر يعني في الفورسيزون، هنا طبعاً!
سأله بجدية:
-أقصد أنهو أوضة تحديداً؟
أجابه مسعد بهدوء وهو يفرك صدغه:
-بص كلهم مليانين بلاوي زرقة، فأنا منقيلها أحسن واحدة
مال عليه باسل برأسه، وهمس معترضاً:
-لأ ماينفعش، مش ناقصين فضايح ولا تكدير من الفريق ضياء!
ثم استدار ناحية سابين ليقول بصوت جاد يحمل الصرامة:
-مدام سابين انتي هتتواجدي في أوضتي، هي تمام ونضيفة، وانا هانقل مكانك!

رفع مسعد حاجبه للأعلى مستنكراً، وهتف معترضاً بضيق:
-يا سلام على الرجولة، وهاتعمل ايه في السمجين وأصحاب الحس الوطني اللي جمبك!
فكر باسل فيما قاله رفيقه، ورد عليه قائلاً:
-أها، عندك حق، أنا مفكرتش في دول خالص
تابع مسعد قائلاً بتبرير:
-مش بأقولك، هي هنا المبنى مافيش فيه حد كتير، والرجل قليلة، فتكون براحتها!
ساد صمت لوقت محدود بين الجميع..

تحركت سابين للأمام لتترك لهما مساحة من الحرية للحديث، وحدقت في المكان حولها لتتأمل معالمة..
بينما فرك باسل ذقنه وهو يفكر جدياً في حل لتلك المعضلة، فهو يعلم حالة الغرف السكنية الموجودة بتلك المباني، وأنها لا تصلح إلى حد ما لإقامة مريحة..
ولكن لا بديل عنها، فوجود تلك الخبيرة في أي مبنى أخر قد يعرضها لمضايقات غير محمودة العواقب من الشباب المتواجد بها..

لذلك سعي لإيجاد حل سريع ومؤقت حتى تتم معالجة تلك المشكلة..
وضع باسل يده على كتف رفيقه، وصاح مقاطعاً ذلك الصمت قائلاً:
-أنا عندي اقتراح أفضل، احنا ننقل معاها
لوى مسعد فمه قائلاً بنبرة محتجة:
-نعم، بقى انت عايزني أنا مسعد غراب أسيب الجناح الغربي، واقعد هنا في القبلي عشان أتقلي!
رد عليه باسل بصوت جاد:
-المصلحة بتقول كده!
هتف مسعد معترضاً بغلظة:.

-يخربيتها مصلحة، ده مافيش مروحة توحد ربنا هنا، دي المنطقة زيرو خدمات في كل حاجة، احنا هنتشوي على نار هادية وهنتعذب ولا كفار قريش!
رد عليه باسل معاتباً:
-ويعني انت كنت عاوز تقعدها هنا لوحدها؟
تنحنح مسعد بحرج، وأجابه بإبتسامة خفيفة:
-هي مكانتش لوحدها أوي
سلط باسل أنظاره على سابين، وهمس محذراً:
-طب اسكت لأحسن بتبصلنا
رد عليه مسعد بنبرة ممتعضة:
-لعلمك هي بتفهم عربي بس بتستعبط
أضاف باسل قائلاً بتوبيخ:.

-والله إنت اللي شكلك ولا فاهم حاجة
رد عليه مسعد محتجاً:
-أنا مثقف في اللغة!
صحح له باسل ما لفظه قائلاً:
-إنت أمي ( جاهل ) يا بني!
اقتربت منهما سابين، وسألتها بجدية وهي توزع نظراتها بينهما:
-إنتو قولوا ايه؟
رد عليها باسل بهدوء جاد:
-بنظبط كل حاجة، ومتقلقيش يا مدام، هانكون معاكي
رفعت كفها في وجهه، وهتفت بنعومة:
-أنا مس ( Miss)، نو، مدام
تصنع باسل الإبتسام وهو يرد عليها بإختصار:
-سوري.

ثم لكز رفيقه بخفة في كتفه وهو يكمل بجدية:
-طب يالا، فين الشنط يا مسعد؟
أشار له الأخير بإصبعه قائلاً:
-في الأوضة جوا
-ماشي
وبالفعل تعاون باسل مع مسعد في تجهيز الغرفة الخاصة بسابين لتكون ملائمة لها..
ورغم حالة الخوف المسيطرة عليها من البقاء في هذا المكان الغريب لكنها كانت ممتنة لوجود الاثنين معها، حالياً، فمازال الليل في أوله..

في منزل مسعد غراب،
أمسكت إيناس بالمرآة الصغيرة، وقربتها من حاجبها لتطالعه بنظرات متفحصة..
ثم قربت الملقط منه، وحاولت نزع تلك الشعيرات المتمردة، ولكنها تأوهت متألمة حينما تمكنت بصعوبة من إزالة واحدة..
ألقط بالمرآة والملقط، ونفخ بضيق وهي تمتم لنفسها:
-يعني الشعرتين دول لما هاشيلهم هيبصلي مثلاً، دي حاجة بتوجع أوي!
زفرت مجدداً بإنهاك، وألقت بجسدها على الفراش، ثم تقلبت على جانبها، وتابعت بضجر:.

-ماهو أنا مش عاوزة أكون شبه الولاد، محتاجة أروح لحد متخصص يصنفرني على رأي البنات
عقدت كفيها خلف رأسها بعد أن استلقت على ظهرها، ثم حدقت في سقفية الغرفة، وأكمل حديث نفسها:
-بكرة هاشوف مع هدير الحل!

في مركز التدريب،
لم تتمكن سابين من النوم مطلقاً في فراشها، فقد كانت مرتعدة من تعرضها للهجوم من أي نوع من الزواحف التي تحدث عنها مسعد مسبقاً..
انكمشت على نفسها في الفراش، وحاولت تغطية ساقيها، ولكن لإرتفاع الحرارة، لم تستطع تحمل الغطاء كثيراً، فقذفته بعيداً..
ضغطت على عينيها بقوة، وتنفست ببطء وهي تهمس لنفسها:
-اهدي يا سابوو، مافيش حاجة، دي أوهام.

سمعت صوت ( زنة ) مزعجة قريبة من أذنها، فدست رأسها في الوسادة..
مرت ثوانٍ قبل أن تشعر بلدغة في ساقها، فجذعت في نومتها، واعتدلت لترى ما الذي لدغها..
بدأت في حك ساقها، ورأت المتسبب بها
بالطبع كان الناموس المزعج يملأ الغرفة، وهي لم تسلم من لدغاته..
نفخت بيأس، ونهضت عن الفراش وهي تسب بكلمات مبهمة..

بحثت حولها عن المبيد حشري لكنها لم تجد العبوة، فزفرت بإستياء، ثم انحنت لتلتقط خفيها، وارتدته في قدميها، وتحركت في اتجاه باب الغرفة..
وقبل أن تمسك بالمقبض وتديره، نظرت إلى هيئتها..
ضربت مقدمة رأسها بكفها، وعاتبت نفسها قائلة:
-ازاي هاخرج كده، مش ينفع
كانت سابين ترتدي منامتها الصيفية القصيرة ذات اللون الأصفر، وهي لا تصلح بأي حال للوقوف خارج فراشها، فماذا عن خارج باب غرفتها..

التوى ثغرها بإبتسامة باهتة وهي تتابع بخفوت:
-أوه، كنت هانسى الروب!
ارتدت ذلك الروب الحريري، وأحكمت إغلاق رباطه حول خصرها، ثم نفضت شعرها للخلف بعد أن أعادت ترتيبه، وفتحت الباب لتلج للخارج..
أخذت هي نفساً عميقاً حبسته للحظات في صدرها قبل أن تقذفه دفعة واحدة من رئتيها..
وضعت يديها على خاصرتها، وتأملت المكان بنظرات متمعنة..
كان الظلام يغلف كل شيء تقريباً، فيما عدا بعض الأجزاء التي تضاء بأعمدة إنارة قوية..

شهقت بذعر حينما سمعت صوتاً رجولياً يقول:
-مساء الفل
استدارت برأسها ناحية مصدر الصوت، فوجدت مسعد جالساً على مقعد خشبي يميل به للخلف ومستنداً على الحائط
رمقته بنظرات حادة، وقبل أن تفتح شفتيها لتنطق، أردف هو قائلاً بهدوء:
-معرفتيش تنامي صح؟
عاتبته سابين قائلاً بتبرم:
-موسأد، إنت هوفت ( خوفت ) أنا
ابتسم لها قائلاً
-مقصدش!
ثم صمت للحظة قبل أن يكمل بتذمر:
-بس مش جايلي نوم، وهاموت من الناموس والحر!

أومأت برأسها موافقة اياه وهي تقول:
-أوه، انت عندك حق، الموسكيتو هنا فظيع
فغر فمه ليسألها بعدم فهم:
-ايه؟
أوضحت له قائلة بعد لحظة من التفكير:
-موسكيتو، ن، ناموس!
هز رأسه متفهماً، وصاح بحماس:
-اها، اسمه موسكيتو، شوف اللؤم وعاملين القرص بتاع الناموس على اسم كيتو، العلم نور والله!
زفرت سابين وهي تقول بضجر:
-موسأد، بليز شوف حل في الموسكيتو
رد عليها بأسف:
-يا صابرين، الموسكيتو عندنا غير أي موسكيتو!
-ليه؟

أجابها قائلاً وهو يشرح مستخدماً يديه:
-في بينا كده، زي ما تقولي علاقة دم، مش بيجوز معاهم حاجة
هزت كتفيها في عدم فهم، وهمست بنعومة:
-مش إفهم
فرك رأسه بكفه، ثم أخذ نفساً عميقاً، وزفره على مهل ليقول:
-بصي هما مصاصين دماء، مش هاسيبوكي إلا لما يشربوا دمك، وإنتي دمك بالنسبالهم شربات، فأكيد هايشفطوكي ويسبوكي جلد على عضم، حاجة زي الموميا كده، ها وصلت!

رغم عدم استيعابها لنصف ما قاله إلا أنها بادلته ابتسامة رقيقة وهي تقول بهدوء:
-أها، اوكي، أنا هاتمشى هنا شوية
اعتدل في جلسته بعد أن أخفض المقعد فجأة، وهتف مصدوماً:
-تتمشي
هزت رأسها إيجاباً وهي تقول بتنهيدة متعبة:
-ييس، أنا أحس بالملل
هب واقفاً، وتحرك ناحيتها، وأردف قائلاً بجدية:
-صابرين، الكلام ده ماينفعش هنا، في وحوش برا، محرومين يا عيني، أقل حاجة ممكن يغتصبوكي!
ارتعدت فرائصها مما قاله، وسألته مشدوهة:.

-ايه؟
حاول هو ألا يثير ذعرها أكثر، فبحث عن حجة أخرى مقنعة، فهتف بنزق:
-ده غير طبعاً السلعوة اللي عندنا
حاولت هي أن تلفظ تلك الكلمة، فظهر صوتها متقطعاً وهي تقول:
-س، سي، ايه؟
همس قائلاً وهو مثبت أنظاره عليها:
-سلعوة، اسمها سلعوة
سألته بإهتمام وهي محدقة به:
-دي ايه سيأوة ( سلعوة )
أجابها بصوت خفيض:
-دي شبه الكلب الوِلف عندكم، بس حرمه، المدام بتاعته يعني!
حركت سابين كتفيها في عدم إكتراث وهي تقول:.

-أنا أول مرة إسمع عن سيأوة دي
عبس بوجهه، وتقوس فمه بإمتعاض وهو يضيف:
-ماتشوفيش وحش منها، حاجة أعوذو بالله
سألته بترقب:
-هي خطر؟
صمت للحظات، وسلط أنظاره على الفراغ أمامه، ثم أجابها بهدوء:
-زمان واحنا صغيرين كانوا بيقولولنا السلعوة دي بتخبط على الباب، واللي بيفتحلها بتاكله!
اعترضت قائلة بإستغراب:
-بس دي Animal ( حيوان )!
هز رأسه قائلاً بجدية:
-ايوه فاهمك، هي بتخبط بإيدها!

ضيقت سابين عينيها، ورمقته بنظرات حادة فقد أيقنت أنه يسخر منها، ويحاول التلاعب بأعصابها، خاصة بعد أن رأت تلك الإبتسامة الصغيرة على فمه..
وضع يدها على خصرها، وتساءلت بعبوس:
-موسأد، إنت هوف ( خوف ) أنا؟
رد عليها بجدية عجيبة:
-طبعاً!
ثم وضع يده على ذراعها، فشهقت مصدومة، وسحبها عنوة ناحية غرفتها وهو يضيف بصوت أكثر جدية:
-خشي يا حاجة جوا، أومال عاوزاني أسيبك تخرجي كده، خليكي مع الناموس أحسن!

حاولت سابين تخليص ذراعها من قبضته، وهي تهتف معترضة:
-موسأد، استنى!
لم يصغِ إليها، بل إستمر في دفعها وهو يقول:
-بلا موسأد بلا بتاع، يالا يا ماما، احنا عندنا ولايا!
سألته مستفسرة وهي تقف على عتبة غرفتها:
-ايه ولايا دي؟
رد عليها بإنهاك:
-انتي رغاية أوي، وأنا دماغي قفلت، بكرة أفهمك
أسبلت سابين عينيها لترمقه بنظرات ناعمة، وأخفضت نبرة صوتها لتقول برقة مغرية:
-موسأد، أنا مش آوز أقعد alone ( لوحدي ).

رمش بعينيه متأثراً بطريقتها الرقيقة في الحديث، ورد عليها بتنهيدة حارة:
-هييييح، هو في كده
ثم رسم علامات جادة على وجهه، وأكمل بجدية:
-أنا هنام هنا على الباب، ولو شوفت حاجة هاصحيكي
-بجد؟
هز رأسه عدة مرات وهو يقول بإيجاز:
-أينعم!
ثم رسم ابتسامة مطمئنة على شفتيه وهو يضيف:
-نامي وحطي في بطنك بطيخة صيفي!
همست سابين مرددة بصوت رقيق للغاية:
-بطيها؟
رد عليها مقلداً إياها:
-ييس، بطيها!

نظرت له ممتنة، وشكرته قائلة وهي تشير بأصابعها:
-اوكي موسأد، باي!
رد عليها بصوت هاديء وهو يلوح بكفه:
-سلام يا صابرين!
أغلقت الباب بهدوء، فتنهد مسعد مرة أخرى بعمق، وحدث نفسه قائلاً:
-وإن غداً لناظره قريب، يا صابرين…!
في مركز التدريب،
عانت سابين كثيراً وهي تتقلب على الفراش حتى استطاعت أن تغفو قبيل الفجر بقليل..
كانت قواها منهكة للغاية، ولكنها لم تستطع النوم..
وحينما استسلم عقلها له بصعوبة، صدح صوت ال ( بروجي ) ليرج أركان المكان، فهبت مذعورة من مكانها، وسقطت عن الفراش وهي تصرخ بهلع..
استغرقها الأمر عدة لحظات لتستوعب أنها صوت الصافرة الخاصة بالجيش، والتي تعلن عن بدء النوبة الصباحية للجميع..

تحسست مواضع الآلم في جسدها، ونهضت بتثاقل عن الأرضية الصلبة مستندة على مرفقيها..
ألقت بجسدها المرهق على الفراش لتغفو، ولكن صدح الصوت المزعج بقوة مرة أخرى، فزفرت بغضب، وأطلقت سبة مبهمة، ثم رفعت رأسها المشعث عن الوسادة..
كانت تبدو كالموتى في شحوبها وفي هيئتها العامة..
جرجرت ساقيها إلى المرحاض لتغتسل وهي تتثاءب بإرهاق..
صرخت مفزوعة حينما مدت يديها أسفل الصنبور، فألهبتهما المياه الساخنة..

حدقت في البخار المتصاعد منها، وتمتمت بحنق:
-هي دي مياه سخنة ولا باردة، مش معقول كده!
قامت بتبديل فتح الصنابير، فكان الوضع أسوأ..
وبصعوبة بالغة تمكنت من الإغتسال وتبديل ثيابها إلى زي رياضي ملائم من اللون الرمادي ومن ماركة شهيرة..
خرجت من الغرفة، وأغلقت الباب خلفها، ثم تأملت المكان بنظرات سريعة خاطفة..

كان الوضع هادئاً إلى حد كبير، فتعجبت في نفسها، وتساءلت عن سببه وهي تعبث بإصبعها بخصلة شعرها المتدلية على الجانب..
قطع تفكيرها المتأني صوت مسعد من خلفها وهو يقول بصوت شبه متحشرج:
-صباح الخير
شهقت مصدومة، ووضعت يدها على صدرها، وأطبقت على شفتيها بقوة لتعاتبه قائلة ونظراتها الحادة مسلطة عليه:
-بليز موسأد، مش هوف ( خوف ) أنا
رد عليها بإبتسامة عريضة وهو يدنو منها:
-ده أنا بأصبح بس.

حدقت أمامها، وأشارت بعينيها وهي تتساءل بجدية:
-فين جنود هنا؟
أجابها مازحاً:
-على الجبهة!
فغرت شفتيها في عدم فهم من رده الغريب، ، فتدارك الموقف قائلاً بهدوء:
-بأهزر، النهاردة وبكرة أجازة في المركز، فهتلاقي معظم الناس هنا مش موجودين
رددت برقة:
-أجازة، You mean Holiday ( أنت تقصد عطلة )
أومأ برأسه وهو يجيبها:
-ايوه، الأجازة الأسبوعية بتاعتنا!
ثم وقف قبالتها، وتنهد بعمق وهو يطالعها بنظرات متفحصة..

خجلت هي من نظراته المسلطة عليها، وأشارت بيدها في الهواء وهي تسأله بضجر:
-أوكي، بس ليه صوت مزعج يضرب
أجابها بهدوء وهو يعقد ساعديه أمام صدره:
-ده الأساسي بتاعنا
أسبلت عيناها وهي تقول برقة:
-انت مش ممكن قولهم يوطوا الصوت شوية موسأد؟!
أومأ برأسه وهو يطالعها بنظراته الحالمة، فقد كانت رقيقة للغاية، ملامحها آسرة إن توقفت عن العبوس، وعينيها جميلتان تجبراه على التحديق فيهما بإستمرار..

أفاق من شروده على صوتها وهي تردد بإندهاش:
-موسأد، إنت سامع أنا، ممكن قولهم Stop ( يوقف ) الصوت ده!
ازدرد ريقه، ورد عليها:
-أها، ده عند أمه يا أدهم
قطبت جبينها وهي تسأله بريبة من عباراته الغامضة:
-ايه؟
ابتسم لها وهو يتابع:
-متخديش في بالك، المهم قوليلي نمتي كويس؟
هزت كتفيها وهي تتنهد بإرهاق:
-مش أوي!
أكمل مسعد قائلاً بهدوء:
-عادي، بكرة هاتتعودي، كلنا كنا كده في الأول!

ثم أشار لها بيده ليتحركا للأمام، فسألته مستفهمة وهي ترسم ابتسامة خفيفة على محياها:
-اوكي، بس احنا نعمل ايه موسأد؟
أجابها بثقة وهو ينتصب بجسده:
-هناكل من الميس بعد ما نعمل تمام الطابور!
عقدت ما بين حاجبيها بتعجب، ورددت بإندهاش بلكنة غريبة:
-هاه، مس! تابور! أنا مش أفهم
لوح لها بذراعه وهو يقول بحماس:
-بصي ده مش بيتشرح، ده بيتشاف، تعالي هاوريكي.

تابع الاثنين سيرهما نحو قاعة الطعام الخاصة بالوحدة التدريبية، فقابلا في طريقهما باسل، الذي بادر قائلاً بهدوء وهو ينظر إلى سابين:
-صباح الخير!
ردت عليه سابين بإبتسامة رقيقة:
-هاي باسل
بينما أردف مسعد قائلاً بحماس:
-صباحك فل يا باسول
تساءل باسل بإهتمام وهو يحك مقدمة رأسه:
-أهلا، اخبارك ايه؟
أجابته بإيجاز:
-فاين ( بخير )
أومأ برأسه وهو يردد بهدوء:
-عظيم.

شعر مسعد بالإنزعاج من إهتمام باسل بالخبيرة، وتمكنه من الحصول على انتباهها الجاد، فبدى على تعابير وجهه الإنزعاج، لذا دون تأخير هتف قائلاً بضجر:
-مش جعان يا باسل، ولا هنقضيها كلام كتير! احنا كده الطابور فاتنا، وآآآ..
رد عليه الأخير مقاطعاً بصوت رخيم:
-أنا واقع، بس بينا أوام نلحق الطابور
غمز له بعينه اليسرى وهو يقول:
-ماشي.

تحركت سابين إلى الأمام أولاً، بينما أبطأ مسعد في خطواته ليراقبها في سيرها، فاقترب منه باسل، وسأله بجدية وهي يشير بعينيه إليها:
-هي هاتاكل من أكلنا؟
رد عليه مسعد بصوت خافت:
-مش عارف
اتسعت عيني باسل قليلاً وهو يتابع محذراً:
-بس دي، دي ممكن يجيلها آآ…
قاطعه مسعد قائلاً بهمس:
-ششش، مش لازم الفضايح دي الوقتي
التفتت سابين برأسها نحوهما، ثم حدقت في مسعد وسألته بنعومة:
-قولوا ايه موسأد؟

رد عليها وهو يبتسم إبتسامة عريضة:
-ده أنا بأسأله عن طبق اليوم
أومأت برأسها متفهمة وهي تجيبه:
-أوكي!

في إحدى المدارس الخاصة،
جلست إيناس إلى جوار هدير على المقعد الخشبي في فناء المدرسة الواسع، وارتشفت عصيرها، ثم ألقت بالعبوة الفارغة في سلة المهملات الموضوعة إلى جوارها، وألحت قائلة:
-ها قولتي ايه؟
مطت هدير شفتيها للأمام، وعبثت بقدمها في الأرضية الإسفلتية وهي جالسة في مكانها، وظلت محدقة أمامها بنظرات غامضة دون أن تصدر كلمة…
تنهدت إيناس بصوت مسموع بعد أن ضجرت من صمت رفيقتها، ثم تابعت بإلحاح:.

-يا هدير إنتي عارفة الأماكن دي أكتر مني، فقوليلي هما فين
ردت عليها هدير بجمود:
-بصي يا إيناس، أنا أعرف كوافيرات كتير، بس طبعاً كل واحدة تكلفتها غير التانية
عضت إيناس على شفتها السفلى، ثم أردفت قائلة بحذر:
-أنا عاوزة واحدة سعرها حنين عليا، أنا برضوه مش معايا فلوس كتير، ومش عاوزة أعمل حاجات ملفتة!
هزت هدير رأسها وهي تقول بجدية:
-اوكي، هو في واحدة قريبة منك، بس مش عارفة أسعارها
ابتسمت إيناس وهي تهتف بحماس:.

-خلاص نعدي عليها بعد المجموعة ونسألها
ضاقت عيني هدير وهي تتابع بمكر:
-ماشي، بس أنا عاوزة منك خدمة
سألتها إيناس بإهتمام وهي تطالعها بنظرات دقيقة:
-ايه هي؟
صمتت هدير للحظات قبل أن تجيبها بغموض:
-موبايل المز
تشكل على وجهها علامات الصدمة بعد جملتها الموجزة، ورمشت بعينيها غير مصدقة ما طلبته منها للتو، وفهمت مقصدها، ولكنها حاولت إنكاره..
لذا ابتلعت ريقها، وسألتها بتوجس:
-قصدك مين؟

التوى ثغر هدير بإبتسامة ماكرة وهي تجيبها:
-هو في غيره، الشاب الجان اللي كان ماشي معاكي!
هتفت إيناس دون وعي:
-باسل!
رفعت هدير حاجبيها للأعلى في تصريح واضج بالإعجاب وهي تقول:
-ايوه
ثم ظلت محدقة في إيناس لتراقب ردة فعلتها بعد طلبها الخطير هذا..
أمسكت الأخيرة بطرف جديلتها، وأخذت تعبث بها في غير هدى لتفكر فيما عرضته صديقتها..

فالطلب يبدو من ظاهره سهلاً يسيراً، لكن ربما تنفيذه سيؤدي إلى أمور غير محمودة العواقب..
نفخت إيناس بإستياء وهي تقول:
-بس أنا قولتلك، ده أكبر مننا بكتير و مش بتاع آآآ…
قاطعتها هدير بإصرار واضح في نبرتها:
-مالكيش إنتي دعوة!
ثم وضعت يدها على كتف رفيقتها، وضغطت عليه بأصابعها برقة وهي تكمل بمكر:
-وبعدين أنا هاظبطه مع بنت خالتي، هي أده في السن!
التفتت إيناس برأسها نحوها، وهتفت بقلق:.

-هدير، اوعي تكوني ناوية تعملي معاه مشاكل، أنا مش ناقصة وجع دماغ من مسعد ولا من أصحابه، دول مش زينا!
التوى ثغر هدير بإبتسامة ماكرة وهي تجيبها:
-يا بنتي، ده احنا هانبقى أصحاب وبس، زي ما انتي وهو أصحاب
إنزعجت إيناس من تصريح رفيقتها الدائم بأنها صديقة مقربة لرفيق أخيها، فهتفت معترضة بشدة وقد تحول وجهها للعبوس:
-بس هو مش صاحبي!
أخفضت هدير نبرة صوتها لتهمس بفحيح ماكر:
-سوري، مقصدش، يعني احنا هانبقى معارف بس.

فركت إيناس كفي يدها معاً، وتطلعت أمامها لبرهة، ثم انتصبت في جلستها، وصاحت بضجر:
-أنا مش مرتاحة
رمقتها هدير بنظرات حادة قبل أن تستدير بجسدها للجانب، فقد يئست من عناد رفيقتها، ثم فكرت سريعاً في معاتبتها بطريقة ملتوية، لذا هزت كتفيها بقوة، وهتفت بإمتعاض وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
-خلاص مافيش داعي يا إيناس، إنتي مش بتثقي فيا، وأنا بأساعدك من غير ما استنى منك آآ…

عضت إيناس على أناملها لتقاطعها بنبرة متوترة بعد أن استشعرت غضبها الملحوظ:
-اوكي يا هدير، هاجيبلك رقمه، بس الأول اوعديني، متعمليش مشاكل معاه
أرخت الأخيرة ساعديها، وأدارت جسدها ببطء ناحيتها، ورسمت على ثغرها ابتسامة ماكرة وهي تهمس بصوت ناعم:
-اطمني يا نوسة، ده وعد
أطرقت إيناس رأسها للأسفل لتردد بإستسلام:
-ماشي!

في قاعة الطعام الملحقة بالوحدة التدريبية،
سحبت سابين المقعد الشاغر للداخل قليلاً بعد أن جلست عليه، بينما تحدث باسل مع أحد الأشخاص ليعطيه بعض التعليمات، وتوجه مسعد للطاهي ليأخذ منه الطعام..
تلفتت سابين حولها لتنظر إلى المكان بفضول في محاولة منها لحفظ تفاصيله..
هو لا يحتاج إلى مجهود كبير في تذكره..
فقاعة الطعام كبيرة، والطاولات دائرية ومتراصة بصورة منتظمة..
وحول كل طاولة عدة مقاعد معدنية..

وقعت عيناها مصادفة على ذلك السمج الذي كان يرمقها بنظرات جريئة أربكتها قليلاً وهو يجلس في الخلف..
حاولت أن تبدو أمامه غير عابئة به، ولكنها لن تنكر تلك القشعريرة الخفية التي دبت في أوصالها منه، فنظراته لم تكن مريحة بالمرة..
أسند مسعد على الطاولة صينية معدنية فانتبهت هي إلى صوتها، ورفعت رأسها للأعلى في اتجاهه، وابتسمت له مجاملة دون أن تنبس بكلمة..
هتف هو بحماس وهو يشير إلى بعض الأطعمة المعلبة:.

-شوفي أنا جايبلك خير منتجاتنا، حاجة فخر الصناعة الوطنية، من أجود أنواع الأكل الفاجر، قصدي الفاخر
دققت سابين النظر في تلك المعلبات الصغيرة، وتفحصتها بإهتمام وهي تسأله بجدية:
-ده ايه؟
رد عليها بثقة:
-كلي، ومتسأليش، دي مضمونة
نفضت أصابعها برقة، ورمشت بعينيها وهي تسأله بإلحاح:
-بس أنا آوز اعرف ده أيه؟
سحب المقعد ليجلس إلى جوارها، ورد عليها بسخرية:
-يا صابرين ماتبقيش زنانة زي الستات المصرية، كده مش حلو عشانك!

حاولت أن تعيد ما قاله، فبدى صوتها مذبذباً وهي تردد:
-زان، آآ، ايه؟
أخذ هو نفساً عميقاً، وأجابها بتنهيدة مطولة:
-هو لسه اليوم في أوله، وأنا هاريحك!
أمسك بأول علبة صغيرة، ورفعها نصب عينيها ليجيبها بجدية:
-دي حلاوة طحينية يا ستي، حاجة كده اسمها بارميزان، على أبوها، سادة، ده تمامنا هنا، لكن لو عاوزاها بإضافات، هانجيبها متهربة!
قطبت جبينها دون أن تعقب، بينما أكمل هو بهدوء جاد وهو يمسك بعلبة أخرى:.

-والحلوة اللي مش باينلها ملامح دي تبقى مربى، ده شوية جيلي نشف مننا، فقولنا نعمله مربى، وأهوو بيتاكل، والباقي مجهول المصدر والهوية!
ظهر على وجهها علامات الإندهاش، وهتفت بإنبهار:
-واو، انت Mean ( تقصد ) إنها Natural ( طبيعية )؟
فرك مسعد مؤخرة رأسه محاولاً تخمين معنى تلك الكلمة العجيبة التي لفظتها تواً، وزم فمه ليقول:
-بصي هي مش بعيدة عن اللي قولتيه
أسبلت سابين عينيها قليلاً، وهمست برقة:
-موسأد!

ابتسم لها ببلاهة وهو يهتف بتلهف:
-عيون موسأد
سألته بجدية لا تتناسب مع نبرتها الرقيقة السابقة:
-إنت ليه مش اتعلم انجليش؟
أجابها بتفاخر وهو يحرك عنقه للجانبين:
-ومين قالك إن أنا مش متعلم، ده أنا قاموس يا صابرين!
اندهشت هي من رده الواثق، فإستندت بذقنها على مرفقها، وسألته بإهتمام وهي ترمش بعينيها:
-إنت تعرف لغات؟
أجابها دون تردد:
-اه طبعاً
أرجعت ظهرها للخلف، وهتفت متساءلة بحماس:.

-واو، Like what ( مثل ماذا )، آآ، زي ايه؟
تنحنح مسعد بصوت خشن قبل أن يجيبها وهو يشير بيده:
-شوفي يا صابرين، أنا بالصلاة على النبي معايا 3 لغات مالهومش رابع
هتفت بعدم تصديق وهي ترفع حاجبيها للأعلى:
-3!
تابع مسعد قائلاً بثقة وهو يشير بأصابعه:
-أيوه، لغة عربية، ولغة شعبية، ولغة زبالة!
انفرجت شفتيها في صدمة واضحة، ورددت:
-هاه
أكمل قائلاً بتحذير وهو يغمز لها:.

-ومانصحكيش بالتالتة، لأحسن لساني بيبقى زفر أوي فيها، ويمكن تكرهي حياتك بعدها!
أغلقت فمها، وضغطت على شفتيها لتقول بحرج وهي تهز رأسها:
-أوه، اوكي
انضم إليهما باسل، وتساءل قائلاً بجدية وهو يجلس على المقعد الثالث:
-ايه الأخبار؟
رد عليه مسعد وهو يمط فمه بتفاخر:
-كله تمام يا ريس
أشار باسل بعينيه للطعام، وتساءل بإهتمام وهو مسلط أنظاره على سابين:
-ها الأكل عجبك؟

توردت وجنتيها قليلاً من نظراته المحدقة بها، وهمست بصوت حرج وهي تخفض عيناها:
-لسه مش دوق!
تابع باسل قائلاً بحماس واضح في نبرته:
-عموماً، دي حاجة بسيطة، أنا وصيتلك على كام حاجة محترمة!
اغتاظ مسعد من إسهاب رفيقه في الحديث معها، ولاحظ تأثرها الطفيف بردوده على قسمات وجهها، فضغط على شفتيه بقوة ليقول:
-ده أنت متوصي بيها على الأخر
التفت باسل برأسه ناحيته، وابتسم قائلاً:
-عشان تعرف آآ…

لم يكمل جملته حيث قاطعهم ذلك السمج فادي الذي هتف بنبرة عالية:
-الحلو منور عندنا من بدري، صباحو فل!
نفخت سابين بضيق واضح، وأشاحت بوجهها للجانب..
بينما نظر مسعد له شزراً، وغمغم بضجر:
-أهلاً بالرخم!
أردف باسل قائلاً بإمتعاض:
-ايه يا فادي، انت مش كنت نازل أجازة؟ لحقت تغير رأيك؟!
ابتسم له فادي بسخافة وهو يقول:
-لا ما أنا قولت أقعد معاكو أونسكو!
ثم سحب مقعداً ليجلس على مقربة من سابين، وتابع ببرود مستفز:.

-ايه أخبار الخبراء معاكو، عرفوا يناموا، ولا آآآ…
قاطعه مسعد قائلاً بنفاذ صبر:
-انت هتزاولنا!
حركت سابين مقعدها لتبتعد عن فادي، وهمست بكلمات مبهمة، فسألها فادي بإهتمام:
-ايه؟
صاح باسل بجدية وقد تصلبت تعابير وجهه:
-فادي، الأستاذة مش بتاعة رغي، هي جاية تعمل شغل وتمشي، مش لازم نوريها الوش الوحش بتاعنا
بينما أضاف مسعد على مضض:
-دي ممكن تزرفك تقرير يرجعك المطافي!

قهقه فادي بنبرة مرتفعة ليثير حنقهم أكثر من أسلوبهم الفظ والثقيل في التعامل، ثم جاهد ليتلقط أنفاسه وهو يقول بصعوبة
-رهيب يا مسعد باشا، انت عارفني راجل خدوم!
تمتم مسعد بضجر من بين أسنانه:
-أم دي خدمة فالق دماغنا بيها!
أكمل باسل قائلاً بتحذير:
-حل عن سمانا السعادي! ممكن
نهض فادي بتثاقل عن مقعده، وتابع ببرود وهو يشير بكفه للخلف:
-عموماً أنا هنا لو احتاجتوا حاجة
هب مسعد واقفاً، وأردف قائلاً بخشونة:.

-يالا يا صابرين، خلينا نقوم نشوف ورانا ايه!
وضع فادي إصبعيه على مقدمة رأسه ليحيهم، وأكمل بإبتسامة سخيفة:
-سلام يا رجالة!
ثم سلط أنظاره على سابين، وتابع بغمزة ماكرة:
-سلام يا، يا خبيرة!
لوى مسعد ثغره بتأفف جلي على محياه، بينما رمقه باسل بنظرات نارية فهو يدرك نوايا ذلك السمج المزعجة..
تنحنحت سابين بحرج، ثم استطردت حديثها بخفوت رقيق:
-هو، هو بس في Problem ( مشكلة )صغير؟

استدار الاثنين نحوها، وبادر باسل بسؤالها:
-مشكلة ايه هي؟
أجابته سابين بهدوء:
-أنا أرسلت فاكس أطلب تقارير تقييمية، وهتوصل آآ، in two days ( خلال يومين )
تساءل مسعد بعدم فهم:
-يعني المطلوب نعمل ايه؟
أجابته بإبتسامة ناعمة:
-اهنا ( إحنا ) في أجازة لحد تقرير يوصل عشان أنا إشتغل!
رسم مسعد على وجهه ابتسامة سخيفة وهو يردد بصوت خافت:
-ده كده فل على الأخر!

في إحدى مراكز التجميل النسائية،
دفعت إيناس باب المركز بيدها للداخل لتلج إليه، ثم جابت بعينيها المكان لتتبين معالمه سريعاً..
كان المركز شبه خالياً من رواده في تلك الساعة المبكرة، ولكنه كان على درجة عالية من الرقي..
قاطع تأملها صوت أنثوي رقيق:
-أي خدمة
ارتبكت إيناس، وبدى على تعابيرها التوتر، وحاولت إجابتها فخرج صوتها متلعثماً:
-أنا، انا كنت جاية آآ، آآ، اعمل، قصدي أسأل عن آآ…

رمقتها الفتاة بنظرات شاملة قبل أن تقاطعها متساءلة بصوت واثق:
-إنتي عاوزة تعملي حواجبك؟
اتسعت مقلتي إيناس في إندهاش قليل، وهتفت بصوت متردد:
-هاه، حواجبي!
أشارت نحوهما الفتاة بإصبعها وهي تجيبها بإيجاز:
-ايوه!
حاولت إيناس أن تخفي إرتباكها، وعضت على شفتها السفلى قليلاً، وأجابتها بنبرة مضطربة:
-اه، أيوه، أنا، أنا كنت جاية لكده
ثم همست لنفسها بحرج:
-هما، هما باين عليهم انهم وحشين؟

لم تفهم الفتاة ما قالته إيناس، فسألتها:
-افندم؟
ردت عليها إيناس بإحراج:
-لا ولا حاجة، أنا بأكلم نفسي بس
هزت الفتاة رأسها متفهمة، ثم لوحت لها بيدها لتتحرك للأمام وهي تقول بجدية:
-طب تعالي معايا
جلست إيناس على المقعد الخاص بتجميل السيدات، وبدت أكثر توتراً وهي تحاول التمدد عليه، وبحذر شديد أرجعت رأسها للخلف، وبدت غير مسترخية وهي ترمش بعينيها كثيراً أثناء تحديقها في سقفية المكان..

شعرت بظل ما يقترب منها، فوجدت عيني الفتاة محدقة بها، ثم أشارت لها برأسها وهي تقول:
-اقعدي براحتك، متقلقيش
ثم رسمت ابتسامة مجاملة وهي تسألها بفضول:
-دي أول مرة تعمليهم صح؟
ابتلعت إيناس ريقها، وأجابتها بهمس:
-آآ، اه!
مسحت الفتاة بإصبعها على حاجبي إيناس، وتابعت بصوت هاديء:
-اوكي، أنا مش هاعمل حاجة فيهم، هاشيل بس الزوايد، ومش هاتحسي بحاجة
ردت عليها إيناس بتوتر:
-اوكي، بس ممكن أسأل في حاجة تانية؟

أجابتها الفتاة بإيجاز:
-اتفضلي
أخذت إيناس نفساً عميقاً، وحبسته للحظة في صدرها فقد أربكها اقتراب الفتاة منها وتحديقها بها كأنها فأر تجارب، ثم زفرته على مهل، وسألتها بحرج:
-هو، هو أنا لو حبيت أعمل شعري يتكلف كام؟
ردت عليها الفتاة بإسهاب:
-تقصدي استشوار ومكواة، ولا فرد الشعر بالبروتين، ولا انتي عاوزاه كيرياتين، في حنة سودة كمان!

بدت إيناس تائهة بعد ما سمعته، وزادت علامات الحيرة على تصرفاتها، ورددت بعدم فهم:
-هاه، ده ايه ده كله؟
أكملت الفتاة بصوتها الجاد:
-في أوبشنز كتير هنا، على حسب اللي يناسبك، شوفي انتي حابة ايه أكتر!
اعتدلت إيناس في جلستها، وفركت عنقها – و الذي تألم بسبب إرجاعه لوقت ليس بالقليل للخلف – بيدها، ثم
سألتها بإهتمام:
-وتكلفة كل حاجة منهم ايه؟
تنهدت الفتاة وهي تجيبها:.

-بصي على حسب، الأرخص هو الفرد بالاستشوار و بالمكواة السراميك، بيفضل شعرك كام يوم حلو، وبعد كده بتغسليه فبيرجع زي ما كان!
حكت إيناس طرف ذقنها وهي تسألها بجدية:
-أها، طب والبروتين ده؟
ردت عليها الفتاة بهدوء:
-ده بيفرد الشعر لفترة طويلة، وبيبقى زي الحرير بالظبط
مطت إيناس شفتيها في إعجاب، فربما يكون هذا هو الحل الأمثل لشعرها المجعد، ثم تساءلت بإهتمام أكبر:
-والله، والكيرياتين زيه؟

أجابتها الفتاة وهي تشير بيدها:
-ده قريب من البروتين، بس نسبة الفورمالين أعلى شوية، وسعره أرخص!
صمتت إيناس للحظة لتفكر فيما قالته، فقد أعجبت بتلك الحلول السحرية لعلاج مشاكل الشعر، وبالتالي ستتغلب على سخرية الأخريات منها، ولاح في خيالها صورة لها وهي في هيئتها الجديدة..
سريعاً ما أفاقت من أحلامها الوردية، وتساءلت بجدية:
-أها، يعني تكلفتهم كام؟
ردت عليها الفتاة بهدوء:
-على حسب طول الشعر وكثافته.

أشارت إيناس بيدها وهي تتساءل:
-طب، طب بالتقريب كده، أنا شعري لو حبيت أعمله يتكلف كام؟
زمت الفتاة شفتيها، وأمسكت بجديلة إيناس لتتفحصها، ثم أجابتها:
-مممم، يعني مش أقل من 5 ألاف جنية!
ارتفع حاجبيها للأعلى في ذهول، وصرخت مصدومة:
-نعم، ليييييييه؟
لوت الفتاة ثغرها بإستغراب من ردة فعلها المبالغ فيها، وبررت قائلة بتهكم قليل:
-يا آنسة، شعرك سوري يعني شبه سلك المواعين، هياخد مجهود في الفرد!

نهضت إيناس عن المقعد، ورمفت الفتاة بنظرات ساخطة، ثم صاحت فيها بإنفعال:
-إن شاء الله ماعنه اتفرد، أل 5 ألاف جنية أل، ده أنا لو طلبت 100 جنية من ماما هتعملي قضية، أقوم أقولها هاتي 5 ألاف أفرد شعري، ده مش بعيد تفردني أنا بالفلوس دي..!
ثم تحركت كالمغيبة في اتجاه باب مركز التجميل، فسارت الفتاة خلفها، وسألتها بإندهاش:
-يا آنسة، إنتي رايحة فين؟ مش هاتعملي حواجبك.

التفتت إيناس برأسها نصف إلتفاتة نحوها، وحدجتها بنظرات غاضبة وهي تجيبها بإمتعاض:
-لأ، أنا عاوزاهم كده شبه المقشات!
ثم استدارت برأسها للأمام لتتابع بتهكم:
-5 ألاف جنية، اتقوا الله يا عالم يا ظلمة، ده أنا أغلى شامبو جبتو في حياتي معداش ال 20 جنية…!
حصلت هدير على رقم هاتف باسل المحمول من إيناس، وبدأت في رسم خطة ماكرة في ذهنها للتقرب منه أكثر..
لم تعبأ بحنثها بوعدها لصديقتها في عدم الإضرار بها أو حتى الإساءة إليها، فشاغلها الأكبر هو مرافقته بغض النظر عن أي شيء يمكن أن يحدث، ونفذت خطتها بالفعل، وبدأت في مهاتفته لتثير فضوله أولاً، ثم بعدها ستنتقل للخطوة التالية وهي التودد إليه..

كما تغاضت إيناس ( مؤقتاً ) عن فكرة تجميل نفسها وتعديل مظهرها بعد أن وجدت أن التكلفة ستكون باهظة بالنسبة لها وتفوق قدراتها المالية المتاحة، بالإضافة إلى توبيخ هدير لها لذهابها بمفردها لأحد المراكز دون انتظار رأيها الجوهري في تلك المسألة الحساسة من وجهة نظرها…

مر يومان على سابين وهي في متواجدة في مركز التدريب، وحاولت فيهما قدر إستطاعتها الإندماج والتكيف مع طبيعة الحياة هناك..
أرهقها محاولتها المضنية للنوم بسلام، ولكنها لم تحظَ على الساعات الوافية التي يحتاجها جسدها للإسترخاء، فبدى وجهها أكثر تعباً عن ذي قبل، وقلت نضارته إلى حد ما، ورغم هذا لم يقلل من جمالها الطبيعي..
و كالعادة لم تسلم من سخافات فادي المتكررة ونظراته الوقحة كلما رأها…

ولكن ما كان يريحها هو وجود مسعد دوماً إلى جوارها، وكذلك باسل الذي كان أكثر تفاهماً معها..
شعرت بالحنين إلى أهلها ورفاقها رغم عدم مضي وقت طويل، لكنها كانت تشتاق إلى وجودهم في حياتها..
أقنعت نفسها أنها فترة مؤقتة ستمر بأي حال من الأحوال لتعود كما كانت..

كذلك استغلت الفرصة في مراجعة دورها كخبيرة أجنبية جاءت لتقييم عدد من الضباط الأكفاء لتبدو مقنعة ومنطقية حينما يتم سؤالها مباغتة من قبل أي شخص وخاصة السمج الذي يلاحقها كظلها…

لم يتوقف عقل مسعد عن التفكير في ( صابرين ) التي استحوذت على عقله، فقد كانت مختلفة وغامضة بشكل مثير..
كذلك استشعر بفراسته التي قلما تظهر بأن هناك خطب ما وراء السماح بوجودها في وحدتهم الخاصة غير كونها خبيرة دولية وحصولها على امتيازات عجيبة، لم ينالها أحدهم مسبقاً، بالإضافة إلى صغر سنها الذي حيره كثيراً..

فهي تبدو أقل عمراً بكثير من خبيرة محكنة درست وأجرت الأبحاث الموثوقة على مدار سنوات عمرها القليلة..
ومع هذا حاول ألا يعطي الموضوع أكثر مما يستحق، فهي في النهاية قد جاءت إلى هنا من أجل تقييمه، وربما ستكون فرصته للوصول إلى هدفه السامي وهو الحرس الرئاسي..

أما باسل فقد أعجبته سابين كثيراً، فهي شابة ناضجة، مفعمة بالنشاط، وطموحة إلى أبعد الحدود..
ما أبهره حقاً، هو تمكنها من الحصول على ذلك المنصب الهام في تلك المؤسسة الدولية التي تمثلها بالرغم من كونها لم تتخطَ منتصف العشرينات..
تمنى أن يقابل في حياته فتاة مثلها، قادرة على فعل المستحيل وتحقيق أحلامها بإصرار، ورغم هذا كان حذراً فيما يتمناه، ففي النهاية وجودها مرتبط بوقت زمني، ومحدد بمهام بعينها..

ما أزعجه أيضاً خلال تلك الفترة هي تلك الاتصالات الهاتفية المتكررة من أرقام مجهولة في أوقات مختلفة من الليل، و ترفض الرد عليه رغم أسلوبه اللاذع في إهانة المتصل حينما يسأله عن هويته..
لكنه كان يستمع إلى صوت تنهيدات مطولة وعميقة، وهمسات خافتة بإسمه، فأثارت حنقه أكثر…

على الجانب الأخر، لم يقتنع فادي بمهمة سابين المتواجدة في مركز التدريب الخاص بهم بأي شكل، ولم تَخيل عليه وظيفتها كخبيرة دولية ذات مستوى رفيع، خاصة وأنها صغيرة السن، وعلى حسب بحثه المتأني على مواقع الانترنت المختلفة حول طبيعة الخبراء ومهامهم، وجد أن متوسط أعمارهم يتخطى حاجز الأربعين عاماً، وأبحاثهم الدولية تتخطى العشرات…
لذا فقد استنتج أنها ليست خبيرة بالمعنى التقليدي..

كذلك هي أنثى مثيرة، ولافتة للأنظار بطبيعتها المتحررة تتناقض تماماً مع هيئة الخبير المعتاد، وهي وحيدة في معقل الرجال الأشداء، ومعنى السماح لمثلها بالبقاء معهم أن وراءها سر خطير، فقرر أن يتحرى بنفسه عن السبب الحقيقي لوجودها، بالإضافة إلى شعوره بالتسلية لوجود من تثير رغباته كرجل يتوق للنساء، فزادت حماسته تجاهها…

في مركز التدريب،
تحركت سابين بتثاقل في اتجاه المرحاض بعد أن صدح صوت البروجي المزعج ليوقظها من أعمق أحلامها..
تثاءبت وهي تغسل وجهها بالمياه، وأمالت رأسها للأمام بعد أن أغمضت عينيها المتعبتين لتستند بكفيها على حافة الحوض..
بدت أكثر إرهاقاً عما مضى، وغفت للحظة قبل أن تشهق بذعر حينما تكرر الصوت المزعج مرة أخرى..
نفخت بتعب، وسارت عائدة إلى فراشها وهي تمتم بصوت ناعس:
-مش قادرة، أنا عاوزة أنام.

ثم ألقت بجسدها عليه لتغط في سبات عميق بعد عدة دقائق…
لم تشعر بمرور الوقت وهي غافية، فقد كان جسدها منهكاً للغاية، ولم تعدْ تستطيع الصمود أكثر من هذا…

وقف مسعد أمام باب غرفتها، وحدق فيه بإندهاش، ثم حك مؤخرة رأسه عدة مرات وهو يتساءل مع نفسه بقلق:
-هي مش ناوية تخرج النهاردة ولا ايه؟ دي اتأخرت أوي!
فرك طرف ذقنه بتوتر قليل، وتابع حديث نفسه بتوجس:
-طب أخبط عليها، وأشوف مالها، ولا استنى شوية! ماهو يمكن تكون في الحمام ولا حاجة، جايز عندها امساك ومش عارفة آآ…
أطرق رأسه في حرج ولم يتابع جملته، ثم ركل بقدمه الأرضية، وحسم أمره قائلاً:.

-أنا هاخبط عليها، ماهو مش معقول اسيبها كده، مش يمكن جرالها حاجة وأنا مش دريان!
اقترب من الباب، ودق عليه بخفة، وهتف بصوت عالي نسبياً:
-صابرين، صاحية؟
انتظر أن تجيبه، لكن لا شيء، فدق مجدداً بقوة أكبر، وصاح عالياً:
-يا صابرين، يا ست الخبرا، كل ده نوم، الضهر ادن!
لم يجد إجابة منها، فتوجس خيفة، وهدر بقلق:
-انتي كويسة؟ صابرين سمعاني؟
زاد من عنف الدقات عليه، وأكمل مهدداً:
-أنا هاكسر الباب لو مردتيش عليا.

بقي الوضع على ما هو عليه، فتراجع عدة خطوات للخلف قبل أن يندفع بقوة للأمام ليرتطم بالباب بقسوة محاولاً تحطيمه..
كرر فعلته مرتين بقوة، ومع المرة الثالثة انخلع الباب، وسقط أرضاً ليحدث دوياً هائلاً، فإنتفضت سابين فزعة على إثر الصوت الرهيب…
شهقت مذعورة حينما رأت طيف مظلم لشخص ما أمامها، وتوجست خيفة أن يكون ذلك الشخص أحد القتلة المحترفين الذين يسعون خلفها، فصرخت بهلع..
اقترب مسعد منها، وطمأنها قائلاً:.

-اهدي يا صابرين، ده أنا مسعد!
فركت عيناها بيديها، وحدقت فيه بتركيز، وسريعاً ما اكتست وجنتاها بحمرة غاضبة، وعاتبته قائلة بصوت محتشرج:
-ليه آملت ( عملت ) كده موسأد؟!
نظر لها بإستغراب، وأثار ريبته هلعها الغير مبرر، لكن ما أدهشه حقاً هو بكائها أمامه..
دفنت وجهها في راحتيها، وأكملت نحيبها المكتوم..
فغر مسعد فمه مشدوهاً، واقترب من فراشها، وجلس على طرفه، وأمسك بكفيها ليبعدهما عن وجهها، وسألها بقلق:.

-في ايه يا صابرين؟ للدرجادي أنا فزعتك؟
حاولت أن تضبط أنفاسها، وسحبت يديها من قبضتيه بهدوء، ومن ثم أجابته وهي تبكي:
-مش إمل ( اعمل ) كده موسأد، أنا هاف ( أخاف )
نظر لها بإشفاق، وشعر بوخزة في قلبه تجاه عبراتها، وأردف قائلاً بأسف:
-حقك عليا، أنا مقصدش والله
أغمضت عينيها، وظلت تنتحب بخفوت، فحاول التخفيف عليها، فهتف بإبتسامة عريضة:
-انتي برضوه اللي غلطانة يا صابرين، في حد ينام زي القتيل بعد الرقع ده كله!

فتحت عيناها اللامعتين لتنظر إليه في عدم فهم، وسألته بصوت مختنق:
-ايه؟
تابع قائلاً بعتاب زائف:
-وبعدين أنا استعوقتك!
انفرجت شفتيها في عدم فهم، فأكمل موضحاً:
-اقصد انتي اتأخرتي كتير، وده ماينفعش
عبست بوجهها وهي تعاتبه:
-بس مش جود ( جيد ) إنك تكسر باب كده موسأد
وأشارت بعينيها إليه، فاستدار برأسه للخلف، وعاود النظر إليها ليقول بثقة:
-مسمارين يا صابرين وكل حاجة ترجع زي ما كانت، إنتي جيتي في جمل!

رددت برقة وهي ترفع حاجبيها للأعلى:
-جمل؟!
أومأ برأسه إيجاباً وهو يوضح لها:
-اه، سفينة الصحراء، إنتي مش عارفة عربي يا صابرين ولا ايه؟
هزت رأسها بحركة خفيفة وهي تهمس:
-أها، اوكي!
تابع هو قائلاً بجدية وهو يغمز لها:
-بس اطمني، أنا مش هاقول لحد على اللي شوفته
رمشت بعينيها غير مستوعبة ما قاله تواً، فبرر لها وهو يشير بيده في الهواء:
-جو الريالة والشعر المنكوش والحركات دي، أنا واخد على كده!

شهقت مصدومة، وتوردت وجنتيها خجلاً منه، ووضعت يديها عفوياً على رأسها لتهندم من شعرها المشعث، واعتذرت بحرج:
-أوبس، سوري، شكلي بشع!
ابتسم لها قائلاً بمزاح:
-لما انتي شكلك كده بشع، أومال ايناس أختي يتقال عنها ايه لما بتصحى من النوم! يا بنتي ده انتي ملاك جمبها
سألته بفضول وهي تميل برأسها للجانب:
-إيناس! انت آندك ( عندك ) Sister( أخت )؟
أجابها مسعد بإنزعاج مصطنع:
-عندي 3 بعيد عندك، أسوأهم ايناس، نسخة مني!

ثم أخفض نبرة صوته، ومال عليها بجسده ليهمس لها بجدية:
-بصي هي مش شبهي أوي، بس زي ما تقولي احنا فولة واتقسمت نصين في خفة الدم والحلاوة والشقاوة واللي بالك فيه..!
أسبلت سابين عينيها خجلاً منه، وتراجعت للخلف قليلاً، وتشكل على وجهها علامات الحزن، وهمست قائلة:
-أنا مش آندي حد، I miss my family, my friends and my beloved ones ( أنا أفتقد عائلتي، واصدقائي، وكل أحبائي )
مط فمه في حزن زائف وهو يردد بضيق:.

-يا عيني عليكي ياختي!
تنهدت سابين بعمق، وأضافت بصوت شبه مختنق:
-آرف ( عارف ) موسأد، أنا نفسي في ايه؟
سألها بإهتمام:
-ايه؟
أجابته بصوت خفيض وهي تنظر أمامها بشرود:
-أنا مهتاج ( أحتاج ) آآ، Hug ( حضن ) أوي
حك جانب رأسه في محاولة للفهم، فكررت هي الكلمة الأخيرة مرة أخرى أمامه، فارتسم على ثغره ابتسامة عريضة بعد أن ظن أنه فهم مقصدها، وهتف بحماس:.

-تحجي! ماتقولي كده يا شيخة، وأنا والله نفسي أروح أحج وأعمل عمرة كمان، بس إن شاء الله هاقدم في القرعة اللي جاية، ويمكن تضرب معايا وأطلع! وساعتها هدعيلك يا ستي، يمكن ربنا يهديكي وتتحجبي كده، وأستتك، قصدي تتجوزي
هزت رأسها بإستياء من ثرثرته الزائدة، وردت عليه بضجر:
-اوه، لأ مش ده موسأد، أنا اتكلم عن هوضن ( حضن ).

ارتفع حاجباه للأعلى بعد أن فهم مقصدها الأساسي، وظهر على نبرته الحماسة وهو يرد عليها بعد أن فتح ذراعيه في الهواء:
-يا حرام، تعالي في حضن ابن خالتك
نظرت له بإندهاش وهي تقول:
-ايه؟
هز رأسه بأسف زائف وهو يبرر لها:
-ده أنا محروم من حنان الأم، خشي في حضني، خشي!
تصلبت تعابير وجهها، وصاحت فيه محذرة:
-موسأد!
أطرق رأسه حزناً، وعاتبها:
-ليه تقتلي الطموح جوايا يا صابرين؟ ده أنا غلبان!

ضيقت نظراتها لتصبح أكثر حدة، وصاحت بصرامة:
-إيب ( عيب ) موسأد، إيب!
غمز لها بعينه اليسرى وهو يمازحها:
-إيب، طالعة من بؤك زي السكر!
ثم همس لنفسه بسعادة:
-آآآخ، أموت أنا في الأخلاق
كتفت سابين ساعديها أمام صدرها، وهمست بنعومة:
-موسأد! بليز
هز رأسه موافقاً وهو يقول:
-حاضر، انتي أومريني بس!
ثم نهض من على الفراش، واتجه نحو الباب، واستدار بجسده نحوها ليكمل بجدية:
-بالمناسبة الورق بتاعك جه، هو مع باسل في الصالة.

رددت بإستغراب:
-صالة؟!
أوضح لها بهدوء وهو يشير بيده:
-ايوه، عندنا تدريب لياقة من بدري، وانتي مجاتيش، فهو احتفظ بيه معاه هناك، لو تحبي أجيبهولك هنا
هزت رأسها نافية، وأصرت قائلة:
-نو ( لأ )، انا هاجي معاك
ابتسم لها قائلاً بمرح:
-ماشي يا قمر، وأنا هاظبطلك الباب كده لحد ما أبعت حد يصلحه، خشي انتي بس البسي جوا، وأنا ستر وغطا عليكي هنا
ردت عليه برقة وهي تحرك رأسها إيجابا:
-اوكي.

في الصالة الرياضية،
أحكم فادي غلق رابطة قفازه الرياضي حول معصمه، وضرب به كفه الأخر بقوة، ثم سلط أنظاره على باسل الذي كان يتلاكم مع أحد زملائه، وهمس لنفسه بنبرة شبه مغلولة:
-هانروح من بعض فين؟
ثم تحرك بخطوات ثابتة في اتجاه الحلبة، وصاح بصوت جهوري:
-باشا، أنا جاهز!
أوقف باسل التدريب مع زميله، وأشار له برأسه ليشكره، ثم استدار نحو فادي، ورد عليه بثقة:
-وماله يا فادي، الرينج ( الحلبة ) مفتوح للكل.

ضرب مجدداً بكفيه معاً، وصاح بقوة وهو يحني جسده ليعبر عبر الحبال الغليظة:
-تمام يا باشا
اتخذ الاتنين وضعية الاستعداد، ثم تلاحما بشراسة، وسددا لبعضهما البعض اللكمات القوية..
بدى الحال كأنه قتال ضاري، وليس مجرد تدريب روتيني..
في نفس التوقيت، ولجت سابين مع مسعد إلى داخل الصالة وهي تبتسم، ولكن سريعاً ما اختفت ضحكتها، وحل محلها الوجوم حينما رأت ذلك التشابك العنيف..

وضعت يدها على فمها لتكتم شهقتها الخائفة، وتساءلت بقلق:
-أوبس، ده كده اوكي موسأد؟
اجابها مسعد بإبتسامة متباهية:
-ده العادي بتاعنا يا صابرين، متخافيش، دلوقتي تلاقي فادي متكوم على الأرض
لم يكمل هو جملته حتى انهار باسل أرضاً على إثر لكمة عنيفة مباغتة في وجهه، أعقبها جلوس فادي فوقه، ثم إنهال عليه بلكمات متتابعة أشد شراسة لم يتمكن من تفاديها، فشهقت سابين بفزع، وركضت نحو الحلبة..

انزعج مسعد من ردة فعلها القلقة عليه، وزفر في ضيق فما يحدث هو أمر طبيعي لا يحتاج للمبالغة، وسار خلفها بتكاسل نحو الحلبة..
انحنت سابين عبر الحبال، وجثت على ركبتيها أمام باسل بعد أن ابتعد فادي عنه، وتساءلت بخوف وهي تمد يدها نحوه:
-باسل، إنت أوكي، كويس؟
استند هو على مرفقيه ليعتدل، وأجابها بخفوت:
-أنا تمام
هتف فادي قائلاً بسخرية:
-جرى ايه يا خبيرة، مايبقاش قلبك رهيف! ده هزار مع الباشا!

رمقت سابين فادي بنظرات مشتعلة، ثم أشاحت بوجهها بعيداً عنه متعمدة تجاهله لتنظر في اتجاه مسعد، وهتفت بتوجس:
-موسأد، بليز check ( تفقد ) باسل
رد عليها باسل بهدوء:
-صدقيني أنا بخير، متقلقيش
أضاف مسعد قائلاً بإنزعاج واضح:
-ما هو زي الجن قصادك أهوو! ماجرالوش حاجة، جمدي قلبك كده
التوى ثغر فادي بإبتسامة ساخطة، وتساءل بسخرية:
-تحب تاخد دور يا باشا معايا؟
حدجه مسعد بنظرات نارية، ورد عليه بصوت قاتم:.

-مش النهاردة يا فادي
سلط فادي أنظاره على سابين، وسألها بتهكم:
-والخبيرة مانفسهاش تجرب هي كمان؟
أغاظها تحديه الساخر منها، فنهضت على ساقيها، واتجهت نحوه ووجهها متشنج للغاية، ثم أشارت بإصبعها وهي تكز على أسنانها بقوة لتقول:
-U know what ( إنت عارف )، إنت تستاهل تاخد بوكس في ( فيس ) بتاعك!
تحرك خطوة قبالتها حتى تقلصت المسافة بينهما كثيراً، ورمقها بنظرات جريئة أرجفتها، وأردف قائلاً بصلابة:
-طب ما تيالا!

تأججت النيران في صدر مسعد فجأة من حركته المهددة، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يضع يده على كتف سابين ليضغط عليه بقسوة، فالتفتت نحوه وظهر على تعابير وجهها تعابير متألمة، لكنه لم يهتم، وأرجعها عنوة للخلف ليقف مكانها، وهتف قائلاً بتجهم وهو ينظر إلى ذلك السمج بنظرات محتدة للغاية:
-فادي، شوفلك سكة السعادي!
رد عليه بوقاحة محاولاً استفزازه:
-مش بنشوف الخبيرة ومزاجها
هدر فيه مسعد بإنفعال جلي:
-فادي!

أشار له الأخير بكفيه في الهواء، وتراجع منسحباً للخلف وهو يدندن بصافرة خافتة…
كور مسعد قبضة يده بحنق، وبدى عليه الانفعال واضحاً..
سمع صوت باسل من خلفه يقول:
-مالهاش لازمة العصبية يا مسعد، هو طول عمره معروف برخامته ورزالة أهله!

لم يتحمل مسعد أي تبرير من باسل يخص ذلك السمج، فقد اكتفى من أفعاله الفظة والوقحة تجاه سابين، فاستدار بجسده نحو باسل معتقداً أنه يقف خلفه، ورفع ذراعه ليسدد له بقبضته لكمة عنيفة ليسكته، ولكنها وجدت سبيلها في وجه سابين التي تحركت دون قصد في اتجاهه فأصابها إصابة مباشرة..
صرخت سابين متأوه من الآلم قبل أن تسقط مغشياً عليها على أرضية الحلبة…
في الصالة التدريبية،
سدد مسعد لكمة مباغتة بقصد إصابة باسل، لكنها وجدت طريقها في وجه سابين، والتي فقدت وعيها من إثر قوتها..
صُعق هو مما فعله، وهتف بإسمها مصدوماً:
-صابرين!
ثم جثى على ركبتيه سريعاً أمامها، ومد ذراعيه أسفل ظهرها ليرفعها قليلاً عن أرضية الحلبة وأسند رأسها على صدره، وحاول أفاقتها
عنفه باسل قائلاً بقلق وهو ينزع قفازيه:
-انت عملت ايه يا مسعد؟

ربت مسعد على وجنتها بكفه، ودافع عن نفسه قائلاً بتوتر:
-وربنا ما شوفتها، هو وشها اللي خبط في ايدي!
حدجه باسل بنظرات حادة، وعاتبه قائلاً بغلظة:
-وشها يا مفتري!
قبض على فكها بيده، وحركه للجانبين بحركة متوترة وهو يهتف بهلع:
-صابرين، فوقي!
جثى باسل قبالته، ونظر له شزراً وهو يقول بتبرم:
-انت كده بتفوقها؟
رفع مسعد رأسه لينظر في اتجاه رفيقه، ورد عليه بتذمر:
-وأنا كنت هاعرف منين إنها هاتقع بالقاضية!

حاول باسل تفحص حالة سابين، وتفقد رأسها ليتاكد من عدم وجود أي نزيف دموي، أو تجمع ما بها، وهتف بسخط من بين أسنانه:
-ده مش بعيد يكون جالها تربنة في المخ ولا إرتجاج!
قفز قلب مسعد في صدره خوفاً عقب جملة رفيقه الأخيرة، وصاح بإرتباك وهو يمسح على جبين سابين:
-بعد الشر، إن شاء الله تبقى كويسة!
دقق باسل النظر فيها، وتابع قائلاً بخوف:
-ربنا يستر وما يكونش عندها نزيف في المخ
رمقه مسعد بنظرات نارية، وهتف بحدة:.

-ايه يا عم بلاش تخوفني! دي لوكامية عادية مش إيد مرزبة!
لاحظ أحد الضباط وجود خطب ما بداخل الحلبة، فتساءل بإهتمام وهو يشرأب بعنقه للأعلى:
-خير يا رجالة، في حاجة حصلت؟
رد عليه باسل بتلعثم وهو يوزع أنظاره ما بين سابين ومسعد:
-هاه، ده مسعد آآ…
قاطعه مسعد قائلاً بإبتسامة عريضة تعمد رسمها على محياه:.

-لا مافيش يا باشا، الخبيرة تعبت، ضربة شمس، ما انتو عارفين أجانب بقى وكده، مالهومش في حلاوة شمسنا ولا خفة ضلنا!
أومأ الضابط برأسه متفهماً، ولوح بذراعه وهو يقول بهدوء:
-تمام، احنا موجودين لو في حاجة!
أدى له مسعد التحية العسكرية وهو يقول بإمتنان:
-شكراً، يدوم!

حدج باسل مسعد بنظرات ساخطة، فقد ذهل من كذبته الغير متوقعة، وبدى على تعابير وجهه علامات الاستنكار مقروءة للعيان، وضغط على شفتيه بقوة ليضبط إنفعالاته، وهمس بقسوة من بين أسنانه:
-ضربة شمس إزاي يا بني آدم واحنا جوا هنا؟!
ابتسم له مسعد بسخافة وهو يرد عليه بصوت خفيض:
-ماشيها ضربة شمس! مش ناقصين شوشرة، احنا هنتعامل معاها
سأله باسل بعدم اقتناع:
-طب هاتعمل ايه يا فالح؟
أشار له مسعد برأسه وهو يتابع بثقة:.

-فضيلي انت بس سكة في أوضة اللبس، وأنا هاتصرف
ضيق باسل نظراته، وأردف قائلاً بتوجس:
-يا خوفي تودينا في داهية
التوى ثغر مسعد بإبتسامة متغطرسة، ورد عليه بتفاخر:
-اطمن، ده أنا أفكاري هتعجبك!
نهض باسل عن أرضية الحلبة، وتلفت حوله بريبة، ثم عبر من خلال حبال الحلبة، وظل يتمتم بكلمات غير واضحة وهو يتجه نحو باب جانبي..

بينما لف مسعد ذراعه حول خصر سابين، ووضع ذراعه الأخر أسفل ركبتيها، ثم حملها واتجه بها نحو غرفة تبديل الملابس الملحقة بالصالة الرياضية..

في مكان أخر،
كان الفريق ضياء يتابع أحد العروض العسكرية بصحبة القادة في إحدى الكليات الحربية..
نظر إلى الضباط بزهو وفخر، ولكن سريعاً ما تبدلت قسمات وجهه المرتخية، وتشنجت نوعاً ما، فقد شعر بوخز حاد في صدره..

وضع يده على قلبه، وحاول فركه بحركة دائرية ثابتة، وجاهد للحفاظ على ثباته وهدوءه أمام الأخرين، ولكن زادت حدة الوخزات، وأصبحت أكثر شراسة فلم يستطع التحمل، وضغط على شفتيه بقوة مقاوماً إصدار شهقة مرعبة، وفجأة إنهار عن مقعده ليرتطم بالأرضية وهو يصرخ بفزع..
انتفض الجالسون إلى جواره من أماكنهم ليتجمعوا حوله ويروا ما حدث له..
وسريعاً سيطر الخوف الشديد على ملامحهم حينما رأوا اهتزازة جسده العنيفة…

-اطلبوا الاسعاف
قالها أحد القادة بصوت جهوري وهو يلوح بيده في الهواء..

في غرفة تبديل الملابس،
تأكد باسل من خلو غرفة التبديل من أي ضباط، كما تفحص المراحيض ليضمن عدم وجود أحد بها، ثم وقف بجوار الباب منتظراً قدوم مسعد الذي أومأ له برأسه وهو يلج للداخل..
تحرك الاثنين نحو المرحاض الداخلي بخطوات سريعة..

وقف مسعد أمام حوض الاغتسال، وأنزل سابين على قدميها، ولكنه أحاط بخصرها بذراعه، وأحكم قبضته عليها حتى لا تسقط منه، ثم أبعد بيده الأخرى خصلات شعرها المتدلية على وجهها، ورفع رأسه لينظر إلى باسل وهو يهتف فيه:
-افتح الحنفية خليني أحط دماغها تحت المياه
رد عليه باسل بتهكم:
-هي سكرانة يا مسعد؟
أجابه مسعد بجدية وهو يزيح خصلاتها:
-لأ، بس المياه بتجيب نتيجة مع أي حد.

فتح باسل الصنبور، وملأ كف يده بالمياه الباردة، ثم نثرها برفق على وجه سابين والتي أصدرت أنيناً خافتاً وهي تحرك رأسها بحركة بسيطة..
تنفس مسعد الصعداء بعد حركتها المحدودة، وهتف بإرتياح:
-الحمدلله، بتفوق أهي!
مال باسل برأسه للجانب ليطالع وجهها، ثم وضع يده على وجنتها ليربت عليها، وهمس لها بصوت هاديء:
-سابين، سمعاني، سابين
انزعج مسعد من تصرف رفيقه، وكز على أسنانه بضيق، ثم صاح بحنق:.

-تعالى أما نخليها تفرد جسمها برا
-ماشي
وبالفعل انحنى مسعد ليحملها بين ذراعيه بخفة، وتحرك بها نحو المقعد المعدني الموضوع في منتصف الممر بين خزانات الملابس، ثم أسندها برفق عليه، وجثى على ركبته أمامها، واحتضن كفها بين راحتي يده، وهمس لها بصوت خافت:
-صابرين، اصحي يا ماما، فوقي يا قمر!
نظر له باسل بإستخفاف، وردد بتهكم:
-ماما، ده منظر واحد بيفوق واحدة؟!

التفت مسعد برأسه نحوه، وحدجه بنظرات حادة وهو يرد عليه بضجر:
-سيبنالك انت الجنتلة كلها!
أضاف باسل قائلاً بجدية:
-أنا رأيي نروح بيها عند الدكتور آآ…
قاطعه مسعد بإمتعاض وهو يشير بيده:
-ايوه، وتقلب بسين وجيم، ودي أجنبية، وأخوك يتسوح فيها!
تابع باسل قائلاً بعتاب يحمل اللوم:
-ماهو اللي انت عملته مايصحش.

استشاط مسعد غضباً بسبب تلميحات باسل المتكررة عن كونه المخطيء الأول فيما حدث لسابين، وازعجه اهتمامه الزائد بها رغم محاولته هو إصلاح خطأه، فهدر بتذمر:
-تصدق بالله البوكس ده كان ليك، بس حظها الفقري خلاها تلبس فيه!
أصدرت سابين أنيناً خافتاً، وحركت رأسها للجانب، وهمست بصوت واهن:
-آآآه
انتفض باسل على إثر صوتها، وهتف بتلهف:
-اهي فاقت الحمدلله!

كز مسعد على أسنانه بحنق، ولم يعد يتحمل اهتمام باسل المبالغ فيه بسابين وكأنه المنقذ الشجاع الذي يفهم في كافة الأمور، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من ارتكاب حماقة، فهتف بنزق:
-طب روح أمن لنا الجو بدل ما الناس تفكر إننا بنعمل حاجة شمال معاها
قطب باسل جبينه بشدة عقب عبارته الفظة، وعنفه بضيق:
-احترم نفسك! ده كلام يتقال قصادها
لوى مسعد فمه ليغمغم بتبرم:
-أل يعني هي هاتفهم معناه
ردت عليه سابين بصوت خفيض:.

-أنا، افهم انت، موسأد
تفاجيء بها محدقة به، فإرتخت ملامح وجهه المتشنجة، وهتف بسعادة:
-أهي، فهمتك يا باسل! يالا أمن الطريق
رفع باسل حاجبه للأعلى في تعجب من تبدل حال رفيقه الغير مفهوم، ورمقه بنظرات غامضة قبل أن يتركه ويتحرك نحو الممر..
اعتدلت سابين على المقعد، وأنزلت ساقيها للأسفل، ووضعت إصبعيها على مقدمة رأسها لتفركها..
جلس مسعد إلى جوارها، وظل يتأملها بنظرات غريبة لم يفعلها مع أي واحدة من قبل..

شرد في إيماءات وجهها المتشنجة إلى حد ما، وفي التواءة ثغرها وهي تتألم بخفوت، وتنهد بعمق وبحرارة…
رفعت سابين عينيها لتنظر إليه بإستغراب، وسألته بلكنة شبه متحشرجة:
-موسأد، إنت بصلي كده ليه؟
أغلق فمه المنفرج، وأجابها بإرتباك:
-هاه، ولا حاجة
تحسست موضع الآلم أعلى عينها اليمنى، وهمست بأنين:
-أوه، دي اوجعني
هز رأسه متفهماً، وهمس لها بتنهيدة مطولة:
-أها معلش.

عقدت سابين ما بين حاجبيها، ونظرت له بحيرة، وسألته بعدم فهم:
-ايه مآلش دي؟
أجابها بثقة:
-دي الكلمة الدراجة اللي بنطيب بيها خاطر أي حد، وهي شغالة مع الكل!
هزت رأسها متفهمة، وسألته بقلق وهي تمرر يدها في خصلات شعرها:
-اوكي! بس أنا شكلي لسه جود ( جيد )؟
جاب مسعد بنظراته تفاصيل وجهها بنظرات مطولة، وتشدق قائلاً بتلعثم:
-والله آآ…
ارتبكت قليلاً من نظراته المتأملة لها، وشعرت بوجود خطب ما بها، فتمتمت برقة:.

-قول موسأد!
سلط مسعد أنظاره على موضع إصابتها، وضغط على شفتيه ليقول بملامح ممتعضة:
-بصي هي قلبت شبه الوحمة!
رددت سابين بعدم فهم:
-وهمة!
أشار لها مسعد بيده وهو يحاول طمأنتها بإبتسامته المجاملة:
-شوفي، إنتي حطي عليها تلج، وهاتروح!
سألته بإيضاح:
-انت اقصد Ice ( ثلج )؟
أضاف قائلاً بجدية:
-يعني، بصي علاج الحالات دي دهنة مرهم هيموكلار، لغوسيها كده، ونصاية وهتروق!
سألته سابين بهلع وهي تتحسس إصابتها بحذر:.

-هي باينة أوي؟
رد عليها مسعد بإبتسامة واسعة:
-أنا هاعمل نفسي مش شايفها، بس هي هاتزرق وتقلب على أخضر قبل ما تدي اللون البنفسجي
شهقت سابين بفزع وهي تضع يدها على فمها:
-اوه
حاول مسعد التهوين من خطورة المسألة بعد أن لاحظ حالة القلق الممزوجة بالخوف البادية عليها، فأردف قائلاً بمزاح:
-قدري يا صابرين إن موسكيتو من بتوعنا علمت عليكي
ردت عليه بوجه عابس:
-دي إوجع جامد موسأد!
لامها مسعد قائلاً بضيق مصطنع:.

-ما انتي اللي غلطانة يا صابرين، جيتي في وش البونية، واتصدرتي، وأنا ايدي طارشة!
سألته سابين بخوف:
-دي ممكن مش روح؟
هز كتفيه في عدم مبالاة وهو يجيبها:
-والله على حسب النوايا!
هزت رأسها مستنكرة وهي تقول بأسف:
-هرام موسأد، هرام ( حرام )
كانت على وشك البكاء، فأمسك مسعد بكفيها، ومال بجسده نحوها وهو يقول بجدية:
-حقك عليا، أنا مقصدش، وأدي راسك أبوسها.

اقترب كثيراً منها ليقبل جبينها، فهبت مذعورة من مكانها، ورمقته بنظرات حادة وهي تقول بصوت شبه صارم:
-انت إمل ( اعمل ) ايه موسأد؟
وقف هو الأخر في مكانه، وأجابها بإبتسامة:
-بأبوس الواوا
لوحت بإصبعها محذرة وهي تقول بلهجة قاسية:
-Stop ( توقف عما تفعل )، مش إعمل ده!
عاد باسل من الخارج وهو ينظر إلى الاثنين بإستغراب، ثم صاح قائلاً بنبرة عالية وهو يدنو من سابين:
-سلامتك يا سابين، هو مايقصدش.

أدار مسعد رأسه في اتجاهه، ورد على مضض:
-ماهي البونية كانت من نصيبك، بس حظك نار
ابتسم له باسل مغيظاً إياه وهو يقول:
-الحمدلله
وضعت سابين يدها على إصابتها، وتأوهت وهي تقول:
-أوه، لسه موجودة
رد عليها مسعد بضجر وهو يدس يده في جيبه:
-خلاص بقى يا صابرين ماتبقيش إتمة
فغرت شفتيها لتسأله مستفهمة:
-ايه؟
أوضح لها قائلاً بإنهاك:
-يعني تبقي قافوشة كده، دي بونية مش حقنة عضل
هزت رأسها في حيرة، ورددت:
-أنا مش افهمك!

لكز باسل مسعد في كتفه بقوة وهو يقول محذراً:
-خف عليها مش كده يا مسعد!
نفخ الأخير بإنزعاج ليردد بنفاذ صبر:
-ماشي
رن هاتف باسل برقم غريب، فزفر في ضيق، وأردف قائلاً بإمتعاض:
-استنى أما أشوف مين قارف أهلي بالمكالمات دي!
أراد مسعد أن يستغل الفرصة ليوهم سابين أن لرفيقه معجبات كثر يهاتفن إياه حتى لا يترك لها الفرصة لتفكر به، فصاح بمرح:
-ايوه يا عم معاكسات ومعجبين وفانز! مش ملاحق!
رددت سابين بإستغراب واضح عليها:.

-فانز
ابتسم لها مسعد قائلاً بتباهي:
-أهوو، بعرف انجليش اهوو! ماليش أد
تقوس فم باسل بضيق وهو يقول:
-معجبين ايه بس، ده حد ثقيل قارف أهلى اتصالات ومش عارف أوصله
أضاف مسعد قائلاً بجدية:
-عليك وعلى التروكولر، هايجيب أمه
رد عليه باسل بنبرة شبه حانقة:
-أرقامه مش متسجلة، بيشتغلني
مط مسعد فمه ليهتف بإعجاب:
-ناصح!
توعد باسل بشراسة وهو يطالع شاشة هاتفه المحمول:
-أنا لو بس عرفت هو مين هانفخ اللي جابوه! مش هارحمه
-حقك.

أولاهما باسل جسده، وتابع بصوت جاد:
-طيب، هارد عليه، وارجعلكم
ابتسم مسعد بسعادة وهو يضيف:
-حلو، خد الباب في ايدك
التفت باسل برأسه نصف التفاتة، ورمقه بنظرات محذرة، وهدر بصوت صارم:
-مسعد
تنحنح الأخير في حرج، وهمس بإنصياع:
-بهزر، سيبه مفتوح على الأخر!
ثم تمتم مع نفسه بمزاح:
-هو احنا هنعرف نعمل حاجة أصلاً هنا ولا في حتة تانية!

في نفس التوقيت، طلبت هدير من إيناس أن تتصل بأحد الأرقام بإعتبار أنه الرقم الخاص بصاحبة مركز تجميل شهير، لكنها كانت مكيدة للإيقاع بها، فقد تعمدت تسجيل رقم باسل بإسم فتاة ما لتنطلي الخدعة عليها..
وبحسن نية طلبته إيناس دون توقع الغدر من رفيقتها، فتفاجئت بصوت رجولي يسألها بغلظة:
-مين معايا؟
قطبت إيناس جبينها مندهشة، وتابعت الرد عليه بإستغراب:
-حضرتك مش ده رقم آآ…
قاطعها باسل قائلاً بوقاحة:.

-ما تقولي إنتي مين يا *** بدل ما ****
فغرت إيناس شفتيها مصدومة من كم الشتائم اللاذعة التي تلقتها منه، وسبته قائلة بحنق:
-انت قليل الأدب، ازاي تكلمني أصلاً كده
هدر فيها باسل بفظاظة:
-ماهو انتو لو متربية أصلاً كنتي بطلتي حركاتك السافلة دي
صاحت فيه إيناس بإنفعال:
-لم لسانك بدل ما آآ..

وما إن تأكدت هدير من اندماج الاثنين في المكالمة حتى أسرعت بتنفيذ الجزء الثاني من خطتها، فصاحت متساءلة بنبرة عالية متعمدة أن يسمعها الطرف الأخر على الهاتف بوضوح:
-ها يا إيناس هتعرفي باسل إنك اللي بتتصلي بيه، ولا لسه هاتشتغليه كمان؟
صدمت إيناس مما قالته رفيقتها، ورمقتها بنظرات مذهولة، وهتفت بعدم استيعاب:
-ايه؟

حلت الصاعقة على رأس باسل بعد ما سمعه تواً، و ربط سريعاً بين ما قالته تلك الفتاة وشخصية صوت المتحدثة، وردد بغرابة:
-إيناس!
ظلت إيناس على حالتها المصدومة لوهلة، وعجزت عن النطق، فقد ألجمت المفاجأة لسانها الطليق، وهمست بصوت مرتبك ومتلعثم إلتقطه أذنيه:
-ب، باسل!
هب فيها بصوت صارخ أفزعها:
-هو ده رقمك يا إيناس، ردي عليا؟!
وقع الهاتف من يد إيناس، وركضت نحو رفيقتها، وارتجفت وهي تسألها بهلع:.

-هدير، انتي عملتي ايه؟
استطاعت أن تسمع صراخ باسل وهو يتساءل بغضب جم:
-سمعاني يا إيناس، انتي اللي بتشتغليني؟
رسمت هدير على وجهها قناع البرودة، وتساءل بهدوء وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
-في ايه يا نوسة؟
وضعت إيناس يديها على رأسها، وأغمضت عينيها بقوة وهي تلعن حظها العثر، فقد زجت بها رفيقتها في كارثة بكل المقاييس..

فتحت عينيها فجأة، وحدجت هدير بنظرات نارية محتدة، ثم أنزلت كفيها لتضعهما على كتفي هدير، وضغطت بأصابعها عليهما بقوة، وصرت على أسنانها بشراسة لتقول:
-هدير، انتي وقعتيني في مصيبة أنا مش أدها…!
برزت عروق إيناس المحتقنة بالدماء الغاضبة بوضوح وهي تنظر بنظرات مشتعلة إلى رفيقتها هدير التي أوقعتها في مكيدة محكمة..
صاحت بها بصوت هادر وهي تهزها بعنف:
-ازاي تعملي فيا كده؟
أزاحت هدير قبضتيها عنها، ونظرت لها ببرود، ثم تحركت مبتعدة لخطوة قبل أن تجيبها بجمود:
-عادي
صرخت فيها إيناس بإنفعال وهي تتحرك لمواجهتها:
-بتقولي عادي، بالبساطة دي!
ثم قبضت على ذراعها، وأكملت بصوت هادر:.

-انتي وديتني في مصيبة، ده باسل يا هدير، انتي طلعتيني زبالة قصاده
التوى ثغر هدير بإبتسامة غير مكترثة زادت من استفزاز إيناس، فهتفت بنبرة مغلولة وقد احتقنت عيناها بطريقة مخيفة:
-انتي، انتي مش عارفة هو ممكن يعمل فيا ايه؟ ده أقل حاجة ممكن يعملها إنه يقول لمسعد
لكزتها هدير بكوعها لتحرر قبضتها، وهتفت بعدم مبالاة:
-متصدعنيش بقى! محسساني إنه آآ..

لم تكمل جملتها حيث هوت إيناس على صدغها بصفعة مفاجئة وقوية، ومن ثم صرخت فيها بإهتياج:
-دي أقل حاجة تستحقيها مني، إنتي استحالة تكوني صاحبتي أو بتتمنيلي الخير، إنتي شر!
صدمت هدير مما فعلته بها، ووضعت يدها على وجنتها لتتحسس موضع الألم، وتلون وجهها بحمرة مريبة، ثم صاحت بعدم تصديق وهي ترفع حاجبيها بإستنكار:
-انتي بتضربيني يا إيناس؟!

مدت إيناس ساقها بحركة بارعة لتلفها حول ساق هدير، فأوقعتها أرضاً، ثم جثت فوقها، وهتفت بتوعد:
-ده أنا هاموتك! انتي مش عارفة عملتي فيا ايه
وبالفعل انهالت باللكمات عليها، وحاولت خدشها في عنقها بأظافرها، وقاومت الأخيرة ضرباتها قدر المستطاع، وصرخت متأوهة:
-آآآآه، طب والله ماسيباكي، وهاتشوفي
جذبتها إيناس من خصلات شعرها بعنف، وتابعت بصوت محتد:
-منك لله يا شيخة، خدي.

صاحت هدير بصراخ، وأصيبت إصابات مباشرة في عينيها وفمها، ونزفت من أنفها، وهدرت بتهديد صريح:
-آآي، اوكي يا إيناس هتشوفي، والله لأوريكي
لم تعبأ بها إيناس بل أكملت ضربها، ونظرت لها بإستهزاء وهي ترد عليها بسخط:
-اكتر من كده ايه!
وما إن أفرغت شحنة غضبها فيها حتى نهضت عنها، وبصقت عليها لتقول بتقزز:
-دي أخر مرة أعرف واحدة زيك!

ثم لملمت أشيائها، وطرحت حقيبتها على كتفها، وركضت مبتعدة عنها وهي تحاول الصمود لكي لا تنهار باكية..
تأوهت هدير بأنين واضح، وبدى وجهها متورماً للغاية، فتلمسته بحذر، وضاقت نظراتها وهي تتوعدها:
-وأنا هادفعك تمن ده غالي!

لم يصدق باسل أذنيه عقب تلك المكالمة..
استغرقه الأمر عدة لحظات ليستوعب أن الأخت الصغرى لرفيقه المقرب كانت تتحاذق عليه وتشاغله كأي فتاة لعوب..
كور قبضة يده بحنق، ثم ضرب بها بعنف على الحائط المجاور له..
تحرك مسعد صوبه، ونظر له متعجباً من حالة العصبية البادية عليه، وسأله بإبتسامة مرحة وهي يغمز بعينه:
-ايه، الجو مزعلك ولا ايه؟

التفت باسل برأسه نحوه، ونظر له مطولاً دون أن ينبس ببنت شفة، فقد كان في موقف حرج..
تردد في إخبار مسعد بالهوية الحقيقية للمتصل المزعج، فهو لا يضمن عواقب المسألة إن عرف أنها أخته إيناس.
لاحظ مسعد شروده، فسأله مجدداً بإهتمام وهو يتفرس ملامحه بدقة:
-ايه يا عم باسل، إنت سرحان كده في ايه؟
ضغط باسل على شفتيه بقوة، وأخذ نفساً عميقاً حبسه في صدره المشتعل بالنيران المستعرة، ولم يجبه.

انضمت سابين إليهما وتساءلت بغرابة وهي توزع نظراتها بينهما:
-في ايه؟
-في حاجة حصلت؟
قالها مسعد وهو يضع يده على كتف زميله، فانتفض الأخير من لمسته، وظهر على وجهه علامات الإنزعاج..
نفخ باسل بضجر، وأجابه بصعوبة وهو يحاول الحفاظ على نبرة صوته المنفعلة:
-مافيش
سأله مسعد بفضول وهو يحاول التحديق به:
-يعني معرفتش مين اللي قرفاك؟
جمد باسل تعابير وجهه، وأجابه بإقتضاب:
-لأ..!
ثم صمت للحظة قبل أن يكمل بتوعد خفي:.

-بس هحسابها كويس لو وصلتلها
أومأ مسعد برأسه موافقاً إياه ليضيف:
-أكيد طبعاً، أقل حاجة تجيبها تحت آآ…
لم ينتبه باسل إلى بقية حديث رفيقه فقد شرد في التفكير في الأسباب التي دفعت إيناس لإرتكاب تلك الحماقات التي أوقعتها في المحظور، واعتصر عقله لإستنتاجها، لكنه لم يجد إجابة مرضية له..
تابعت سابين ذلك الحديث بينهما دون أن تفرض نفسها وتتدخل في الحوار، وأخذت تتلمس بحرص بالغ الكدمة البارزة في وجهها..

وفجأة هتف باسل دون وعي:
-مسعد، أنا رايح مشوار وراجع تاني!
رفع مسعد حاجبه للأعلى، وتساءل مندهشاً من تصرف رفيقه الغريب:
-مشوار، ازاي؟ ومن غير تصريح؟
أجابه بغموض دون أن يبدو على وجهه أي تعبير:
-حاجة مستعجلة كده هاشوفها
هز مسعد رأسه بحركة ثابتة وهو يتمتم بخفوت:
-أها
تساءلت سابين بإهتمام وقد لاحظت التغيير البادي عليه:
-باسل، إنت go where ( إلى أين تذهب )؟
أجابها بإختصار:
-حاجة افتكرتها، مش هتأخر!

أردف مسعد محذراً وهو يشير بيده:
-ماشي، بس خلي بالك لو اتكشف إنك مش موجود من غير آآ…
قاطعه باسل قائلاً بجدية:
-أنا هاظبط الدنيا، متقلقش!
مط مسعد فمه ليقول بجدية:
-طيب، وأنا هتابع معاك
لوح له باسل بذراعه وهو يستدير بظهره قائلاً بإيجاز:
-تمام، سلام
تابعته سابين بنظراتها إلى أن اختفى، والتفتت برأسها ناحية مسعد لتسأله برقة:
-هو ماله موسأد؟
انزعج قليلاً من اهتمامها به، وأجابها على مضض:.

-مش عارف والله، وبعدين مالناش إحنا دعوة، خلينا في الوحمة بتاعتك
وضعت أناملها عفوياً عليها، وهمست بصوت شبه متآلم:
-أوه!

سارت إيناس هائمة على وجهها تفكر في الكارثة التي حدثت معها..
لم يتوقف عقلها للحظة عن التفكير في طريقة للخروج من هذا المأزق الحرج.
فقد عجزت عن إيجاد أي مبرر مقنع ينفي عنها تلك التهمة الباطلة..
كانت تود العودة إلى منزلها، والتفكير بصورة عقلانية فيما حدث، لكنها لم تستطع بسبب الدرس الخصوصي الهام الذي حان موعده.
ومع هذا جلست شاردة أثناءه لا تعي كلمة واحدة مما يقولها المعلم.

فشاغلها الأكبر، وما يخيفها أكثر، بل ما يرعبها على الإطلاق هو ردة فعل باسل تجاه ما حدث..
رسمت في عقلها عدة سيناريوهات متوقعة، وكلها كانت تنهي بجريمة قتل!
لاحظت رفيقاتها شحوبها، وعدم تركيزها، فتساءلن خلسة عما بها، فبادرت هند متساءلة بهمس:
-مالك يا نوسة؟ إنتي مش مركزة معانا من الصبح
نظرت لها من طرف عينها بنظرات خاوية، وأجابتها بإقتضاب وهي عابسة الوجه:
-مافيش!
عضت على شفتها السفلى وهي تسألها بفضول أكبر:.

-حد زعلك؟ طب انتي شوفتي هدير وآآآ…
احتقنت عيني إيناس إلى حد كبير عقب ذكر اسم من أذتها، وبدت قسماتها شبه متشجنة بفعل تأثير فعلتها النكراء، ورغم هذا كافحت بصعوبة لتحافظ على هدوئها، فهي لم تردْ إثارة أي بلبلة..
لذا ضغطت على شفتيها بقسوة، وردت عليها:
-لأ..
زادت هند من محاصرتها بالأسئلة، خاصة أن تصرفات إيناس كانت مريبة للغاية، وتساءلت بصوت خفيض:
-بس إنتي آآ..
قاطعهما صوت ذكوري صارم وهو يشير بيده:.

-ركزوا يا بنات معايا، الجزء اللي جاي مهم!
-حاضر يا مستر!
قالتها هند بإبتسامة مصطنعة، بينما استمر الوجوم ظاهراً على ملامح وجه إيناس…

في المشفى العسكري،
خرج الطبيب من غرفة الطواريء وهو عابس الوجه، ثم اتجه إلى أحد القادة المتواجدين بالممر حتى وقف قبالته، فاستطردت حديثه قائلاً بجدية:
-للأسف الفريق ضياء مر بأزمة قلبية حادة، واتحط في العناية المركزة
ارتسمت علامات الصدمة بوضوح على وجه القائد، وهتف بذهول:
-ايه؟ أزمة قلبية!
تابع الطبيب قائلاً بنفس النبرة الجادة:
-الزيارة ممنوعة عنه الفترة الحالية لحد ما تستقر الحالة.

رد عليه القائد العسكري متساءلاً بريبة:
-بس هو مكانش بيشتكي من حاجة!
أوضح الطبيب قائلاً بنبرة رسمية:
-مش عارف التفاصيل الصراحة، بس أنا ببلغ حضرتك من وقع كشفي عليه
هز القائد رأسه بتفهم وهو يقول بهدوء حذر:
-شكراً يا دكتور، واكيد لما هايفوق هانفهم اللي حصل
-أكيد
قالها الطبيب وتحرك عائداً إلى غرفة الطواريء ليتابع عمله..
شبك القائد العسكري يديه معاً، وحدث نفسه بقلق:.

-في حاجات كتير هتتأثر بمرضك يا سيادة الفريق، وأولها آآآ…
صمت ليأخذ نفساً عميقاً، ثم لفظه دفعة واحدة ليردد بعدها بتوجس:
-ربنا يستر!

في الوحدة التدريبية،
استأذنت سابين لتعود إلى سكنها لترتاح قليلاً بعد الذي تعرضت له، وكذلك لتعالج تلك الكدمة الموجعة بما معها من أدوية ملائمة، في حين توجه مسعد للصالة الرياضية ليمارس تدريباته اليومية ويحافظ على لياقته العالية..
في نفس التوقيت، وصلت أنباء إصابة الفريق ضياء بأزمة قلبية إلى الجميع، وسادت حالة من الحزن بينهم، خاصة أنه من سعى جاهداً لتأسيس هذا التشكيل القتالي المميز..

كان مسعد ممسكاً بإحدى الرافعات المعدنية حينما وصله الخبر، فإنهار على قدميه مصدوماً وملقياً إياها بعدم إهتمام وهو يردد غير مصدقٍ:
-مش ممكن، الفريق ضياء!
وضع يديه على رأسه، وضغط عليها بقوة، وحدق أمامه في الفراغ بذهول..
تساقطت حبات عرقه بغزارة من جبينه من فرط المجهود أولاً، ثم من تأثير الخبر الصادم
هز رأسه مستنكراً وهو يتابع بصدمة:
-يادي الكارثة، ازاي ده حصل؟ ده كان لسه كويس ومكلمني!

نهض عن الأرضية، وجمع متعلقاته في حقيبته الرياضية، وأكمل بجدية:
-لازم أروح أطمن عليه بنفسي! مش ممكن أعرف ومسألش
ثم ركض مسرعاً إلى الخارج وهو يلقي بحقيبته على كتفه، ولكنه تسمر في مكانه فجأة بعد أن تذكر وجود سابين معه في الوحدة، فزم فمه بإمتعاض وهو يحدث نفسه بضجر:
-طب وصابرين، هاعمل معاها ايه؟ ما هي معايا على نفس الخط، هي جاية بتوصية منه، والمفروض تعرف باللي حصل!
اتسعت حدقتيه بهلع وهو يفكر بصوت مسموع:.

-بس ممكن يمشوها بعد اللي حصل؟ ماهي جاية بأوامره، ومحدش هايقبل إنها آآ، مش ممكن! معتقدش!
ركل الأرضية الإسفلتية بقدمه وهو يكمل بضيق:
-بس لو حصل، يبقى كده المهمة بالكامل فكست! الخبيرة هاتطير ترجع بلدها، وأنا هاتسوح، والفريق ضياء يتحال على المعاش، سترك يا رب!

في منزل مسعد غراب،
اتجهت صفية نحو باب المنزل لتفتحه بعد أن سمعت دقاته عليه، قطبت جبينها بإستغراب وهي ترى باسل أمامها، فسألته بقلق:
-باسل، خير يا بني؟ مسعد ابني جراله حاجة؟
رسم على ثغره ابتسامة هادئة وهو يجيبها:
-اطمني يا طنط، هو كويس!
ارتبك قليلاً وهو يتابع بهدوء:
-ده، ده بالأمارة باعتني أطمن عليكو
زادت ابتسامتها السعيدة إتساعاً، وهتفت بإمتنان:.

-كتر خيرك يا ضنايا، مكنش في داعي تتعب نفسك، كفاية مكالمة منك!
ثم أضافت قائلة بعد أن عبست بوجهها:
-أو حتى تقول للواد ده يتصل بأمه يسأل عليها، ولا زي تملي بينسى أهله لما يروح الوحدة
دافع باسل عنه قائلاً بإبتسامة مهذبة:
-معلش، ضغوط عندنا وكده!
وضعت صفية يدها على ذراع باسل، وصاحت بنبرة دافئة:
-ربنا معاكو ويحميكو.

فرك باسل طرف ذقنه بحركة عصبية، فقد جاء هنا إلى غرض أخر غير السؤال المزيف عن أحوال العائلة، ولكن عليه أن يتقن دوره جيداً حتى لا يثير الريبة..
اختلس النظرات من حوله بحذر، وتساءل بهدوء مصطنع:
-أومال سيادة اللوا كويس؟
أومأت صفية برأسها إيجاباً وهي تجيبه بحسن نية:
-اه يا حبيبي، هو بخير
ضاقت نظراته وأصبحت أكثر حدة وهو ينتقل للسؤال الأخر، فهذا هو سبب مجيئه المفاجيء..
فتساءل بتركيز وعيناه مسلطتان عليها:.

-وآآآ، وإيناس تمام؟
هزت رأسها بخفة وهي تجيبه:
-اه، هي لسه برا!
ثم تابعت ردها وهي تشير بيدها:
-عندها درس في عمارة 45 اللي ورانا، شوية وهترجع
تحولت نظراته للقتامة، وكز على أسنانه ليقول بهدوء كان بالغ الصعوبة:
-أها، عارفها!
ثم رسم تلك الابتسامة السخيفة على ثغره وهو يكمل:
-يالا ربنا ينجحها
رفعت صفية عينيها للسماء لتقول بتنهيدة:
-يا رب يا بني! البت دي بتتعب أوي
رد عليها بتهكم:
-أه، واضح!

تجمدت تعابير وجهه، وأضاف بصوت آجش:
-طيب يا طنط، أنا هستأذن
رفعت حاجبها للأعلى مستغربة من ذهابه المفاجيء، واستنكرت قائلة:
-الله! هو انت لحقت يا باسل؟!
رد عليها بصوت فاتر:
-معلش، يدوب ألحق أخلص كام حاجة كده وأرجع الوحدة!
هزت رأسها متفهمة وهي تقول بخفوت:
-طيب يا حبيبي، خلي بالك من نفسك
أولاها ظهره وهو يرد بجدية:
-إن شاء الله، سلامو عليكم
-وعليكم السلام!

قالتها صفية وهي تودعه، ثم مصمصت شفتيها لتتمتم مع نفسها بتنهيدة إرتياح:
-فيه الخير والله!
هبط باسل عن الدرج بخطوات أقرب إلى الركض، ثم استقل سيارته التي صفها أمام مدخل بناية رفيقه، واتجه بها إلى الطريق الجانبي حيث العقار الأخر لينتظر إيناس هناك…

فهو لن يمرر ما حدث منها مرور الكرام ودون محاسبة، ولن يهدأ حتى يفهم سبب جموحها الغير عقلاني معه، فليس معنى إختياره لعدم أخبار رفيقه بما فعلته أخته الصغرى ألا يتهاون في حقه
ترقب خروجها من مدخل البناية بنظرات متوعدة وهو جالس في مقعده بالسيارة..
وما إن لمحها تلج للخارج، حتى تحولت تعابير وجهه للشراسة، ونظراته إلى الإظلام، و…
راقب باسل المدخل الخاصة بالبناية المتواجدة بها إيناس، وما إن رأها تتحرك خارجها حتى قست ملامح وجهه بشدة وتحولت للشراسة، وأظلمت نظراته، وضغط على شفتيه بقوة محاولاً كبح غضبه وهو يترجل من سيارته..
في نفس الوقت كانت إيناس شاردة الذهن تفكر في توابع جريرة هدير الشنيعة، ولم تنتبه لوجود باسل في الجوار..

تحرك هو صوبها، وهو ينتوي شراً، ثم فجأة أطبق على ذراعها بأصابعه القوية، فشهقت مذعورة من أثر اللمسة القوية المباغتة عليها، والتفتت برأسها لتنظر إلى من فعل هذا، فوجدته أمامها، فجحظت عيناها بهلع كبير..
أحكم باسل قبضته عليها، وسحبها معه بقوة وهو يصر على أسنانه قائلاً بصوت آمر و غليظ:
-تعالي معايا!
تجمدت الكلمات على شفتيها، واختفى لون بشرتها، وارتعدت أطرافها بالكامل وهي تتحرك مسلوبة الإرادة خلفه..

حاولت نوعاً ما أن تحرر ذراعها من قبضته حينما اقتربا من سيارته، لكنه زاد من قوة ضغطته وهو يحذرها مهدداً:
-احسنلك تمشي معايا بهدوء
لم يكن أمامها أي مفر للإعتراض، فأومأت برأسها ممتثلة..
فتح باب السيارة الأمامي لها، وأشار بعينيه القاتمتين لتركبها، فابتلعت ريقها بتوجس، وصعدت على متن سيارته خانعة لأمره الصامت..
صفق الباب خلفها بقوة، فانتفضت أكثر، وظلت معلقة أنظارها المذعورة عليه حتى ركب إلى جوارها..

ضغط بعنف على دواسة البنزين لتنطلق السيارة مسرعة في طريقها العكسي..
رأتها هند وهي تذهب معه، فقطبت جبينها مندهشة، واعتلى ثغرها ابتسامة إعجاب وهي تقول لنفسها:
-واو، ده المز طلع جامد على الأخر، ليها حق هدير تموت عليه!
مطت فمها لتضيف بمكر:
-أما أتصل أكلمها واقولها اللي شوفته، أكيد هتتغاظ لما تعرف!

وبالفعل أخرجت هاتفها من جيب بنطالها الجينز، وعبث بأزراه، ثم وضعته على أذنها، وانتظرت بشغف رد هدير على اتصالها…

في كافيه ما،
استشاطت هدير غضباً بعد مكالمة هند لها، وتحول وجهها لحمرة محتقنة، وكزت على أسنانها لتقول لنفسها بغل:
-بقى كده، أنا أبوظ الدنيا بينكم، وهو يجري عليكي!
ضاقت نظراتها، وزادت حدتها وهي تتابع حديث نفسها:
-عاجبه فيها ايه عشان يلاحقها كده!
نظرت لها والدتها الجالسة قبالتها بإندهاش، وسألتها وهي تتفرس تغير تعابير وجهها:
-في ايه يا هودو؟
ابتسمت هدير بتصنع وهي تجيبها بإمتعاض:
-مافيش يا ماما.

سألتها والدتها بإلحاح وهي تدقق النظر فيها:
-وشك شكله متغير، في حاجة حصلت؟
ردت عليها هدير بتوتر قليل:
-هاه، لأ
عاودت سؤالها بفضول:
-اومال هند كانت عاوزاكي في ايه؟
ارتبكت هدير قليلاً، فبالطبع لن تخبرها عن سبب غضبها الحقيقي، فحاولت إختلاق عذر مقنع كي تفر من أسئلة والدتها، لذا تنهدت بإنهاك وهي تجيبها:
-دي، دي بتقولي على المستر والهوم ورك اللي ورانا
هزت والدتها رأسها متفهمة، وقالت بهدوء:
-أها، اوكي.

أظلمت نظرات هدير، وتحولت ملامحها للشراسة وهي تقول لنفسها بتوعد:
-ماشي يا إيناس، الحوارات بينا لسه مخلصتش!

في سيارة باسل،
صدمت إيناس حينما رأته بتلك الحالة، لكنها كانت تتوقع هذا من نبرته العدائية في الهاتف فور أن سمعت صوته وعرفت بهويته..
فالأمر ليس بالهين، وما ارتكبه هدير يعادل إلقاء قنبلة شديدة الإنفجار بعد نزع فتيلها، ومع من مع باسل..
ما أخافها حقاً، وجعلها تنكمش في مقعدها هو ابتعاده بها عن منزلها، وسيره في طرق أخرى لا تعرفها..

دار في رأسها عشرات الأسئلة حول ردة فعله، وفشلت في تخمين ما سيقوم به معها..
ظل باسل صامتاً طوال الطريق، لكن تشنجات جسده تعبر عن حالته المتأججة، و تحاشت هي النظر إليه..
تعمدت إلصاق جسدها بالباب لتترك أكبر قدر من المسافة الفاصلة بينهما..
وفجأة ضغط على المكابح بقوة لتتوقف السيارة في مكان شبه هاديء، فإرتدت بعنف للأمام، وارتطم جسدها بالتابلوه..
تأوهت بأنين خفيض، وزادت رجفتها مما هو قادم..

انتفض هو صارخاً فيها بصوت جهوري أرعبها:
-ايه الجنان اللي عملتيه ده يا إيناس، انتي!
فزعت في مكانها، وردت بتلعثم وهي تحاول تجميع حروف ما ستنطق به:
-أنا، آآ..
قاطعها قائلاً بصوت عنيف وهو يحدجها بنظرات نارية:
-كان ممكن أتخيل أي واحدة *** معندهاش تربية ولا أخلاق تعمل الحركات ال **** دي، لكن المصيبة إنها تطلع إنتي!

اتسعت حدقتيها، وزاد توترها من عصبيته المفرطة، وحاولت الدفاع عن نفسها، وتبرير موقفها أمامه، فخرج صوتها مذبذباً متردداً وهي تقول:
-والله آآ..
قاطعها مجدداً متساءلاً بغضب:
-عاوز أفهم عملتي كده ليه؟
ابتلعت ريقها بخوف وهي تتوسله بصوت مرتجف:
-اديني بس فرصة أحكيلك، وأنا آآ..
صرخ بها بصوت هادر جعل جسدها يجفل بقوة:
-انطقي!
أدمعت عيناها خوفاً، وهمست بصوت شبه مختنق وهي تشير بيدها:.

-آآ، بس والله العظيم أنا معملتش حاجة
استدار باسل برأسه في اتجاهها ليرمقها بنظرات مخيفة قبل أن ينطق بصوت آمر وهادر:
-إيناس، اتكلمي
ابتلعت ريقها بفزع وقد زادت رجفتها منه، وبدت على وشك البكاء وهي تحاول سرد مع حدث..
أصغى هو لها بوجهه الصارم، ولم ترتخي نظراته أو تعبيراته القاسية للحظة، ولكن كان داخله مستعراً..
ما أثار حنقه بحق هو طريقة تفكير الفتيات الصغيرات، والتي تخطت حدود المألوف والعرف المتبع..

شدد من قبضته على عجلة القيادة، فلاحظت هي حالة الإنفعال التي مهددة بالإنفجار في أي لحظة..
وبصوت متحشرج ومرتجف همست:
-أنا ماليش دعوة والله!
ضرب بيده المقود بقوة شديدة، وأطلق سبة معيبة، ثم استدار ناحيتها ليرمقها بنظرات احتقارية وهو يقول بإستنكار:
-أنا مش عارف أقولك ايه؟!
صمتت للحظات محاولة السيطرة على نوبة بكائها، ودار في عقلها عدة سيناريوهات مرعبة حول تصرفه معها، فسألته بخوف وهي ترمش بعينيها الباكيتين:.

-طب، طب انت ناوي على ايه؟
احتدت نظراته، وعبس وجهه بشدة، ولوى ثغره وهو يقول بتهكم:
-ده اللي هامك؟!
ازدردت ريقها، وهمست بصوتها المختنق وهي مطرقة رأسها للأسفل مبدية ندمها:
-أنا عارفة إني غلطت إني وثقت فيها وآآ…
قاطعها قائلاً بشراسة وهو يلوح بذراعه بعصبية:
-إنتي دماغك كانت بتفكر إزاي لما وافقتي على كلام صاحبتك القذر ده!
رفعت رأسها لتنظر نحوه، وردت بتلعثم:
-م، آآ..
هدر بها بصراخ مستنكر:.

-أنا لحد دلوقتي مش مصدق، إيناس تعمل كده، أخت صاحبي!
تهدل كتفيها، وتكورت على نفسها، وسألته دون وعي:
-هو، هو إنت هاتقول لمسعد؟
توقف عن الحديث، والتفت برأسه ناحيتها لينظر لها بنظرات أكثر قوة بثت الرعب في نفسها، وسألها بسخط
-قلقانة إني أقوله؟
ردت مدافعة بنحيب:
-لأ، أنا م، معملتش حاجة عشان آآ…
ضرب بيده المقود بعنف فقطمت حديثها، وانتفضت في مكانها في هلع من ثورته الهائجة، وصرخ بجنون:.

-اللي هايجنني وهايطير برج من دماغي إنك تفكري إني أبصلك ولا حتى أبص لواحدة من أصحابك حتى!
فغرت شفتيها مشدوهة مما قاله تواً..
بينما تعمد هو إهانتها بصورة مبالغة، وحقر من شأنها بصورة أوجعتها، بل حط منها لدرجة جعلتها تنظر له بصدمة كبيرة شاعرة بمدى الخزي والذل الذي أصبحت فيه..
أضاف قائلاً بقسوة وهو يرمقها بنظرات إحتقارية:
-إنتي، إنتي مجرد زبلة عندي، فاسلة ماتسواش، استحالة حتى أحطك في جملة مفيدة!

هبط قلبها في قدميها من هول كلماته الجارحة، ورددت بلا وعي وقد تلاحقت أنفاسها:
-أنا؟
نظر لها بإحتقار قبل أن يتابع بنبرة متهكمة ساخرة منها:
-ده انتي عندك شنب وسوالف زيي!
ارتفع حاجبيها للأعلى بصدمة، ووضعت يدها عفويا على فمها لتتحسسه، فقد جرحتها عبارته القاسية..
أكمل باسل قائلاً بجموح دون أن يعبأ بمشاعرها ولا ردة فعلها منه:
-هابصلك انتي ولا يجي في بالي حتى أفكر فيكي لثانية، ده أنا أخلف ادك.

لم تتحمل إهانته المستمرة لها، ولا إستهزائه الفظ من هيئتها، فقد كانت كلماته موجعة، بل تصيب في مقتل، فبلا تفكير وضعت يدها على مقبض الباب لتفتحه، ولكنه قبض على ذراعها بكفه ليمنعها، وسألها ببرود:
-استني رايحة فين؟
لم تستدر برأسها نحوه، وهتفت بصوت منكسر:
-ماشية!
هزها بعنف لتلتفت رغماً عنها نحوه، وشدد من غرز أصابعه في ذراعها، وهتف محذراً بنبرة عدائية صريحة:
-اياكي تفكري بس تفتحي الباب!

تلوت بذراعها محاولة تحريره، وصرخت فيه بصوت متشنج وباكي:
-إنت عاوز ايه مني؟
تأمل هيئتها المتعصبة بجمود عجيب، بينما تابعت هي بنشيج وهي تبكي بمرارة:
-كفاية اهانة لحد كده
رمقها بنظرات باردة وهو يضيف بنبرة أكثر قسوة:
-انتي ماسمعتيش لسه حاجة مني
حركت إيناس ذراعها بعصبية أشد محاولة إفلاته، وصاحت بصوتها الباكي:
-مش عاوزة اسمع
أرخى قبضته عنها، ونظر لها ببرود مستفز، ثم هتف بنزق:
-عشان الكلام مش عاجبك، بيوجعك صح!

صرخت فيه بتوسل ليكف عن إيلامها نفسيا:
-بس بقى
صاح بها بصوت آمر وهو يشير بيده:
-اخرسي واسمعيني كويس!
نهج صدرها علواً وهبوطاً من شدة بكائها، فأكمل بنبرة إحتقارية متعمداً إذلالها:
دي نظرتي ليكي يا أخت أعز أصحابي، إنتي مجرد عيلة مالهاش لا شكل ولا منظر عشان يتبص عليها، بت هبلة ومتخلفة!
آلمتها بقوة عبارته الموجعة، وخفق قلبها قهراً منه..
أكمل باسل بنفس القسوة:.

-وأمور المراهقة دي متتعملش لا معايا ولا مع غيري، ولولا العشرة وإني عارف هو ممكن يعمل فيكي ايه في لحظة طيش قسماً بالله كان زماني قايله وطالقه عليكي!
صرخت فيه إيناس بتحدٍ زائف بعد أن فاض بها الكيل من إهاناته المتتالية والتي لا تنتهي:
-خلاص روح قوله بدل ما تقل أدبك عليا!
رد عليها بجدية أخافتها:
-قلة الأدب لسه مجاتش، بس ناقص حاجة أخيرة هاتخليكي تفكري مليون مرة قبل ما تعملي ده تاني!

نظرت له بتوجس، وسألته بصوت منتحب:
-ايه هي؟
باغتها باسل بصفعة قوية وعنيفة على وجنتها، فشهقت مصدومة مما فعله، وحدقت فيه بذهول جلي..
ثم وضعت يدها على صدغها المتألم غير مصدقة أنه صفعها بالفعل..
تابع هو قائلاً بشراسة:
-القلم ده عشان يفوقك، واحمدي ربنا إنه حصل معايا مش مع غيري!
هتفت بعدم تصديق وهي تبكي:
-إنت، إنت ب..

لم يمهلها الفرصة لإتمام جملتها، بل أطبق على فكها بكف يده، وزاد من ضغطته بشراسة عليها، وهدر محذراً وعيناه تنطقان شرراً:
-اللي حصل ده كله يتنسى، ويتمحى من مخك للأبد، وعلاقتك بالبت دي تتقطع نهائياً، فاهمة!
اعتصر الآلم فكها، وزاد من قوة ضغطته لتفهم هي رسالته، فهزت رأسها مستسلمة من فرط الوجع…
بكت إيناس بمرارة وهي تطالعه بنظرات حزينة، نظرات أزعجته للغاية رغم جموده الزائف..

فقد تلقت اليوم أقسى درس في حياتها الصغيرة..
أرخى هو أصابعه عنها، ودون أن ينطق بكلمة إضافية، أعاد تشغيل السيارة، وانطلق بها عائداً إلى منزلها..
انسابت عبراتها بغزارة، وظلت تمسحها بكفها وهي تنظر إلى النافذة الملاصقة لها، فالإهانة هنا فاقت قدرتها، بل تخطت توقعاتها..
ورغم صعوبة الموقف عليه، إلا أن باسل أراد أن يكون صارماً معها منذ البداية حتى لا تكرر خطئها مرتين..

ندم بداخله على تطاوله باليد عليها، فهي لم تكن تستحق هذا، هي لديها مكانة في قلبه، وأخت رفيقه، لكنه كان يخشى عليها، وبرر لنفسه فعلته المتهورة تلك بأنها عقاب ملموس ليذكرها دوماً بألا تنجرف وراء حماقات الغير…

في المشفى العسكري،
اضطر مسعد أن يصطحب معه سابين إلى المشفى بعد أن أبلغها بحالة الفريق ضياء الصحية، فإنهارت مصدومة واصرت على الذهاب معه، فهو واحد من اثنين فقط ممن يعرفون بهويتها الحقيقية وبظروف تواجدها في القاهرة..
وهو لم يكن ليتركها بمفردها في الوحدة وهو يعرف بنوايا فادي اللئيمة..
لذلك كان أسلم حل هو الذهاب سوياً إلى المشفى
وقف كلاهما خارج غرفة العناية المركزة، وتأملا هيئته بنظرات أسفة..

شرد مسعد في أحلامه المهددة، فقد كان يعول على قائده لتزكيته عند الخبيرة ليظفر بمكان ضمن الحرس الرئاسي..
بينما بكت سابين في صمت حزناً على حالها وهي محدقة به، فوضعها الأمني أصبح في ظروف غامضة، ولم تعد تعرف كيف ستتصرف إن ساءت حالته..
تنهد مسعد بعمق، وأشاح بوجهه بعيداً وهو يتراجع خطوتين للخلف..
انتصب فجأة في وقفته حينما وجد أحد القادة – ذوي الرتب العسكرية العالية – يقترب منه..

أدى له التحية العسكرية وهو يردد بجدية:
-تمام يا فندم
-استرح
قالها القائد بصوت جامد وهو يوميء برأسه إيماءة خفيفة
انتبهت سابين إليه، وكفكفت عبراتها بأطراف أناملها..
استطرد القائد حديثه قائلاً بهدوء:
-في جديد يا مسعد؟
هز راسه نافياً وهو يجيبه:
-لا يا فندم، الحالة زي ما هي!
زفر القائد بعمق وهو يقول:
-ربنا يشفيه، الفريق ضياء من أكفأ القادة عندنا!
أومأ مسعد برأسه موافقاً وهو يرد عليه:
-ده حقيقي يا فندم.

وضع القائد يده على كتف مسعد، وتابع حديثه بنبرة جادة:
-طبعاً في الظروف اللي زي دي هانضطر إننا نولي حد تاني القيادة مؤقتاً لحد ما نطمئن على الفريق ضياء!
لم يتفاجيء مسعد من كلماته، فقد توقع هذا، لأنه الإجراء الطبيعي في مثل تلك المواقف الطارئة، لذا تنحنح بصوت خشن، ورد بتوتر قليل:
-احم، اكيد
أضاف القائد قائلاً بصرامة:
-عامة في ظرف 24 ساعة هايكون في قائد مؤقت للتشكيل الجديد، ده غير بعض التكليفات لشوية منكم!

انتصب مسعد بجسده، ورد عليه بثقة:
-احنا جاهزين لأي حاجة يا باشا
التوى ثغر القائد بإبتسامة باهتة وهو يضيف:
-ده المتوقع منكم، أنا رايح الوقتي أسأل واطمن أكتر عن الفريق ضياء، خلص الزيارة، وارجع وحدتك تاني!
رد عليه مسعد بنبرة رسمية:
-تمام يا فندم
انتظرت سابين رحيل القائد حتى تقترب من مسعد، وسألته بقلق:
-هاتعمل ايه موسأد؟
زفر بإنزعاج، وشبك يديه أعلى رأسه، ثم أجابها على مضض:.

-مش عارف والله يا صابرين الدنيا هاتمشي ازاي، بس لازم نشوف الوضع الأول هايتظبط ازاي!
أدركت سابين أنها في وضع حرج، فوضعها على المحك الآن، لذا تساءلت بنبرة أكثر قلقاً:
-وأنا؟
رد عليها بسخرية:
-انتي نفسك مشكلة لوحدك!
لم تعي مقصده جيداً، فسألته مستفهمة:
-مش إفهم موسأد
ردد بنبرة حائرة وهو يفرك وجهه براحة يده:
-لازم أفكر في بديل ليكي لحد ما الفريق ضياء يفوق.

وضعت سابين يدها على ذراعه، فشعر بلمستها عليه، ونظر لها بنظرات غريبة، بينما تابعت هي متساءلة بخوف:
-موسأد، بليز قولي إنت بتفكر في ايه؟
رد عليها بإهتمام وهو يطالعها بنظراته:
-بأفكر لو بعتوني مهمة في أي وقت لأي مكان، إنتي هاتعملي ايه لوحدك!
ضغطت سابين بأصابعها على ذراعه، وتوسلته بخوف قليل بادي في نبرتها ونظرات عينيها:
-مش سيبني موسأد، بليز، be with me ( كن معايا ).

فغر فمه مشدوهاً نوعاً ما من حركتها المفاجئة والتي أثارت في نفسه إحساساً غريباً أربكه…
تابعت هي قائلة بإرتباك:
-أنا هاف ( أخاف ) أكون وحدي، أنا مش أعرف حد
تمتم مسعد بصوت خفيض للغاية وهو يطالعها بنظرات شبه والهة:
-هو أنا بعد البؤ ده أقدر أسيبك!
نظرت له بتمعن، وسألته بعدم فهم لعبارته الأخيرة التي لم تسمعها جيداً:
-ايه؟
ابتسم لها قائلاً بصوت مطمئن:
-شوفي احنا نرجع الوحدة، ونفكر سوا في حل للمشكلة بتاعتنا.

هزت رأسها إيجاباً وهي تردد بإيجاز:
-اوكي
أشار لها بيده وهو يقول بنبرة حاسمة:
-بس الأول لازم أبلغ باسل باللي حصل، عشان يتصرف معايا
ردت بتفهم وهي تبتسم قليلاً له:
-أها، اوكي.

أوقف باسل سيارته على مقربة من بناية رفيقه، وبنبرة جامدة وبوجه خالي من التعبيرات صاح بصوت آمر:
-انزلي
لم ترد عليه إيناس، بل أسرعت بفتح الباب، وترجلت من السيارة لتصفقه خلفها بقوة، ثم ركضت نحو مدخل بنايتها دون أن تستدير للخلف، و صوت نحيبها يعلو أنفاسها، ويضني القلب..

لم يستطع باسل منع نفسه من النظر إليها، فقد أوجعه ما فعله بها، وضغط على فمه بقوة شديدة ليقاوم انفلات أعصابه، ثم ضرب المقود بيده بعنف، وزفر بصوت غاضب، وانطلق بالسيارة وهو يطلق عدة شتائم لاذعة…
في الوحدة العسكرية،
طلب مسعد من سابين حزم حقائبها والاستعداد للرحيل، فنفذت طلبه، وجهزت كل شيء، وجلست في انتظاره في سكنها، بينما هاتف هو باسل عدة مرات، ولكنه لم يجب على أي من اتصالاته المتكررة، فتملكته الحيرة هو سبب اختفائه وتجاهله لمكالماته..
عاد باسل إلى الوحدة دون أن يعرج على رفاقه، وكان على وجهه وجوم غريب..

بالطبع ولما لا يحزن، فقد أهان أخت أعز رفاقه بإهانات متعمدة ربما تجعلها تكرهه للأبد وكذلك تهز ثقتها بنفسها..
لم يستطع تفسير غضبه الزائد ولا إنفعالاته العصبية تجاهها، فالموقف لم يكن ليحتاج لكل تلك الثورة، ولكن كون إيناس تخطت المألوف وأصبحت كالفتيات العابثات أصابه بالجنون، فهو لم يعتد منها على هذا..

ودون أن يدري قادته قدماه إلى الصالة الرياضية، وبادر بإرتداء قفازيه ليمارس الملاكمة، فقد أراد إفراغ تلك الشحنة العنيفة المتأججة بداخله في شيء ما…
ظل يضرب بعنف ضربات متلاحقة قوية حتى خارت قواه المشتعلة، وجلس على جهاز رياضي ليلتقط أنفاسه اللاهثة.

توجه مسعد إليه حينما رأه في الصالة الرياضية، ورأى الحالة البادية عليه، فظن أنه قد علم بما حل بالفريق ضياء، وأصيب بحالة هياج أراد التنفيس فيها عن مشاعره، فضغط على شفتيه قليلاً، ثم اقترب منه، ومد ذراعيه ليحتضنه بصورة مفاجئة، فإندهش الأخير من تصرفه هذا، وسأله بريبة:
-هو في ايه؟
ابتسم له مسعد ابتسامة مصطنعة وهو يجيبه:
-باخد بخاطرك.

ظهرت تعابير الصدمة على قسماته المتصلبة، فقد اعتقد في نفسه أن إيناس قد أبلغته بما حدث، فسأله بصوت قاتم:
-ليه؟
رد عليه مسعد بجدية وهو يشير بيده:
-انت مش شايف شكلك، أكيد متأثر زيي!
حاول باسل أن يحافظ على هدوئه وثباته الانفعالي أمامه ريثما يكتشف ما الذي عرفه رفيقه، فسأله بحيطة:
-من ايه؟
أجابه مسعد بصوت شبه حزين:
-انت مش عرفت باللي حصل، وعشان كده مكونتش بترد عليا!

ابتلع باسل ريقه بقلق، ودارت في رأسه أسئلة عديدة، أهمها هل لجأت إيناس لأخيها لتقص عليه ما صار، وخاصة تطاوله باليد وباللفظ عليها..
فرددت بتوجس وقد ارتبكت نظراته:
-هاه، هي، هي قالتلك!
حدق فيه مسعد بإندهاش، وحك فروة رأسه في عدم فهم، وردد بإستغراب:
-هي كانت معايا أصلاً
أدرك باسل في لحظة أن مسعد يتحدث عن شخص أخر، فتساءل بجدية:
-انت بتكلم عن مين؟
أجابه الأخير متساءلاً بهدوء:
-عن صابرين، انت تقصد حد تاني؟

تنفس باسل الصعداء لكون مسعد لم يعرف بعد بما حدث، وبدى شبه متوتر وهو يرد عليه:
-هاه، لأ، بس سابين هاتقولي ايه أصلاً
هتف مسعد بنزق:
-انت معرفتش باللي جري للفريق ضياء
انتصب باسل في جلسته، ورفع حاجبه للأعلى باهتمام، وتساءل بنفاذ صبر:
-ما تقول اللي حصل يا بني على طول؟!

سرد له مسعد ما أصاب الفريق ضياء من وعكة صحية مفاجئة أودعته في العناية المركزة في حالة فقدان وعي بالكامل، فسيطرت حالة من الحزن على، وهتف غير مصدقاً:
-طب ازاي؟ ده، ده كان لسه كويس!
رد عليه مسعد بضيق:
-قضاء ربنا!
سأله باسل بجدية مفرطة:
-طب والعمل؟
رد عليه مسعد بإنزعاج:
-انا مشكلتي الوقتي مع صابرين
هتف باسل قائلاً وهو ينظر بدقة نحوه:
-سابين! مالها؟
أجابه مسعد بنبرة شبه حائرة وهو يحك مؤخرة رأسه:.

-هنعمل ايه معاها، المفروض كانت جاية بتصريح على قوة الفريق ضياء، استثناءي يعني، اللي جاي بقى مكانه هيسمح بوجودها ولا لأ!
زفر باسل بصوت مسموع، وأضاف بإمتعاض:
-مش عارف
تطلع مسعد أمامه بنظرات مطولة، ولاح طيف ( سابين ) أمامه، فتنهد بعمق، ثم عاود النظر إلى رفيقه، وتابع قائلاً بتوجس:
-محدش ضامن دماغ ولا تفكير القائد الجديد!
نزع باسل قفازيه، وهب واقفاً ليضيف:
-طب ماهو أكيد الفريق ضياء هايفوق وآآ…

قاطعه مسعد بجدية وهو يشير بيده:
-ولحد ما ده يحصل لازم نفكر في بديل!
سأله باسل بصوت جاد وقد ضاقت نظراته:
-طب ناوي على ايه؟
هز مسعد رأسه بحركة يائسة، ورد عليه بإستياء:
-مش عارف لسه، أنا عمال أقلبها في دماغي من بدري!
مسح باسل حبات عرقه بمنشفة قطنية، والتفت ليقول:
-هي مش هاينفع تفضل هنا كتير
رد عليه مسعد على مضض وهو عابس الوجه:
-معتقدش هايسمحوا بوجودها!

زاد عبوس وجهه وهو يتذكر كم المضايقات التي تعرضت لها فور وصولها للوحدة، بالإضافة إلى تطاول فادي عليها بالإيحاءات الغير مريحة والنظرات الجريئة، فزفر بغضب وهو يردد:
-وبفرض وافقوا مش هاتسلم من رزالة حد!
وافقه باسل الرأي، وهتف بجدية:
-ايوه، عندك السمج فادي، والعينة اللي زيه
تابع مسعد بإمتعاض وهو يفرك كفيه معاً:
-ده غير إن ممكن يكلفونا بأي مهمة، وساعتها هاتكون لوحدها!
سأله باسل بجدية وهو ينظر له:.

-طب هانتصرف ازاي؟
صمت مسعد للحظة، ثم أردف قائلاً بصوت جاد:
-بص، أنا بأفكر في حاجة كده، بس مش عارف إن كانت هاتظبط ولا لأ!
سأله باسل بإهتمام:
-ايه هي؟
فرك مسعد طرف ذقنه بإصبعيه، ثم أجابه بهدوء:
-هاحجزلها في فندق تبعنا وتبقى في نفس الوقت تحت عينيا
تابعه باسل بإهتمام بائن دون أن يقاطعه، في حين أوضح مسعد مبرراً:
-يعني منها تبقى على راحتها، ومنها نكون متابعين معاها.

فكر باسل في اقتراح مسعد ملياً، ثم رد عليه بنبرة دبلوماسية:
-ماشي، بس استنى أما نشوف رأيها
أومأ مسعد برأسه موافقاً إياه، فبالطبع لا يمكنه الشروع في عمل أي شيء دون موافقة سابين عليها أولاً، وردد بإقتضاب:
-طيب
لوح باسل بيده ليضيف بجدية:
-ولازم أروح أطمن على الفريق ضياء بنفسي
-ماشي، خد تصريح واتوكل على الله وشوفه.

في منزل مسعد غراب،
أوصدت إيناس باب غرفتها عليها، وألقت بجسدها على فراشها لتبكي بمرارة على تلك الإهانة الجارحة التي تعرضت لها..
دفنت وجهها في وسادتها، ونشجت بأنين متآلم..
وظلت كلمات باسل المستهزأة بها والمحقرة من شأنها تتردد في أذنيها..
رفعت رأسها عن الوسادة، وتحركت بوهن من على فراشها لتقف أمام مرآتها..
تأملت وجهها بعينيها المنتفختين، ومدت يدها لتتحسس فمها وجانبي صدغيها..
همست لنفسها بقهر:.

-أنا، انا مش زيك، مش عندي شنب!
انفطرت في بكاء أشد وهي تتخيل نفسها بتلك البشاعة أمامه..
لقد نجح في هز ثقتها بنفسها، أوجعها بشراسة في وقت لم تحتاج فيه إلا للثقة..
وهي لم تفعل ما يستوجب كل تلك القسوة
تحسست كذلك موضع صفعته، وهمست لنفسها بنبرة متألمة:
-مش هانسى القلم ده طول عمري، القلم ده عرفني أنا مين بالظبط!

في الوحدة التدريبية،
هبت سابين واقفة من مقعدها، وظهر على ملامحها الضيق، وهتفت معترضة بشدة:
-نو ( لأ )، موسأد
تعجب مسعد من رفضها الشديد، وأثار ريبته نوعاً ما، فوجودها في فندق مجهز بأحدث وسائل الراحة هو الحلم لأي شخص، خاصة إن كان متواجداً في سكن غير مناسب في هذا الجو الحار، وهي بإصرار غامض ترفضه رفضاً تاماً..
لذلك سألها بفضول مسيطر عليه وهو يدقق النظر في تعابير وجهها المتشنجة:
-ليه بس يا صابرين؟

ردت عليه بنبرة حاسمة:
-أنا مش روح إقعد في أوتيل لوحدي
رد عليها مسعد بإلحاح:
-ماشي بس ليه برضوه؟
صمتت سابين ولم تجبه وحدقت فيه بنظرات شبه متوترة، فهي واقعة في مأزق كبير، لا أحد يعرف بهويتها الحقيقية ولا بالكارثة التي حلت بها حينما قررت فضح كبرى الشركات، ولا بجرائم الاغتيالات التي لاحقتها، ونالت ممن حولها..

لاحظ الاثنين صمتها الذي طال، وتبادلا نظرات ذات مغزى خاصة حينما بدى على تعابير الارتباك والخوف، وأدركا أن الأمر أكبر من كونها مجرد خبيرة حصلت على تصريح استثنائي بالتواجد هنا..
مال باسل على مسعد وهمس له بشيء غير مسموع في أذنه، فهز الأخير رأسه موافقاً إياه، وتلاها تحديق الاثنين بها بنظرات متفرسة..

شعرت سابين أنها في دوامة لا تنتهي من الصراعات، فهي ما إن تخرج من معضلة حتى تتعثر في أخرى أشد خطراً من سابقتها..
هي بمفردها، تقاتل للبقاء بثبات أمام ما تعرضت له..
لم تدرِ أنها كانت محدقة في باسل ومسعد بنظرات فارغة أثارت قلقهما أكثر..
هي لم تكن تنظر إليهما فعلياً، ولكنها كانت شاردة في حياتها السابقة التي انقلبت رأساً على عقب..

بالطبع فلا أحد يعرف بكونها شاهدة رئيسية في قضية خطيرة وهامة، ومطلوب تصفيتها قبل أن تصل لقاعة المحكمة، ولجأت لبرنامج حماية الشهود لإبعادها مؤقتاً حتى جلستها..
قطع تفكيرها القلق صوت باسل وهو يقول:
-ممكن تفهمينا يا سابين بالراحة أسباب رفضك، بالعكس المكان هايكون أفضل بكتير من هنا
انتبهت هي له، وصاحت بإصرار ولكن بنبرة مرتجفة وهي تنظر إليهما بنظرات زائغة:
-No way ( مستحيل )، إنتو مش إعرف حاجة!

سألها مسعد بفضول وقد شعر بالتخبط الذي يعتريها:
-نعرف ايه بالظبط؟
ارتعش جسدها وهي تضيف بصوت شبه مرتعد:
-أنا، انا اقعد هنا، مش إمشي
وقف مسعد قبالتها، ودقق النظر فيها فرأى الخوف في عينيها جلياً، فسألها بتوجس:
-طب ليه؟
ازدردت ريقها بهلع، ولم تجبه، هي لا تملك الخيار حالياً، لا يمكنها المخاطرة بإخباره بهويتها الحقيقية فتخسر حمايتها..
أزعجه صمتها، فهتف بجدية:.

-لا يا صابرين، وجودك هنا الوقتي بقى مش اكيد، ولازم نفكر في بديل!
هزت رأسها معترضة، وهمست له برجاء وقد لمعت عيناها:
-مش ينفع موسأد
سألها بإلحاح وهو يطالعها بنظراته القلقة عليها:
-ليه بس؟
ضغطت على شفتيها بقوة، وتنهدت بإستياء ولم تجبه
استعطفها مسعد قائلاً برجاء:.

-عشان خاطري يا صابرين، قوليلي ليه انتي عاوزة تفضلي هنا؟ ومتقوليش الوحدة وجمالها والهري الكداب اللي محدش هايصدقه، أنا هنا جمبك ومعاكي ومش هاسيبك، بس فهمينا سبب رفضك!
استشعرت سابين في نبرته صدق نواياه نحوها، فترددت في إخباره..
أردف مسعد قائلاً بجدية وهو ينظر لها بثبات:
-قولي يا صابرين ومتخافيش، في حاجة حاصلة واحنا منعرفهاش؟
أضاف باسل هو الأخر قائلاً بصوته الجاد:.

-شوفي انتي لو فضلتي ساكتة احنا مش هانعرف نساعدك، وصدقيني الأوامر لو جت من فوق محدش فينا هايقدر يعترض، لازم نكون على علم بكل حاجة عشان نعرق نتصرف صح!
هز مسعد رأسه موافقاً على حديث رفيقه، وتابع بنبرة حازمة:
-ايوه، احنا أد المسؤلية، ثقي فيا وقوليلي، انتي عاوزة تفضلي هنا ليه؟ اتكلمي يالا!
عضت هي على شفتها السفلى، وأجابته بتلعثم وهي تبتلع ريقها:
-آشان ( عشان ) آآ، آآ…

صاح بها مسعد بنفاذ صبر وقد ضاقت نظراته:
-ما تكلمي يا صابرين! قولي
استسلمت سابين لإلحاحه المتكرر بعد صمت محدود، وتفكير متأني، فرغم كل شيء هي لم ترَ منهما سوى كل خير، ولعل اخبارهما بالحقيقة ربما يساعدها في إيجاد الحل، لذلك حسمت أمرها بإخبارهما بالحقيقة كاملة..
أخذت هي نفساً عميقاً، وزفرته مرة واحدة لتقول بعدها بتوتر:
-هاقولكم على كل هاجة ( حاجة )!

في منزل مسعد غراب،
دقت صفية على باب غرفة ابنتها عدة مرات، ولكنها لم تستجب لها، فتوجست خيفة من حدوث مكروه لها، وصاحت بقلق:
-مالك يا نوسة؟ في ايه اللي جرالك، يا بت افتحي وردي عليا
طرقت مجدداً بصوت مسموع، وتابعت بجدية:
-يا نوسة، مالك يا عين أمك
فتحت إيناس الباب فجأة، فرأتها والدتها بحالتها شبه المنهارة، فشهقت بذعر، وسألتها بتلهف:
-يا نصيبتي؟ ايه اللي حصلك يا بت؟

ارتمت إيناس في أحضان والدتها، وأخذت تبكي بمرارة دون أن تنطق بكلمة مما أثار ريبة أمها كثيراً..
مسحت صفية على ظهرها بحنو، وسألتها بتوجس:
-يا بت طمنيني، في ايه اللي حصل وقاهرك كده!
أبعدتها بحذر للخلف، وأحاطت وجهها بكفيها، ثم نظرت في عينيها، فأجابتها ابنتها بصوت مختنق للغاية:
-أنا، أنا.

حدقت إيناس في عيني والدتها بنظرات مخزية، لم تستطع البوح بما يجيش في صدرها، وكيف هذا وهي المخطئة في نظره، وهي الدميمة في عينيه..
ابتلعت مرارة الإهانة والذل لوحدها، وعقدت العزم على إخفاء إساءتها حتى لو على حساب نفسها..
بكت بلا توقف، فزاد خوف صفية، وشحب لون وجهها من فرط القلق، فسألتها بهلع:
-انتي ايه؟
اختلقت إيناس أكذوبة صغيرة لتطمئن بها قلب والدتها الملتاع، وردت بصوت متلعثم:.

-أنا، نقصت في امتحان المراجعة في الدرس!
تنفست والدتها الصعداء، وهتفت بعتاب:
-خضتيني يا بت، ده أنا قلبي وقع في رجليا، فكرت في نصيبة حصلتلك!
ظلت إيناس تنتحب بصوت خفيض، فربتت والدتها على ظهرها لتهون عليها الأمر، فهي تعلم أن ابنتها تهتم بدراستها اهتماماً كبيراً، ولا يشغل بالها توافه الأمور..
ابتسمت لها، ورددت بصوت أمومي حاني:
-معلش يا حبيبتي، ده امتحان، المهم بتاع أخر السنة.

همست إيناس بصوتها الباكي وهي تتوسل والدتها:
-ادعيلي يا ماما، لأحسن أنا تعبانة أوي
احتضنتها صفية مجدداً، ومسدت على رأسها برفق، وهتفت بتضرع:
-ربنا يريح بالك يا حبيبتي ويعوض تعبك خير!
شعرت إيناس بالإرتياح في حضن والدتها، وعلى الرغم من آلمها النفسي إلا أنها كانت تمتلك عزيمة قوية للصمود أمام ذلك الخزي..
عاهدت نفسها على فعل ما تريد من أجل نفسها ومصلحتها، وليس من أجل غيرها..

ستتغير، ولكن للأفضل، حينما يحين الوقت لهذا…

في الوحدة التدريبية العسكرية،
سردت سابين لباسل ومسعد كل ما يخصها، وكذلك ما حدث معها منذ البداية في ولاية أوهايو، وكيف انتهى بها المطاف هنا في القاهرة..
نظر الاثنين إلى بعضهما البعض بذهول تام، ورمش مسعد بعينيه لأكثر من مرة أثناء حديثها ظناً منه أنها تتحدث عن فيلم ما، وليس عن وقائع ملموسة تعرضت لها..
أطرقت سابين رأسها للأسفل، وهمست بتوتر:.

-That s it ( هكذا كان الأمر )، وأنا بقيت هنا في كايرو معاكو بعد ما ال FBI رتبوا كل حاجة!
انفجر مسعد صائحاً بصدمة وهو يرمقها بنظرات مشدوهة:
-يخرب عقلك، كل ده وساكتة!
نظرت له بقلق، وأسبلت عينيها، ثم همست بخوف ظاهر في نبرتها:
-أنا آآ..
تابع مسعد قائلاً بسخط بعد أن شعر بحماقته ومدى الغباء الذي كان فيه:
-ده انتي طلعتي نمرة لوحدك!
أردف باسل قائلاً بجدية:
-دي مصيبة وحطت علينا!

وضع مسعد يديه على رأسه، ودار في مكانه وهو يقول بحيرة:
-احنا اتقرطسنا!
ما أغضبه حقاً هو أنه تم استغلاله وخداعه فقط من أجل حمايتها، وليس كما ظن من أجل التقييم المزعوم..
تنهد بإحباط، وهتف بإستياء وهو عابس الوجه:
-يعني العملية مافيهاش لا حرس رئاسي ولا دياوله!
هزت سابين رأسها لتجيبه بنفي:
-نو ( لأ )
نظر لها شزراً، وكز على أسنانه بقوة ليقول بحنق:
-وفرحانة، يا خراب بيتك يا مسعد!

حدجه باسل بنظرات حادة، وصاح بإنزعاج:
-انت هتندب حظك، احنا عاوزين نفكر في حل
رد عليه مسعد بتهكم وهو يستدير برأسه نحوه:
-نفكر في حل، ده انا حقي أدفنها في أرض الكفار بعد الكدب ده كله!
لم يستطع مسعد إخفاء غضبه منها، فأكثر ما أزعجه هو كذبها وإن كان مبرراً، لكنه كان يفضل أن يكون على بينة منذ البداية ليتصرف بطريقة صائبة دون أن يبدو أمامها غبياً أو أحمقاً..

شعرت سابين بالضيق بسبب رؤيتها لمسعد على تلك الحالة، ولكن ليس بيدها حيلة، فهي كانت مضطرة للكذب لحماية نفسها..
تحركت بحذر نحوه، ووقفت خلفه، ثم همست:
-موسأد، بليز، calm down ( اهدى )
التفت برأسه للخلف، ورمقها بنظرات معاتبة، ثم أشاح بوجهه بعيداً وهو يتحرك للأمام، و أضاف بنبرة ساخطة:
-أل وأنا اللي عامل خدي مداس عشان خاطر دي مهمة وحركات بقى، وفي الأخر الليلة كلها تطلع بلح!

ضغطت على شفتيها بإستياء، ثم رفعت رأسها للأعلى، وأكملت بنبرة شبه متوترة
-أنا مش كنت آوز ( عاوزة ) قولك موسأد، بس أنا هاف ( أخاف ) أخرج من هنا
استدار ناحيتها، وصاح بضيق وهو يشير بيده:
-ده لو حد عرف أصلاً بالنصيبة دي مش هانترحم فيها
تساءل باسل بإهتمام وهو يفرك ذقنه:
-والفريق ضياء بس اللي كان عارف؟
أومأت سابين برأسها إيجاباً، فتابع باسل قائلاً بجدية:.

-طب هانتصرف ازاي، احنا معندناش أي تفاصيل عن العصابات اللي برا!
رد عليه مسعد بإمتعاض:
-مافيش في ايدنا أي حاجة نعملها!
نظر له باسل بنظرات جادة، وهتف بصرامة:
-على الأقل نتصرف حالياً في المتاح
ثم التفت برأسه ناحية سابين، وأشار بعينيها ليقول بجدية:
-سابين مش لازم تستنى هنا لحظة!
سأله مسعد وهو يلوي ثغره بتهكم:
-طب هاتروح فين يعني؟
أجابه باسل بصوت آجش:
-لازم مكان يكون آمن.

جلس الثلاثة سوياً يفكرون في حل لأزمة سابين بعد أن عرفوا بهويتها..
استغرقهم الأمر وقتاً طويلاً للوصول إلى حل مقنع لا يشكل ضرراً على سابين، وحينما عجزوا عن التفكير في شيء ما، استأذن باسل في الانفراد بمسعد، وتركاها الاثنين في مسكنها، وتوجها إلى بقعة خاوية للحديث..
طال الجدال بينهما، واحتدت المناقشة إلى أن صاح مسعد في النهاية مقترحاً بجدية:
– ايه رأيك لو أوديها عند الحاجة؟

رد باسل بإندهاش وقد إرتفع حاجبه للأعلى:
-أمك!
بدت منها إهانة أكثر من كلمة عادية، فهدر به مسعد بنبرة غليظة وهو يرمقه بنظرات محذرة:
-ماتحترم نفسك يا باسل!
تنحنح الأخير بحرج فقد فهم موقفه شبه العدائي، وبرر قائلاً:
-قصد يعني الست صفية!
أومأ مسعد برأسه وهو يقول بإيجاز:
-ايوه، اتعدل في كلامك
سأله باسل بإهتمام:
-وبصفتها ايه هاتروح هناك؟
هز مسعد كتفيه، وأجابه بنبرة شبه حائرة:
-مش عارف لسه!
أضاف باسل قائلاً بمزاح:.

-يعني بدل ما تدخل على أمك بكيس جوافة ولا قفص برتقان تدخلها بواحدة!
رد عليه مسعد بسخرية:
-فجور بعيد عنك
حدجه باسل بنظرات محذرة وهو يقول بصوت منزعج:
-مسعد، مافيش هزار في الكلام ده!
وقف مسعد قبالته، ونظر له دون أن تطرف عيناه، وهتف بنبرة ثابتة:
-أنا بأتكلم جد مش بأهزر
التوى ثغر باسل بعدم اقتناع، فقد اعتقد انها مزحة سخيفة من رفيقه، وسأله بسخرية:
-طب هاتقول لأمك ايه يا فالح؟
رد عليه مسعد بهدوء وهو يغمز له:.

-ما احنا عاوزين نتكتك ونرسم خطة حرب يا أبو التفانين
رفع باسل حاجبيه للأعلى وهتف ساخطاً:
-يا سلام بالبساطة دي!
نفخ مسعد بصوت مسموع، ثم عبس بوجهه وهو يضيف بتوجس:
-الخوف بس من ردة فعلها لما تشوفها
وافقه رفيقه في رأيه، وبرر قائلاً:
-طبعاً هي هترفض أكيد
أوضح مسعد قائلاً بمزاح:
-أيوه، عملاً بالمثل اللي بيقول ما يضايق الزريبة إلا الحمارة الغريبة!
حدجه باسل بنظرات مشتعلة وهو يقول بتبرم:.

-يخربيت تشبيهاتك! تودي في داهية
رد عليه مسعد بعدم اكتراث وهو يشير بيده:
-سيبك من تشبيهاتي، المهم صابرين!
هتف باسل بإنزعاج وقد ضاقت نظراته:
-سابين يا بني آدم، اسمها سابين احفظه بقى!
رد عليه بتهكم:
-يا سيدي مش لو طلع أصلاً اسمها، ماهو يمكن يكون فشنك زيها!

أكثر ما أصاب مسعد بالإحباط هو شعوره بالحماقة والسذاجة تجاهها، وهي التي استحوذت على تفكيره في مدة قليلة، وبالتالي شعورها نحوه – إن وجد في الأساس – لن يتخطى كونه مفتعلاً من أجل اتقان الحبكة عليه..

في النهاية اتفق الاثنين على أن يظل الوضع كما هو عليه مؤقتاً ريثما يبحث كلاهما عن حل فعال في مشكلتها، مع عدم اخبار أي أحد بما عرفاه، والتحري في الخفاء عن شخص أخر يعلم بحقيقتها لمساعدتهما حتى يمتثل الفريق ضياء للشفاء..
عاد مسعد إلى سكن سابين، والتي أقبلت عليه بتلهف لتسأله:
-ها موسأد، إنت آمل ( اعمل ) ايه؟
تنهد بعمق وهو يجيبها:
-هاتفضلي هنا
تهللت أساريرها بسعادة وهتفت بحماس:
-بجد؟

أومأ برأسه إيجاباً وهو يرد عليها بصوت رخيم:
-أيوه، كل حاجة هتفضل زي ما هي، مافيش تغيير
اعتلى ثغرها ابتسامة سعيدة، وبلا وعي رمت نفسها في أحضانه لتغرق في صدره، ولفت ذراعيها حول عنقه، وتعلقت به، وهمست له بإمتنان:
-ثانك يو موسأد، ثانك يو ( شكراً لك ).

تفاجيء هو من حركتها المباغتة فهزت كيانه بالكامل، وإنتابته مشاعر رهيبة أثرت فيه بصورة لم يتوقعها، وشعر بدقات قلبه تتقافز رقصاً في صدره، وهتف غير مصدق ما فعلته:
-ايه ده؟
أدركت سابين مبالغتها في ردة فعلها الفرحة، فتراجعت بحرج للخلف بعد أن أرخت ذراعيه، وتوردت وجنتيها وهي تقول بخجل:
-أوه، سوري، مش اقصد!
رد عليها بإبتسامة متسلية:
-أنا ممكن أنهار من حركة زي دي!

زاد خجلها، واكتسى وجهها بحمرة أشد، وهمست بإستعطاف حرج:
-بليز! أنا آآ…
قاطعها قائلاً بمزاح وهو يحك مؤخرة رأسه:
-خشي يا بنتي جوا، لأحسن الشيطان شاطر، وأنا عندي استعداد أنفذ أوامره بحذافيرها، وأجود كمان من عندي!
ابتسمت له بخجل وهي ترمش بعينيها، ثم هزت رأسها بحركة خفيفة وهي تقول:
-أوكي!

استدار مسعد للخلف، وأولاها ظهره، وتنهد بحرارة وهو يسير مبتعداً، لكنه تسمر في مكانه حينما سمع صوتها الرقيق يناديه بنعومة:
-موسأد
التفت نحوها، ورمقها بنظرات ممعنة وهو يرد:
-نعم!
ردت عليه برقة أثارته:
-أنا أشكر إنت على Every thing ( كل شيء )
هتف مسعد بتنهيدة شبه هائمة:
-بصي أنا قلبي رهيف ومش مستحمل، اقفلي الباب يالا الله يكرمك!

حركت برأسها بإيماءة خفيفة، ثم لوحت بكفها له، و أغلقت الباب ببطء وهي تشعر بشيء مختلف طمأنها…

مرت عدة أيام التزمت فيها سابين بدورها كخبيرة أجنبية جاءت من الخارج لعمل بعض الأبحاث، ولعبت دورها بإتقان فصدق الغالبية هذا، ودونت في الأوراق الزائفة نتائج الأبحاث المفبركة، فاقتنع المتواجدون بعملها..

حاول مسعد أن يبدو طبيعياً في التعامل معها رغم حالة الإنزعاج التي تعتريه من وقت لأخر من الموضوع برمته، ولكن من أجل حمايتها أدى واجبه بحرفية ومهارة، وظل ملازماً لها في معظم الوقت يعاونها في أداء مهمتها المصطنعة..
ورغم تعامله بحذر معها، إلا أنه حدث نوع من التقارب بينهما، وشغلت حيزاً كبيراً من تفكيره عما مضى، وأصحبت سلامتها هي أولى اهتماماته بل أكثرها أهمية على الإطلاق..

أصبحت سابين تثق في مسعد بصورة كبيرة، بل على العكس كانت تشعر بالآمان في وجوده إلى جوارها..
عاتبت نفسها أنها كانت تظنه أبلهاً في البداية، وحكمت عليه بظلم جائر، ولم تترك له الفرصة ليثبت نفسه..
أرادت الاعتذار منه، ولكن على طريقتها، وفكرت في طريقة مميزة لفعل هذا، وستنفذها حينما تتاح لها الفرصة..
حرص باسل هو الأخر على البحث عمن له صلة قوية وعليا بالفريق ضياء حتى يتواصل معه، ولكن كان الأمر بدون أي جدوى..

ما شغل باله وحاول اجبار نفسه على تجاهله رغم الضيق المسيطر عليه هو الاطمئنان على أحوال إيناس، فلم يعرف عنها إلا القليل، ولم يرغب في سؤال مسعد عنها كي لا يثير ريبته..
أقنع نفسه أن ما فعله معها هو الصواب، وظل يردد في نفسه أنها أخته الصغيرة، وبرر إحساسه تجاهها وغضبه الشديد منها بأنه بسبب الواجب وحكم القرابة كزميل على صلة وثيقة بأخيها، ولا يمكن أن تكون مشاعره لها أي تفسير أخر..

في نفس التوقيت بدأت إيناس في أداء امتحاناتها النهائية وهي عاقدة العزم على بث كل طاقتها الغاضبة في الاستذكار والحصول على أفضل الدرجات لضمان الإلتحاق بفصول الفائقات في المرحلة الثانوية..

مضى ما يزيد عن أسبوعين وكل شيء يسير على ما يرام إلى أن بلغ جميع من في الوحدة خبر وفاة الفريق ضياء…
خيم الحزن على جميع من في الوحدة العسكرية بعد إعلان خبر وفاة الفريق ضياء، ذلك الرجل الذي أسس التشكيل القتالي ودعمه بكل قوة ليثبت كفاءته، ونجح في تحقيق هذا..
لم يتخيل أحدهم أن يتركهم قائدهم المحبوب فجأة، أن يسبقهم الموت إليه، ويلاقي ربه بدعوات صادقة من القلب..
بكوا بحزن كبير على فراقه، وتسابقوا في حمل جثمانه، وتوجهوا به إلى مدافن العائلة ليوارى الثرى…

إنهارت سابين مصدومة حينما تلقت الخبر، بقيت في سكنها صامتة شاردة..
نعم ؛ تعقدت اﻷمور كثيراً معها، وأصبح وجودها في الوحدة العسكرية مهدداً، بل رحيلها صار مُلزماً، فإن لم يكن اليوم سيكون غداً..
تشوش تفكيرها، وأخذت تعيد حساباتها من جديد..

فكرت بمهاتفة مكتب حماية الشهود واللجوء إليه، ولكنها خشيت من اكتشاف مكان تواجدها قبل موعد المحاكمة، وبالتالي سيهدد حياتها ويضعها في موقف خطر، وهي لا تريد تكرار تلك التجربة، أن تعرض من معها أو قريب منها للموت والتهديد بالقتل، خاصة إن كان ذلك الشخص هو من أصبحت تثق فيه وحدث نوع من اﻷلفة بينهما…
تنهدت بحزن، وشردت لتفكر جيداً في حل ﻷزمتها الراهنة…

عاد مسعد وباسل إلى الوحدة بعد دفن الفريق ضياء، وجلسا في مكان شبه خالي.
بقيا كلاهما صامتين لبرهة، عاجزين عن التفكير، فلا أحد يعرف بهوية سابين الحقيقية، ولا بسبب تواجدها..
زفر مسعد بضيق، وأرجع ظهره للخلف، ثم شبك كفيه خلف مؤخرة رأسه..
نظر له باسل بنظرات ثابتة، وسأله بهدوء:
-هنعمل ايه؟
أخذ مسعد نفساً عميقاً، وزفره ببطء، ثم أجابه بإمتعاض:
-مش عارف، أنا دماغي مشلولة!
تابع باسل قائلاً بنبرة حزينة:.

-مكونتش أتخيل ان الفريق ضياء هايموت فجأة كده!
رد عليه مسعد بإقتضاب:
-عمره!
أكمل باسل قائلاً بنفس النبرة المتأسفة:
-ايوه، ربنا يرحمه، حقيقي كان راجل محترم وانسان خلوق
بينما أضاف مسعد بآسى وهو يغمض عينيه:
-يا رب ويصبر أهله
حل الصمت مجدداً بينهما إلى أن قطعه باسل قائلاً بجدية وهو مسلط أنظاره عليه:
-مسعد! احنا محتاجين نشوف صرفة في موضوع سابين!
أرخى مسعد ذراعيه، وفرك طرف ذقنه بحركة ثابتة، ثم رد عليه بخفوت:.

-ايوه، صابرين! حظها نحس!
أوضح باسل قائلاً بنبرة عقلانية:
-مهما عملنا وقولنا محدش هايقبل بوجودها، ومهمتها المزيفة ليها وقت وهاتخلص!
هز مسعد رأسه موافقاً إياه، ورد عليه بإختصار:
-مظبوط
أشار باسل بيده وهو يضيف بنبرة شبه صارمة:
-لازم نشوفلها مكان أمن نوديها فين!
صمت مسعد ليفكر للحظات قبل أن ينطق بحذر:
-ماقداميش غير اخدها عندنا في البيت!

فكر باسل في اقتراحه، ورغم صعوبة تنفيذه أو إقناع عائلته به إلا أنه الخيار المتاح حالياً..
تساءل هو بفضول وهو يتفرسه:
-وهاتقولهم ايه؟
التفت مسعد برأسه نحوه، ونظر له بثبات دون أن تطرف عيناه، ثم أجابه بتنهيدة مرهقة:
-ماهو ده اللي بأفكر فيه، ودماغي مش جيباني لحاجة
هز باسل رأسه بحركة خفيفة وهو يضيف بضيق:
-عندك حق، هو الواحد أصلا عارف يفكر بعد اللي حصل!

ضغط مسعد على شفتيه، ووضع يده على رأسه ليحك مؤخرتها، ثم هب واقفاً، وتشدق قائلاً:
-انا بأفكر احكي مع ابويا يمكن يفيدني بحاجة، هو برضوه عنده خبرة وأقدم مننا!
نهض باسل هو الأخر من مكانه، ووقف إلى جواره، وحدق فيه بنظرات جادة، ثم حذره بتوجس:
-مش لازم حد من برا يعرف يا مسعد، الموضوع فيه خطورة، وإنت المفروض عارف ده
رد عليه مسعد مبرراً وهو يدير رأسه في اتجاهه:.

-ما أنا فاهم الكلام ده كويس، بس على ايدك هنعمل احنا ايه لوحدنا!
مرر باسل يده في خصلات شعره القصيرة، ورد عليه بيأس:
-للأسف معندناش معلومات زيادة عنها! ومحدش هيقدر يساعدنا!
أسند مسعد كفه على كتف رفيقه، وضغط بأصابعه عليه وهو يقول بصوت هاديء:
-وعشان كده فكرت في ابويا!
سأله باسل بفضول:
-طب هاتقوله ايه بالظبط؟
رد عليه مسعد بإختصار:
-هافكر كده!
-تمام..
أضاف مسعد قائلاً بنبرة جادة وهو يشير بإبهامه للخلف:.

-أنا هحاول أخد تصريح بإذن أروح اتكلم مع أبويا، وانت خلي بالك من صابرين!
أومأ باسل برأسه وهو يرد بهدوء:
-ماشي
ثم تحرك بعدها مسعد وهو يفكر ملياً في حل لمشكلة سابين التي حمل مسؤلية سلامتها على عاتقه..
لم يكنْ ليتخلى عنها مهما حدث..
هي باتت إهتمامه الكبير..

لاحقا في المقهى الجديد،
صاح اللواء محمد بتفاخر كبير بعد أن حقق فوزاً جديداً وساحقاً في لعبة ( الطاولة )، ونظر إلى رفاقه بزهو، ثم هتف متساءلاً بتحمس:
-ها دور كمان يا رجالة؟!
رد عليه رفيقه بضيق:
-دي تالت مرة تكسبنا فيها، ماشاء الله مكتسح!
نظر له اللواء محمد من طرف عينه، وسأله بمرح:
-هتحسدني ولا ايه؟
رد عليه رفيقه بعبوس:
-ما أنا قولت ماشاء الله!

في نفس التوقيت ولج مسعد إلى داخل المقهى، وبحث بعينيه عن أبيه بين الجالسين..
جاء النادل للترحيب به، فأشار له بيده ليبتعد..
وما إن وقعت عيناه على والده حتى أسرع في خطاه نحوه..
تفاجيء اللواء محمد بوجود ابنه أمامه بزيه العسكري الرسمي، فصدم من رؤيته، وما أثار ريبته هو حالة الوجوم البادية على وجهه، فتساءل بنزق:
-مسعد! في حاجة حصلت يا بني؟ جاي هنا ليه الوقتي.

رد عليه ابنه بصوت شبه متصلب ووجهه يكسوه تعابير غريبة:
-بابا، أنا عاوزك شوية
هتف رفيق والده بإستغراب:
-مالك يا مسعد؟ كله تمام عندك في الجيش؟
التفت مسعد ناحيته، وأجابه بهدوء حذر:
-تمام، بس محتاج ابويا في كلمتين
أشار له رفيق والده بيده وهو يقول بإبتسامة عادية:
-قوم معاه يا سيادة اللوا، الدور هيستناك، لكن ابنك مستعجل!
وبالفعل تحرك مسعد مع أبيه، وجلس الاثنين على طاولة خالية في أحد الأركان..

حدق محمد في ابنه بنظرات متفحصة دارسة له، ثم سأله بإهتمام:
-خير يا بني؟
اقترب مسعد بمقعده منه، ومال عليه برأسه وهو يجيبه بنبرة شبه منزعجة رغم خفوتها:
-بابا، في مصيبة حصلت!
أرجع أبيه ظهره للخلف، ونظر له بتوجس، ثم سأله بقلق:
-يا ساتر يا رب، ايه هي؟
ضغط مسعد على شفتيه بقوة، ورد عليه بعد لحظات محدودة من الصمت:
-الفريق ضياء مات!
اتسعت عيناه في صدمة، وردد بحزن واضح في نبرته:.

-لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون
هز مسعد رأسه بحركة خفيفة ثابتة تشير إلى ضيقه، بينما تابع والده متساءلاً بفضول:
-طب ومين هايمسك مكانه؟
رد عليه مسعد بتنهيدة مطولة وهو مسبل عيناه:
-المشكلة مش في كده يا بابا
سأله والده بإيجاز وهو ينظر له بإهتمام:
-أومال؟
رد عليه مسعد بتوجس:
-في حاجة تانية أخطر!
ضاقت نظرات والده، وسأله بجدية واضحة:
-ايه هي؟

سرد مسعد ﻷبيه بإيجاز كل ما يتعلق بقضية سابين منذ بدايتها حتى وجودها الحالي في القاهرة، وأصغى له والده بإنتباه تام دون أن يقاطعه..
ثم أردف بعدها مردداً بنبرة رزينة:
-مش قدامك يا بني غير تجيبها عندنا صح؟
أومأ مسعد برأسه وهو يجيبه:
-ايوه..!
زاد عبوس وجهه وهو يوضح له:
-بس مشكلتي دلوقتي في أمي!
هز اللواء محمد رأسه متفهماً وهو يبرر قائلاً:
-عندك حق! أمك مش هتقبل بوجودها كده
أوضح مسعد بجدية:.

-ايوه، ومش هاينفع أقولها السبب الحقيقي
أضاف والده قائلاً بنبرة جادة:
-طبعاً ده لأنه يعتبر سر عسكري!
حرك مسعد رأسه بإيماءة صغيرة وهو يقول بمزاح:
-بالظبط، دي أقل حاجة هتعملها هتذيع اللي هتعرفه مني على أنه خبر عاجل
ثم أكمل قائلاً بسخرية وهو يهز رأسه مستنكراً
-ده أنا مش بأعيد ألاقي فرقة اغتيالات عندنا في الشقة
حدجه أبيه بنظرات محذرة وهو يعنفه بهدوء:
-اتلم يا ولد!

مال مسعد بجذعه للأمام، وسأل والده بجدية وهو يرفع حاجبه للأعلى:
-طب قولي انت يا سيادة اللوا عن حِجة مناسبة أقولها ليها!
أرجع محمد ظهره للخلف، ووضع ساقه فوق الأخرى، ثم إستند بطرف ذقنه على مرفقه، ورد عليه بنبرة دبلوماسية:
-شوف يا بني سيبلي الموضوع ده شوية أمخمخ فيه وأرد عليك
نهض مسعد من على مقعده، وهز رأسه موافقاً وهو يقول:
-ماشي يا بابا، معاك ساعة وترد عليا!

أنزل أبيه ساقه، ونظر له بتعجب وهو يهتف معترضاً:
-نعم؟ ده مافيش وقت!
أشار مسعد بيده وهو يكمل بجدية:
-انا راجع الوحدة هاجيبها وأجي وانت تكون فكرت!
ثم تحرك مبتعداً دون أن يترك الفرصة لأبيه لإعطائه مزيداً من الوقت للتفكير..
صاح فيه اللواء محمد بصوت مرتفع نسبياً:
-يا مسعد استنى!
التفت مسعد برأسه ناحيته، ورد عليه بضيق:
-مافيش وقت يا بابا
أضاف والده قائلاً:
-طب ابقى بارك لاختك، نجحت في امتحاناتها.

تفاجيء مسعد من هذا الخبر السعيد، وابتسم وهو يقول:
-والله، طيب مبروك ليها
نظر له والده بجدية وهو يقول بإلحاح:
-اتصل بيها وباركلها بنفسك
لوى مسعد ثغره وهو يقول على مضض:
-ربنا يسهل، أفوق بس من اللي أنا فيه وبعد كده نبقى نحتفل!
تنهد والده وهو يرد عليه:
-الله يعينك يا رب!

في منزل مسعد غراب،
أطلقت السيدة صفية زغاريد عالية احتفالاً بنجاح ابنتها في الشهادة اﻹعدادية، ثم احتضنتها مجدداً، ومسحت على ظهرها بحنان وهتفت بتفاخر:
-مبروك يا ضنايا، لولوووولي!
ابتسمت لها إيناس وهي تقول بحرج:
-خلاص يا ماما، الجيران كلهم عرفوا
ردت عليها أمها بعدم إكتراث:
-وماله لما يعرفوا، الله مش نجحتي وجبتي 98 % خلينا نكيد اﻷعادي!
أردفت إيناس قائلة بتوجس:
-انا كده هاتحسد؟!

أشارت السيدة صفية بيدها وهي تقول بتباهي:
-أنا هابخرك من شر عينيهم!
ثم وقفت إلى جوار باب المنزل، وأكملت إطلاق زغاريدها بسعادة جلية:
-لوووولوولي، لووولوولي، والناجح يرفع ايده
شعرت إيناس بالحرج من سجية والدتها وفطرتها التي تميزها عن باقي الجيران، ولكن رغم نجاحها الكبير إلا أن سعادتها كانت ناقصة بسبب تأثير ما حدث مع باسل..

هي تذكر نفسها يومياً بوقاحته وإهانته، وسخريته منه حتى نظراته المهينة إليها لم تنساها..
هي لم تخطيء في حقه أو تسيء إليه، بل كانت ضحية خدعة حقيرة ممن ظنت أنها رفيقتها، وهو لم يصدقها بل جعلها مذنبة في نظره وحكم عليها ظلماً..
أفاقت إيناس من شرودها على صوت والدتها وهي تسألها بإهتمام:
-والبت هدير عملت ايه؟
لوت ثغرها بإمتعاض وأجابتها على مضض وقد تحول وجهها للعبوس بصورة ملفتة:
-معرفش وماتفرقش معايا!

تعجبت صفية من رد ابنتها، خاصة وأنها تعرف مدى القرابة بينهما كرفيقتين لفترة طويلة، فسألتها مستفهمة:
-الله، هو ايه اللي حصل، هو انتو اتشاكلتوا؟
ردت عليها إيناس بإنفعال قليل في نبرتها:
-بصي يا ماما معنتيش تجيبي سيرتها لا بحلو ولا بوحش!
زاد فضول صفية لتعرف سبب الخلاف بينهما، ونظرت إلى ابنتها بغموض، ثم سألتها بإلحاح:
-ليه بس؟ في ايه حصل بينكم!
اجابتها إيناس بعصبية وهي تضع يدها على منتصف خصرها:.

-احنا مش بقينا أصحاب، دماغنا مش زي بعض ولا حتى تفكيرنا
مصمصت صفية شفتيها بإستنكار، ورفعت حاجبها للأعلى وقالت بحزن:
-لاحول ولا قوة إلا بالله، ده انتو كنتو زي السمنة على عسل
ردت عليها إيناس بإمتعاض واضح:
-كنا!
ضيقت صفية نظراتها، واقتربت من ابنتها، ثم سألتها بصوت خافت نسبياً:
-طب مافيش أمل تتصالحوا؟
ردت عليها إيناس بنفاذ صبر وهي عابسة الوجه:
-ماما، بأقولك كان في وخلص، انسيها بقى!

أيقنت صفية أنه لا رجاء من سبر أغوار ابنتها لمعرفة حقيقة الجدال مع هدير، ورددت بإستياء:
-طيب خلاص، هاروح أبل الشربات وأفرقه على الجيران!
ثم استدارت عائدة في إتجاه المطبخ وهي تهتف بحماس:
-ربنا يفرح قلبك يا بنتي زي ما بتفرحيني دايماً
تنهدت إيناس بعمق وهي تتمتم بخفوت:
-يا رب.

حزمت سابين حقائبها بعد أن أبلغها باسل بالاستعداد للذهاب..
سيطر عليها شعوراً قوياً بالضياع والخوف، هي عليها أن تواجه مصيرها المجهول بمفردها..
إحساس الأمان والسكينة تلاشى بداخلها، وحل محله الخوف والغربة، ورغماً عنها بكت بقهر..
جلست على المقعد أمام سكنها، وتعابير وجهها ما هو إلا إنعكاس عن حالها…

عاد مسعد ورأها من على بعد على تلك الحالة الواجمة، فانقبض قلبه خوفاً عليهاً، وأسرع في خطواته نحوها وسألها بصوت لاهث ومتوجس:
-صابرين في حاجة حصلت؟
أجهشت بالبكاء أمامه، فاعتصر قلبه آلماً عليها، وسألها بخوف أكبر وهو ينظر إلى وجهها بدقة ليتأكد من عدم تعرض أحد لها أثناء غيابه:
-ردي يا صابرين، في حد ضايقك، ولا عملك حاجة؟!
هزت رأسها نافية، وهمست بصوت منتحب:.

-لا، أنا هاف ( أخاف ) موسأد، أنا مش إعرف آمل ( اعمل ) ايه!
تنهد بإرتياح، وعاتبها قائلاً بنبرة شبه منفعلة:
-يا شيخة وقعتي قلبي، أنا قولت حد ابن **** عمل حاجة فيكي!
لم تفهم معنى سبته، ولكنها هزت رأسها نافية وهي تقول بإستياء:
-نو ( لأ )
تحرك مسعد نحوها، ووضع يده على كتفها، وضغط برفق عليها وهو يقول بإبتسامة هادئة:
-طب اهدي ومتعياطيش، أنا دمعتي قريبة.

ابتسمت له إبتسامة باهتة، ثم تلاشت بعد ثوانٍ معدودة لتضيف بعدها بخوف:
-انا وهدي ( وحدي ) موسأد، no one with me ( لا أحد معي )!
رد عليها معاتباً بمزاح:
-أومال أنا روحت فين؟ مش معقول كل الجسم ده ومش باين، ده أنا حتى لقبي حيطة بشرية!
ابتسمت لدعابته الطريفة، وهمست بخفوت وهي تطالعه بعينيها الدامعتين:
-بس أنا
قاطعها قائلاً بجدية وهو يشير بيده:
-استهدي بالله يا بنت الناس، وقومي هاتي شنطك عشان هاتيجي معايا!

سألته بقلق وبؤبؤي عينيها يتحركان بتوتر:
-هانروح فين موسأد؟
أجابها بثقة وهو ينتصب بكتفيه:
-عندي في البيت!
فغرت شفتيها مشدوهة من كلمته الموجزة، ورمشت بعينيها غير مصدقة ما لفظه تواً:
-هاه!
أشار لها بيده وهو يقول بمرح:
-يالا يا عروسة!
تفاجئت أيضاً من كلمته التالية ( عروسة )، وشعرت بالقلق مما هي مقبلة عليه، وسألته بتوجس أكبر:
-انت قول ايه موسأد؟
هز رأسه وهو يجيبها بغموض:
-هافهمك في السكة.

عضت على شفتها السفلى في إرتباك، وتوردت وجنتيها قليلاً، ودار في خلدها عشرات الأسئلة التي بحثت عن إجابات لها، وكان من بينها هو أن يتقدم مسعد لخطبتها كحل مؤقت لمشكلتها..
لم ترد سابين أن تضيع وقتها في التفكير، وتحركت داخل سكنها، ولكنها التفتت برأسها نحوه لتسأله بهدوء رقيق:
-طب وباسل؟
انزعج مسعد من سؤالها عنه، ونفخ بضيق وهو يجيبها:
-هو مستنينا بالعربية برا!

مطت شفتيها قليلاً، وابتسمت له وهي تزيح العبرات العالقة في أهدابها..
عبس مسعد بوجهه وهو يأمرها بجدية:
-يالا
في المقهى الحديث،
أسند النادل المشروبات الباردة على الطاولة وظل الصمت هو سيد الموقف حتى أنهى مهمته وابتعد..
فاستطرد بعدها اللواء محمد حديثه متساءلاً بجدية وهو مسلط أنظاره على سابين الجالسة قبالته:
-بس أنا واثق ان اللي رتب دخولك مصر حد تاني غير الفريق ضياء، صح كلامي؟

أومأت برأسها بإيماءة خفيفة وهي تجيبه:
-ييس ( نعم )، مكتب المباحث الفيدرالية له دور!
هز رأسه معترضاً على إجابته وهو يوضح مجدداً:
-لا مش قصدي، لازم يكون في حد تعاون مع الفريق ضياء عشان يسهلك كل اﻷمور هنا ويرتب وضعك بصورة قانونية، وده مش هايتم إلا من جهات سيادية!
سأله مسعد بإستفهام وهو قاطب جبينه:
-حضرتك تقصد يا بابا إن في حد غير الفريق ضياء عارف بموضوعها؟
رد والده عليه بجدية موجزة:
-ايوه..!

تساءل باسل بغموض وهو يحك طرف ذقنه:
-طب ليه مظهرش وخصوصا إنه أكيد عرف بوفاته؟!
رد عليه اللواء محمد بجدية وهو يشير بيده:
-ممكن مستني يشوف الوضع هيرسى على ايه وجايز مش عاوز يكشف نفسه لحد!
هتف مسعد قائلاً بتوجس وهو يوزع أنظاره بين أبه وسابين:
-بس هي كده حياتها هاتكون في خطر!
ابتلعت سابين ريقها بتخوف، وتوترت قليلاً وهي تتخيل تكرار مشاهد الإغتيال هنا في القاهرة..
أضاف اللواء محمد موضحاً بنبرة رزينة:.

-ده وارد طالما اتعرفت هي مين، لكن طول ما هي مش معروف هويتها هاتبقى لحد ما في أمان!
تساءل باسل بإستفهام بعد أن أدرك قلة حيلته في التصرف هو الأخر:
-طب هنعمل ايه معاها؟
صمت اللواء محمد للحظات، ثم تابع قائلاً بجدية وهو محدق أمامه في الفراغ:
-شوفوا أنا في دماغي فكرة، بس محتاجين لمساعدة حد معانا!

انزعج مسعد مما قاله أبيه، فكون معرفة شخص جديد لتلك المسألة الحيوية يعرضها للخطر المحدق، وهو ليس في حاجة إلى هذا، لذا هتف بنزق وهو يشير بيديه:
-يا بابا ده انت لسه بنفسك قايل لازم الموضوع يكون سري ومحدش يعرف حاجة!
هز والده رأسه إيجاباً وهو يبرر اقتراحه:
-ده صحيح، بس المساعدة دي مهمة عشان تسهل دخولها البيت!
عجز مسعد عن الوصول إلى مقصد والده من هذا الاقتراح، وهتف بإحباط:.

-مش فاهمك بصراحة يا بابا، وحاسس كده إن الليلة كلها هتبوظ!
أخذ باسل نفساً عميقاً، وزفره على مهل، ثم تساءل بهدوء:
-ممكن حضرتك يا سيادة اللوا توضح اكتر إنت قصدك ايه بالظبط؟
أضاف مسعد هو الأخر متسائلاً بنبرة ساخرة:
-مين يا بابا اللي انت هاتشركه معانا، اللي عليه العين والنيني!
ابتسم له والده إبتسامة غامضة، ثم أجابه بصوت جاد وهو مثبت أنظاره على ابنه:
-إيناس أختك.

صاح كلاً من باسل ومسعد سوياً و في نفس واحد بصوت مرتفع وقد ارتسمت علامات الذهول و الصدمة عليهما:
-مييييييين…!
في المقهى الحديث،
سرد اللواء محمد خطته لثلاثتهم والتي كانت تتضمن الإستعانة بإيناس كوسيلة تمكن سابين من التواجد بحجة مقنعة في المنزل دون إثارة الريبة أو الشكوك حول طبيعة وجودها وسط عائلته.

فدور إيناس في تلك الخطة يقتصر على إيهام والدتها أن لديها صديقة أجنبية تعرفت عليها عن طريق الانترنت، وستأتي للقاهرة للقيام بدراسات عليا لفترة وجيزة ثم تعود إلى موطنها، وطوال تلك الفترة ستقيم في منزل عائلتها بعد أن عرضت عليها إيناس استضافتها..
وسيقوم والده بدعم ابنته في طلبها ويوافق على مسألة الاستضافة ويشجعها على الاستفادة من رفيقتها بحجة أنها متعلمة ومن ثقافة وحضارة مختلفة ولديها امتيازات كثيرة..

وبالتالي سترضخ أمها لرغبتهما إن وجدت موافقة الجميع وترحيبهم بها…
بدت الفكرة مقنعة إلى حد كبير، ومنطقية لا تثير الشكوك، ولكن اﻷصعب هو تنفيذها بحرفية..
نفخ مسعد بضيق وهو يستمع إلى حديث والده، ثم أرجع ظهره للخلف، وهتف بتبرم:
-كلامك فل يا بابا، بس البت ايناس هبلة وممكن تكشفنا!
ثم التفت برأسه ناحية رفيقه، وسأله بجدية:
-ولا ايه رأيك يا باسل؟

لم ينتبه له باسل، فقد كان شاردا في التفكير في إيناس، فمجرد ترديد اسمها يثير في نفسه مشاعر غريبة، مشاعر لم يعتد عليها بعد حاول مقاومتها قبل أن تظهر أكثر..
طال صمته، فعاود مسعد سؤاله بإلحاح بعد أن لاحظ شروده:
-انت معانا يا باسل؟ بأقولك ايه رأيك في البت ايناس
وكأنه أصيب بالحرج من سؤاله المباغت، وأحمر طرفي أذنيه بصورة مبالغة، وعمد إلى رسم تعابير جامدة على وجهه ليخفي توتره وهو يرد عليه بحذر:.

-أنا شايف إن إيناس صغيرة ومش هاتنفع تقوم بالدور ده، هي ممكن كمان تتأذى و، آآ..
قاطعه اللواء محمد قائلاً باستنكار وهو يدقق النظر فيه:
-هو أنا يعني مش خايف على بنتي؟ وبعدين صغيرة ايه، ده ماشاء الله طالعة أولى ثانوي وكام شهر وتكمل 16 سنة!
لم تفهم سابين معظم الحوار، فأوضح لها باسل باللغة الانجليزية مقصده فهزت رأسها بتفهم..
برر اللواء محمد كبر سن ابنته بصوت هاديء:
-اصلها داخلة المدرسة كبيرة!

في حين أضاف مسعد بمزاح:
-عجوزة يعني، عدت السن القانوني للحضانة وقتها!
حدج محمد ابنه بنظرات محذرة، وأشار له بيده وهو يقول بجدية:
-بطل آلش يا مسعد وتريقة على أختك! مش ذنبها إن سن التقديم على المدرسة أيامها كان كبير!
شعر مسعد بالحرج من توبيخ والده له أمام سابين، فابتسم بسخافة وهو يقول مدافعاً عن نفسه:
-مش بآلش يا بابا بس آآ..
قاطعه أبيه قائلاً بجدية وقد تشنجت ملامح وجهه:.

-من غير بسبسة، أختك أكتر حد هاينفع يقوم بالدور ده، المهم بس نقنعها!
تنهد مسعد بعمق، ورد عليه بإبتسامة مغترة:
-خلاص يا بابا سبهالي، أنا هالفلها هدية محترمة بمناسبة نجاحها واقولها على الخطة!
أثارت عبارة مسعد الأخيرة فضول باسل، فالتفت برأسه ناحيته، وسأله بإهتمام وقد لمعت عيناه قليلاً:
-هي ايناس نجحت؟
أومأ مسعد برأسه إيجاباً وهو يرد:
-اه الحمد لله، وجابت مجموع كبير.

استدار مسعد ناحية سابين، وغمز لها قائلاً بنبرة شبه مغتاظة:
-طول عمرها موس البت دي، مالهاش في اللعب ولا الصياعة، الكتب والمذاكرة واكلين دماغها على الأخر
أضاف والده قائلاً بنبرة متباهية:
-طبعا، ده أنا مربيها على الاخلاق والالتزام، وإن كانت عملت حاجة غلط بتيجي تقولي يا بابا أنا عملت كذا ومعمرهاش كدبت عليا!
تابع مسعد قائلاً بعبوس زائف وهو يشير بيده:
-بس مصلحجية درجة أولى، تموت في الهدايا والشرا والمساومة!

زادت ابتسامته الساخرة اتساعاً وهو يتساءل بمكر:
-ما توقفها في سوبر ماركت آبابا؟
حذره اللواء محمد قائلاً بجدية:
-اتلم يا مسعد بدل ما أهزقك قدام الأجانب
تنحنح مسعد بحرج، ووضع إصبعه على طرف أنفه، وردد بخفوت:
-احم، عندك حق، برستيجي برضوه!
ابتسمت سابين برقة، ثم مطت شفتيها لتهمس بتحمس قليل في نبرة صوتها الناعمة:
-ممممم، أنا أهب ( أحب ) اشوف ايناس دي
رد عليها مسعد بحماسة أكبر وهو يغمز لها:.

-هاتعجبك أوي يا صابرين، نسخة مني!
أبدت سابين إهتمامها قائلة وهي ترفع حاجبيها للأعلى:
-واو! شيء رائع
تدخل اللواء محمد في الحوار قائلاً بجدية:
-بنتي غير مسعد، ولا شبهه في أي حاجة، هي ليها شخصية مع نفسها كده، بس جدعة وبنت أصول!
كانت كلمات محمد المتفاخرة بإبنته تثير ضيق باسل أكثر، وتزيد من تأنيب ضميره وإحساسه بالذنب نحوها..

فهو لم يمهل نفسه الفرصة لتصديقها، وظن بها السوء رغم أنها لم تخبيء عنه شيء، وكانت صادقة معه منذ البداية، ولم تنكر ما حدث، تهوره فقط دفعه لإهانتها بتلك الصورة..
ما أوجعه بحق هو تذكره لكلماته الجارحة والمهينة لها..

أغمض عينيه للحظة ليسيطر على حالة الفوران التي تعتريه من الداخل، هو أخطأ في حقها وعليه ألا يكابر في هذا…

في منزل مسعد غراب،
عقدت إيناس شعرها جديلة طويلة، وجمعت خصلات شعرها القصيرة والمتناثرة خلف أذنيها، ثم اتجهت إلى خارج غرفتها وهي تصيح بصوت جهوري:
-ماما، أنا نازلة
حضرت والدتها من المطبخ وهي تمسح يدها في منشفة قطنية، وسألتها بإستغراب وهي تنظر إليها:
-نازلة! ليه رايحة فين؟
ردت عليها بتنهيدة مطولة:
-بابا عاوزاني في الكافيه شوية
قطبت صفية جبينها بإندهاش، وسألتها مستفهمة بفضول واضح في نظراتها:
-أبوكي، ليه؟

ردت عليها بإختصار:
-مقالش
زمت صفية شفتيها بتبرم، وتمتمت بكلمات مبهمة، ثم تابعت قائلة بجدية وهي تشير بيدها:
-طب قوليله مايتأخرش، أنا خلصت الأكل
هزت إيناس رأسها وهي تجيبها:
-حاضر!
ثم انحنت للأسفل لتسحب حذائها من الخزانة المخصصة لها، وارتدته، وعاودت النظر إلى هيئتها في المرآة المعلقة خلف باب المنزل..

تأملت بنطالها الجينز القديم، وكنزتها الواسعة ذات اللون الأبيض التي تغطي خصرها وتصل إلى ما قبل ركبتيها بنظرات فاترة، ثم ابتسمت لنفسها بسخرية وهي تردد بسخط:
-ماشبهش البنات في حاجة! أنا زي الولاد!
أمسكت بالمقبض وأدارته، واتجهت إلى الخارج..

بجوار مدخل المقهى،
وقف باسل على مقربة من مدخل المقهي مستنداً على جانب سيارته، وعاقداً ساعديه أمام صدره، وترقب بفارغ الصبر وصول إيناس بعد أن استأذن من أبيها أن يراها بالخارج مدعياً تهنئتها بنجاحها في الامتحانات، ثم بعد ذلك يصطحبها للداخل ليتحدثوا معها، هو أراد أن يحظى بفرصة معها على إنفراد ليعتذر لها عن تطاوله عليها..

لمحها وهي تسير بخطوات بطيئة من على بعد، فاعتدل في وقفته، وأرخى ساعديه، وانتصب بجسده متلهفاً للحديث معها..
رفعت رأسها لتنظر إلى الطريق أمامها، فتفاجئت بباسل محدقاً بها، وينظر مباشرة في عينيها..
صدمت منه، وارتعد جسدها للحظة من نظراته المسلطة عليها، ومن وجوده أمامها…
تحولت ملامحها المرتخية نسبياً إلى عبوس جلي، ثم أشاحت بوجهها بعيداً عنه متجاهلة أياه وكأنه نكرة ولم تراه..

زمت شفتيها بضيق وتابعت سيرها ولكن بخطوات سريعة..
تحرك باسل نحوها، وهو يهتف بصوت آجش وآمر:
-ايناس، استني!
لم تصغِ إليه، بل أكملت خطواتها دون الإكتراث به..
لحق بها، ووقف أمامها ليسد عليها الطريق، ثم حدجها بنظرات قوية وهو يقول بجدية صارمة:
-استني يا إيناس، أنا عاوز أتكلم معاكي!
انتفضت من حركته، وزاد تجهم وجهها، ونفخت بنفاذ صبر، وردت عليه بحنق:.

-في ايه تاني عاوز تقوله، افتكرت كلمة زيادة تهيني بيها، ولا حابب تمد إيدك عليا!
ابتلع باسل ريقه بضيق، فقد استشف من كلماتها الغاضبة بغضها من تصرفه الفظ معها، فأخذ نفساً عميقاً ليسيطر على انفعالاته، وزفره بعجالة، ثم ضغط على شفتيه، وردد قائلاً بإمتعاض:
-لأ، مش كده أنا آآ..
قاطعته قائلة بحدة وهي تنظر بجمود في عينيه:.

-لو جاي تطمن إني التزمت باللي قولته، فأنا خلاص فهمت كلامك كله، وأمنت بيه، أنا مش زي البنات، عندي شنب ودقن وسوالف كمان، فاستحالة حد يبصلي، ولا عاوزة من الأساس حد يبصلي أصلاً، أنا دماغي في دراستي وبس!
أثارت كلماتها السابقة حفيظته..
هو جرحها عمداً، واحدث أثراً سلبياً في نفسها..
هي مازالت تذكر إهانته لها، تقليله من شأنها، إساءتها لهيئتها، بل والأكثر من هذا هز ثقتها في نفسها..

أيقن أنه أحدث شرخاً، وأوجد فجوة كبيرة بينهما..
أسبل عيناه وهو يطالعها بنظرات نادمة، ثم تابع بهدوء:
-إيناس، حقك عليا، أنا أسف، مكانش ينفع أكلمك كده، أنا كنت منفعل وقتها، واتضايقت من اللي حصل!
أغضبها اعتذاره، وكأن ما فعله بها هين، لا يستحق إلا كلمات بسيطة يرددها على لسانه..
فبلا وعي ارتفعت نبرتها وهي ترد:
-انت صدقت إني عملت كده مع إني مكدبتش عليك في حاجة!

اعتذر مجدداً وهو يشير بحاجبيه لتنتبه لوجدهما مع عامة الناس:
-أسف، مكونتش أقصد!
أرادت إيناس إيلامه، أن تجعله يشعر بحجم خطئه، وأن يعي جيداً أن لكل شخص مشاعر تحترم، لا يحق لأحد أن يسيء إليه لمجرد هيئته أو مظهره العام، لكن بإشارته الأخيرة ظنت أنه يشعر بالحرج من وجوده معها، أنها لا تستحق أن ينظر لها شاب ما وسيم، بل أجمل في ملامحه منها..

ولذلك لم تعد ترغي في الاستمرار معه في الحديث، فإستياءها منه يتخطى شعوره بالذنب وتقبل ندمه..
لذا حافظت على كبريائها، ورسمت ابتسامة باردة مصطنعة على ثغرها، وردت عليه غير مكترثة:
-مافيش مشكلة، لو لسه حاسس بالذنب من ناحيتي، فمتقلقش، أنا عادي خلاص!
ازدردت ريقها المرير، وتحركت للجانب لتتخطاه وهي تجاهد للحفاظ على ابتسامتها..
سار إلى جوارها، وهتف بإلحاح:
-إيناس استني بس.

التفتت برأسها نحوه، ورمقته بنظرات حزينة وهي تقول بجدية ( متعمدة الضغط على حروف كل كلمة ):
-أنا الموضوع نسيته يا ( أبيه ) باسل!
فغر فمه مشدوهاً من عبارتها الأخيرة، وردد بصدمة واضحة:
-نعم، أبيه!
أسرعت في خطاها دون أن تترك له المجال لتفسير ما قالته، لكنها أرادت أن يصل إليه مغزى كلمتها المقصودة ( أبيه )..
وبالفعل نجحت في هذا، فظل للحظات مذهولاً مما قالته..

ولجت إلى داخل المقهي، وبصعوبة بالغة نجحت في إخفاء مشاعرها المقهورة..
بحثت بعينيها بنظرات خاطفة عن أبيها بين رواد المكان، فوجدته يشير لها بيده، فاتجهت نحوه..
لحق بها باسل ولكنه تباطيء في خطواته، ووجهه متجهم للغاية..
تنهد بضيق لما تسبب به، ورأى نتيجة تهوره عليها..
وزاد شعوره بالآلم والإنزعاج من اللقب الأخير..
لم يستطع اخفاء وجومه ولا عبوسه، فهو يشعر بمدى الآلم الذي يعتصرها حتى وإن كانت تدعي العكس..

تمتم مع نفسه غير مصدقاً:
-أبيه! أنا!
لاحظت إيناس وجود أخيها مسعد جالساً إلى جواره، ولكنه لم يكن ظاهراً لها، فابتسمت له، وأسرعت نحوه وهي تهتف بسعادة:
-مسعودي، انت هنا!
نهض مسعد لتحية أخته وهو يقول بمزاح:
-أهلاً بنسناس العيلة
عبست بوجهها وهي ترد عليه بنبرة منزعجة بالرغم من ابتسامتها الرقيقة:
-هاتفضل زي ما انت رخم!
فتح ذراعيه ليضمها، فلكزته في صدره بقبضتها وهي تتمتم بخفوت:
-بارد.

قبلها مسعد من أعلى رأسها، واستدار ليوجه حديثه إلى سابين قائلاً بمرح:
-أهي دي الكوبي (النسخة ) المصغرة مني!
أرجعت إيناس رأسها للخلف لتنظر إلى من يتحدث، فوجدت شابة جميلة تنهض من على المقعد وتمد يدها لتصافحها..
ابتسمت لها سابين بنعومة وهي تقول بلكنتها الغريبة:
-هاي إيناس! Right ( صح )؟
وزعت إيناس نظراتها بين الاثنين، وتساءلت بفضول وهي تهمس له:
-مين المزة دي يا مسعد؟

كز على أسنانه وهو يجيبها بصوت خفيض محذراً:
-لمي لسانك، أبوكي قاعد!
تنحنحت بحرج وهي تلتفت نحوها:
-احم، هاي! أيوه أنا إيناس!
ثم رمقتها بنظرات مطولة متفحصة ومدققة لتفاصيل وجهها وجسدها، وكل ما له صلة بها..
ابتسمت لها سابين بود وهي تقول:
-أنا سابين!
أردف اللواء محمد قائلاً بجدية وهو يشير بيده:
-اقعدوا يا ولاد عشان نتكلم في المهم.

تلفتت إيناس حولها لتبحث عن مقعد شاغر لتجلس عليه فتفاجئت بباسل يحضر لها مقعداً ووضعه إلى جواره، فرمقته بنظرات ساخطة، ثم أشاحت بوجهها بعيداً عنه غير مهتمة بنظراته الغاضبة منها، وجلست على المقعد دون أن تنطق بكلمة إضافية أو حتى تشكره على خدمته..
أرجعت هي ظهرها للخلف، وتعمدت تجاهله بشكل يجعله يخجل من نفسه لما فعله..
ثم تساءلت بجدية وهي تنظر إلى والدها:
-خير يا بابا؟

اعتدل والدها في جلسته، ونظر لها بثبات وهو يجيبها بجدية:
-بصي يا إيناس من غير ما أضيع وقت، إحنا عاوزين منك خدمة
أضاف مسعد قائلاً بمزاح:
-اه، بس وطنية، حاجة كده نظام رأفت الهجان، لا تراجع ولا استسلام
رفعت إيناس حاجبها للأعلى مستنكرة، ورددت بعدم فهم:
-نعم!
وبخ اللواء محمد ابنه قائلاً بصوت صارم:
-بس يا مسعد، مافيش هزار في المواضيع دي
رد عليه مسعد بنبرة شبه ساخرة وهو يشير بيده:.

-اسمعي لخبرة السنين، عصارة الأفكار، البهاريز كلها
انزعج أبيه من استهتاره وتهكمه الزائد عن الحد، فصاح بجدية:
-يا بني اهدى ماتقطعنيش
أومأ برأسه وهو يقول بخفوت بعد ان استشعر أن الأمر لم يعد ظريفاً:
-حاضر
أوضح اللواء محمد لابنته المطلوب منها بعد أن أخبرها بحقيقة وضع سابين وأسباب وجودها هنا، فنظرت إليها بإندهاش، وهتفت بنزق:
-مش معقول يا بابا؟!
أضاف مسعد بنبرة حزن زائفة وهو يهز رأسه للجانبين بتعاطف:.

-تخيلي الغلبانة الباسكويتة دي تبقى مستهدفة!
عنفه والده قائلاً بغلظة:
-يا بني ده انت بتقول اللي ما يعرفش يعرف
رد عليه مسعد مبرراً بإبتسامة بلهاء:
-مش بأحنن قلب نوسة عليها، وبأوصيها
ربتت إيناس على كتف أخيها، وردت بتفاخر:
-أنا مش محتاجة وصاية يا حبيبي، إنت عارفني
رمقها مسعد بنظرات ماكرة وهو يقول بتوجس:
-ماهو عشان أنا عارفك فمتوغوش!
ضربته إيناس في كتفه قائلة بنبرة منزعجة:
-ياباي عليك!

تعجب اللواء محمد من الصمت الذي حل على باسل فجأة، ومن شروده الغريب، فمال برأسه ناحيته، وسأله بجدية وهو يتفرس تعابير وجهه بدقة:
-ها يا باسل رأيك ايه معانا انت ساكت ومش مشاركنا في الحوار
رد عليه بفتور وهو يوزع أنظاره بين الجميع:
-اللي تشوفوه صح أنا معاكو فيه!
ابتسم اللواء محمد قائلاً بهدوء:
-تمام، على بركة الله
هتفت إيناس بتحمس وهي تنهض من على المقعد:.

-أوكي يا بابا، أنا هاخش على ماما الداخلة إياها، وإنت في ضهري!
هز والدها رأسه بإيماؤة خفيفة، ورد عليها:
-ماشي يا بنتي، وربنا ييسر الأمور!
التفتت إيناس بجسدها كلياً نحو سابين، وابتسمت لها وهي تقول:
-إن شاء الله هتتبسطي معايا يا آآ..
نسيت إيناس اسم الشابة، فوضعت إصبعها في فمها لتقول بحرج مصطنع:
-اوبس، سوري نسيت اسمك!
رد عليها مسعد بتنهيدة:
-اسمها صابرين
التوى ثغرها بتهكم واضح وهي تردد:
-هه، صابرين!

أوضح سابين قائلة وهي تبتسم برقة:
-بصي هو سابين، but your brother kept saying Sabren ( ولكن أخاكي مُصر على قول صابرين )
هزت إيناس رأسها متفهمة وهي ترد عليها بسخرية:
-أها، Got it ( فهمتك )، مسعد بقى ودماغه الحجر!
جذب مسعد إيناس من ذراعها للأسفل، وكز على أسنانه قائلاً بغيظ:
-مش بأقولك اختي زيي في كل حاجة، جهبز في اللغة!
تابع باسل الحوار الدائر، ولم يعلق إلا بكلمات مقتضبة حينما تقتضي الحاجة..

تحركت سابين بظهرها للخلف فجأة فتعثرت قدمها، وكادت أن تسقط ولكن أسرع باسل بإسنادها من ذراعها وسط تعجب الجميع..
تحول وجهها إلى كتلة هائلة من الحمرة، بينما عاتبها باسل بكلمات غامضة وهو يقول بهدوء:
-خدي بالك وإنتي ماشية، مش عاوزين المهمة تبوظ من حركات العيال بتاعتك دي!
اشتعلت عيناها غضباً منه، ورمقته بنظرات حادة، ثم ردت عليه بنبرة شبه مغتاظة:
-مش هاتبوظ إن شاء الله.

ثم أخفضت نبرتها ليسمعها هو فقط وهي تكمل قائلة:
-يا أبيه!

في منزل مسعد غراب،
استرخت السيدة صفية على الأريكة، وحدجت ابنتها بنظرات دقيقة وكأنها تخترق جسدها كالأشعة تحت الحمراء، ثم رفعت حاجبها للأعلى، وتساءلت بعدم اقتناع:
-ودي عرفتيها بين يوم وليلة؟
ردت عليها سابين بهدوء:
-اكيد طبعاً لأ، أنا عارفاها من زمان
لوحت لها والدتها بذراعها وهي تحذرها قائلة:
-اوعي تكوني يا نوسة عاملة مقلب فيا، ما أنا عارفاكي!
ضيقت إيناس نظراتها، وردت مستنكرة:.

-مقلب ايه يا ماما، بأقولك واحدة صاحبتي أجنبية جاية تقدم هنا في جامعة القاهرة، وأنا عرضت عليها تيجي تقعد يومين، ايه علاقة اللي بأقوله بالمقالب!
تابعت والدتها قائلة بصوت جاد:
-انتي معمركيش جبتي سيرتها!
ردت عليها إيناس ببساطة:
-عشانها أجنبية.

هزت السيدة صفية رأسها في عدم اقتناع، فالحديث غير منطقي بالنسبة لها، فهي تعرف غالبية صديقات ابنتها، وهي لم تأتِ يوماً على ذلك تلك الفتاة الغريبة، فكيف يعقل بين ليلة وضحاها أن تصبح لها رفيقة أجنبية..
هتفت وهي تقوس شفتيها على مضض:
-الكلام ده مش راكب على بعضه!
ابتسمت لها إيناس قائلة بمرح:
-خلاص خليه ينزل طالما مش عاوز يركب!
ضربتها والدتها في كتفها بقوة، وصاحت معنفة إياها:
-بت، بطلي رخامة وتقل دم!

تأوهت إيناس من الآلم، وفركت كتفها بيدها..
في نفس التوقيت، عاد محمد من الخارج، واتجه نحوهما وهو يتساءل بصوته الرخيم:
-مساء الخير عليكم، في ايه؟ صوتكم مسمع برا البيت!
أجابته صفية بتذمر:
-شوفت بنتك وعمايلها
ردت عليها ابنتها بضجر:
-يا ماما ده احنا المفروض شعب كريم ومضياف
ادعى أبيها عدم الفهم منفذاً الجزء الخاص به من مخططه، وتساءل بصوت منزعج:
-ما تفهموني بالظبط في ايه؟!

في المقهى الحديث،
ضرب مسعد بيده على فخذه عدة مرات بحركات خفيفة وثابتة، ثم ردد بقلق بائن في نبرته:
-قلبي متوغوش أوي يا باسل
رد عليه باسل بهدوء حذر:
-اهدى بس ومتوترناش معاك
تابع قائلاً بتوجس وهو يبتلع ريقه:
-البت إيناس ممكن تعك الدنيا
تنهد باسل بصوت مرتفع مردداً:
-ربنا يستر
تساءلت سابين بفضول وهي ترمش بعينيها:
-في ايه موسأد، إنت مش ثق في سيستر ( أختك ) إيناس؟

التفت ناحيتها، وحدق فيها بنظرات شبه مضطربة، وأجابها بصوت ممتعض:
-ولا في أبويا حتى!
لكزه باسل في جانبه، ووبخه بضجر:
-اتلم يا مسعد مش قصادها، متخوفهاش!
رد عليه مسعد بإستياء:
-يا عم دول عيلتي وأنا عارفهم، انا هاتجرس على ايدهم وهاتفضح! سترك يا رب!
حاولت سابين تخفيف حدة التوتر، فأردفت قائلة برقة:
-آرف ( عارف ) موسأد، إيناس دي كيوت
ابتسم لجملتها، وتنحنح بصوت متشحرج، ورد عليها ممتناً:.

-احم، متشكر على مجاملتك ليا!
أوضح له باسل قائلاً:
-هي اللي كيوت مش إنت!
برر مسعد حديثه بإبتسامة عابثة:
-ما أنا وهي إيه غير واحد!
حرك باسل رأسه للجانبين في يأس من رفيقه، وردد بخفوت:
-يا دماغك!

في منزل مسعد غراب،
أبدى اللواء محمد موافقته على تواجد الشابة الأجنبية في منزله بعد أن سردت عليه إيناس أمام والدتها قصتها المفبركة..
حدجت صفية زوجها بنظرات حادة، وصاحت محتجة على دعمه لابنته:
-شكلكم مظبطين مع بعض، كلامكم ده مش داخل دماغي!
تساءل إيناس بتبرم وهي تضع يدها على منتصف خصرها:
-مظبطين إزاي يا ماما؟!
أشارت صفية بيدها وهي تفسر ما يدور في تفكيرها:.

-ايوه، ابوكي يطلبك تنزليله القهوة، وتقعدوا مدة واكلين ودن بعض، وبعدها انتي تطلعي تقوليلي الكلام ده!
تبادل كلاً من محمد وابنته نظرات غامضة، فقد أوشكت صفية على كشف المخطط، ولكن أسرعت إيناس بإنكار ما قالته والدتها، وصاحت معترضة بغضب مفتعل:
-اذا كنت أنا لسه قيلالك الوقتي، يبقى هالحق أظبط امتى!
ردت عليها والدتها بإصرار تام على رأيها:
-مش مقتنعة ولا مصدقاكي! ماهو كلامك مايدخلش النافوخ!

أضاف زوجها متساءلاً بضجر:
-هو ايه الغريب في اللي قالته يعني؟
صاحت صفية فجأة بصوت جهوري:
-تلاقيك متجوزها وجايبها هنا!
رد عليها معترضاً بشراسة من حديثها الأهوج:
-جرى ايه يا صفية، ايه الكلام الغريب ده، هو أنا في حيل للجواز، ده أنا مش قادر أصلب طولي!
أضافت قائلة بصياح منفعل:
-أه يا سيدي، خلاص زهقت مني وعاوز تجدد شبابك مع واحدة في سن بنتك!
رد عليها بمزاح وهو يبتسم لها:
-يا ستي نجوز ابنك الأول وبعدها أشوف نفسي!

لطمت على صدرها وهي تصرخ بهلع بعد دعابته المازحة:
-يعني انت حاطط الموضوع في دماغك وبتلف عليا، يا نصيبتي!
اضطربت الأجواء كثيراً بينهما، فأسرعت إيناس بالتدخل، ووقفت بجسدها حائلاً بينهما حتى لا يتطور الأمر للتطاول بالأيدي، فالموضوع خرج عن نطاقه المرسوم ليتحول إلى مسألة إرتباط وزيجة..
تعجب محمد من تفكير زوجته المحدود، وانفعل بضيق عليها..
توسلت إيناس لوالدتها لكي تحافظ على هدوئها، وصاحت بإستعطاف:.

-اهدي يا ماما، بابا بيهزر معاكي والله!
انفعلت صفية أكثر وهي ترد:
-ايوه بيهزر لحد ما لاقيه جايب المأذون وكاتب عليها
ثم دفعت ابنتها بقوة، وأضافت بغضب:
-اوعي يا بت من وشي!
حاولت إيناس إمساك ذراعي والدتها، وهتفت بصوت مرتفع وهي تقول بإصرار:
-يا ماما دي أجنبية، متعرفش حاجة، هاتيجي يومين وماشية، محدش هايلحق يبصلها ولا يتجوزها حتى!
صرخت صفية بغضب:
-ما تتنيل تقعد في أي فندق!
فسرت لها ابنتها قائلة:.

-هيطلبوا منها فلوس أد كده، وهي ظروفها يعني مش أوي، عشان خاطري يا ماما وافقي، والله دي نيتها خير
نفخت والدتها بعصبية وهي تكتف ساعديها أمام صدرها:
-أووووف، ابعدي عني!
اقترب محمد من زوجته، وأحاطها من كتفها بذراعيه، وحاول إمتصاص غضبها قائلاً بنبرة الهادئة:
-يا صفية، ده انتي ست كمل ومعروف عنك قلبك الطيب، وذوقك وانسانيتك
ثم احنى رأسه عليها ليقبلها من أعلى رأسها، وربت على كتفيها برفق..
ردت هي بتبرم:.

-ايوه ابلفني بالكلام!
تنهدت إيناس في إرتياح لنجاح والدها في تهدئة أمها، وهتفت بتحمس:
-خلاص يا ماما موافقة؟ ده هي هاتقعد في اوضتي ومش هاتحسي بيها!
لوت أمها ثغرها وهي تسألها بعبوس:
-طب واخوكي يا فالحة لما يجي البيت على غفلة ويلاقي واحدة غريبة فيه هايقول ايه؟!
ردت عليها ببراءة:
-ما هو عارف، آآ..
ثم قضمت عبارتها بعد أن أدركت الخطأ الذي وقعت فيه، وحاولت إخفاء إرتباكها وهي تردد بهدوء مصطنع:
-قصدي لما يبقى يجي!

هزت صفية كتفيها مستنكرة الموضوع برمته، وهتفت بنبرة مرتابة:
-مش عارفة والله انتو الجوز ناويين على ايه!
أشارت إيناس بيدها لوالدتها، وأوضحت موقفها قائلة:
-بصي يا ماما ده نظام معمول بيه برا مصر، وأنا لما أكبر ممكن أروح أدرس برا وأقعد عند عيلة محترمة بدل ما أقعد في فندق ولا آآآ…
قاطعتها صفية بحدة وقد تحولت نظراتها للغضب:.

-ومين أصلاً هايسمحلك تسافري لوحدك، إنتي هاتفضلي هنا أعدة في أرابيزي لحد ما أسلمك بايدي لابن الحلال اللي يستاهلك
رد عليها زوجها بجدية:
-مش وقته الكلام ده يا صفية، خلينا في البت الأجنبية
تنهدت صفية في إحباط، ووجدت أنه لا مفر من الموافقة بعد إلحاح ابنتها المستمر، فوافقت على مضض:
-خلاص، أمري لله!
احتضنت إيناس والدتها، وقبلتها من وجنتيها وهي تردد بسعادة:
-تسلمي يا غالية
غمز لها والدها بحذر وهو يقول:.

-روحي انتي كلمي صاحبتك وبلغيها
أومأت برأسها متفهمة أمره الخفي، وقالت:
-حاضر يا بابا!

في المقهى الحديث،
احترقت أعصاب مسعد من كثرة التفكير فيما يحدث بمنزله..
وظل ينفخ بتوتر ويهز ساقه بعصبية..
-اهدى يا مسعد، إن شاء الله خير
قالها باسل بصوت رزين وهو يضغط على كتف رفيقه
التفت مسعد نحوه، وهتف بنبرة منزعجة:
-مش مرتاح، مقلق جامد!
نفخ مجدداً بنفاذ صبر، وتلفت حوله بريبة متوقعاً الأسوأ قد حدث، فأمه ليست من النوع الذي يقبل بواقع الأمور هكذا دون أن تجري حولها جدلاً واسعاً…

شعرت سابين بحالة القلق البادية على وجه مسعد وتصرفاته، فابتسمت له ممتنة، ورغم كون حالها لا يقل اضطراباً عنه، إلا أنها كانت بارعة في اظهار ثابتها، واخفاء خوفها في المواقف المتأزمة..
هي تتوقع الدعم الأسري الكامل من عائلة مسعد، وتثق بدرجة كبيرة في قدرات والده وأخته الصغرى..
انتفض هو فجأة من مكانه حينما سمع رنين هاتفه، فالتقطه، ووضعه على أذنه بعد أن ضغط على زر الإيجاب ليقول بتلهف:.

-ها يا نوسة؟ ايه الأخبار؟!
ردت عليه بضحكة مغترة:
-عد الجمايل يا مسعد، ماما وافقت!
هتف بتحمس أثار انتباه من حوله:
-الله أكبر، وربنا تستاهلي 100 بوسة يا نوسة!
بدى الضيق ظاهراً على وجه باسل بعد تلك العبارة، ورد بتبرم:
-اهدى يا مسعد مش كده
ليس ما أزعجه هو صوت رفيقه المرتفع، بل مغزى العبارة وإن كان عادياً..
انتبه له مسعد، ورد بحرج:
-لامؤاخذة
ثم تابع مكالمته مع أخته قائلاً بجدية:.

-احنا شوية وهنجيبهالك ونيجي، انتي انزلي استقبليها، وكملي اللي اتفقنا عليه!
ردت عليه بإيجاز:
-اوكي
ثم أنهى معها المكالمة، وأشار بيده إلى باسل وهو يهتف بصوت آمر:
-يالا، جه دورنا
نهض باسل من على مقعده، وأخرج من حافظته بعد النقود ليضعها على الطاولة، ورد عليه بجدية:
-ماشي، وأنا هحاسب على الطلبات!
تساءلت سابين برقة وهي تنظر إلى مسعد:
-كله اوكي موسأد؟
بادلها نظرات واثقة، ثم رد عليها بسعادة وقد أشرقت عيناه بشدة:.

-كله زي الفل يا صابرين، وأوعدك هاتتبسطي معانا أوي…!
في منزل مسعد غراب،
تعاونت إيناس مع سابين في حمل الحقائب سوياً بعد أن أوصلها مسعد وباسل إلى المدخل..
ثم ولجت الاثنتين بعدها إلى داخل المنزل..
تخلل جسد سابين شعوراً غريباً باﻷمان واﻷلفة، ذلك الشعور الذي عاشته في منزل عائلتها منذ زمن وتفتقده حاليا..
هناك دفئاً جاذباً في أركان هذا المكان البسيط..
وشعور قوي باﻹرتياح يتمكن منك فور أن تطأه بقدميك..

جابت هي صالة المنزل – وما وقعت عليه عيناها – بنظرات خاطفة وشمولية محاولة إكتشاف تفاصيله..
أفاقت من شرودها المؤقت على صوت سيدة ما ترحب بها بحماسة زائدة:
-يا ألف أهلا وسهلا، يا 300 مرحبا!
ثم أمسكت بها من كتفيها ودفعتها نحوها لتحتضنها رغما عنها، واعتصرتها بذراعيها، ثم قبلتها قبلات متتالية ومتكررة على وجنتيها حتى أنها شعرت برطوبتهما من فرط القبلات..

تعجبت سابين من طريقة الترحيب المبالغ فيها، ورسمت على ثغرها ابتسامة مهذبة، ولم تعلق…
أضافت صفية قائلة بود:
-إن شاء الله تعجبك أعدتنا هنا..
أومأت سابين برأسها بإيماءة خفيفة، واكتفت بالابتسام..
هتفت إيناس بتحمس:
-اتفضلي، نورتي البيت
مصمصت صفية شفتيها مستنكرة صمت تلك الشابة الغريبة، و تساءلت بفضول وهي ترمقها بنظراتها المتفحصة:
-هو انتي بتفهمي عربي على كده؟
ردت عليها سابين بإيجاز وهي تشير بيدها:
-شوية.

تابعت صفية حديثها بسخرية:
-ياختي بكرة لسانك يتعود على لغوتنا وترتني ( تتحدثي ) أحسن مننا!
انضم إليهن اللواء محمد، وتعمد رسم علامات الجدية على وجهه ليؤدي دوره المصطنع بإتقان، ثم استطرد حديثه قائلاً:
-مساء الخير يا بنتي، نورتي مصر!
ردت عليه سابين بإبتسامة رقيقة:
-ثانكس ( شكرا ً)
تساءلت صفية بفضول وهي تمرر نظراتها التفحصية على جسد سابين:
-وإنتي اسمك ايه بقى يا حلوة؟
أجابتها سابين بنعومة:
-سابين!

قطبت صفية جبينها بإستغراب من ذلك الاسم العجيب الذي تعذر عليها هي الأخرى ترديده، فهتفت بحيرة وهي تضع إصبعيها على طرف ذقنها:
-مين اللي سايبن يا حبيبتي؟ هو انتي كنتي مرتبطة وسبتي؟ فركشتي يعني!
لم تتعجب سابين من سؤالها الساذج، فهي قد اعتادت على طريقة مسعد في الحوار معها، ولم يكن من الغريب أن تبدو والدته مثله، لذلك أجابتها بهدوء دون أن تختفي ابتسامتها:
-انا اسمي سابين..!

هزت صفية رأسها بتفهم مصطنع وهي تقول:
-وماله يا حبيبتي، عاشت الاسامي!
ثم تمتمت مع نفسها بتبرم ونظراتها لم تفارق سابين:
-البت شكلها لونة ونغشة، ربنا يستر عليك يا حاج محمد منها، قلبي مش مطمنلها!
توجست هي خيفة من وجود تلك الجميلة في منزلها، فربما شبابها وحيويتها وصغر سنها قد يؤثر على زوجها، وتجعله ينظر إليها بطريقة غير مريحة..

لذا قررت هي أن تنتبه لها جيداً، وألا تجعلها تغيب عن ناظريها أبداً طوال مدة إقامتها في منزلها، فوجودها يشكل ناقوس خطر على استقرار عائلتها…

على مقربة من البناية،
أطل مسعد برأسه من نافذة سيارته ليحدق في شرفة بنايته بنظرات قلقة..
لم يكن من الصعب رؤية تعابير الإنزعاج والتوتر على قسماته وتصرفاته..
ظل هو يتمتم بكلمات غير واضحة، وهو يتضرع بصوت خافت للغاية..
نظر له باسل بإندهاش، وسأل بضجر بعد أن مل من كثرة الانتظار:
-ايه يا مسعد مش هانمشي بقى؟
رد عليه مسعد بنبرة متوترة وهو يعاود النظر للأعلى:
-مش قبل ما اطمن على سابين!

مط باسل فمه ليقول بعدم إكتراث:
-أكيد مش هايكون في حاجة حصلت!
تنهد بعمق وهو يرد عليه:
-مش عارف!
ثم هتف فجأة بنبرة متشائمة وهو يشير بيده:
-بس المصايب ما بتستناش حد، فجأة كده بتلاقيها راشقة في نافوخك!
حدق فيه باسل بتعجب، ورفع حاجبه للأعلى، ثم قال بحذر:
-ربك يسترها
غمغم باسل بتوجس خفيف:
-يا رب
هز رأسه بإيماءات ثابتة وهو يحدث نفسه بقلق:
-يا ترى يا حاجة صفية عملتي ايه في البُنية، يا خوفي من اللي جاي!

في منزل مسعد غراب،
وقفت السيدة صفية على عتبة باب غرفة ابنتها الصغرى، وأشارت بيدها موضحة وهي تقول بنبرة دافئة:
-دي بقى أوضتك يا حبيبتي!
ابتسمت لها سابين وهي تقول بخفوت حرج:
-ثانكس ( شكراً )
فتابعت السيدة صفية قائلة بتبرم قليل:
-كان بودي والله اقعدك في أوضة لوحدك، بس مافيش غير أوضة الواد مسعد، وهو محرج على حد فينا يخشها في غيابه!
هزت رأسها بتفهم وهي تقول بإيجاز:
-اوكي.

أضافت إيناس قائلة بحماس وهي تشير بذراعيها في الهواء:
-انتي هتنامي هنا معايا زي ما اتفقنا!
حركت سابين رأسها إيجاباً وهي تقول:
-اها، اوكي
تساءلت صفية بإبتسامة عريضة وهي تردد بتفاخر:
-اجيبلك تاكلي يا بنتي؟ ده انا عاملة صينية بطاطس بالفرن إنما ايه حكاية!
هزت سابين رأسها نافية وهي تجيبها بإعتراض:
-نو ( لا )، مش جآنة ( جعانة )!
تابعت صفية قائلة بجدية وهي تشير بيدها:.

-طب يا حبيبتي، لما تجوعي قوليلي وأنا اغرفلك، خدي راحتك في الأوضة وغيري إنتي بس هدومك..!
ثم دفعت بيدها إيناس للأمام وهي تضيف بتحمس:
-أنا هاخد البت دي وهستناكي برا!
نظرت لها سابين بود، وردت ممتنة:
-ثانكس ( شكرا )
تركت الاثنتين الغرفة لها لتكون على حريتها قليلاً، فتلفتت برأسها في المكان لتتأمله بدقة وهي تمني نفسها بغد أفضل..
في سيارة مسعد،.

ضرب مسعد بيده على مقود السيارة بتوتر، ثم أخرج رأسه من النافذة لينظر بتمعن في البناية وهو يتساءل بقلق ممزوج بالخوف:
-يا ترى يامه عاملة ايه معاها؟
رد عليه باسل بهدوء جاد وهو يسترخي بجسده على المقعد:
-اطمن يا مسعد!
هتف هو فجأة بإصرار عجيب:
-أنا بأقول اطلع اشوفها بنفسي!
انتصب باسل في جلسته، وقبض على ذراع رفيقه قبل أن يتهور ويترجل من السيارة، وصاح به بغلظة محذراً إياه:.

-لالالا، اثبت مكانك وركز مش تبوظ كل حاجة عشان لحظة تهور وجنان!
تراجع مسعد عن فكرته الطائشة، ونفخ بضيق وهو يقول:
-عندك حق..!
ثم ضرب بيده المقود بعصبية وهو يتابع بنبرة منزعجة:
-بس الحاجة صفية دؤرومة ومش بتريح نفسها، وأنا دماغي هتاكلني!
تنهد باسل بعمق، ثم أردف قائلاً بهدوء:
-انا رأيي تطلب ابوك تسأله عن الوضع، هايكون أفضل!
ابتسم مسعد لإقتراحه، ورد بإيجاز:
-طيب.

وبالفعل أمسك بهاتهف ليتصل بأبيه ليطمئن على حال سابين معهم، ولكن لم يجبْ اﻷخير على اتصالاته، فزاد قلقه
وهتف بتوجس من بين أسنانه التي يضغط عليها بقوة:
-مش بيرد نهائي!
اتسعت فجأة حدقتيه في هلع وهو يقول بنبرة مرتعدة:
-شكلهم اغتالوا البت، وربنا يعملوها!
قهقه باسل من عبارته الأخيرة، ورد عليه بصعوبة وهو يحاول تمالك نفسه:
-مش للدرجادي
لوى مسعد فمه بإمتعاض وحدجه بنظرات حادة وهو يردد:.

-بتضحك، ما أنت مش حاسس بالكارثة المتنقلة اللي برا!
أخذ نفساً عميقاً ليسيطر به على إنفعالاته المتوترة، وحبسه للحظات في صدره، ثم زفره دفعة واحدة وهو يهتف بتحمس كبير:
-بس النسناس اللي في البيت هي اللي هاتجيبلي أرارهم كلهم!
قطب باسل جبينه مهتماً، وضاقت نظراته نوعاً ما وهو محدق في صديقه، ثم سأله بحذر وهو يحافظ على ثبات وجهه خالياً من التعبيرات:
-تقصد ايناس!
رد عليه مسعد بجدية وهو يوميء برأسه:.

-اه هي مافيش غيرها!
وبالفعل حاول هو مهاتفة أخته الصغرى فأجابته بخفوت حذر بعد محاولتين للإتصال بها:
-اركز يا مسعد، هتكشفنا!
سألها مسعد بتوجس وهو يتطلع بأنظاره للأعلى:
-أمك عاملة ايه معاها؟
ردت عليه بصوت خفيض:
-هي بتعاملها على إنها ضرتها، وخطافة رجالة، وجاية تاخد أبونا منها، وبتعملها كشف هيئة!
اتسعت حدقتي مسعد بذهول، وهتف بخوف وهو يتخيل ما تفعله والدته بها:.

-نعم! يادي الفضايح كشف هيئة، احنا اتسوحنا ع ايد الحاجة صفية!
أوضحت إيناس بجدية:
-دي مفكرة إن بابا هيتجوز وجايب عروسته هنا!
ضرب مقدمة رأسه بكفه، وتمتم بتوجس:
-يا لهوي، شطحت معاها على الاخر!
صمتت إيناس للحظات قبل أن تهمس بصوت جاد:
-طب اقفل بقى عشان هي بتنادي عليا!
رد عليها بقلق وهو يفرك طرف ذقنه:
-ماشي يا نوسة وبلغيني كل شوية باللي بيحصل عندك
أضافت إيناس قائلة بمزاح:.

-حاضر، على اخر الزمن هشتغل spy ( جاسوس ) عندك!
تساءل مسعد بعدم فهم وهو عابس الوجه:
-ايه سبا دي؟ شتيمة يا بت؟!
كزت على أسنانها لتقول محذرة بلهجة مهددة:
-اقفل يا مسعد بدل ما أشنيرك عند ماما!
أغلق الهاتف في وجهها وهو يردد بسخط:
-مصلحجية دونية
رمقه باسل بنظرات مشتعلة، وصاح به بضيق واضح:
-في ايه يا مسعد مش كده، امسك لسانك شوية!

تعجب مسعد من دفاع باسل عن أخته، ولم يعلق بل أكمل بعدم اكتراث وهو يلقي بهاتفه على تابلوه السيارة:
-بت بايخة، بتتنطط عليا عشان عاملها قيمة!
لم يرد باسل أن يظهر ضيقه أكثر من هذا حتى لا يضطر إلى تبرير موقفه، فاكتفى بتحذيره قائلاً بجدية:
-ماتنساش احنا معتمدين عليها في المهمة دي وهي عينينا جوا البيت! ولو ضايقتها ممكن تقلب علينا!
حك مسعد فروة رأسه، ورد عليه بتفهم:
-على رأيك، ودي دماغها جزمة زي أخوها!

لكزه باسل في كتفه وهو يضيف قائلاً على مضض:
-طب انجز ويالا بينا على الوحدة، احنا اتأخرنا جامد وهنتنفخ!
هز رأسه إيجاباً، وتمتمت بتضرع:
-ماشي، سترك يا رب، عدي الليلالي على خير يا كريم لأجل عبدك الغلبان اللي هايتشنير من كل حتة لو باظت المهمة!
التفت هو ناحية باسل وسأله بفضول:
-اومال انت مش هتاخد عربيتك
رد عليه الأخير بتنهيدة مرهقة:
-لأ، هاسيبها هنا، اتوكل انت على الله!

أدار مسعد بعدها سيارته، و انطلق بها نحو وحدتهما العسكرية..

في منزل مسعد غراب،
أعدت السيدة صفية مائدة طعام فاخرة تليق بحشد من البشر، وليس لأجل ضيفة واحدة فقط..
تفاجئت سابين من كمية الطعام الموضوعة أمامها على الطعام، وفغرت فمها بإندهاش وهي تجوب بنظراتها على الأصناف الشهية المتراصة في الصحون، وحسبت سريعاً كمية السعرات الحرارية والوزن الزائد الذي ستكتسبه حال تناولها أي قطعة من هذا الطعام، فوجدت أنها ستتخطى حدود المألوف بمراحل كثيرة..

قطعت صفية تفكيرها المصدوم قائلة بنبرة ترحاب مضيافة:
-انتي مش محتاجة عزومة ده البيت بيتك!
ردت عليها سابين بتوجس وهي توميء بعينيها:
-بس ده too much، ( كثير جدا )!
مصمصت السيدة صفية شفتيها بحركة شعبية معروفة وهي ترد عليها بضجر:
-هو أنا لحقت أعمل حاجة، دي لقمة على ما قوسم، حاجة نفتح بيها نفسك!
بينما أضاف اللواء محمد بإبتسامة ودودة مشجعاً إياها:
-كلي يا بنتك، طنطك صفية نفسها حلو في الاكل!

ردت عليهما سابين معترضة بشدة:
-أنا مش أكل كل ده، أنا إمل ( بأعمل ) دايت!
لوت صفية شفتيها بإزدراء، وهتفت محتجة وهي ترفع حاجبها للأعلى مستنكرة ما قالته تواً:
-دايت! ياختي ايه التقاليع اللي طالعينلنا فيها دي، ايشي دايت ومايت وكلام كده مش فاهمينه!
رد عليها زوجها بهدوء وهو يشير بيده:
-سبيها على راحتها يا صفية!
ابتسمت سابين بتصنع، وشعرت بالإمتلاء لمجرد رؤيتها لكم الطعام، وأردفت قائلة برقة:.

-ممكن قوم انا، محتاجة أنام sleep!
هزت صفية رأسها بتفهم، وهتفت بتلهف:
-اه يا حبيبتي، خدي راحتك..!
ثم التفتت برأسها نحو ابنتها، وصاحت بحدة:
-قومي معاها، يالا ساعديها يا نوسة!
أومأت برأسها إيجاباً وهي تنهض عن مقعدها:
-حاضر يا ماما
تأبطت إيناس في ذراع سابين، ومالت عليها لتهمس لها بمكر:
-ايه رأيك فيا؟ أنفع أكون ممثلة؟!
ردت عليها سابين بصوت هامس للغاية وهي تغمز لها بعينيها:
-اها، برافو، good job.

مر يومان حاولت خلالهما سابين التأقلم مع الوضع الجديد..
لم تنكر أن وجودها مع عائلة مسعد أراحها كثيرا، وأشعرها بأنها فرداً من تلك العائلة..
كانت والدته مضيافة، ودودة، اجتماعية و ثرثارة مثله تماماً، وظنت أنه ربما ورث هذه الخصلة منها..
كذلك زاد التقارب مع إيناس التي كانت لديها شخصية متفردة…
وقفت هي أمام المرآة تطالع بشرود ما آلت إليه حياتها في اﻷشهر الأخيرة، وكيف وصلت إلى ذلك الوضع..

ثم انتبهت إلى صوت إيناس وهي تقول من خلفها بإبتسامة لطيفة:
-انتي ماشاء الله أمورة اوي، so beautiful
ردت عليها سابين بنبرة ممتنة وهي تنظر إلى إنعكاس صورتها في المرآة:
-ثانكس ( شكرا ). وأنتي كمان كيوت!
هزت إيناس رأسها نافية، وابتسمت لنفسها بسخرية مريرة، فهي تعلم جيداً رأي الأخرين في هيئتها، وتألمت من حديثهم الجارح والمهين لذاتها، وخاصة باسل الذي أشعرها بدونيتها وحقارتها..
وقفت هي إلى جوارها، وقالت محتجة:.

-لا لا، أنا مش حلوة زيك، أنا أجيب صفر من عشرة في مقياس الجمال!
تعجبت سابين مما قالته، وسألتها بفضول:
-ليه تقولي كده إيناس؟
تنهدت إيناس بإستياء، وردت عليها بنبرة حزينة وقد أسبلت عينيها:
-ده مش كلامي، ده رأي الناس فيا!
مطت سابين شفتيها بإستغراب أكبر، وتأملت إيناس بنظرات دقيقة شاملة، وهتفت معترضة على حديثها:
-بس أنا شوف غير كده!

اعتقدت إيناس أنها فقط تجاملها بحديثها الودي، فقط لأجل أخيها ولأنها تساعدها في ظروفها، لذا ابتسمت لها بتصنع، وردت بفتور:
-شكرا على مجاملتك!
ثم صمتت للحظة قبل أن تضيف بمرارة وقد لمعت عيناها قليلاً:
-بس انا عارفة نفسي كويس، ومتأكدة من رأي غيري فيا!
وكأنها بكلماتها تلك تتعمد تذكير نفسها دوماً بإهانة باسل حتى لا تتعلق بأوهام كاذبة..

لاحظت سابين شرودها، ولمحت نظرات حزينة في عينيها، فأدركت أن هناك خطب ما بتلك الصغيرة، وصاحت محتجة:
-دول رأيهم مش صح!
ثم وضعت يدها على كتفها، وضغطت عليه بأصابعها، ونظرت مباشرة في عينيها وهي تضيف بجدية:
-انتي ممكن إعملي حاجات بسيطة في your appearance ( مظهرك ) وتعدلي في الاستايل بتاعك، هتلاقي نفسك كيوت!
ابتسمت لها إيناس بتهكم وهي تقول:.

-كبري دماغك، أنا مش عاوزة أغير من نفسي عشان حد، أنا راضية بحالي كده، واللي عاوزني يتقبلني زي ما أنا!
هزت سابين رأسها بإعتراض ملحوظ، وأوضحت بهدوء مقصدها:
-أنا مش قول غيري نفسك، أنا قول إنتي عدلي في ستايلك!
تراجعت إيناس للخلف، وألقت بجسدها على الفراش، ثم قالت بفتور:
-سيبك مني، أنا مش فارق معايا ده كله، كفاية دراستي وبس
ردت عليها سابين بإلحاح:
-ده مش عطلك عن دراسة إيناس! ده آآ، مم، ستايل بس!

زفرت إيناس بنفاذ صبر وهي تقول:
-نبقى نشوف الحكاية دي بعدين!
ثم رسمت إبتسامة رقيقة على ثغرها وهي تسألها بفضول:
-المهم قوليلي، مبسوطة هنا معانا؟
أومأت سابين برأسها بإيماءة إيجابية وهي تجيبها:
-أوه ييس ( نعم )
غمزت لها إيناس وهي تسألها بمكر:
-طب تمام، يعني أطمن مسعد؟
هزت رأسها وهي تقول بخجل:
-أها.

على الجانب الأخر، تحدثت السيدة صفية مع ابنتها إسراء هاتفياً بصوت خافت وهي تتلفت حولها بحذر في صالة المنزل:
-ومن ساعتها وأنا حاطة عيني في وسط راسي
سألتها إسراء بإهتمام:
-هي حلوة للدرجادي يا ماما؟
أجابتها والدتها وهي تلوي ثغرها في سخط:
-أوي أوي، أنا خايفة على أبوكي منها
تساءلت إسراء بفضول:
-طب هو مسعد شافها؟
رفعت صفية حاجبها للأعلى مستنكرة ما قالته، وردت عليها بإمتعاض:.

-وهو هايشوفها فين يا حسرة؟ ده يا عين أمه مفحوت في الجيش!
اقترحت إسراء قائلة بمكر:
-طب ايه رأيك نزوق البت دي في سكته؟!
لم تعي صفية مقصد ابنتها جيداً، فرددت بحيرة:
-مش فهماكي يا بت!
أوضحت لها إسراء ما تريده قائلة بهدوء جاد:
-يعني طالما انتي خايفة منها أوي كده، ما نحط مسعد في طريقها يمكن الصنارة تغمز ولا حاجة!
اعترضت والدتها قائلة بتذمر:
-وهو أخوكي بتاع الكلام ده، ده رافض الجواز بالثلث!

بررت لها إسراء سبب رفضه:
-ده عشان البنات اللي كنتي بتجيبهم مش بيفهموا ولا بيقدروا، لكن دي على كلامك بت أمورة وحلوة، فيمكن تشبك معاه!
زمت صفية ثغرها، وتمتمت بقلق:
-مش عارفة، سيبني أدورها في دماغي!
أصرت إسراء على فكرتها وهتفت بنبرة مشجعة:
-ماشي يا ماما، بس ده من رأيي أسلم حل
ردت عليها والدتها بتنهيدة منهكة:
-طب يا إسراء إحنا بردك يا ضنايا منعرفش عنها حاجة خالص، إزاي بقى آآ…
قاطعتها إسراء قائلة بجدية:.

-بصي يا ماما، أنا هاكلم جوزي وأجي عندكم يومين، وهاطأس بنفسي عن كل اللي يخصها، وهاجيبلك أرارها كله من أول ما تولدت لحد ما جت عندك!
هتفت صفية بتلهف وقد إعتدلت في جلستها:
-بجد، أخيراً هاتحني علينا وتزوري أبوكي وأمك!
ردت عليها إسراء بإنهاك بائن في نبرتها:
-والله يا ماما نفسي أجيلكم من زمان بس العيال وقرفهم!

تفهمت والدتها ظروفها التي تعوق قدومها إلى منزل عائلتها بإستمرار خاصة وأنها تقيم في محافظة أخرى، وتشدقت بهدوء:
-ربنا يقويكي، خلاص هستناكي!
ردت عليها إسراء بنبرة متفائلة:
-بأمر الله، أشوفك على خير يا ماما، وسلمي على بابا والبت نوسة!
هزت صفية رأسها إيجاباً وهي تقول بإبتسامة مشرقة:
-يوصل يا حبيبتي، أسيبك في رعاية الله!

أغلقت هاتفها المحمول، وألقته في حجرها بعدم إكتراث، ثم إستندت بوجهها على راحة يدها، وغمغمت بتوعد بعد أن ضاقت نظراتها:
-أما نشوف أخرتها معاكي إيه يا بنت الأجانب…!
في الوحدة التدريبية العسكرية،
هب مسعد منتفضاً من مكانه بذعر، واتسعت مقلتيه في رعب جلي بعد أن أبلغته إيناس هاتفياً بقرار شقيقته إسراء المفاجيء بزيارة العائلة وقضاء عدة أيام معهم…
وضع يده على رأسه ليضغط عليها بتوتر كبير، وهتف بتوجس وقد إرتفع حاجباه للأعلى:
-يادي المصيبة! إنتي بتهزري صح؟!
ردت عليه إيناس بجدية:
-بهزر ايه، دي جاية أخر النهار!
شهق مرعوباً وهو يصيح بها:
-نعم!
فرك وجهه بكفه، وتابع بهلع:.

-دي كده كملت على اﻷخر!
سألته إيناس بهدوء:
-ناوي على ايه؟ وهاتتصرف ازاي؟
أجابها بتخوف وهو ينظر حوله بنظرات زائغة:
-مش عارف، أنا حاسس إني هاتشل، يا ربي إسراء!
زفر بضيق، وتابع حديثه بضجر:
-هو أنا كنت ناقصها هي كمان، وطبعا جوز المعيز جايين معاها!
ردت عليه إيناس بإمتعاض:
-سيف وفارس، أكيد! ما إنت عارف إنها مش بتتحرك من غيرهم
لوى مسعد ثغره ليضيف بتهكم:
-أمك بتعمل كماشة على البت!
أجابته بجدية:.

-ايوه، انت لسه واخد بالك، مش أنا ملمحالك في أخر مكالمة بده!
أكمل مسعد قائلاً بحنق:
-انا حاسس إني هاتجلط وأنا بعيد ومتكتف كده ومش في إيدي حاجة أعملها!
هتفت إيناس بهدوء حذر:
-بص أنا هحاول على أد ما أقدر أفصل بين القوات، وإنت اتصرف وتعالى، مش تغيب كتير يا مسعد!
صاح بها بنبرة محتدة:
-هو بمزاج أهلي!
نفخت بغيظ وهي ترد عليه:
-يووه ماليش دعوة، أنا هنا لوحدي ومش هاعرف أسّد مع إسراء وماما!

ما لم يتوقعه مسعد على الإطلاق هو قدوم شقيقته الكبرى للمكوث في المنزل، فحضورها يعني وجود كارثة لا محالة..
هي ليست من النوع الهين السهل، ولكنها تحاول دائماً فرض نفسها على الأخرين، ونزع ما تريده منهم من معلومات بطرق مريبة..
تنهد بقلق، وأوضح قائلاً بتوجس:
-الاتنين دول لما بيتلموا على بعض بيبقى بيخططوا لكارثة أزلية!
ردت عليه إيناس بتعجل:.

-طيب فكر مع نفسك كده وعرفني على اللي ناوي عليه، و أنا هاقفل عشان اشوف الدنيا حواليا!
صاح بها مسعد مؤكداً بجدية:
-ماشي، وخليكي معايا على الخط أول بأول الله يكرمك!
ردت عليه بإيجاز:
-اوكي، يالا باي
أنهى المكالمة، ووضع هاتفه في جيبه، وتابع بنبرة خائفة:
-سترك يا رب، جيب العواقب سليمة وماتفضحناش يا رب قصاد صابرين!
ضرب كفاً على الأخر، وسار بلا وجهة محددة وهو يضيف لنفسه بإستنكار:.

-إسراء و أمي، يا منجي من المهالك!
في منزل مسعد غراب،
أعطت إيناس تحذيرات شديدة اللهجة لسابين لتتخذ حذرها عند قدوم شقيقتها الكبرى إسراء، فزيارتها تلك ليست عادية بالمرة، بل هناك غرضاً خفياً يكمن ورائها..
تفهمت اﻷخيرة خوفها، ووعدتها بثقة وهي تبتسم لها:
-اطمني! مش يحصل مشكلة إيناس!
هزت إيناس رأسها نافية، وهتفت بجدية:
-هو مش هايحصل مشكلة قولي بلاوي سودة وزرقة وبكل اﻷلوان! أنا عملت اللي عليا ونبهتك!

حركت سابين رأسها بإيماءة خفيفة وهي ترد عليها:
-اوكي، I will take care( سوف أخذ حذري )
ثم تركتها في الغرفة، وذهبت لتساعد والدتها في تجهيز الطعام وأعمال المنزل التي لا تنتهي…
في الوحدة التدريبية العسكرية،
أفرغ مسعد طاقته العصبية والمشحونة بداخله في اللكم بعنف في إحدى معدات الملاكمة و المجهزة لهذا الغرض…

لم يتوقف عقله للحظة عن التفكير في عواقب زيارة أخته إسراء، فهي ليست كإيناس في عدم اهتمامها بتوافه الأمور، بل أسوأ مما يمكن أن يتخيله أحد، ومعنى قدومها في هذا التوقيت تحديدا وجود مخطط ما تحضر له والدته..
رأه باسل وهو في تلك الحالة فسأله مستفهما:
-انت يا بني بنادي عليك من بدري!
ردت عليه مسعد بتبرم وهو يمسح حبات عرقه بظهر قفازه:
-والله ولا سامعك ولا شايفك!
نظر له باسل بإندهاش، وسأله مستفهماً:.

-ليه؟ في حاجة جدت؟!
أجابه مسعد بنبرة ساخطة:
-قول في مصيبة هتحصل وتطبل فوق نافوخ اللي جابوني!
تشنجت تعابير وجه باسل، وضاقت نظراته، وردد بقلق:
-يا ساتر يا رب!
تساءل مسعد بغرابة وهو عابس الوجه:
-هو ماينفعش اخد مرضي ولا اعتيادي زي البشر العاديين
أجابه باسل بهدوء:
-يا مسعد احنا مش بتوع الكلام ده ومش عندنا أصلا
أضاف مسعد قائلاً بسخط:
-رفدي من الجيش هايجي على ايديهم!

لم يستطع باسل سبب إنفعال وتوتر رفيقه بتلك الصورة المزعجة، فسأله بجدية وهو يحاول فهم ما يدور:
-ما تفهمني بس ايه اللي حصل! مش إنت بتكلم إيناس ومتابع معاها أول بأول؟!
أومأ برأسه بحركة جدية، وأجابه بتوجس:
-ايوه، بس اللي عدى كله كوم، واللي جاي كوم تاني خالص!
تساءل باسل بإهتمام أكبر وهو محدق في رفيقه:
-تقصد ايه؟
أجابه بإختصار، لكن نبرته كانت تحمل الكثير من الخوف:
-إسراء!

عقد باسل ما بين حاجبيه بإستغراب، وتساءل قائلاً عن هوية صاحبة ذلك الإسم:
-مين دي؟
رد عليه مسعد بسخرية وهو يلوي فمه:
-الشاويش عطية اختي
ابتسم باسل لدعابته، وسأله بهدوء:
-مالها يعني؟
أجابه مسعد بإقتضاب:
-جاية زيارة
هز باسل كتفيه في عدم مبالاة، وردد متساءلاً بتعجب من تخوف رفيقه الكبير من زيارة شقيقته والتي من المفترض أن تكون زيارة عائلية ودية:
-طب ودي فيها ايه؟
أجابه مسعد بتهكم:
-دي فيها ﻷخفيها..!

اندهش باسل من تعبير مسعد الصادم، وانفرج ثغره بتعجب أكبر..
وحدق في رفيقه بريبة، تابع الأخير بجدية وهو ينزع قفازيه:
-أنا أحسن حاجة اعملها أروح أشوفلي واسطة تنزلني أجازة يومين!
لم يقتنع باسل بردة فعله المبالغ فيها، وسأله باستغراب:
-أنا مش فاهم انت قلقان كده ليه؟!
التفت مسعد نحوه برأسه، ورد عليه بسخط:
-قلقان! دي المينيمام شارج ( الحد الأدنى ) للي جوايا!

في مكتب ما بجهة سيادية،
طرق القائد العسكري – ذو الرتبة العالية – بأصابع يده بحركة ثابتة على سطح المكتب، وتابع حديثه الهاتفي قائلا بصوت هاديء:
-احنا متابعينها كويس، ورجالتنا معاها بس مش عارفين إننا مراقبينهم!
صمت للحظات ليتابع حديث الطرف الأخر، وأكمل بهدوء:
-هندخل في الوقت المناسب!
هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يتابع بجدية:
-أكيد، قبلها هاتكون هناك
التوى ثغره بشبح إبتسامة واثقة وهو يردد:.

-تمام، لو جد حاجة هنخطركم بيها
صمت لثوانٍ ثم أضاف بصوت رسمي:
-أها، تمام، تمام، مع السلامة!
أنهى المكالمة، وأرجع جسده للخلف على المقعد ليريح ظهره، وظل يفكر ملياً فيما تم إبلاغه خلال تلك المكالمة من قرارات هامة ومصيرية..
حل الوجوم على تعابيره، وانتصب في جلسته ليشبك كفيه معاً بعد أن أسندهما على سطح المكتب..
تنهد بحزن واضح، وهز رأسه مستنكراً وهو يحدث نفسه بضيق:.

-هاتكوم خسارة كبيرة من بعدك يا سيادة الفريق! بس اﻷوامر كده…!

في منزل مسعد غراب،
حدقت سابين في تلك الصور الفوتغرافية الصغيرة التي احتفظت بها في حافظة نقودها، والتي كانت تجمعها بعائلتها ورفاقها..
تنهدت بعمق، ولمعت عيناها نوعاً ما..
هي تشتاق إليهم، وتشعر بالحنين إلى حياتها السابقة رغم إحساسي الدفيء والألفة اللذين تنعمان بهما هنا..

أعادت وضعهم بداخل حافظة نقودها، ثم أسندتها بداخل درج الكومود، وأغلقته، وتمددت على الفراش لتتابع تذكر ذكرياتها السابقة والمرحة معهم في مخيلتها..

على الجانب الأخر، إنتهت إيناس من ترتيب وتنظيف المنزل ليكون جاهزاً لإستقبال أختها الكبرى إسراء وطفليها المزعجين..
لم يخفَ على اللواء محمد ذلك المخطط المكشوف الذي تعد له زوجته، فهو يعلم شخصية ابنته جيداً، ومتيقن من تصرفاتها المعروفة للجميع، وحضورها اليوم فقط من أجل سابين..
دعا الله في نفسه أن تمر تلك الزيارة مرور الكرام حتى لا تتعرض حياة تلك الضيفة الأجنبية للخطر..

اقترب هو من ابنته الصغرى، وهمس لها محذراً:
-إيناس خدي بالك كويس من سابين
ردت عليه بخفوت:
-حاضر يا بابا، أنا عيني هاتكون عليها
هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يتابع بهمس جاد:
-تمام، وانا على أد ما أقدر هاشغل أختك، بس انتي عارفاها
ردت عليه إيناس مؤكدة:
-ايوه، انت هاتقولي عليها يا بابا، إيش حال مكونتش أعدة معاكو وعارفة دماغها!

خرجت صفية من المطبخ لترص الصحون الفارغة على الطاولة فلمحت زوجها وابنتها يتحدثان بصورة مريبة، فاقتربت منهما بحرص، وصاحت فجأة بصوت جهوري:
-انتو بتتودودوا في ايه؟
انتفضت إيناس فزعة في مكانها، وهتفت بعتاب:
-جرى ايه يا ماما، مش تعملي حس كده بدل ما تخضينا!
ردت عليها والدتها بضجر وهي تنظر لها شزراً:
-سلامتك من الخضة يا عين أمك
أضاف محمد متساءلاً بإمتعاض:
-مالك يا صفية، حطانا في دماغك ليه؟

أجابته بنبرة ضائقة وهي ترمق كلاهما بنظرات غير مريحة:
-حالكم مش عاجبني، طول اليوم دماغكم في دماغ بعض وهاتك يا كلام!
رد عليها بتهكم ساخر:
-الله، هو أنا بأكلم حد غريب، مش بنتي!
بينما تابعت إيناس بسخط:
-ليه محسسانا إننا متصحابين مش أب وبنته
حدجتها والدتها بنظرات قوية وهي تعنفها على جملتها الأخيرة:
-بت اتلمي، عيب الكلام اللي بتقوليه ده
ضغطت إيناس على شفتيها لترد على مضض:
-ماشي!

استمع ثلاثتهم إلى صوت قرع الجرس، فحدقوا في باب المنزل، وأشارت صفية إلى ابنتها قائلة بحماس:
-روحي افتحي لأختك، أكيد جت
ابتلعت إيناس ريقها بتوجس، وتمتمت بخفوت:
-استر يا رب!
وبالفعل تحركت في إتجاه الباب لتفتحه، ورسمت على ثغرها إبتسامة بلهاء وهي محدقة في شقيقتها الواقفة أمامه، ثم رددت بفرح زائف:
-إسراء! وحشتينا يا غالية!

تغنجت إسراء – ذات ملامح الوجه الجادة والبشرة الخمرية، والطول المعقول – بجسدها وهي تهتف بتلهف:
-نوسة، ازيك يا بت، تعالي في حضن أختك
ثم فتحت ذراعيها لتجذب شقيقتها إليها، وإنهالت على وجنتيها بالقبلات..
أسرعت صفية ناحية الباب لترحب بإبنتها وهي تصيح بنبرة فرحة للغاية:
-يا مرحب بالغالية!
ثم لكزت إيناس في كتفها لتدفعها للجانب وهي تقول بتبرم:
-وسعي يا نوسة لأختك، خليها تدخل بدل ما هي واقفة على الباب.

ردت عليها إيناس بتذمر:
-هو أنا حوشتها، ماهي بتسلم عليا يا ماما
دنت إسراء من والدتها، وتبادلت كلتاهما الأحضان الدافئة والقبلات وهما تقولان:
-منورة بيت أبوكي يا إسراء
ردت عليها ابنتها بإبتسامة عريضة:
-الله يخليكي يا ماما، والله كلكم واحشني
إشرأبت صفية بعنقها للأعلى، ونظرت بعينيها للجانبين وكأنها تبحث عن شيء ما، ثم تساءلت بإستغراب:
-أومال العيال فين؟ أوعي تكوني ماجبتهومش!
أجابتها إسراء وهي تمصمص شفتيها:.

-هو أنا بردك هاعرف أروح حتة من غيرهم، هما تحت، بيجيبوا شيبسي وبسكوت من الكشك اللي على الناصية
لطمت صفية على صدرها بتخوف، وهتفت متوجسة:
-وسيبتيهم لوحدهم كده، مش خايفة عليهم
ردت عليها إسراء بثقة:
-يا ماما دول يخوفوا بلد
هتفت صفية بتضرع:
-ربنا يحميهم وتفرحي دايما بيهم
ابتسمت لوالدتها وهي تقول:
-يا رب
ولجت إسراء للداخل، فرأت والدها جالساً على الأريكة، فاتجهت نحوه، ونهض هو ليحتضنها ويرحب بها وهو يردد بهدوء:.

-ازيك يا إسراء يا بنتي
ردت عليه بإبتسامة عريضة:
-الحمدلله يا بابا، أخبارك انت ايه؟
أجابها بصوت رخيم:
-بخير يا بنتي
جلس ثلاثتهم على الأريكة، بينما وقفت إيناس على مقربة منهم تتابع بحذر ما يحدث..
بحثت إسراء بعينيها عن سابين فلم تجدها، فتساءلت بفضول:
-اومال فين ال آآ…
قاطعتها والدتها بخفوت وهي تضغط على فخذها بكفها:
-مش وقته يا بت، استني شوية!
التفتت إسراء برأسها ناحية أمها، وهمست لها وهي تكز على أسنانها:.

-الله يا ماما، ده أنا جاية مخصوص عشانها!
ردت عليها أمها بصوت خفيض للغاية:
-ما أنا عارفة بس مش على المكشوف كده
استمعت سابين إلى صوت الترحيب بالابنة الكبرى، فخرجت من الغرفة وهي في كامل أناقتها، وارتدت فستاناً صيفياً من اللون الأبيض الممزوج بالأزرق، وعقصت شعرها كذيل حصان، وأغرقت نفسها بعطر هاديء الرائحة..
رسمت على ثغرها ابتسامة ودودة، وهمست بخجل وهي تدنو من الصالة:
-هاي!

اتسعت حدقتي إسراء في صدمة حينما رأتها، ورمقتها بنظرات متفحصة لها من رأسها لأخمص قدميها، وهمست بذهول:
-هي دي؟
ردت عليها والدتها بإمتعاض:
-أيوه، هو في غيرها!
ظهر الإعجاب واضحاً على قسمات وجهها وهي تردد بحماس:
-دي جامدة أوي!
لكزتها صفية في جانبها بعد أن أغاظها ردها، وصرت على أسنانها لتقول بخفوت:
-هو أنا مش عارفة يعني!
مصمصت إسراء شفتيها، وغمغمت بإنبهار وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-اه ليكي حق تخافي على بابا!

نهضت هي عن الأريكة، واتجهت نحوها لترحب بها وهي تقول بحماسة وود:
-أهلا يا حبيبتي، أنا إسراء أخت نوسة صاحبتك، ال سيستر ( الأخت ) بتاعتها يعني!
ابتسمت لها سابين مجاملة، وردت برقة:
-هاي إسراء
مدت إسراء يدها لتمسك بكفها، وتحسست ملمسه الناعم بإعجاب، ورددت بحماسة وهي ترمقها بنظرات منبهرة:
-والله حلوة ونغشة وطيعمة وطرية!
نظرت لها سابين بإستغراب واضح من تصرفاتها الغير مفهومة، وسألتها بصوت رقيق بلكنتها المثيرة:.

-هاه، إنتي قولي ايه؟
ردت عليها إسراء بإبتسامة عريضة:
-بأقول إنتي زي القمر، تعالي في حضني
ثم جذبتها عنوة لتسقط في أحضانها، وإنهالت على كل وجنة من وجهها بقبلات متتابعة متتالية جعلت سابين تصعق مما تلقته من كم هائل من القبلات العميقة على صدغيها..
-جدو، تيتة هيييه
قالها الصغيرين سيف وفارس معاً بصوت مرتفع وجهوري..
التفتت صفية نحوهما، وهتفت بسعادة:
-تعالوا يا حبايب تيتة في حضنها.

ارتمى الصغيرين في حضنها، وقبلتهما بود، فأردف سيف قائلاً:
-وحشتينا يا تيتة
بينما أضاف فارس متساءلاً:
-ازيك يا تيتة؟
ردت عليهما بنبرة دافئة:
-انتو كمان وحشتوني أوي
مال سيف برأسه للجانب ليحدق بنظرات متأملة في سابين، وتساءل بنزق:
-هي دي يا تيتة عروسة جدو؟
اتسعت حدقتيها في صدمة من سؤاله المباغت، ونهرته قائلة:
-عيب يا ولد، شششش، في حد يقول كده!
رد عليها سيف بعدم اكتراث:.

-أه، ماما قالت لبابا إنها جاية عشان تشوف عروسة جدو
أضاف فارس قائلاً بصراحة:
-لأ هي قالت خطافة الرجالة
كزت صفية على أسنانها مصدومة، وهتفت بخفوت:
-يا نصيبتي!
استدارت صفية برأسها للجانب ورمقت ابنتها بنظرات حادة ومغتاظة منها، ثم تحركت نحوها بعد أن نهضت عن الأريكة، وأمسكت بها من ذراعها، وجذبتها للجانب لتهمس في أذنها بحنق:
-جرى ايه يا إسراء، هو انتي بتكلمي مع جوزك قصاد العيال!
ردت عليها إسراء بإنزعاج زائف:.

-أبداً والله يا ماما، دول هما الجوز على طول فوق دماغي!
دنا فارس من سابين، وحدق فيها بنظرات مباشرة متفحصاً إياها، وسألها بفضول:
-هو إنتي كده طبيعي ولا سيلكون؟
ارتفع حاجبي سابين للأعلى في صدمة واضحة من حديث ذلك الصغير الفظ، وانفرجت شفتيها في ذهول عجيب…
عنفته إسراء قائلة بحدة:
-يخربيتك واد، ده كلام تقوله!
ثم رسمت ابتسامة زائفة، وبررت ما قاله:.

-هو فارس كده لسانه دايماً سابقه، واللي في قلبه على لسانه، طالع بقى لخاله مسعد
تمتمت إيناس التي كانت تتابع المشهد في صمت مع نفسها قائلة بسخط:
-والله مسعد مظلوم في الحكاية دي! إنتي وعيالك يتفاتلكم بلاد!
في الوحدة التدريبية العسكرية،
تجمع الضباط في الساحة الرئيسية للوحدة بعد أن تم استدعائهم جميعا للتواجد في تلك الساعة المحددة..
تبادلوا فيما بينهم أحاديث جانبية حول طبيعة الموضوع العاجل الذي طرأ، وتطلب حضورهم..
بعد لحظات، انضم إليهم القائد – ذو الرتبة العالية – إلى الساحة فشد الجميع أجسادهم وانتصبوا في وقفتهم احتراماً له..
استطرد هو حديثه قائلا بصرامة:
-استرح!

ارتخت أجسادهم نوعاً ما، لكن ظلت عقولهم تفكر بلا توقف في سبب الاستدعاء الهام.
تابع القائد قائلاً بجدية:
-احنا اجتمعنا بيكم النهاردة عشان نبلغكم بعدة قرارات مصيرية!
نظرت أعينهم بترقب إليه، ولم يجرؤ أحد على سؤاله دون إذن شخصي..
توجس مسعد خيفة من طبيعة القرارات القادمة، وازدرد ريقه بتوتر، فطبيعة تلك اللقاءات الفجائية تحمل خلفها كوارث…
استأنف القائد حديثه بهدوء جاد:.

-كلنا عارفين أد ايه انتو رجالة وشايلين البلد وأمنها على كتافكم، ومتأخرتوش للحظة عن أي مهمة بتطلب منكم، وروحكم على كفكم، وكلنا مقدرين اللي بتعملوه، بس ساعات بنضطر نعمل حاجات غصب عننا لكن هي في النهاية عشان الصالح العام!
صمت رهيب ظل مسيطراً على الأجواء، فأضاف القائد بحذر:
-للأسف احنا مضطرين نلغي التشكيل الجديد
وجوم ممزوج بالصدمة حل على أوجه الجميع، وتبادلوا نظرات غامضة..

قفز قلب مسعد في قدميه من هول الخبر المؤسف، ولكنه كزملائه لم يستطع التعليق..
ضغط القائد على شفتيه وهو يردد:
-هو القرار فعلا صعب، بس دي أوامر عليا!
همهمات خافتة صدرت بين الضباط، فحاول القائد أن يتدارك الموقف قبل أن تحدث جلبة:
-اطمنوا، احنا مش هانسيبكم كده، كلكم هترجعوا لوحداتكم ولفرقكم القديمة!

تبادل الضباط نظرات غاضبة ومنزعجة، وبدى عليهم الاعتراض الشديد، فبعد أن أفنوا سنوات هامة من أعمارهم في ذلك التشكيل الحيوي، يلغى بكل بساطة ويضيع مجهودهم هباءاً..
أكمل القائد بهدوء حذر:
-أتمنى إنكم تقدروا إننا بنعمل الصالح ليكم، ودايماً هايكون عندنا ثقة في قدراتكم ومهاراتكم، وأكيد هتسدوا لو كلفنا أي حد فيكم بأي مهمة، ربنا يوفقكم، اتفضلوا!
-انتباه!

قالها قائد أخر بصوت جهوري صارم لينتصب الجميع بأجسادهم القوية..
انصرف القائد بعدها بلحظات، وتعالت بعدها اﻷصوات المتذمرة، والمعترضة على هذا القرار الصادم..
وقف باسل قبالة مسعد وهتف بذهول:
-يعني ايه الكلام ده؟
رد عليه رفيقه بحزن واضح وهو يحك مؤخرة رأسه:
-معناه اتسوحنا يا باسل
تساءل باسل بعدم فهم وهو يحاول استنباط الدافع الخفي وراء إلغاء وحدتهم:
-طب ليه؟ ده احنا كنا افضل تشكيل وآآ..
قاطعه مسعد متساءلاً بضيق:.

-أنا مش فاهم هما فضوا التشكيل ليه، المفروض يكملوا انجازات الفريق ضياء، ده، ده زي ما يكونوا صدقوا إنه مات عشان ينهوه!
هز باسل كتفيه وهو يرد عليه:
-محدش فاهم حاجة من اللي بيحصل
أضاف مسعد قائلاً بتوجس:
-مشكلتنا دلوقتي في صابرين. كده رسمي مافيش حد يعرف عنها أي حاجة.
رد عليه باسل بجدية:.

-طب سابين أمرها هين، بعد فترة هترجع بلدها تاني، وتخلص مشكلتها، لكن الفكرة إننا مش عارفين هنرجع على ايه بالظبط ولا هنتنقل فين
زفر مسعد بنفاذ صبر، ورد عليه بتبرم:
-الدنيا اتلخبطت على الأخر
وضع باسل يده على كتف رفيقه، وتابع بجدية:
-طب تعالى نشمشم كده لحد ما نعرف راسنا من رجلينا
هز مسعد رأسه بإيماءات ثابتة وهو يرد:
-ماشي! وأهي بجملة المصايب اللي نازلة على دماغنا!

في منزل مسعد غراب،
أعدت صفية مائدة الطعام بأشهى المأكولات، وجلس الجميع حولها..
شعرت سابين بالحرج لكونها لا تمد يد العون في أي شيء، وما زاد من خجلها وإحساسها ذلك أنها لم تكلف بأي عمل منذ وصولها إلى المنزل، ولم يطلب أي أحد منها أي نوع من المساعدة…
جلست إسراء ملتصقة إلى جوارها، وأسندت أمامها صحناً مليئاً بعدة أطعمة متراصة فوق بعضها البعض، وهتفت بحماس:
-خدي يا قمر، كلي!

ابتسمت لها سابين برقة، وأشارت بكفها وهي تقول بإعتراض حرج:
-ثانكس، بس أنا بأمشي على سيستم ( نظام ) معين in my food ( في الطعام الخاص بي )
ردت عليها إسراء بسخرية:
-ياختي، كله في الاخر بيتخن
ثم مالت عليها برأسها، وهمست لها بمكر وهي تغمز لها:
-وخصوصا بعد الجواز!
وتبعتها بضحكة عابثة حاولت إخفائها بكفها..
تساءل فارس بفضول الذي كان يطالع سابين بنظرات حادة:
-طنط انتي اشمك ( اسمك ) ايه؟

ردت عليه سابين وهي تجيبه برقة:
-سابين
ردد قائلاً وهو محدق بها بعبوس:
-شبين!
هزت رأسها نافية، وصححت له قائلة بنعومة:
-نو، ( ﻷ )، أنا سابين!
كرر فارس قائلا بجمود:
-شبين!
ابتسمت إسراء بسخافة وهي تقول:
-معلش أصله عنده مشكلة في حرف ال ( ش ) و ال ( س )!
أومأت سابين برأسها متفهمة:
-اوكي، نو ( لا ) مشكلة!
نظر لها سيف بريبة وهو يتساءل بعبوس:
-هو انتي بتكلمي كده ليه؟
ردت عليه سابين بتساءل وهي تبادله نظرات حائرة:.

-انت اقصد ايه؟ How ( كيف )؟
أشار لها بكفه وهو يجيبها:
-كده، هو إنتي عندك حاجة في بؤك؟
عقدت سابين ما بين حاجبيها في استغراب من أسئلته العجيبة، ولم تعقب عليه..
صاحت صفية بصوت حنون وهي تنظر للصغير سيف:
-ايه يا سيف مش بتاكل ليه يا حبيبي؟
رد عليها بعبوس وهو قاطب جبينه:
-مش جعان يا تيتة!
سألته جدته صفية بإهتمام وهي تشير بالملعقة:
-طب اغرفلك رز على بطاطس؟
هز رأسه معترضاً وهو يرد بنفي:
-ﻷ، مش عاوز.

أضافت إسراء قائلة بعدم اكتراث:
-سيبيه يا ماما على راحته، هو لما بيجوع بياكل
هتف فارس فجأة وهو ينهض عن الطاولة:
-انا عاوز العب كورة في الشارع يا ماما
ردت عليه إسراء ببرود وهي تدس الطعام في فمها:
-أخر النهار يا وله
وضعت سابين يدها على فمها في تخوف حقيقي بعد رد والدته الأخير، ونظرت لها مستنكرة، ثم هتفت بتوجس
-أوه، ده خطر!
ضربتها إسراء بكوعها في ساعدها وهي ترد بعدم مبالاة:.

-إنتي بس اللي قلبك ضعيف، الواد من دول لازم ينزل يتمرمط ويلعب في الشوارع لحد ما عضمه ينشف!
-على فكرة ( By the way ) انتي ممكن توديه جاردن ( حديقة ) أو club ( نادي )!
نظرت لها إسراء بطرف عينها بنظرات إزدراء، ثم عاودت التحديق في صحن طعامها، وغمغمت مع نفسها بخفوت:
-هو أنا فاهمة انتي بتقولي ايه! ده ايه النصيبة دي!
شعرت سابين بالحرج من طريقتها، فإحتاطت في حديثها، ولم تضف المزيد…

في الوحدة التدريبية العسكرية،
جمع مسعد معظم متعلقاته الشخصية في مخلته العسكرية، ثم بدأ في طي ما تبقى من ثيابه ليضعها في حقيبة أخرى..
ولج باسل إلى داخل غرفته، وسأله بهدوء:
-حاجتك خلصت؟
رد عليه بإيجاز:
-يعني
أضاف باسل بنبرة جادة وهو يكتف ساعديه أمام صدره:
-بص أنا اطأست كده وعرفت إن في كلام عن سبب فض التشكيل!
سأله مسعد بهدوء دون أن ينظر له:
-ايه هو؟
رد عليه بحذر:.

-شوف بيقولوا إن الفريق ضياء هو الوحيد اللي كان عنده معلومات تخص كل المنضمين ليه، وإن، في يعني كلام عن إنه مامتش كده
أثارت الكلمات الأخيرة إهتمام مسعد، فالتفت برأسه نحوه، ونظر له بدقة وهو يسأله بجدية:
-نعم! تقصد ايه؟
أرخى باسل ساعديه وهو يجيبه:
-بيني وبينك بيتقال إنها عملية اغتيال!
جحظ مسعد بعينيه مصدوماً مما سمعه، وهتف بعدم تصديق:
-اييييييه!
رد عليه باسل بحذر:
-الكلام مش اكيد، بس ده اللي بيتقال هنا.

وضع مسعد كفيه على رأسه، ودار حول نفسه وهو يتمتم بذهول:
-اغتيال! يعني مش قضاء وقدر!
تحرك باسل خلفه، وتابع بهدوء:
-الله أعلم، أنا مش متأكد، بس ده اللي داير هنا
فرك مسعد وجهه بيده، وأكمل بتوجس:
-ربنا يستر ومايكونش للموضوع علاقة بصابرين
رد عليه باسل بنبرة مطمئنة:
-بيتهيألي محدش يعرف عنها حاجة
ضغط مسعد على شفتيه وهو يتمتم بتخوف قليل:
-لحد الوقتي أه!
في منزل مسعد غراب،
رفضت إيناس أن تقوم سابين بغسل الصحون، وأصرت على جلوسها في الغرفة لتستريح، ويا ليتها وافقت على عرضها بالمساعدة، فقد استغلت إسراء الفرصة لتنفرد بها، فشعرت إيناس بالخطر من بقاء الاثنتين بمفردها، لذا تركت كل شيء، وذهبت لتجلس معهما..
ابتسمت إسراء وهي تقول بتحمس:
-شوفي أنا هناديكي سوسو ماشي
ردت عليها سابين برقة:
-أوكي، as you like ( زي ما تحبي )
-قومي يا نوسة أعمليلنا شاي نحبس بيه.

هتفت بها إسراء وهي تشير بيدها لأختها، فتساءلت سابين بعدم فهم عن معنى تلك العبارة:
-تهبسوا ( تحبسوا )؟ إنتي أقصد ايه، يبقى في السجن؟ بس ليه
قهقهت كلاً من إيناس وإسراء على ما قالته، فنظرت لهما بإنزعاج، ثم بررت لها إسراء مقصدها وهي تحاول السيطرة على ضحكاتها:
-أقصد يعني إحنا لما بناكل بنشرب ورا الأكل شاي عشان نعدل دماغنا
تساءلت سابين متعجبة من تلك العادة الغريبة:
-ليه؟
اجابتها إسراء وهي تهز كتفيها:.

-دي عاويدنا
مطت سابين فمها لتقول:
-مش فاهمة
أضافت إيناس قائلة بنبرة عادية:
-بصي يا سابوو ماتركزيش معاها عشان ماتتعبيش
حركت رأسها بإيماءة خفيفة وهي تقول:
-أوكي
لم تستطع إسراء تمالك نفسها، فهي قد جاءت في مهمة محددة، ولن تتراجع عنها..
حدقت هي بتفحص في أصابع يدي سابين لتتأكد من خلوها من أي خواتم زواج أو خطوبة، فاعتلى ثغرها ابتسامة ماكرة، وبدون أي مقدمات تساءلت بنزق:.

-انتي مرتبطة؟ يعني في واحد في حياتك، بتحبي يعني ولا سينجل؟!
فغرت إيناس شفتيها مصدومة من سؤال أختها المباغت، ونهرتها قائلة:
-وانتي مالك يا إسراء، دي حاجة ماتخصناش!
رفعت إسراء حاجبها للأعلى، وردت ببرود:
-مش بندردش شوية
لوت إيناس ثغرها لتهتف معترضة على طريقتها:
-ندردش في كلام عادي، مش في حاجات متخصناش!
ردت عليها إسراء بحدة وهي ترمقها بنظرات قوية:
-مش أنا قولتلك تقومي تعملي شاي، يالا، روحي اعمليه.

احتجت إيناس قائلة بغيظ:
-مش هاعمل حاجة، انا أعدة مع صاحبتي!
تمتمت إسراء بإمتعاض خافت:
-بت رخمة!
نفخت إيناس بغل وهي ترمق أختها بنظرات نارية:
-أووف
تجاهلت إسراء شقيقتها الصغرى، وتابعت تحقيقها الماكر بلؤم:
-ها يا مزة، مرتبطة، ولا لأ، أصل أنا مش شايفة في ايدك أي دبلة
ثم أشارت بعينيها نحو أصابعها، فنظرت سابين إلى حيث تشير، وتفهمت مقصدها، ثم ردت عليها بهدوء:
-انتي تقصدي بوي فريند؟

تساءلت إسراء بجدية وهي تضيق نظراتها:
-هو انتو بتسموه كده؟
حاولت سابين أن تجاري إسراء في حوارها بعد أن فهمت أسباب أسئلتها الفضولية، وقررت أن تندمج معها وتوهمها أنها كانت مرتبطة بشخص ما في السابق..
وبالفعل أومأت برأسها قائلة بحزن زائف:
-أها، أنا كانت عندي إكس X-boy friend، بس مش كملنا مع بعض!
قطبت إسراء جابينها في إستغراب، ورددت متساءلة:
-اسمه ايه؟
أجابتها بهدوء وهي ترمش بعينيها:
-إكس..!

أوضحت إيناس مقصدها قائلة:
-ده يا إسراء معناه صاحب سابق يعني، معدتش موجود معاها!
مصمصت إسراء شفتيها مستنكرة، ثم وضعت كفها أسفل ذقنها، وتساءلت بفضول:
-وليه يا حبيبتي مكملتوش؟!
تنهدت سابين بعمق، ورسمت على تعابير وجهها علامات الحزن، وأردفت قائلة:
-مش إرتاح معاه، هو كان silly and typical ( سخيف ونمطي )
أشارت إسراء بإصبعها في عدم فهم وهي تهتف:
-ايه ياختي؟!
ردت عليها إيناس بإبتسامة سخيفة:.

-قصدها تقول إنه رخم وبارد وثقيل ومعندوش دم ورزل!
تابعت سابين حديثها الحزين:
-كمان هو كان مش serious in engagement ( جاد في الإرتباط )، فسبنا بعض
التفتت إسراء برأسها نحوها، وهتفت بإهتمام:
-ترجمي يا نوسة لأحسن هربانة مني!
ردت عليها إيناس بجدية:
-قصدها تقولك إن الإكس ده مش بتاع خطوبة ولا جواز
لطمت إسراء على صدرها وهي تصيح مستنكرة:
-يعني واد صايع وأونطجي
عبست سابين وهي ترد بصوت خفيض:
-أها، زي إنتي قولي!

ربتت إسراء على ظهرها مواسية إياها، ثم أضافت بسخط:
-عيني عليكي يا حبيبتي، احنا هنا مش بنسميه إكس، ده اسمه عندنا لامؤاخذة كده عرة الرجالة!
رددت سابين بلكنة غريبة:
-إرة ( عرة )!
اعتدلت إسراء في جلستها لتوضح معنى تلك الكلمة الغريبة على قائلة:
-يعني آآ…
قاطعتها إيناس محذرة:
-مافيش داعي للتوضيح، مش عاوزين نبوظ اخلاقها
نفخت إسراء بنفاذ صبر، وتمتمت بتبرم:.

-ياباي عليكي يا نوسة، كاتمة على نفسي، مش عارفة أفضفض مع البت بكلمتين!
ردت عليها إيناس بتذمر وهي ترمقها بنظرات حادة:
-ارحميها، وارحميني!
ضغطت إسراء على شفتيها لتقول من بين أسنانها:
-طيب..!
ساد صمت مؤقت بين الثلاثة، ولكن عقل إسراء لم يتوقف للحظة عن التفكير في سابين الجالسة إلى جوارها..
ظلت تتأملها بنظرات متفحصة، ولكن لا يوجد ما يثنيها عما انتوت فعله..
لذا رسمت ابتسامة سخيفة على ثغرها وهي تتساءل:.

-على كده إنتي عندك كام سنة يا سوسو؟
أجابتها سابين بنبرة رقيقة:
-انا 23!
مطت إسراء شفتيها لتقول بإعجاب:
-ياختي كميلة، حلوة وصغيرة!
ابتسمت لها بحياء وهي تهمس مجاملة:
-ثانكس
تمتمت مع نفسها بخفوت وهي تضيق نظراتها:
-يعني سنها مناسب للواد مسعد، الفرق مش كبير!
نظرت لها إيناس بفضول وهي تسألها بجدية:
-بتقولي ايه يا إسراء ما تسمعينا؟
ردت عليها بضجر:
-ولا حاجة يا نوسة!
ثم أشارت بيدها وهي تسأل بتعمد:.

-على كده مسعد نازل امتى؟
أجابتها إيناس بحسن نية:
-هو اتصل من شوية وقال احتمال ياخد أجازة
أضاء عقلها بفكرة ما، ولمعت عيناها بشدة، ثم هتفت هي بتحمس:
-والله، طب دي فرصة بقي عشان نفاجئه ونعمله عيد ميلاد!
فغرت إيناس شفتيها مصدومة مما قالته أختها، فمولد أخيها ليس الآن، لذا رددت بعدم اقتناع:
-نعم، عيد ميلاد!
تنهدت إسراء بحماسة، ولوحت بذراعها في الهواء وهي تتابع بثقة:
-ايوه، شوفتي الصدف، ماهو طلع بكرة! حظه حلو!

هزت إيناس رأسها مستنكرة، وصاحت معترضة:
-بكرة ايه، لأ هو معاده مش آآ…
قاطعتها إسراء بإصرار واضح على رأيها:
-هو بكرة وإنتي مش عارفة!
اعترضت إيناس قائلة بجدية:
-إزاي يعني، ده هو مولود في شهر آآ…
قاطعتها إسراء مرة أخرى بقوة وهي تكز على أسنانها بحنق:
-بأقولك هو بكرة، وعاوزين نعملهاله مفاجأة، افهمي بقى يا أم مخ تخين!
نظرت لها إيناس بعدم فهم، ثم حكت مقدمة رأسها محاولة تفسير ما تقوله أختها، وتمتمت بحيرة:
-هه!

اهتمت سابين بذلك الحوار الدائر عن الإحتفال بمولد مسعد، فقد افتقدت نوعاً ما لوجوده، فتساءلت بحرج:
-هو موسأد birthday tomorrow ( عيد ميلاده غداً )؟
ردت عليها إيناس بنبرة ممتعضة:
-على حسب كلام إسراء أيوه!
تعجبت إسراء من معرفة سابين بأخيها، فهي على حسب معرفتها بما قالته والدتها فأنها لم تلتقِ به مسبقاً، إذن كيف تسأل عنه هكذا، لذا تساءلت بفضول وهي تحدجها بنظرات قوية:
-انتي تعرفي مسعد منين؟

ارتبكت سابين وتوترت، وتوردت وجنتيها حرجاً، فقد كانت على وشك كشف نفسها دون وعي، وحاولت الرد عليها، ولكن تدخلت إيناس لتجيب بدلاً منها بثبات:
-بصي هي تعرفه من كلامي عنه، أصل أنا كنت باحكيلها على طول عن شغله وعنه!
ابتسمت سابين وهي تضيف:
-ييس، هو كده!
هزت إسراء رأسها، وهمست بجدية:
-أه وماله!
أضافت سابين بخجل وهي تعض على شفتها السفلى:
-هو مهتاج ( يحتاج ) Present ( هدية )؟!

أجابتها تلك المرة إسراء بإبتسامة مغترة:
-أكيد
لاحظت هي إهتمام الفتاة الأجنبية بحديثها، فتحمست، وإرتفعت نسبة الأدرينالين بجسدها، فمخططها في الإيقاع بها في طريق مسعد على وشك النجاح:
غمغمت إيناس بتبرم مع نفسها:
-يعني هانتكلف مصاريف اضافية واحنا بنشحت!
هتفت إسراء بمرح وهي تشير بيديها:
-بصوا احنا عاوزين نعمله مفاجأة حلوة، والأمورة البيضة دي هتساعدنا!
أومأت سابين برأسها بتحمس وهي تقول:
-شور، ده موسأد!

ثم تداركت حماسها الزائد بعد أن لاحظت نظرات إسراء المحدقة بها، وبررت قائلة:
– أقصد أنا حب أساعد في بيرزداي!
ابتسمت لها الأخيرة وهي ترد:
-طبعاً يا قمر، واحنا شوية كده وهننزل نشوف اللي ناقص ونجيبه
-أوكي!
التفتت إسراء ناحية أختها، وسألتها بجدية:
-على كده احنا كلنا هنام فين بالليل؟
أجابتها إيناس وهي تهز كتفيها:
-هنا طبعاً، الأوضة واسعة!
رفعت إسراء حاجبها للأعلى مستنكرة، واعترضت قائلة وهي تشير بكفها:.

-هي الأوضة هتسعنا؟ ده احنا بالصلاة على النبي 5 في وش العدو!
شعرت سابين بالحرج من تلميحات إسراء عن كونها تسببت في إزدحام المنزل وعدم شعورهم بالإرتياح، فهمست بخجل وهي مطرقة الرأس:
-أوه، سوري، أنا جيت إمل ( اعمل ) مشكل!
وضعت إسراء يدها على كتف سابين، وضغطت عليه قليلاً بأصابعها، وأوضحت لها مقصدها:
-لا يا حبيبتي ده بيتك ومطرحك، بس عندنا أوض زيادة ليه نزنق نفسنا في حتة واحدة!
اعترضت إيناس قائلة بغرابة:.

-أوض ايه اللي زيادة، ده مافيش غير هنا، وأوضة مسعد ودي مقفولة طبعاً، وأوضة بابا وماما!
ابتسمت لها إسراء وهي ترد بثقة:
-طيب يعني في أوضة فاضية
قطبت إيناس جبينها، وحدقت في أختها بنظرات دقيقة، وتساءلت بعدم فهم:
-تقصدي ايه؟
أجابتها بثقة جادة:
-أوضة مسعد!
اتسعت حدقتي إيناس في صدمة، وهتفت بنزق:
-نعم!
تابعت إسراء قائلة بإبتسامة ماكرة وهي تهز حاجبيها:.

-الأمورة الحلوة سوسو تبات فيها وتاخد راحتها، أصلك مش هتعرفي تنامي مع ولادي الحلوين!
احتجت إيناس على اقتراحها الغريب، وتشدقت قائلة بجدية:
-وليه سابين تروح هناك؟ ما ننام كلنا هنا!
زمت إسراء شفتيها بغيظ، فقد كانت أختها الصغرى بارعة في إفساد ما تخطط له، لذا بنفاذ صبر ردت عليها:
-هي بنت ناس وأجنبية وهتخاف على حاجة غيرها، لكن لو أنا وولادي نمنا في أوضة مسعد مش بعيد يخربوها!
هتفت إيناس معترضة:.

-لالالا مش هاينفع، مسعد بيضايق لما حد بيدخل أوضته بدون اذن، فمابالك لو دخلها في غيابه!
كزت إسراء على أسنانها لتقول لنفسها بحنق:
-بت غبية مش فاهمة حاجة!
وفجأة اقتحم الغرفة أحد الطفلين وهو يصيح بغضب:
-ماما، سيف ضربني!
هدرت فيه إسراء بصوت منفعل ومحذر:
-مش قولتلك يا واد ماتضربش أخوك
رد عليها الصغير سيف بوجه عابس:
-هو اللي بيتغابى عليا
حذرت إسراء طفليها قائلة بتهديد صريح:.

-اتلموا انتو الاتنين واحترموا نفسكم بدل ما أقوم أدور فيكم الضرب!
تحرك سيف تجاه خزانة الملابس، وحدق في الحقيبة الموضوعة إلى جوارها..
لفت أنظاره شيء ما، فمد يده ليتلقطه بفضول..
وإذ به يجذب حمالة صدر نسائية، فابتسم بتسلية، ثم رفعها للأعلى في الهواء وهو يتساءل بعبث:
-ايه دي يا ماما
شهقت إسراء مصدومة، وصاحت فيه بغلظة:
-ولد، سيبها من ايدك!

صعقت سابين مما فعله الصغير بالعبث بأشيائها دون أي احترام لخصوصيتها، وعجزت عن الرد عليه..
وضع سيف الحمالة على صدره، وتساءل بمرح:
-انتو بتلبسوها ازاي؟
عنفته والدته بحدة وهي تجذبها منه:
-يالهوي عليك!
أسرعت إسراء بإعادة الحمالة في مكانها، وتنحنحت بحرج وهي تقول:
-احم، لامؤاخذة يا سوسو، أنا رجعتهالك أهي!
أغلقت الحقيبة، ولكزت طفلها في كتفه بقوة، ثم تابعت وهي ترسم ابتسامة بلهاء على ثغرها:.

-عيل، شقي بقى وكده، هيهيهيه!
رمقته سابين بنظرات مشتعلة، واكتفت بتصنع الابتسام..
ثم التفتت برأسها في إتجاه الطفل فارس الذي سألها بجمود:
-انتي معاكي دولارات خضرا؟
عقدت ما بين حاجبيها بإستغراب، وتمتمت متساءلة:
-ايه؟
أشار لها بإصبعيه وهو يتابع بجدية:
-دولارات، فلوس يعني، هاتي 10 دولار!
صرخت فيه إسراء بصوت مرتفع:
-عيب يا واد، فضحتوني!

خشيت سابين أن تنفلت أعصابها خاصة حينما أكمل الطفلين العبث بمقتنياتها الغالية والعزيزة إلى قلبها وتقاذفوها فيما بينهما، فهمست متوسلة لإيناس:
-أنا آوز ( عاوزة ) أروح عند موسأد إيناس، بليز! أنا مش استحمل فوضى
ردت عليها الأخيرة بجدية:
-قصدك أوضته؟
هزت رأسها بإيماءات متتالية وهي تقول:
-ييس ( نعم )
وافقتها إسراء الرأي وهي تتابع بإمتعاض ما يفعله طفليها في هذا المشهد الفوضوي:.

-يكون أحسن برضوه بدل ما العيال دي تستغبى عليكي
ترددت إيناس قائلة:
-مش عارفة بس لازم أستأذن مسعد الأول!
اعترضت عليها إسراء وهي تقول بجدية:
-لأ مش لازم تقوليله، هي يعني هتسرق حاجته!
زاد المشهد سوءاً، وعبث الطفلين بملابس سابين، فركضت خلفهما تحاول جمع ما يخصها وهي تكافح للسيطرة على أعصابها..
تنهدت إيناس مستسلمة وهي تقول:
-ممم، طيب!

في الوحدة التدريبية العسكرية،
هاتفت إيناس أخيها لتبلغه بما فعله أبناء أخته مع سابين، والمضايقات التي طالتها من ثلاثتهم، فزفر الأخير بغيظ وهو يقول
-أنا عارف إنهم هينفخوها، هي هاتطفش من قليل!
تابعت إيناس قائلة بضجر:
-ده لسه في بلاوي تانية
توجس مسعد خيفة مما هو قادم، وهتف بقلق:
-خير، قولي
ردت عليه بغموض:
-اختك بتلمح وش عنك!
حك مؤخرة رأسه في حيرة من مغزى تلك العبارة الأخيرة، وردد متساءلاً:
-مش فاهم!

أجابته إيناس بجدية مفرطة:
-من الأخر كده إسراء بتلعب دور الخاطبة مع سابين، وبتكلمها عنك!
اتسعت حدقتيه في سعادة، وارتسم على وجهه ابتسامة عريضة وهو يهتف بحماس:
-هاه، ده بجد؟!
أجابته بصوت جاد:
-ايوه، وكمان قالت إن بكرة هانحتفل بعيد ميلادك بإعتبار إنك جاي فهنفاجئك يعني!
هتف مسعد بفرحة جلية في نبرته:
-والله فيها الخير!
ثم تنهد بحرارة وهو يتخيل نفسه متأبطاً لذراع سابين كعروس مستقبلية له، وهمس بإرتياح:.

-هييييح، آحبيبتي يا إسراء!
تابعت إيناس قائلة بإنزعاج:
-وخد التقيلة بقى
رد عليها بحماسة:
-قولي يا نوسة، اتحفيني
أكملت قائلة على مضض:
-العيال قلبوا سابين في هدومها!
تساءل بعدم فهم:
-يعني ايه؟
ردت عليه بتبرم:
-بص هو مش ينفع الكلام ده يتقال، بس لو هما فضلوا أكتر من كده هنا، مش هاضمنلك اللي هايحصل!
أثارت كلماتها الأخيرة قلقه، فرد مسعد مستفهما ً:
-بتهزري صح؟!
أجابت عليه معترضة:
-لأ، ولاد أختك عاملين معاها الدنيئة.

كزت مسعد على أسنانه ليقول مغتاظاً من بين أسنانه:
-دول ولاد زي العسل، ده أنا بأحبهم لله في لله
تعجبت هي مما قاله أخيها، وسألته بجدية:
-مسعد، إنت طبيعي؟
لم يجبها، وظل شارداً فيما يمكن أن يحدث لسابين على يد الطفلين الكارثتين..
قطعت إيناس شروده وهي تسأله:
-طيب، بس هاتيجي بكرة الساعة كام؟
انتبه لها، وأجابها بفتور:
-هاه، هابقى أقولك قبلها!
أكملت إيناس باقي حديثها الهاتفي وهي تضيف:.

-ماشي سلام لأحسن أناطولت كده في الحمام وشكلي بقى وحش!
رد عليها مسعد بهدوء:
-ماشي، روحي انتي تابعي الجو، ولو في حاجة جديدة عرفيني!
-ماشي، باي
-سلام يا نوسة!
أنهى معها المكالمة، ثم مسح على صدره وهو يتنهد بعمق..
لن ينكر أن كشف إيناس لمخطط أخته قد أعجبه، فربما تكون وسيلة للتقريب بينهما..
ردد مع نفسه بنبرة متمنية:
-أه لو ده حصل، والبت إسراء ملت دماغ صابرين بيا، أبقى طلعت من الليلة دي كلها بعروسة!

اقترب منه باسل ونظر له بإستغراب وهو متعجب من حاله وتصرفاته الغريبة، وتساءل بسخرية:
-انت يا بني بتكلم نفسك!
انتبه له مسعد ورد عليه بهدوء:
-هه، متخدش في بالك، قولي هي التصاريح طلعت؟
أجابه باسل بجدية وهو يدس يديه في جيبي بنطاله:
-ايوه، كلنا هناخد أجازة 4 أيام لحد ما تطلع أوامر النقل على الوحدات بتاعتنا
ازدادت ابتسامة مسعد إتساعاً، وتنهد بحرارة وهو يقول:
-اشطا جداً…!
في منزل مسعد غراب،
ولجت سابين إلى غرفة مسعد وهي تسحب حقيبة سفرها خلفها..
أسندتها إلى جوار الفراش ريثما تضيء الغرفة..
ثم أغلقت الباب خلفها، وتأملت المكان بدقة..
هي غرفة ذكورية بحتة رغم ترتيبها..
استطاعت أن تشعر بروحه فيها..
لمحت ملابسه المعلقة، وأدواته الخاصة على التسريحة، وكذلك تلك الصورة الفوتغرافية الكبيرة المعلقة على الجدار وهو يرتدي زيه العسكري..
ابتسمت بخجل وهي تتأمله..

جابت بنظراتها فراشه، وبحرج شديد جلست على طرفه..
مدت يدها لتمسك بالمزهرية الصغيرة الموضوعة على الكومود، والتي كانت غريبة في شكلها، فمطت فمها لتقول لنفسها:
-ذوقه غريب!
أعادت وضعها في مكانها، ثم أراحت ظهرها على الفراش..
تنهدت بتعب، وفركت مقدمة رأسها بيدها لتخفف من حدة ذلك الصداع الذي أصابها..
أرادت أن تبدل ثيابها بأخرى مريحة حتى تأخذ قسطاً من الراحة بعد ذلك المجهود المرهق مع طفلي إسراء..

تمتمت مع نفسها بضجر وهي تتذكر ما فعلاه بأشيائها:
-شياطين، مش أطفال خالص!
وبالفعل بدلت ملابسها، وإرتدت منامة قصيرة من اللون الوردي، ثم استلقت على الفراش..
أمسكت هي بهاتفها المحمول، وتفقدت الصور المخزنة على ذاكرته لتستعيد مع نفسها جزءاً من حياتها التي تفتقدها..
تنهدت بإحباط، وابتسمت لنفسها ابتسامة باهتة..
قررت في لحظة جنون منها أن تهاتف رفيقتها مارلي لتتفقد أحوالها وتطمئن منها على حال عائلتها..

هي تعلم أنها مخاطرة، ولكنها تشتاق إليهم كثيراً..
عضت على شفتها السفلى، واعتدلت في جلستها، ثم أجرت المكالمة بعد أن وضعت الشريحة الهاتفية الدولية، وانتظرت بترقب إجابة الطرف الأخر..
استمعت هي إلى صوت رفيقتها وهي تهتف بحماس:
-أوه، سابين، أهذه أنتِ؟
أجابتها برقة وهي تطلق تنهيدة خافتة:
-نعم مارلي، إنها أنا!
قاومت سابين رغبتها في البكاء، وحاولت الحفاظ على ثبات نبرتها قدر المستطاع..
صاحت مارلي بتلهف:.

-اشتقتُ لكِ، طمئنيني على أحوالك!
ردت عليها سابين بصوت رقيق:
-أنا بخير، كيف حالك أنتِ؟
أجابتها مارلي بنبرة سريعة:
-في أحسن حال، متى ستعودين، وأين أنتِ، هيا أخبريني!
ردت عليها سابين بحذر:
-لا أستطيع الآن، ولكني سأعود قريباً!
سألتها بتلهف:
-حقاً؟
همست سابين بجدية:
-نعم، سأنهي المكالمة الآن!
توسلتها مارلي قليلاً للبقاء فقد كانت تفتقدها هي الأخرى:
-انتظري قليلاً!
ضغطت على شفتيها قليلاً وهي تقول:.

-لا أستطيع، أراكِ على خير
ثم أنهت المكالمة معها وهي تمسح تلك العبرات التي علقت بأهدابها..
فإحساس الحنين إلى ما نشتاق لا يمكن وصفه بدقة، ولكنه يتملك من قلب المشتاق بشدة..

في الوحدة التدريبية العسكرية،
كتف فادي ساعديه أمام صدره وهو ينظر إلى مسعد وباسل بنظرات مطولة، ثم استأنف حديثه قائلاً ببرود:
-والله هتوحشنا يا باشوات! يا رب نجمع تاني
رد عليه مسعد بإمتعاض:
-تصدق الحسنة الوحيدة اللي طلعنا بيها من المصيبة دي إننا مش هانشوف وشك الرزل ده تاني
نظر له فادي بحدة وهو يعاتبه بإستنكار:
-ليه بس، ده أنا حتى بأعزكم أوي يا مسعد باشا!
رد عليه مسعد بجمود وهو ينظر له بسخط:
-أنا لأ.

أردف باسل قائلاً بجدية:
-مش يالا بينا عشان منتأخرش، لسه السكة طويلة
أرخى فادي ساعديه، وأكمل بهدوء:
-سلام يا رجالة، وهنتقابل أكيد تاني!
رد عليه باسل بإقتضاب:
-لو في نصيب
بينما أضاف مسعد على مضض:
-إن شاء الله مايحصلش!
انصرف فادي من أمامهما، فسأله باسل بإستغراب:
-انت بتكلمه كده ليه؟
رد عليه مسعد بنبرة متأففة وهو عابس الوجه:
-بص أنا أصلاً مخنوق من خلقة أمه، وكل ما أشوفه ببقى هاين عليا اجيبه من كرشه!

ضاق حاجبي باسل قليلاً، وسأله بتعجب:
-ليه كل ده!
من أسباب كره مسعد له هو تعرضه مسبقاً لسابين، وبالتالي أجج هذا لديه نزعة الانتقام منه..
لذا بنبرة مغلولة أجابه:
-يعني، ذكريات زبالة معاها، آآ، قصدي معايا
هز باسل رأسه في عدم اكتراث وهو يقول:
-طيب!
أضاف مسعد بنبرة متحمسة وقد إرتسم على ثغره ابتسامة عريضة:
-قبل ما انسى، هايحتفلوا بكرة بعيد ميلادي!
تساءل باسل بإستغراب:
-مين دول؟
أجابه بتنهيدة حارة:
-العيلة عندي.

حك باسل مقدمة رأسه وهو يفكر في تاريخ ميلاد مسعد، ثم ردد بغرابة:
-مش لسه بدري عليه؟!
زادت حماسة مسعد وهو يجيبه:
-لأ، اسراء كتر خيرها هتعمله بكرة!
استشف باسل السبب الحقيقي والخفي من الحماسة الزائدة لتصرفه، فهو عادة لا يتقبل وجود أخته الكبرى في المنزل بسبب الفوضى التي تحدث أثناء زيارتها، وتلك المرة – وعلى غير العادة – هو متحفز للعودة بالرغم من الظروف الأخرى المرتبطة بأحوال التشكيل القتالي..

غمز له باسل وهو يقول بعبث:
-لا والله، أتاريك فرحان!
فرك مسعد كفيه معاً، وهتف بتسلية:
-انت عارف المناسبات اللي زي دي مش بتكرر كتير!
تمتم باسل قائلاً:
-أها، عندك حق!
تابع مسعد قائلاً بحماس:
-اعمل حسابك انت معزوم بكرة، وماتجبش هدية يا عم، بس هستناك!
لاح طيف إيناس فجأة في مخيلته، فظهر شبح ابتسامة خفيفة على ثغره، وسريعاً أخفاها حتى لا يلاحظها رفيقه، ثم أردف قائلاً بمزاح:.

-ماشي، وأهي فرصة برضوه أطمن على آآ، سابين!
تبدلت تعابير وجه مسعد، وأصبحت أكثر حدة وهو يقول بنبرة شبه صارمة:
-عندك! سابين منطقة محظورة، لو جاي تشوفها أحسنلك ماتجيش!
قهقه باسل عالياً بعد أن نجح في إغاظة رفيقه، وهتف بنزق دون أن يعي!
-لا يا سيدي، هاطمن على سيادة اللواء وبنت سيادة اللوا!

شحب لون وجهه قليلاً بعد أن لفظ عبارته الأخيرة، وتوجس خيفة أن يكون مسعد قد فهم مقصده، فابتلع ريقه بتخوف، وطالعه بنظرات مترقبة لردة فعله..
لم ينتبه رفيقه له، فتفكيره حالياً كان منصباً على العودة للمنزل ورؤية سابين، لذلك رد عليه بإبتسامة عادية:
-إن كان كده ماشي!
تنفس باسل الصعداء أن الأمر لم يتخطَ معه حدود المألوف، ومر مرور الكرام، فتنهد بإرتياح وهو يردد:
-طيب، بينا
-ماشي!

في منزل مسعد غراب،
ركضت إسراء خلف طفلها فارس الذي رفض إكمال إرتداء ملابسه، وظل باقياً بثيابه الداخلية، وحاولت إجباره على إرتداء سرواله المنزلي، لكنه قفز فوق الأرائك بالصالة، ورقص بجسده وهو يزيد من عبثه واستفزازه لها..
صرخت فيه بعصبية:
-يا واد تعالى هنا وألبس هدومك، هاتفضل كده بالبوكسر؟!
تراقص أمامها بخصره وهو يجيبها:
-لأ مش جاي
صاحت فيه بغضب مهددة إياه:
-والله لو مسكت لهأقطم رقبتك!

تحداها قائلاً ببرود:
-مش هاتعرفي، تاراتا!
صاحت إسراء بنبرة عالية وبتذمر جلي:
-أه يا غلبي! يجي أبوكم يشوف الهم اللي أنا فيه
في نفس التوقيت كانت إيناس على وشك النوم على فراشها حينما وجدت سيف قد تبول لا إرادياً عليه، فصرخت بإشمئزاز:
-يا إسراء، يا ماما، تعالوا شوفوا سريري اللي اتبهدل من سيف!
ولجت صفية إلى داخل الغرفة، ونظرت إلى الفراش، ثم ربتت على ظهر ابنتها قائلة ببرود:
-يا عيني، معلش.

انفجرت إيناس قائلة بصياح غاضب وهي تلوح بذراعيها في الهواء:
-معلش، بقى يعمل ( بي بي ) على سريري وتقوليلي معلش، ماما إنتي بتغظيني!
ردت عليها والدتها بنبرة غير مكترثة:
-بكرة أحطلك المرتبة في الشمس وهتنشف!
أغاظتها ردود والدتها الغير مبالية، فصاحت محتجة بحنق:
-وأنا ليه أنام على مرتبة بايظة ومبلولة
أضافت صفية قائلة ببرود استفزها أكثر:
-بكرة ياختي لما تجيبي عيال هتفوتي حاجات كتير
ردت عليها إيناس بتذمر:.

-لو عيال بالشكل ده مش عاوزة!
ولجت إسراء إلى داخل الغرفة على إثر الصياح المرتفع، وتساءلت بعدم فهم:
-في ايه يا نوسة، بتزعقي ليه؟
استدارت إيناس برأسها نحوها، وأجابتها بحنق وهي تشير بيدها:
-شوفي ابنك عمل ايه على سريري!
دققت النظر في الفراش الذي أشارت إليه، ورأت تلك البقعة المبتلة فيه، فعضت على شفتيها بضيق، ثم لامتها بهدوء حذر:
-كنتي قوليله يخش الحمام قبل ما ينام!
هدرت فيها إيناس بضيق:.

-وماقولتيش ده ليه من الأول بدل ما يعمل المصيبة دي عندي
بررت إسراء فعلة ابنها ببرود مستفز:
-أنا فكري إنه لسه صاحي
كزت إيناس على أسنانها بحنق، وضربت الأرض بقدمها بعصبية، وتمتمت من بين شفتيها بعصبية:
-لأ بجد كده كتير
ثم وضعت يدها على منتصف خصرها، وتساءلت بحدة:
-طب هنام أنا فين دلوقتي؟
ردت عليها والدتها صفية بإبتسامة سخيفة:
-على السرير يا حبيبتي، أنا هاغيرلك الملاية وهاحط مشمع وخلاص عديها، مجاتش من ليلة.

اعترضت إيناس هاتفة بتأفف وهي تشير بإصبعها:
-يععع، انا أنام هنا، أبداً، ده أنا عندي أنام على الأرض ولا أنام عليها!
ردت عليها والدتها بنبرة غير مبالية:
-اللي يريحك!
جذبت إيناس الوسادة، وغطاءاً نظيفاً، ثم غمغمت بتبرم خافت وهي تنفخ من الغيظ:
-أووف، يا رب تمشوا بقى، أنا تعبت!
تساءلت إسراء وهي تتلفت حولها بحيرة:
-أومال الواد فارس راح فين؟
وضعت إصبعيها على طرف ذقنها وتابعت بتوجس:.

-لأحسن يكون عند سوسو، أما أروح ألحقه بدل ما يعمل مصيبة معاها.

اقتحم فارس غرفة خاله مسعد، فانتفضت سابين فزعة حينما رأته أمامها، ولكنها سريعاً ما استعادت هدوئها، وعاتبته برقة بعد أن دقق النظر في هيئته وفيما يرتديه:
-إنت ليه ادخل كده، ومش إلبس هدومك؟
رد عليها بسماجة:
-الجو حر!
لامته سابين على هيئته شبه الفاضحة قائلة:
-إيب ( عيب ) فارس مش ينفع افضل كده!
رد عليها بعدم اكتراث وهو يلقي بجسده الصغير على الفراش ليقفز عليه:
-طب أنا عاوز أنام هنا في التكييف يا شبين.

اعترضت سابين قائلة بنبرة شبه منزعجة:
-أنا سابين، و نو ( لأ )، إنت نام هناك مع مامي!
زفر بعبوس واضح وهو يقطب جبينه:
-يووه، لأ يا شبين!
استمعت إسراء إلى صوت ابنها، فصاحت بحدة وهي تدفع الباب بيدها:
-تعالى يا زفت هنا
تعصب فارس قليلاً وهو يقول:
-ياباي!
قبضت هي على ذراعه بقوة، وابتسمت ببلاهة وهي تقول:
-هيهيهيهيه، سوري يا سوسو، هو أصله بيحبك أوي وكان عاوز يوريكي البوكسر الجديد اللي لابسه!

بادلتها سابين ابتسامة مجاملة وهي تقول بإمتعاض:
-اوكي!
دفعت إسراء طفلها أمامها بعنف قليل، وكزت على أسنانها وهي تقول:
-انجر يا واد قدامي!
خرج الاثنين من الغرفة، فأغلقت سابين الباب خلفهما، ونفخت بضجر وهي تردد بإنهاك:
-أوه، دول جحيم!

لاحقاً أوصل مسعد باسل أولاً إلى منزله، ثم تحرك عائداً إلى بيته هو الأخر..
كان قلبه يقفز بين ضلوعه من فرط السعادة..
ظل يدندن مع نفسه بأغانٍ متعددة حتى وصل أسفل بنايته..
صف السيارة، وترجل منها، ثم سحب حقيبته من المقعد الخلفي، وأغلقها بالقفل الالكتروني، واتجه مسرعاً إلى مدخل البناية..

فتح مسعد باب منزله بحذر شديد، وولج إلى الداخل..
كان كل شيء هادئاً للغاية، والمكان شبه معتم..
أوصد الباب بحذر، ثم أسند حقيبته بجواره، وسار بخطوات بطيئة نحو الصالة..
لمح أخته الصغرى إيناس وهي تتمدد على الأريكة العريضة، وتغط في سبات عميق..
حك مؤخرة فروة رأسه بإستغراب، وتساءل مع نفسه بفضول:
-ودي ايه اللي منيمها هنا؟

هز رأسه بإيماءة خفيفة فقد اعتقد أنها تركت الغرفة لسابين لتكون على راحتها بها، فالتوى ثغره بإبتسامة عابثة وهو يهمس لنفسه:
-بنت حلال يا نوسة!
تنهد بحرارة، ثم تحرك ببطء نحو غرفتها، فقد أراد أن يطمئن على سابين بنفسه..
تسلل على أطراف أصابعه بعد أن نزع حذائه العسكري عن قدميه، ثم دنا من الباب الغرفة..
وضع يده على المقبض، وأداره بحرص شديد كي لا يصدر صريراً وهو يفتح..

حاول إختلاس النظرات للداخل لكنه لم يرَ أي شيء، فقد كانت الغرفة مظلمة تماماً..
لمح ذراع أحد الصغار يتدلى من الفراش، فحدث نفسه بضجر:
-تلاقي العيال كاتمين على نفسها، يالا، بكرة أبقى أشوفها!
أغلق الباب بهدوء، وارتسم على ثغره ابتسامة عريضة..
اقترب من غرفته، وفتحها وهو يتثاءب، ثم أغلقها خلفه..
تسمر في مكانه حينما اشتم رائحة ذلك العطر المميز الذي كانت دوماً تضعه..

اتسعت حدقتيه في صدمة وهو يلتفت برأسه نحو فراشه..
وقعت عيناه على تلك النائمة عليه، وانفرجت شفتيه في ذهول كبير..
استغرقه الأمر عدة ثوانٍ ليدرك أن سابين نائمة بغرفته..
اتسعت ابتسامته السعيدة بصورة كبيرة، وزادت الحماسة بداخله..
توتر للحظة من وجوده بمفرده معها في نفس الغرفة، فماذا سيظن أهله إن اكتشفوا وجوده في هذا التوقيت؟
ابتلع ريقه بتوجس، وهمس بنبرة شبه متخوفة:
-مش بعيد نتعدم في ميدان عام!

شعرت سابين بوجود حركة في غرفتها، ولكنها لم تستطع فتح عيناها بسبب الإرهاق وسيطرة سلطان النوم..
ظنت أن الموجود هو فارس الذي كان يزعجها طوال اليوم ويقتحم الغرفة لينام معها، فهمست بصوت ناعس:
-مش ينفع فارس تنام هنا! موسأد يزعل
ابتسم ببلاهة لذكرها اسمه، وفرك رأسه بإرتباك، ثم أخرج تنهيدة حارة من صدره..

تحرك عفوياً نحوها، ثم جثى على ركبته أمام الفراش، وظل يطالعها بنظرات متأملة وهي تحتضن الوسادة بذراعيها الناعمتين..
مرر عينيه ببطء على تفاصيل وجهها، وتنهد بإشتياق..
أحست سابين بتلك الأنفاس الحارة التي تلفح وجنتها، فانتبهت لها، ثم فتحت عينيها فجأة لتجده أمامها محدقا بها بنظرات متيمة، وهو يبتسم لها..
اتسعت حدقتيها بصدمة كبيرة، وانفرجت شفتيها لتصرخ و…!
في منزل مسعد غراب،
اتسعت عيني سابين الناعستين فجأة في هلع حينما رأت تلك الأعين المحدقة بها، وكانت على وشك الصراخ، لكن سبقتها يد مسعد لتكممها وتكتم صوتها، ثم بذراعه الأخر ثبت جسدها في الفراش كي لا تتحرك..
تلوت بنفسها محاولة الخلاص منه وهي تكافح لإخراج صوت صراخها المكتوم..

حالة من الفزع إنتابتها وهي تتخيل أنها ستقتل وسيتم اغتياله الآن، وما أرعبها حد الموت هو التفكير فيما أصاب تلك العائلة المتورطة معها..
أوجاس مخيفة سيطرت عليها ورفعت من نسبة الأدرينالين وجعلتها تحاول النجاة بنفسها..
تفاجئ مسعد من تلك المقاومة الشرسة منها، وارتعد نوعاً ما وهو يحاول تهدئتها، وهمس بصوت مرتجف:
-اهدي يا سابين، أنا مسعد، موسأد اللي انتي عارفاه.

ثبتت قليلاً وهي تدقق النظر في ملامحه التي يكسوها ظلام الغرفة، فتابع بتأكيد:
-موسأد، ها شايفاني؟
خبت مقاومتها تماماً بعد أن اطمئنت لوجوده، ونظرت له غير مصدقة وجوده بالغرفة..
أكمل هو بصوت هامس:
-أسف إن كنت خوفتك، بس أنا متوقعتش إنك نايمة هنا في أوضتي
أومأت برأسها، وحاولت الحديث لكن يده كانت لاتزال موضوعة على فمها، فأشارت بعينيها نحو كفه، فابتسم قائلاً بحرج:
-اه، معلش!

أبعد كفه عن فمها، وتراجع بجسده للخلف لتتحرر كلياً منه، في حين اعتدلت هي في نومتها، وهمست متساءلة:
-إنت إمل ( اعمل ) ايه هنا موسأد
أجابها بصوت خفيض وهو ينظر لها نظرات متيمة:
-أنا نزلت أجازة إجباري!
قطبت جبينها وهي تردد بعدم فهم:
-أجازة!
أخذ نفساً عميقاً، وزفره على مهل، ثم أجابها بإمتعاض خافت:
-بصي هو في حاجات حصلت هابقى أقولك عليها بعدين يا سابين!

ارتفع حاجبيها للأعلى في إندهاش واضح، وظهر شبح ابتسامة براقة وهي تسأله بعدم تصديق:
-انت قول ايه؟
لاحظ تبدل حالها للسعادة المرئية، فأطرق رأسه خجلاً وهو يحك جبينه، وأجابها هامساً:
-هو مش وقته عشان احنا كده وضعنا مش لطيف!
همست برقة وهي تبتسم ابتسامة خطيرة:
-إنت قول سابين، نو ( لا ) صابرين
التوى ثغره بإبتسامة متباهية وهو يجيبها:
-ايه رأيك؟
ثم اقترب منها ليتابع بنبرة صادقة تحمل الشوق:.

-اتعلمت أقوله صح عشانك إنتي وبس!
تساءلت بتعجب وهي تتحاشى النظر إليه:
-امتى أملت ( عملت ) ده موسأد؟
أجابها بتنهيدة مطولة وهو يرمقها بنظرات عاشقة:
-من وقت ما بعدتي عني!
استشعرت الغزل في كلماته، فتوردت وجنتيها، وهمست بخجل حرج:
-موسأد، أنا اتكسف!
زفر بعمق وهو يردد بحماس:
-يا خرابي ياني، هو في كده!
ثم انتفض الاثنين فزعاً في مكانهما حينما سمعا صوتاً يأتي من الخارج ويردد:
-شبين!

هب واقفاً في مكانه، ثم أسرع نحو الباب وأوصده بالمفتاح، وتراجع متسللاً للخلف..
اكتست ملامحه بالوجوم وجحظت عيناه بحدة، وتساءل بهمس غاضب بعد أن تكرر النداء:
-مين ده؟ هو انتي تعرفي حد من ورايا؟!
امتعض وجهها نوعاً ما، وأجابته بهدوء وهي تشير بيدها:
-ده your nephew ( ابن اختك )
نظر لها بعدم فهم، وتساءل بصوت خفيض:
-مين اللي بينف؟!
أجابته بهمس وهي تضغط على شفتيها:
-أنا اقصد ابن سيستر ( أخت ) إسراء!

ضرب جبينه بكف يده وهو يقول متذكراً:
-أه صحيح
حاول الصغير فارس فتح الباب لكنه كان مغلقاً، فعاود أدراجه إلى غرفة ايناس..
التفت مسعد إلى سابين وأردف قائلاً بجدية:
-بصي أنا مش هاينفع أفضل معاكي في أوضة واحدة، هيتقال عننا كلام مش ظريف، أنا هاخرج، وأنتي كملي نوم
تساءلت سابين بخفوت:
-انت افضل هنا مسعد؟
رد عليها بإبتسامة عريضة:
-أيوه..
وتمتم مع نفسه بنظرات عابثة:
-ده أنا قاعد على قلبك!

انتظر هدوء الأجواء من حوله، ثم فتح الباب بحرص، وولج للخارج..
وقبل أن يغلقه خلفه، أطل برأسه ليكون بهمس:
-اقفلي الباب بالمفتاح بدل ما أتهور في البيت الطاهر ده!
ثم أشار بعينيه إلى منامتها الصيفية، وتابع بعبث:
-والبسي بيجاما بتسترك، أنا أعصابي تعبانة لوحدها مش ناقصة محفزات للرزيلة!
شهقت بخجل وهي تغطي جسدها بيديها:
-أوه!

خرج مسعد للصالة وهو يشعر بسعادة غامرة..
وبلا وعي جلس على الأريكة الغافية عليها إيناس، فصرخت متأوهة من ثقل جسمه، وهبت من نومها فزعة لتردد بإنفعال:
-إيييييييه!
التفت برأسه ناحيتها، ورمقها بنظرات غير مكترثة، ثم رد عليها ببرود:
-في ايه انتي!
أزاح جسده من عليها، وجلس على الجانب، بينما ثنيت إيناس ركبتيها، وتحققت بدقة منه، وفركت عيناها بيديها قبل أن تتساءل بإستغراب:
-مسعد! إنت جيت؟
رد عليها بمزاح:.

-لأ لسه شوية
نفخت بإرتياح قبل أن تتثاءب مرة أخرى، ثم رددت بصوت ناعس:
-كويس، عشان تشيل من عليا لأحسن تعبت على الأخر من أختك وعيالها
نظر لها وهو يرفع حاجبه للأعلى، واستنكر تذمرها منهم، ودافع عنهم قائلاً:
-دول نسمة يا إيناس
ضاقت نظراتها، وتحول وجهها للشراسة، وصاحت محتجة:
-نسمة!
ثم كزت على أسنانها بقوة لتضيف:
-قول إعصار، بركان، أي كارثة، انت ماشوفتش عملوا فيها ايه وفيا!
أشار لها بيده، ونفخ مطولاً وهو يقول:.

-خلاص، اهدي!
نظرت له قائلة بإستنكار حاد:
-أهدى! دول من مسببات الضغط وارتفاع السكر!
جاهد ليخفي ضحكاته مما استفزها أكثر وجعلها تنظر له بريبة..
اعتدلت في نومتها، وسألته بمكر وهي تنظر له بتفحص:
-إنت كنت فين على كده، وفين الجزمة بتاعتك؟
ارتبك للحظة من سؤالها المباغت، ثم تدارك الأمر سريعاً، وأجابها بتوتر قليل:
-هه، أهي عند الباب!
أضافت إيناس قائلة بتحذير:.

-خد بالك! سابين نايمة عندك، فمش هاينفع تنام هناك في أوضتك
التوى ثغره بإبتسامة عريضة وهو يقول:
-أه ما أنا عرفت!
عقد ما بين حاجبيها بإندهاش، وسألته بغموض:
-عرفت ازاي؟
تنحنح بخشونة وهو يجيبها بإرتباك:
-آآ، خمنت بأقولك
نظرت له بعدم اقتناع، بينما رمقها هو بنظرات باردة، ثم زفرت بإنزعاج، وهتفت قائلة:
-مسعد، طب اتاخر خليني أنام
لكزها في ساقها وهو يقول بجمود:
-لأ روحي نامي جمب اختك، وسبيلي الكنبة!

ردت عليه معترضة بإصرار:
-على جثتي، اوعى!
نظر لها شزراً، ثم أردف قائلاً:
-ماشي يا نوسة، افتكريها
تمددت على الأريكة، ودثرت نفسها بالغطاء، وأجابته بعدم اكتراث:
-أه هافتكرها وأسجلها في النوتة كمان!
نهض من جوارها، وألقى بجسده على الأريكة الصغيرة، ثم مال برأسه للجانب ليطالع باب غرفته وظل يمني نفسه بالأماني والأحلام حتى غلبه النعاس، وتثاقل جفنيه، فنام في مكانه…

في صباح اليوم التالي،
لطمت صفية على صدرها بصدمة، وشهقت بصوت مرتفع حينما رأت ابنها غافياً على الأريكة، وصاحت بالقرب من أذنه:
-يا حبيبي
انتفض فزعاً من نومته الغير مريحة، ونظر إلى والدته بذهول وهو يردد بصوت متحشرج:
-في ايه؟
ربتت على كتفه، وتساءلت بتعجب:
-ايه اللي نيمك كده يا حبيبي؟
أجابها بلا وعي:
-الحب!
تقوس فمها وهي تسأله بعدم فهم:
-ايه؟
أفاق من غيبوبته المؤقتة، وأجابها بصوت ثقيل:
-قصدي بنتك!

تساءلت صفية بنبرة شبه حائرة:
-مين فيهم؟
رد عليها بعدم اهتمام وهو يتثاءب:
-أي واحدة تيجي في بالك
هزت رأسها بإيماءة خفيفة، وتابعت بنبرة حانية:
-طب قوم يا ضنايا خش أوضتك غير هدومك وافرد ظهرك كده على السرير، ده لسه النهار في أوله
انتبه إلى ما قالته والدته، وبرقت عيناه بوميض غريب، فهو يعلم أن سابين ماكثة في غرفته، وقضت ليلتها هناك لذلك حذرها بإبتسامة عابثة:
-ما بلاش يا حاجة!
أصرت على طلبها قائلة:.

-قوم يا مسعد ماتتعبش قلبي
رد عليها مازحاً بخفة:
-يا ست صفية اللي بتطلبيه ده عيب ومايصحش، ده فيها قطع رقاب
نظرت له بجدية وهي تردد بنفاذ صبر:
-يا باي على هزارك، اسمع الكلام وخش نام جوا
صاحت إيناس بصوت ناعس ومتبرم:
-وطوا صوتكوا عاوزة أنام
رفعت صفية رأسها لتنظر في إتجاه ابنتها، ورددت بتعجب:
-إيناس! انتي نايمة هنا!
أجابتها بصوت خفيض:
-أها
تساءلت صفية بإستغراب:
-ليه انتي التانية؟
أجابتها إيناس بضيق قليل:.

-بنتك وعيالها!
استفسر صفية قائلة بإندهاش:
-إسراء! مش كنا نضفنا السرير وغيرنا الملايات!
ردت عليها إيناس بتذمر:
-وأنا كنت هاستنى لما يعمل ( بي بي ) عليا
نظر لهما مسعد بتأفف، وتساءل بتقزز:
-ايه ده، ايه ده! ايه الكلام الغريب اللي بتقوله!
أضافت السيدة صفية قائلة:
-إنتي بس اللي سنوفة ومش بتستحملي!
ردت عليها إيناس بإشمئزاز:
-اه سنوفة وإنفة وكل حاجة، بس مش هنام جمبها ولا جمب عيالها، وعاوزة مرتبة سريري تتغير!

أراد مسعد أن يبدل ثيابه، ويستحم، خاصة وأنه بحاجة ماسة إلى كلا الأمرين، فهتف بجدية:
-ماما أنا عاوز أخد دش واغير هدومي
ردت عليه والدته بنبرة عادية:
-طب ما تقوم يا حبيبي، حد حايشك!
هتفت إيناس معترضة بحدة:
-ايه يا ماما، إنتي ناسية إن سابين هنا!
نظرت لها والدتها ببرود، ثم تساءلت بعدم اكتراث:
-ودي فيها ايه؟
أجابتها بنظرات ذات مغزى:
-ماهي نايمة في أوضته
مصمصت صفية شفتيها وهي تقول بعتاب زائف:.

-شوف إزاي، وأنا اللي كنت هابعتك تنام هناك يا حبيبي، يا لهوي بالي!
أراد مسعد أن يتقن دوره على والدته، ويوهمها أنه لا يعرف عمن تتحدث كلتاهما، فتساءل بإستغراب مصطنع ممزوج بالضيق:
-مين دي يا ماما اللي نايمة في أوضتي بدون اذن؟
أجابته بحسن نية:
-دي واحدة صاحبة أختك، بت أجنبية من بلاد برا، بس حكاية.

أبدى مسعد اهتمامه – رغم أنه كان يحترق شوقاً من الداخل لسماع المديح عنها – بحديث والدته، وتساءل بفتور:
-والله! على كده حلوة؟!
أجابته صفية بحماس بعد أن لاحظت اهتمام ابنها:
-دي تقول للقمر قوم وأنا أعد مطرحك!
مط فمه ليقول:
-سيدي يا سيدي!
أضافت هي قائلة بتلهف:
-دلوقتي تشوفها يا حبيبي
أبدى عدم اكتراثه، وتثاءب وهو يرد عليها:
-مش مهم يا حاجة صفية.

تابعتهما إيناس بتعجب كبير وهي ترفع حاجبها للأعلى مستنكرة تصرفات أخيها الطفولية البلهاء..
لكزت صفية ابنها في كتفه وهي تقول بإلحاح:
-يا واد شوفها يمكن تعجبك!
تنهد بصوت مسموع، وعبس بوجهه وهو يرد بخنوع:
-طيب، عشان خاطرك بس!
ضاقت نظرات إيناس، وتمتمت مع نفسها بغيظ:
-يا شيخ، بقى عامل هندي!
هتفت صفية بفرحة واضحة في نبرتها ونظراتها وتعابير وجهها المرتخية:.

-طول عمرك طيب وأخلاق يا مسعد، ربنا يكرمك يا حبيب أمك ويسعد!
-يارب
قالها مسعد بهدوء وهو يضع ساقاً فوق الأخرى..
انتظرت إيناس ابتعاد والدتها، وهمست له وهي تغمز بعينها:
-ايوه يا عم، ماشية معاك حلاوة!
ابتسم لها بثقة وهو يرد عليها:
-ادعيلي بس!
أومأت برأسها وهي تتابع:
-هندعيلك، بس ظبطني!
أشار لها مسعد بيده وهو يضيف بجدية:
-بالحق، باسل جاي النهاردة.

انتبهت هي إلى عبارته الأخيرة، وتوترت قليلاً، ثم احتقنت عيناها إلى حد ما، وسألته بجفاء:
-والله!
هز رأسها بحركة خفيفة، وتابع موضحاً:
-اه، أنا عزمته على العيد ميلاد!
ضغطت على شفتيها لتقول:
-طيب
هتف مسعد بإبتسامة:
-قومي اعمليلي شاي وهاتلي حاجة أصبر بيها نفسي لأحسن أنا واقع على الأخر!
ردت عليه إيناس بعبوس:
-ماشي!
ثم نهضت بتثاقل من على الأريكة..
شبك مسعد يديه خلف رأسه، وظل يدندن مع نفسه بأغنيات خافتة..

ولجت إيناس إلى المطبخ، وبدت شاردة للغاية بعد حديث أخيها عن قدوم رفيقه باسل إلى حفل عيد الميلاد المزعوم، فهي لم تشفِ غليلها بعدٍ منه..
هي ماتزال تكن له مشاعر محتقنة وغاضبة من أسلوبه الوقح معها وإهانته المتعمدة لهيئتها..
زاد إلتهاب حمرة عينيها وهي تتوعد له قائلة:
-النهاردة هاتعرف إنك كنت غلطان لما قولت عني عندي شنب، ودقن!

رغم تكرارها لتلك الكلمات القاسية لنفسها لتستمد منها القوة إلا أنها شعرت بالآلم يعتصرها لكونها أقل شأناً من غيرها..
هي فتاة صغيرة، لكنها تحمل قلباً، ومشاعراً لا تود إستنزافها قبل الآوان..
وباسل بأسلوبه الفظ قضى على تلك المشاعر الجميلة التي تعطيها الثقة بنفسها، وهز صورتها أمام نفسها، وهي أرادت وبشدة أن تنسى تلك الكلمات الجارحة..
انضمت إليها والدتها، وسألتها بتعجب وهي تراها شاردة:.

-سرحانة في ايه يا نوسة؟
التفتت نحوها إيناس بعد أن انتبهت لصوتها، وردت عليها بصوت شبه مختنق:
-مافيش يا ماما
دفعتها والدتها للجانب وهي تقول بجدية:
-طب وسعي خليني ألحق أجهز الفطار!
طرأ في عقل إيناس فكرة ما، ولمعت عيناها بشدة، ثم هتفت متصنعة البراءة:
-ماما حبيبتي، هو أنا ممكن أعزم اصحابي في عيد ميلاد مسعد!
نظرت لها والدتها من طرف عينها، ورددت:
-أصحابك!
تابعت إيناس بإلحاح وهي تحتضن والدتها من كتفيها:.

-أه يا ماما، وحياتي عندك، دي فرصة حتى أحتفل بنجاحي!
لوت صفية فمها لتبرطم بتبرم:
-والله أنا ما فاهمة عيد ميلاد ايه ده اللي ناويين تعملوه، هو اخوكي بتاع الهيافات دي!
ردت عليها إيناس بضجر:
-اسالي إسراء، هي اللي بتخطط وبتكتك كل حاجة!
ثم أكملت بإصرار:
-ها يا ماما، أعزمهم؟ أمانة عليكي لتوافقي!
ردت عليها والدتها بتنهيدة مطولة:
-خلاص، اعزميهم، بس كام واحدة، المكان زي ما انتي شايفة على الأد!

قبلتها إيناس أمها من وجنتها، وهتفت بحماس:
-حاضر يا أحلى صفصف في الدنيا!

في مكان ما،
اقتحم أحد الأشخاص غرفة مكتب ما، والتقط أنفاسه اللاهثة، ثم استطرد حديثه قائلاً بنبرة غامضة:
-لقد عرفنا مكانها سيدي
انتبه له الرجل الأخر، ونظر له بحدة قبل أن يسأله بجدية:
-من تقصد؟
أجابه بإبتسامة خبيثة:
-المدعوة سابين
اتسعت عيني الرجل في صدمة، ونهض عن مقعده غير مصدق ما سمعه تواً، ثم هتف بإندهاش جلي:
-ماذا؟!
أوضح له الرجل الأول كيف تمكن من كشف مكان حمايتها السري:.

-لقد هاتفت صديقتها مارلي، وتمكنا من رصد المكالمة، وعرفنا بالأقمار الصناعية مكانها
التوى ثغر الرجل بخبث وهو يتمتم قائلاً:
-هذا عظيم، الحمقاء أوقعت نفسها في فخ الموت
تساءل الرجل الأول بجدية:
-بماذا تأمرنا الآن؟
أجابه الأخير بهدوء مميت:
-أعدوا كل شيء للتخلص نهائياً منها، فلم يتبقَ الكثير على وقت المحاكمة!
ابتسم له الرجل بمكر وهو يردد ممتثلاً:
-كما تريد سيدي!

اعتدل الرجل في جلسته على مقعده، وأراح ظهره للخلف، وحدق أمامه بنظرات مخيفة، ثم تابع مع نفسه بنبرة قاتمة:
-حان الوقت لنغلق ملف قضيتك للأبد آنسة سابين مشعل…!
اجتمعت العائلة على الطاولة لتناول الإفطار معاً..
جلس مسعد في مواجهة سابين بعد أن تعمدت إسراء أن تضبط المقاعد ليكون الاثنين محدقان في بعضهما البعض..
أعجب مسعد كثيراً بما تدبره أخته ظناً منها أنها تقرب بينهما..
وهو بالفعل قد تعلق كثيراً بها، وباتت تشغل كل تفكيره..
-هتعملوا ايه النهاردة؟
تساءل اللواء محمد بجدية وهو يضع قطعة الخبز في فمه
-ردت عليه سابين متساءلة بعدم فهم:.

-هو آنكل يقصد ايه؟
أجابتها صفية بحسن نية:
-عمك بيسألنا هنطبخ ايه على الغدا
ردت عليها سابين بتحمس:
-أها، اوكي we can cook ( ممكن نطهو ) جرين سووب، أنا اسمع عنها
تساءل مسعد عن معنى ما قالته بإستغراب وهو يرفع حاجبه للأعلى:
-هتأكلونا ايه؟!
ردت عليه صفية بعدم فهم:
-والنبي يا بني ما أنا عارفة
أوضحت إيناس مقصدها بثقة:
-هي بتقول ممكن نطبخ جرين سووب
تساءل مسعد بفضول وهو يحك مقدمة رأسه:
-ايه الجرين سوب ده؟

أجابته إيناس بغطرسة:
-يعني ملوخية يا مسعد، اسمها ملوخية
فتح فمه مصدوماً، وردد بإندهاش من معنى ذلك المصطلح الغريب على أذنيه:
-يا شيخة، بقى الجرين سووب ملوخية، طب ما تقولوا كده، ولا لازم تصعبوها علينا!
ردت عليه إيناس بنزق:
-دي الموضة يا مسعد
تمتم بين نفسه بتبرم:
-حتى الكلام بقى فيه موضة!
التفتت صفية إلى ابنها، ووضعت أمامه قطعة من الجبن، وسألته بإهتمام:
-انت ناوي تعمل ايه النهاردة في أجازتك؟

رد عليها مسعد وهو يهز كتفيه:
-مش عارف لسه، بأفكر أقضي اليوم في البيت
-لأ، نو!
قالتها إسراء وسابين في آن واحد، فنظر إلى كلتاهما بإستغراب..
ثم تساءل بفضول وهو يحاول أخفاء ابتسامته الماكرة:
-لأ، ليه بقى؟
تبادلت سابين مع إسراء نظرات حائرة، وأطرقت الأولى رأسها في خجل بعد أن شعرت بسخونة وجنتيها من الحرج…
ضربت إيناس قدم مسعد من أسفل الطاولة، فتأوه بخفوت، ونظر نحوها، وعبس في وجهها وهو يقول:
-في ايه؟

أشارت بحاجبيها وهي تهمس له بصوت خفيض:
-المفاجأة يا بني، يا رب تفهم!
فهم ما قالت، وتنحنح بصوت خشن وهو يقول:
-طب ناوليني البيض يا نوسة!
كزت على أسنانها وهي تجيبه بغيظ:
-ماشي يا مسعد!
تساءلت صفية بإهتمام وهي تقطع الجبن:
-مش ناوية تصحي العيال يفطروا معانا يا إسراء؟
هزت إسراء رأسها معترضة وهي تقول بجدية:
-لأ يا ماما، خليهم نايمين أحسن، ده حتى نوم الظالم عبادة
غمغمت إيناس قائلة بفرحة:
-اه والله!

لاحقاً في سيارة مسعد،
استقل باسل سيارة رفيقه وجلس إلى جواره، ثم جاب الاثنين الطرقات بها دون وجهة محددة..
تساءل باسا بتعجب وهو محدق في الطرق أمامه:
-ايه يا بني، انت رايح بينا على فين؟
أجابه مسعد بفتور وهو يهز كتفيه:
-ولا حتة!
تعصب باسل قليلاً وهو يرد عليه ومشيراً بيده:
-ولا حتة! يعني مدوخنا من صباحية ربنا في الزحمة وأخد الشوارع لف ودوران وفي الأخر تقولي ولا حتة!

أخذ مسعد نفساً عميقاً، وزفره على مهل، ثم تابع بهدوء:
-بص هما طرأوني ( طردوني ) من البيت عشان يعرفوا يظبطوا للعيد ميلاد على راحتهم، وأنا قولت أعوم على هواهم وأعمل فيها عبيط وأفظل كده صايع لحد ما أرجع البيت!
رد عليه باسل بتذمر:
-طب وأنا ذنب أهلي ايه
ابتسم له مسعد ببرود وهو يقول:
-ما انت صاحبي!
زفر باسل بإنهاك، ثم رد على مضض:
-ماشي يا مسعد.

رن هاتف مسعد في جيبه، فدس يده محاولاً إخراجه منه، ثم نظر في شاشته، وقطب جبينه في عدم فهم للكلمة المكتوبة عليها، فمرره إلى رفيقه وهو يتساءل بحيرة
-شوف الاسم المكتوب ده!
قرأه باسل بصوت مسموع:
-ده برايفت نامبر ( رقم خاص )
ثم التفت إليه وسأله بجدية:
-هو انت تعرف حد عند رقم خاص يا مسعد؟
أجابه الأخير بإندهاش:
-ولا عام وحياتك!
أصر باسل على أن يجيب هو على تلك المكالمة الغريبة:
-طب ما ترد!

زفر مسعد مرة واحدة وهو يقول:
-ماشي
ضغط على زر الإيجاب، وأردف قائلاً بجدية:
-ألو!
صمت للحظات ليستمع إل الطرف الأخر، ثم أوقف السيارة فجأة، فانتفض باسل في مكانه كردة فعل، وحدجه بنظرات حادة..
تابع مسعد قائلاً بنبرة رسمية للغاية:
-تمام يا فندم، أكيد..
ظل باسل محدقاً به بإستغراب، والفضول يعتريه لمعرفة ما الذي يحدث خلال تلك المكالمة ليجعل حال رفيقه يتبدل سريعاً للجدية والقلق..
أكمل مسعد قائلاً بنبرة جادة:.

-تحت أمرك يا فندم، هانكون عند سيادتك حالاً!
أنهى المكالمة دون أن يضيف كلمة زائدة، فسألة باسل على الفور:
-في ايه؟ ومين كان بيكلمك؟
التفت مسعد ناحيته، ونظر له بنظرات منزعجة، ثم أجابه بقلق:
-دي مكالمة جاية من فوق، فوق أوي، أوي أوي!

في منزل مسعد غراب،
بعد تفكير متعمق منها قررت إيناس أن تفعل ما لم ترغب في تعجله، ولكنها فرصتها الليلة لتحقيق انتقام أخر ورد كرامتها وكبريائها المهدرين..
خاصة أنها لن تجعل أي شخص يشك فيها، فتلك المناسبة تتيح للجميع الظهور بهيئة حسنة، وبالتالي لن يشك فيها أي أحد من أفراد العائلة، وستستعيد بجدارة ثقتها بنفسها…

لذلك طلبت من سابين – بحرج كان بادياً عليها – أن تساعدها في تحسين مظهرها الأنثوي الليلة لتكون في أبهى صورها..
ابتسمت الأخيرة لها، وردت بهدوء:
-شور ( أكيد )، إنتي قولي إيناس من غير كسوف!
احتضنتها إيناس بسعادة، وشكرتها ممتنة:
-ربنا يخليكي يا سابين، بجد مش عارفة أقولك ايه، أنا يهمني النهاردة أكون مختلفة خالص، ومش مهم لو رجعت زي ما أنا بعد كده!

مطت سابين شفتيها للجانب، ونظرت لها بتعجب قليل، ثم سألتها بفضول:
-ممممم، إنتي آوز تكوني زي سيندريلا؟
التوى ثغر إيناس بإبتسامة خفيفة وهي تجيبها بخجل:
-يعني، حاجة زي كده!
ربتت سابين على ذراع إيناس، وأومأت برأسها وهي تقول بهدوء رقيق:
-أوكي، مش تقلقي، أنا أساعد إنتي!
مدت إيناس يدها لتمسك بكفها، واحتضنته بين راحتيها، واتسعت ابتسامتها السعيدة وهي تردد:
-ثانكس يا حبي!

تساءلت سابين بإهتمام وهي تضع إصبعها على شفتها السفلى:
-ها تهبي ( تحبي ) تلبسي حاجة معينة، ولا أنا give you one of my dresses ( أعطيكِ أحد فساتيني الخاصة )؟
هزت كتفيها في حيرة، وردت بنبرة عادية:
-زي ما انتي عاوزة
تابعت سابين قائلة بنبرة مهتمة وهي تعبث بمحتويات حقيبة ملابسها:
-بصي إيناس، أنا عندي new dress ( فستان جديد ) مش إلبسه before ( قبل هذا )، إنتي can use it ( ممكن تستخدميه )…!

اتسعت حدقتي إيناس في إنبهار، وارتفع حاجبيها للأعلى، وهتفت بعدم تصديق:
-بجد!
هزت سابين رأسها بإيماءة خفيفة وهي ترد عليها:
-شور!
قفزت إيناس في مكانها بسعادة، وهتفت بتهليل:
-بجد إنتي أحلى واحدة قبلتها!
رسمت سابين على وجهها علامات الجدية، ومطت فمها لتقول بإهتمام:
-بس first ( الأول )، انتي need ( محتاجة ) نعمل شوية ميك آب، وماسك عشان بشرة.

ثم أمسكت بذق وجه إيناس وأدارته للجانبين لتتفحصه بدقة، فردت عليها إيناس بحماس:
-اعملي اللي انتي عاوزاه، أنا من ايدك دي لأيدك دي!
ابتسمت سابين قائلة بود:
-أوكي
وبالفعل بدأت الفتاتين في مهمة إعداد وتجهيز إيناس لتصبح آنسة جميلة وحسنة المظهر بأبسط الأدوات…

في مكتب ما بجهة سيادية،
وقف كلاً من باسل ومسعد في مكانهما في وضعية الإنتباه الشديد أمام ذلك القائد العسكري الذي أرسل في طلبهما..
أشار لهما بيده قائلاً بهدوء:
-اتفضلوا
ارتخى جسدهما قليلاً، وتحركا بثبات نحو المقاعد، ثم جلسا بجمود..
نظر لهما القائد بتفرس قبل أن يتابع بصوت جاد للغاية:
-أكيد إنتو مش محتاجين تخمنوا أنا جايبكم هنا ليه؟
تنحنح باسل بصوت خفيض للغاية قبل أن يرد بهدوء:
-تمام سعادتك!

بينما أضاف مسعد بجدية:
-أكيد سيادتك
ساد صمت قليل بين ثلاثتهم قبل أن يقطعه القائد فجأة بصوت آجش:
-الشاهدة سابين!
انتبه مسعد لجملته، وتساءل بحذر:
-مالها يا فندم!
رد عليه القائد بتساؤل:
-مين سمحلها تتواجد عندك في البيت؟
تبادل مسعد مع رفيقه باسل نظرات متوترة، وتردد في الإجابة عليه، وظهر على تعابير وجهه القلق والإرتباك..
فقد كان يعتقد أن مسألة وجودها بمنزل عائلته لا يعرف عنها أي شخص..

لذلك ازدرد ريقه بقلق، وظل صامتاً محاولاً البحث عن إجابة مقنعة ومبررة لفعلته..
قطع عليه القائد شروده قائلاً بجدية:
-عاوز أفهمك إن وجودها في بيتك ماينفعش من الأول، لكن عشان ظروف وفاة الفريق ضياء ولخبطة الأمور بعدها، أنا اضطريت أتغاضى عن ده مؤقتاً، لكن لازم الشاهدة تتنقل لمكان أئمن من عندك
وكأن كلماته كالسيف الحاد الذي يذبحه ببطء..

هو أراد أن تظل باقية معه في منزله ليس ليوم أو اثنين، بل للأبد، فقد إعتاد عليها في حياته، وخفق قلبه لها..
نعم كان يكن لها مشاعر رقيقة وحقيقية، واستشعر بإحساسه أنها تبادله نفس الإحساس حتى وإن كان بحذر..
ابتلع ريقه بصعوبة، واجتهد للحفاظ على ثبات نبرته وهو يقول:
-اللي تؤمر به سيادتك!
أشار له القائد بيده وهو يأمره بصرامة:
-جهز الشاهدة خلال يومين بالكتير هتتنقل لمكان تاني قبل ما تسافر!

هز مسعد رأسه بإيماءة خفيفة وهو يقول بخنوع:
-حاضر
حاول هو أن يخفي تلك المشاعر الحزينة التي بدأت في الظهور قسمات وجهه، فقد تعلق بسابين، وارتبط بشدة بوجودها في حياته، ورحيلها في هذا التوقيت – وإن كان حتمياً – سيشكل فراغاً كبيراً لديه، وسيفطر قلبه الذي تعلق بها، و، وأحبها…

في مطار ما دولي،
ألقى الرجل حقيبة الظهر على كتفه، ثم تحرك بثبات في إتجاه الصالة الداخلية للمطار، وتابع حديثه الهاتفي بصوت قاتم:
-أنا في طريقي إلى هناك!
صمت لثوانٍ قبل أن يستأنف المكالمة قائلاً:
-نعم، انتهيت من الإجراءات، وسيلحق بي البقية خلال يوم!
هز رأسه بإيماءة خفيفة، وأكمل بهدوء:
-لا تقلق، سأهاتفك حينما ننتهي تماماً من أمرها..!

التوى ثغر ذلك الرجل بإبتسامة واثقة وهو يكمل خطاه، ثم وضع هاتفه في جيبه، وضبط وضعية حقيبة ظهره..

في أحد المقاهي الحديثة،
أسند النادل فنجاني القهوة السادة على الطاولة، وكذلك كوب الماء، ثم انصرف مبتعداً.
حدق باسل في رفيقه الشارد لبرهة من الوقت، ثم سأله بجدية:
-انت هاتعمل ايه؟
رد عليه بعد تنهيدة مطولة حزينة:
-مش عارف
سأله باسل بفضول:
-إنت مضايق إنها ماشية؟
أخرج مسعد نفساً ثقيلاً محملاً بالهموم، وأجابه بنبرة شبه حزينة:
-مكدبش عليك أه!
رد عليه باسل موضحاً بجدية:
-ماهو ده اللي كان متوقع، هي كانت آآ…

قاطعه مسعد بضجر وهو يشير بيده:
-الله يكرمك يا باسل مافيش داعي تقولي اي حاجة، أنا فيا اللي مكفيني
لم تكن تصرفات مسعد طبيعية بالمرة، فقد كان منفعلاً، وعصبياً في ردوده وتعامله، لذا بدون تفكير سأله باسل مباغتة:
-انت بتحبها يا مسعد؟
انتبه مسعد لما قاله رفيقه، وحدق فيه مصدوماً من فضحه لأمره، وعجز عن الرد عليه..
أضاف باسل قائلاً بجدية:
-شكلك بيقول كده
رد عليه مسعد بعد تنهيدة أخرى عميقة:.

-مش عارف إن كنت بأحبها، ولا معجب بيها ولا احساسي ايه بالظبط!
حاول باسل توضيح الرؤية لدى رفيقه ذو المشاعر المتخبطة، فأردف قائلاً بنبرة عقلانية:
-بص يا مسعد بيتهيألي انت بس اتعلقت بيها عشانها كانت قريبة أوي منك والطبيعي لما نتعود على وجود حد في حياتنا نزعل لما يسيبنا ويمشي!
نظر له مسعد بغرابة، وسأله بعدم اقتناع:
-فكرك كده؟
أجابه الأخير بثقة:
-اه.

ارتشف مسعد قهوته، ولم يضف المزيد وأثر الصمت، فماذا لديه ليقوله وهو يشعر بالتخبط والحيرة..
فكر في تفسير صديقه المقرب من إحساسه تجاهها، ربما هو مخطيء في اعتقاده أنه يحبها، فهو إلى الآن لم يتأكد من إحساسها ناحيته، وربما هي لا تبادله أي مشاعر على الإطلاق..
تابع باسل قائلاً بجدية:
-صدقني ده شعورك ناحيتها، هي جت في وقت إنت مش عندك اللي تفكر فيها، وشغلت كل تفكيرك، فإنت ارتبطت بيها!
رد عليه مسعد بفتور:.

-يا ريت يكون كده بس!
تأملت إيناس هيئتها في المرآة بتعجب شديد..
رمشت بعينيها عدة مرات غير مصدقة أنها ترى إنعكاس صورتها..
هي بدت أكثر جمالاً وأنوثة رغم صغر سنها، وأكثر مرحاً وجاذبية..
بالفعل كانت تختبيء خلف إهمالها لنفسها..
فاللمسات البسيطة التي أحدثتها سابين بها شكلت فارقاً جذرياً معها..

حيث قامت الأخيرة بتهذيب حاجبيها وضبطهما دون إزالة أي شيء منهما، وأيضاً مشطت خصلات شعرها بطريقة مختلفة مع الإحتفاظ بسماته الأساسية ومستعينة بأدوات فرد الشعر، وكذلك وضعت القليل من مساحيق التجميل لتبرز عيناها بوضوح..
ابتسمت لها سابين بتفاخر، وسألتها:
-ها، ايه رأيك؟
ردت عليها إيناس بحماسة ممزوجة بالفرحة:
-مش عارفة أقولك ايه، أنا مش مصدقة إن دي أنا!
تابعت سابين قائلة بجدية:
-إنتي البسي فستان هاتكون سندريلا.

ردت عليها إيناس بإبتسامة متسعة للغاية:
-اكيد
انتقت لها سابين فستاناً قصيراً – نوعاً ما – من اللون الأصفر الكناري، أكتافه عريضة، وخصره ضيق به شرائط معقودة كأنشوطة من الخلف لتضبط حجم الجسد، ويصل إلى الركبتين..
وضعته إيناس على جسدها لتتفقده دون أن ترتديه، وشعرت بالخجل من نفسها، وأبعدته عنها قائلة بإعتراض:
-لأ، أنا مش هاينفع ألبس ده
نظرت لها سابين بإستغراب، وسألتها متعجبة:
-ليه؟

أجابتها بإرتباك وقد اكتسى وجهها بحمرة خجلة:
-ده شكله قصير وآآ، وأنا مش متعودة بصراحة ألبس أصلاً فساتين!
عضت على شفتها السفلى، وتابعت بحرج:
-بصي أنا، أنا هالبس بنطلون وبلوزة كده، أو، أو حتى قميص!
اعترضت سابين بشدة، وأمسكت بها من كفها وهي تهتف:
-نو، ( لأ )، مش إنفع، انتي البسي ده!
أصرت إيناس على رفضها قائلة:
-لالالا، أتكسف.

ولجت إسراء للغرفة لتستفسر عن شيء ما، فتفاجئت بما حل لأختها من تغيير للأجمل، فحدقتها فيها بصدمة وهي فاغرة شفتيها، ورددت بذهول:
-ايه المزة دي!
ابتسمت سابين بمرح وهي توجه حديثها إليها:
-ها إسراء، what do you think ( رأيك إيه )؟
أجابتها بإعجاب واضح في نبرتها ونظراتها:
-دي حاجة حلوة اوي، كنتي مخبية الحلاوة دي فين يا نوسة!
تحول وجه إيناس لكتلة ملتهبة من الحمرة الخجلة، وهتفت بتذمر لتخفي حرجها:.

-يوه، بطلوا تكسفوني!
أضافت سابين قائلة بعبوس زائف:
-هي مش آوز إلبس فستان!
رمقتها إسراء بنظرات حادة، وصاحت بتبرم:
-نعم! لأ البسي واتلمعي يا نوسة، متبوظيش الطبخة على شوية ملح!
اقتحم الغرفة كلاً من فارس وسيف، ونظرا بذهول إلى خالتهما، وهتف فارس قائلاً بصوت مرتفع:
-شوف نوشة عاملة ازاي
رد عليه سيف بنبرة عالية:
-دي صاروخ ياله
نهرتهما إسراء على أسلوبهما الفج في الحديث، وصاحت قائلة:.

-يادي النيلة على لسانكم، 100 مرة أقول اتكلموا كويس مع الأكبر منكم، بلاش أسلوب السوق ده هنا
هتفت إيناس بضجر وهي ترمق الطفلين بنظرات منزعجة:
-بجد يا إسراء عيالك دول صعبين أوي
ردت عليها إسراء بنبرة شبه محتقنة:
-البركة في أبوهم، طول اليوم معاه في المحل أما قلبوا على شوارعية!
تساءل فارس بعبوس طفولي:
-هانلبس امتى عشان نروح الفرح؟
ردت عليه إسراء مصححة بضيق:
-يا بني ده عيد ميلاد خالك مش فرح!

هتف سيف بإلحاح وهو يقفز في مكانه:
-هاتيلي حتة من الجاتوه
ردت عليه والدته بنفاذ صبر:
-أما يجي الضيوف
أشار سيف بيده ناحية أخيه، وهتف بنبرة مرتفعة:
-طب ما فارس خد من غير ما يقولك من التورتة اللي في التلاجة!
لطمت إسراء على صدرها وهي تصيح بهلع:
-يا نصيبتي، مديت ايدك على حاجة الضيوف، واقعتك سودة!
ثم انحنت لتنزع خفها من قدمها لتركض خلف ابنها لتلقنه درساً، فركض فارس هرباً منها وهو يصرخ بفزع:
-عااااااا.

ضحكت إيناس على المشهد، وأضافت ساخرة:
-كوارث متنقلة!
وافقتها سابين الرأي قائلة بنعومة:
-اوه، ييس ( نعم )
تلاشت ابتسامة إيناس حينما وقعت عيناها على الفستان مجدداً، فهي مقبلة على أمر لا تعرف توابعه، ولكنها أرادت أن تنال كرامتها من جديد..
تمتمت مع نفسها بتوتر:
-ربنا يعدي النهاردة على خير!

في المساء،
كان كل شيء معداً وفقاً لخطة إسراء في مفاجئة مسعد بعيد ميلاده الزائف الذي يعرف عنه مسبقاً..
تم تزيين الصالة بأوراق الزينة، وعدد من البالونات المطاطية التي تناثرت في الأركان..
ووضعت السيدة صفية صحونها الغالية على طاولة الطعام..
بينما رصت إسراء أنواع الحلوى وقوالب الجاتوه المختلفة على طول الطاولة، بالإضافة إلى المشروبات الباردة المصنوعة يدوياً، والغازية..

وقامت صفية بصنع كيك منزلي، وعدد من أطباق ( المهلبية ) لهواة تناولها..
تأنق الجميع، وارتدوا أفضل ما عندهم، لكن الضوء الحقيقي كان مسلطاً على كلاً من سابين وإيناس..
فالأولى ارتدت فستاناً رقيقاً من اللون الأزرق، يصل بالكاد إلى ركبتيها، ذو حمالات رفيعة، وفتحة صدر مستقيمة..
عقصت شعرها كعكة، وأسدلت بعض الخصلات الجانبية، وتفننت في وضع مساحيق التجميل بصورة غير مبالغ فيها..

أما إيناس فلم تختلف عنها كثيراً، ولكنها كانت ملفتة للأنظار بسبب أحمر الشفاه الذي وضعته..
حدقت فيها صفية بإستغراب كبير، فقد كانت مختلفة عن السابق، وسألتها بتعجب:
-ايه ده يا نوسة؟
ردت عليها إيناس بتساؤل وهي ترمش بعينيها:
-ايه رأيك فيا؟
أجابتها والدتها بفتور وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-مش وحش، بس مش بدري على الزواء ده؟!
عبست إيناس بوجهها من رد والدتها، ونظرت إلى سابين التي هتفت مشجعة إياها:
-هي كيوت أنطي..!

تدخلت إسراء في الحوار أيضاً وهتفت بحماس:
-بسم الله ما شاء الله، ربنا يحميكي يا نوسة من العين
ثم وضعت يدها على كتف والدتها، وضغطت عليه قليلاً لتضيف بثقة:
-والله هي حلوة يا ماما، صح ولا ايه؟
ضغطت صفية على شفتيها وهي تجيبها بحذر:
-هي زي القمر، بس إنتي عارفة أبوها ممكن آآ…
قاطعتها إسراء قائلة بجدية:
-معلش يا ماما، خليها تفرح النهاردة، إنتي ناسية انها عازمة برضوه أصحابها عشان نجاحها.

ردت عليها والدتها على مضض وهي تهز رأسها قليلاً:
-ماشي، بس بعد ما يمشوا تشيله!
هتفت إسراء بإستنكار:
-أكيد يا ماما، هي هتبات بيه يعني!

لاحقاً بدأ توافد المدعوين من رفاق إيناس إلى حفل العيد ميلاد المزعوم، وأشادوا بجمالها الرائع الذي ظهر واضحاً لهم..
حضرت رفيقتها هند، وهتفت بحماس بعد أن رأت هيئتها الجديدة:
-واو، تحفة أوي، شكلك يجنن يا إيناس
ابتسمت لها إيناس مجاملة، وردت بنبرة واثقة:
-ميرسي يا هند
أضافت هند قائلة بإعجاب واضح:
-بجد الاستايل ده خطير، مين عملهولك؟
أجابتها إيناس بهدوء:
-صاحبتي سابين!

تعجبت هند من اسم تلك الفتاة، فهي لم تسمعه من قبل، لذلك تساءلت بفضول وهي محدقة في رفيقتها:
-سابين! هي جديدة؟
ارتبكت إيناس قليلاً، وخشيت أن تفضح دون قصد منها أمر سابين، فعمدت إلى رسم ابتسامة سخيفة على ثغرها وهي تجيبها بحذر:
-أها، يعني!
أمسكت هند بكف رفيقتها، ونظرت لها بإنبهار، ثم صاحت بإعجاب:
-احنا لازم ناخد سيلفي مع بعض!
ردت عليها إيناس موافقة:
-ماشي.

في سيارة مسعد،
أوقف مسعد السيارة أسفل البناية، ثم التفت برأسه إلى باسل، وسأله بإهتمام:
-ها كده شكلي كويس؟!
رفع باسل إبهامه للأعلى كعلامة إعجاب، ثم رد عليه بإقتضاب:
-تمام!
ثم صمت للحظة قبل أن يتابع قائلاً:
-بس مكانش في داعي تشتري هدوم جديدة!
نظر له شزراً، ورد عليه بإمتعاض واضح في نبرته:
-يا سيدي مرة من نفسي!
تابع باسل قائلاً مضيفاً بإهتمام:
-ماشي، بس ماتفقناش هاتقول لسابين امتى على ميعاد آآ…

قاطعه مسعد بعبوس:
-مش وقته يا باسل، خلينا نفرح الحبة دول وبعد كده نتنكد
أومأ باسل برأسه موافقاً إياه وهو يردد:
-طيب!
ثم ترجل الاثنين بعدها من السيارة، واتجها إلى مدخل البناية..
استدار مسعد برأسه للجانب فلمح المعلم الخاص بأخته الصغرى يسير على أول الرصيف، فسار ناحيته، وصاح مرحباً به:
-مستر كريم!
توقف باسل على الحركة وتابع الحوار بينهما في صمت..

بينما انتبه له كريم، ورسم على محياه ابتسامة مجاملة وهو يبادله التحية:
-أهلا بمسعد باشا!
مد مسعد يده ليصافحه، ثم سأله بفضول:
-هو حضرتك بتعمل ايه هنا؟
أجابه كريم بهدوء جاد:
-أنا معزوم من ايناس على حفلة نجاحها!
جحظ باسل بعينيه مصدوماً عقب تلك الجملة الأخيرة، واشتعلت حواسه فجأة بغضب..
وسلط أنظاره على ذلك المعلم ليفحصه بنظرات شرسة..

كان في منتصف الأربعينات تقريباً، لكن به لمحة جذابة في وجهه، وقليل من الشيب غزا شعره..
اشتعل باسل غضباً وهو يتصور أن إيناس تتمازح مع ذلك الرجل حتى لو كان معلمها، وأنها تضحك إن ألقى دعابة سخيفة على مسامعها ولو كانت تجامله..
كور قبضة يده، وضغط على شفتيه بقوة محاولاً كبح الثور الهائج بداخله…
رد مسعد على المعلم بإندهاش وهو قاطب جبينه:
-هي النهاردة! ده محدش قالي!
أوضح له كريم قائلاً بنبرة رزينة:.

-هي اللي بلغتني بده، حتى في البيت عندكم
تمتم مسعد من بين أسنانه بصوت خفيض:
-المصلحجية ال ****
لم يفهم كريم ما لفظه بوضوح فسأله مستفهماً:
-افندم!
ابتسم له مسعد بسخافة وهو يردد:
-متركزش معايا، اتفضل!
رد كريم مجاملاً:
-متشكر!
التفت مسعد برأسه ناحية رفيقه، وسأله بإستغراب بعد أن لمح تبدل ملامح وجهه للوجوم:
-انت لسه واقف يا باسل، ما تطلع يا بني
كز باسل على أسنانه بشراسة وهو يجيبه:
-أنا كنت مستنيك!

ابتسم مسعد قائلاً بمرح وهو يشير بيده:
-نسيت أعرفك، ده مستر كريم، مدرس إيناس في السنتر
ثم التفت برأسه ناحية المعلم وتابع بأريحية:
-وده النقيب باسل صاحبي!
مد باسل يده ليصافح المعلم فاعتصر قبضته في يده، فبدى على الأخير الانزعاج واضحاً في قسمات وجهه المتشنجة، وهمس بإمتعاض:
-اهلا!
ربت مسعد على ظهر المعلم برفق، ودفعه ليتحرك إلى الأمام وهو يردد:
-اتفضل يا مستر، نورت!
ابتسم له كريم مجاملاً:.

-شكراً، ومبروك مرة تانية على نجاح إيناس!
زادت ابتسامته إتساعاً وهو يضيف بفخر:
-هي بنت مجتهدة وتستاهل كل خير، أنا مش مصدق إني معنتش هاديها تاني!
احتقنت عيني باسل بشدة، وبرزت عروقه الغاضبة في عنقه، وهمس من بين أسنانه بنبرة عدائية:
-اطلع أحسنلك من وشي بدل ما أديك في دماغك أجيبك الأرض!

هتفت إسراء بحماس بعد أن لمحت أخيها وهو يلج إلى مدخل البناية:
-استعدوا يا جماعة مسعد جه
-هيييييه
قالها الطفلين وهما يقفزان على الأرائك..
أضافت إسراء قائلة بسعادة وهي تصفق بيديها في الهواء:
-اطفوا النور، والكل يجهز!
وبالفعل تم إطفاء الأنوار، واتخذ الجميع مواضعهم منتظرين بترقب صعوده..

فتح مسعد باب المنزل، وتعجب بتصنع إطفاء الأنوار، وتساءل مستغرباً وهو يتلفت برأسه للجانبين:
-هو النور مقطوع عندنا في الشقة؟
وفجأة صدح صوت تهليلات وصيحات عالية يعقبها إضاءة الأنوار والجميع يهتف:
-كل سنة وانت طيب يا مسعد، عيد ميلاد سعيد
لم ينكر سعادته حينما رأى هذا المشهد أمامه، وبرقت عيناه بلمعان غريب..

هو لم يحظَ بعيد ميلاد منذ سنوات، واليوم أفراد عائلته يختفلون به، حتى وإن كان يعلم أنه مزيف ومصطنع، لكنه أحدث أثراً طيباً في نفسه…
اقتربت منه والدته وهنأته قائلة بنبرة حانية:
-كل سنة وانت طيب يا حبيبي
احتضنته بحب، فقبلها أعلى جبينها، وهو يقول بنبرة فرحة:
-وانتي طيبة يا أمي
ثم دنا منه والده وهنأه بصوته الآجش:
-كل سنة وانت طيب
رد عليه بهدوء:
-وانت طيب يا بابا!

كانت عيناه تبحثان عنها فرأها تقف على استحياء في الخلف وهي ممسكة بعلبة صغيرة في يدها..
رحب بكل من قابله في طريقه إليها بشرود، فعيناه لم تفارقها للحظة، وكأنهما معزولان عمن حولهما..
هي فقط أمامه، وما حوله سراب..
قرر أن ينسى كل ما حدث اليوم، والقرار المصيري برحيلها، سيستمتع فقط بوجودها الليلة معه، لا يريد إفساد تلك الفرحة بالتصريح بأي خبر محزن..

وكيف يفسده وهو يرى ابتسامتها الساحرة التي جعلت قلبه يخفق بقوة..
آسرته بطلتها الرقيقة، وبجمالها الطبيعي المغري..
ليس ما يشعر به نحوها هو مجرد إعجاب، بل تخطى الأمر معه الكثير..
هو يحبها حقاً وإن كان يكابر أو ينكر، هو متيقن أنه هائم بها..
تملكتها هي الأخرى أحاسيس غريبة وهي ترى نظراته المحدقة بها بإعجاب بائن..
خجلت منه، وأطرق رأسها قليلاً للأسفل..
هي تشعر بالدفء والأمان وسط عائلته..

شعور الغربة تلاشى تدريجياً مع وجودها قربه..
لم تتخيل أن ذلك الذي ظنت أنه أحمق وغير قادر على التواصل معها سيحرك شيئاً بداخلها..
وإن كانت واثقة من ماهيته، إلا أنها كانت خجلة من الإفصاح عنه أمام نفسها..
دنا منها حتى وقف قبالتها، وطالعها بنظرات شغوفة، وهمست هي له برقة:
-هابي بيرزداي موسأد
رد عليها بنبرة هائمة وعيناه تجوبان تفاصيلها بدقة:
-والله أحلى عيد ميلاد اتعملي.

توردت وجنتيها، وزاد خجلها، ثم مدت يدها بالعلبة الصغيرة المغلفة وهي تقول بنعومة رقيقة:
-أنا مش إعرف كنت أجيب هاجة ( حاجة ) أفضل!
رد عليها بنبرة عاشقة وهو ينظر لها بهيام:
-كفاية إنك موجودة معايا، إنتي أجمل هدية!
عضت على شفتها السفلى بخجل قائلة:
-ثانكس
ثم رفعت يدها أمام وجهه، وهمست:
-اتفضل
تناول مسعد العلبة منها، وهتف مازحاً وهو يغمز لها:
-دي فيها ايه؟ دبلة الخطوبة، أنا موافق من غير ما أفتحها!

خجلت من تلميحه الصريح، و هزت رأسها نافية برقة، فتابع بهدوء:
-أما أشوف!
فتح العلبة فوجد بها حافظة نقود جلدية – من ماركة شهيرة – ذات لون أسود، فنظر لها بإعجاب، وشكرها قائلاً:
-حلوة!
ثم عبس بوجهه، وأكمل بحزن زائف:
-مع إن كان نفسي في حاجة تانية!
انقبض قلبها للحظة لظنها أن هديتها لم تنل الإعجاب، فسألته بتوجس:
-ايه هي موسأد، إنت مش إعجبك هدية؟
رد عليها بهدوء وهو محدق بها:.

-لا والله عجبتني جداً، أنا بس كان نفسي في حاجة تانية
سألته بقلق:
-ايه هي؟
أجابها بإبتسامة عريضة وقد أشرقت عيناه:
-بوكسر ليلة الفرح
وضعت سابين يديها على فمها لتكتم شهقتها المصدومة من عبارته الجريئة، واستنكرت ما لفظه قائلة:
-اوه، موسأد!
رد عليها بنبرة رومانسية مقلداً إياها:
-عيون موسأد، وقلب موسأد، وفشة موسأد، وكلاوي موسأد!

في نفس التوقيت بحث باسل بعينيه عن إيناس وسط المتواجدين لكنه لم يرها..
هي كانت تقف على مقربة منه، وتوليه ظهرها، لكنه لم يتعرف عليها لعدم تخيله أنها سترتدي فستاناً..
لكن انتبهت حواسه لصوتها حينما تحدثت بدلال:
-ميرسي يا مستر، ده بس من تشجيع حضرتك ليا!

التفت برأسه للوراء فرأها من الخلف وهي ترتدي ذلك الفستان الجميل الذي جسد تفاصيلها الأنثوية بوضوح فبدت فتاة شابة أنيقة ورقيقة – رغم صغر سنها – تلفت الأنظار إليها بإعجاب..
تسمر على وضعه للحظات ليستوعب تلك الصدمة الهائلة..
ولكن أفاق من صدمته لتتحول إلى غضب حينما رأها تتغنج بنفسها أمام الحاضرين وكأنها تتعمد اغاظته..

كانت تشعر بوجوده بالقرب منها رغم أنها كانت توليه ظهرها، والتفتت برأسها للخلف بحذر لتجده يبحث عنها، فالتوى ثغرها بإبتسامة ماكرة، و تعمدت رفع نبرة صوتها لتلفت إنتباهه ونجحت في هذا..
إرتجافة قوية دبت في أوصالها حينما شعرت بقربه الشديد منها..
رفعت رأسها للجانب لتجده محدقاً بها بنظرات نارية..
وقعت عيناه على أحمر الشفاه الصارخ الذي تضعه على شفتيه ليزيدها إغراءاً وأنوثة..

فاق الأمر قدرته على التحمل، وساهم بشراسة في تأجيج نيرانه المستعرة..
ابتسمت بغرور وهي ترى تأثير مظهرها الجديد على تعابير التي لم يستطع اخفائها…
حافظت على جمود تعابير وجهها، وابتسمت له ببرود وهي تقول متعمدة الضغط على كل حرف فيها:
-هاي ( أبيه ) باسل!
أغاظته كلمتها المقصودة، وزادت من حنقه..
حركت خصلات شعرها المصففة بدلال للجانب، وأردفت قائلة بنعومة مصطنعة وهي تقدمه لباقي رفيقاتها:.

-ده صاحب مسعد أخويا في الجيش
رحبت به رفيقاتها، وكذلك المعلم كريم الذي قال بنبرة سمجة وهو يهز رأسه:
-ايوه، قابلته تحت يا إيناس!
ردت عليه إيناس بنبرة مستفزة وهي تبتسم له:
-هو زي أخويا بالظبط!
احتدت نظرات باسل إليها، وقست ملامحه المتشنجة، ضغط على أصابع يده المتكورة بقوة محاولاً كبح تهوره..
فهي أشعلت فتيل غضبه بداخله بكلماتها المستفزة له، وعليها أن تتحمل تبعات خطئها…
تعمدت إيناس أن تستفز باسل على قدر المستطاع طوال حفل عيد ميلاد المزيف الخاص بمسعد، فقد كانت تلك فرصتها الذهبية لتحقيق انتقامها منه..
لم تهتم بتوابع تهورها الطائش، أو حتى فارق العقليات بينهما..
فشعور الانتصار لا يضاهيه شيء، وخصوصاً أنها تأذت بشكل كبير منه..
وقف هو إلى جوارها لبرهة قبل أن يتراجع للخلف ليدرس الوضع بتأني، فالتحدي بينهما أصبح رسمياً، ومباح فيه كل شيء..

التفتت برأسها للجانب لتنظر إليه فلم تراه متواجداً حولها، فانقبض قلبها فجأة، وشحب لون بشرتها، وبحثت عنه بعينيها بتوجس..
ارتعش جسدها قليلاً، وحاولت الحفاظ على ثبات إنفعالاتها..
حدقت فيها هند بإستغراب، وسألتها مستفهمة:
-انتي بتدوري على حد؟
انتبهت لها، ورسمت على محياها ابتسامة مصطنعة وهي تجيبها:
-لا عادي، انا بس بأشوف ماما إن كانت عايزة حاجة ولا بتنادي!
هزت هند رأسها قائلة ببساطة:
-اوكي.

ثم أخرجت هاتفها المحمول لتبعث برسالة نصية إلى هدير لتبلغها بالتغيير الجذري الذي طرأ على إيناس..

-يالا يا جماعة عشان نطفي الشمع!
قالتها إسراء بنبرة عالية وهي تصفق بيديها لينتبه لها الجميع..
فتحرك بعض اﻷشخاص في اتجاه الطاولة للتجمع حولها..
ظل مسعد محدقاً بسابين بنظرات والهة وهي تبادله نظرات خجلة، وتجاهل عن عمد نداءات أخته المتكررة..
هو أراد الاستمتاع بكل لحظة معها، وأي شيء يلهيه عنها يهون..
دنت إسراء منه ومعها والدتها صفية، وهمست لها بمكر:
-شايفة يا ماما عينه ماتشالتش من عليها إزاي؟

ردت عليها صفية بإبتسامة راضية:
-اه يا حبيبتي، ربنا يجعل في وشه القبول، ده الواد ده غلبان على الأخر!
أضافت إسراء قائلة بسعادة:
-هي الصراحة البت حلوة وتحل من على حبل المشنقة!
ردت عليها صفية مؤكدة:
-الحق يتقال ايوه، ربنا يكرمك يا حبيبي ويعوض صبرك خير!
أشارت لها إسراء برأسها وهي تتابع بجدية:
-طب يالا ننادي عليهم تاني بدل ماهما مطنشينا ومش سألين!
وافقتها والدتها الرأي، وهتفت بجدية:
-ماشي.

اقتربت منهما إسراء وهي ترسم على ثغرها ابتسامة عابثة، وهتفت بنبرة عالية:
-جرى ايه يا مسعد، هتفضل حالقلنا كده كتير؟!
التفت هو ناحيتها، ورد عليها بإمتعاض ووجهه عابس من حضورها:
-ما تخليكي حلوة كده وتنفضيلنا وتنسينا خالص، أقولك اعتبرينا اتبخرنا!
غمزت له وهي تسأله بمكر:
-ليه يا مسعودي؟
رد عليها متساءلاً بلؤم وهو يبتسم ببلاهة:
-تفتكري ليه؟!
زادت حمرة وجنتي سابين للغاية وهي تستمع إلى حوارهما المقصود عنها..

وأبعدت عينيها للجانب ورفعت يدها لتضع خصلاتها المنسدلة خلف أذنها بحركة متوترة…
انضمت إليهما إيناس، وهتفت بمرح وهي تقبل سابين من وجنتها:
-ميرسي يا أحلى سابين على اللوك الجامد ده
ردت عليها سابين بإبتسامة خجلة:
-ثانكس، إنتي أصلاً كيوت
زادت ابتسامة إيناس اتساعاً، وعضت على شفتها السفلى لتقول بحماس:
-بجد إنتي آآ، مممم، بيقولوا عليها ايه، أها، افتكرت you re my soulmate ( أنتِ توأم روحي ).

نظر مسعد لأخته الصغري بإندهاش، وسألها متعجباً:
-هي ايه؟
أجابته إيناس بهدوء:
-هي Soulmate ( توأم روحي )
ارتفع حاجبه للأعلى مستنكراً، وصاح مصدوماً:
-سوبيط!
ثم التوى ثغره بشدة ليتابع بنبرة منفعلة:
-طب إزاي بقى المزة دي اسمها سوبيط!
فغرت إيناس شفتيها بإندهاش واضح من إنفعال أخيها المبالغ فيه، ونظرت إليه إسراء بإستغراب واضح، بينما احتقنت عيناه، ولوح بيده في الهواء وهو يكمل بعصبية:.

-يا شيخة حرام عليكي أومال بقى مين اللي يبقى جاندوفلي ولا حنشان؟!
ردت عليه إيناس بصوت محتد:
-جرى ايه يا مسعد، بقولك توأم روحي إيه جو السي فوود اللي قلبت عليه ده
تفهم مقصدها، فتنحنح بحرج، ثم رسم ابتسامة بلهاء على ثغره، ونظر إلى سابين بنظرات عاشقة، ثم أخفض نبرة صوته وهو يردد بعتاب:
-اها، طب ما تقولي كده من الأول!
تساءلت سابين بفضول بعد أن رأت عصبيته الزائدة على أخته:
-هي قول ايه موسأد؟

رد عليها بنبرة متيمة وهو يرمقها بنظراته التي تعبر عن حبه لها:
-دي بتقولي أغنيلك أجمل حاجة يا روحي إنك توأم روحي!
تمتمت إسراء وهي تضحك:
-سيدي يا سيدي على عصافير الحب!
ثم تحركت لتقف في المنتصف بين أخيها وسابين، ووضعت كفيها خلفهما، وتابعت بنبرة جادة:
-يالا على التورتة يا حلوين!

وقف هو على بعد يراقب الأوضاع بنظرات حادة كالصقر ليقتنص الفرصة للنيل من فريسته التي أثارت غريزته ونزعته الإنتقامية منها…
لا يعرف باسل كيف تمكن بصعوبة من ضبط انفعالاته العصبية بعد كل تلك الحركات الاستفزازية من إيناس أمام المتواجدين..
هو يعلم أنها مراهقة، وربما تكون مندفعة قليلاً، لكن ما فعلته تخطى حدود المعقول..
انتظر بتريث مجيء اللحظة المناسبة ليعلمها درسها..
وها قد حان الوقت…

اقترب مسعد من الطاولة وعيناه لم تفارقان من خفق لأجلها قلبه..
ابتسمت له سابين بإستحياء، ورمشت بجفنيها بخجل..
أشعل هو الشموع الصغيرة الموضوعة على قالب الحلوى، وتم إطفاء اﻹضاءة المنزلية، وبدأ الجميع في ترديد أغاني العيد ميلاد الشهيرة..
وما إن انتهوا حتى صاحت إسراء بحماس:
-اتمنى أمنية يا مسعد
التفت برأسه ناحية سابين ورمقها بنظرات رومانسية صريحة، وأردف قائلا بهمس:.

-هي حاجة واحدة بس اللي عايزها ونفسي فيها أوي!
تساءلت إسراء بمكر وهي مسلطة أنظارها عليه وعلى سابين
-ايه هي يا مسعد؟
تمتم بكلمة واحدة بشفتيه بصوت خفيض للغاية لم تلتقطه سوى أذني سابين:
-صابرين!
اشتعلت وجنتيها بشدة، وأسبلت عينيها خجلاً منه، ولكنها كانت مكشوفة لمن حولها..

هتفت إسراء بمرح:
-طب طفي الشمع يا حبيبي عشان أمنيتك تتحقق!
وبالفعل انحنى مسعد بجذعه للأمام لينفخ في الشموع بكل سعادة وهو يُمني نفسه بأن أمنيته الوحيدة والغالية ستتحقق…
صفق الجميع له، وهنأه والده قائلاً بصوت جاد:
-كل سنة وانت طيب يا مسعد
رد عليه ابنه بإبتسامة سعيدة:
-وحضرتك طيب يا بابا
ربتت صفية على ظهره، وهتفت بحنو و دفء:
-كل لحظة وإنت طيب يا ضنايا، ربنا يفرح قلبك ويسعدك على طول!

رد عليها مسعد مبتسماً:
-ايوه يا حاجة صفية، دعواتك معايا كثفي على أد ما تقدري، عاوزين نشوف النتيجة قريب!
هتف فارس بنبرة عنيدة، وهو يشير بيده:
-أنا عاوز جاتوه!
وأضاف أخيه سيف بنبرة عالية:
-هاتيلي تورتة يا ماما
ردت عليهما والدتهما بنبرة ممتعضة:
-طيب اصبروا، لما ندي الضيوف اﻷول!
ثم استدارت برأسها ناحية إيناس وتابعت بنبرة شبه آمرة:
-روحي نوري النور يا نوسة خليني أبدأ التوزيع!

ابتسمت لها قائلة بخفوت وهي توميء برأسها:
-حاضر
وبالفعل تحركت في اتجاه مفاتيح اﻹنارة، ووضعت يدها عليهم لتضيء الغرفة وهي غير منتبهة إلى ذلك الذي ينتظرها في الظلام…
كانت على وشك التحرك عائدة إلى مكانها حينما باغتتها ذراع صلبة أتية من الخلف لُفت حول خصرها لتحكم قبضتها عليها، وأخرى وضعت على فمها لتكممها، ثم رفعت عنوة عن اﻷرضية وكأنها لا تزن شيئاً ليتحرك بها مبتعداً عن الجميع…

ركلت بساقيها في الهواء، وتلوت بذراعيها محاولة تخليص نفسها من ذاك الذي اختطفها، وبذلت جهداً مضنياً لتتمكن من الصراخ، لكنها كانت كالمشلولة، مقيدة الحركة..
اندفع بها باسل ناحية غرفتها بخطوات سريعة قبل أن يلاحظ أحد ما يحدث بينهما…

ولأنه كان يعرف المنزل جيداً وغرفه، فتمكن بسهولة من الوصول إلى غرفتها، وأرخى ذراعه عن خصرها ليتمكن من فتح الباب بيده، وأحكم تكميم فمها، وكادت أن تفلت منه، لكنها تمكن من تقييدها، ثم ولج بها إلى داخل غرفتها، وألقاها على الأرضية بعنف، واستدار بجسده للخلف ليوصد باب الغرفة عليهما..
تأوهت إيناس من الآلم من إثر الإرتطام، واستغرقها الأمر لحظة لتستوعب ما حدث لها..

إستندت بمرفقيها لتنهض عن الأرضية، لكنها وجدث ثقلاً يجثو فوقها يثبت ذراعيها معاً فوق رأسها، ويد أخرى تكمم فمها..
حدقت بهلع في وجهه، وانتابها خوف شديد..
حدجها باسل بنظرات محتدة قبل أن ينطق بصوت هامس مرعب:
-دلوقتي نقدر نتكلم على راحتنا!
انتفضت إيناس بجسدها محاولة الخلاص منه، لكن مقاومتها لا تذكر أمام سيطرته عليها..
رمقها بنظرات أكثر حدة، وتابع بنبرته الخافضة والمحتقنة:
-بقى انتي بتتحديني يا إيناس؟!

هزت رأسها نافية وهي تنظر له برعب..
كز على أسنانه ليضيف بهدوء:
-أنا هاشيل ايدي من عليكي، وإياكي تصرخي، سامعة! أنا بأحذرك!
أومأت برأسها عدة مرات إذعاناً لأمره، فأبعد يده ببطء عن فمها، ثم أرخى قبضته عن معصميها، وتراجع بحذر عنها..
التقطت إيناس أنفاسها، وظلت أنظارها معلقة بباسل إلى أن ترك لها مساحة للحرية، فتمكنت من الاعتدال وتراجعت زاحفة للخلف..

وقف هو على قدميه، وكتف ساعديه أمام صدره ونظر لها مطولاً بثبات..
لملمت شتات أمرها، ووقفت على ساقيها وهي لا تصدق ما فعله باسل تواً..
هو اختطفها على مرآى ومسمع عائلتها، واحتجزها قسراً في غرفتها، وهي الآن مجبرة على البقاء معه صامتة ودون إبداء أي مقاومة..
ضغط باسل على شفتيه، وهمس بنبرة مغلولة:
-بقى أنا أبيه باسل؟!
ازدردت ريقها بخوف، وتوترت نظراتها وهي تجيبه بنبرة مرتعدة:
-مش، مش إنت آآ..

أرخى ساعديه فجأة، فانتفضت في وقفتها، وقاطعها قائلاً بصرامة وهو يشير بإصبعه محذراً:
-إياكي تقوليها تاني!
هزت رأسها بإيماءات متكررة، وردت عليه بخنوع:
-ماشي!
أكثر ما كان يفزعها منه، هو نظراته المشتعلة تجاهها..
لا تعرف لماذا هربت منها شجاعتها وجرأتها هكذا دون سابق إنذار..
ربما لأن المفاجئة كانت مباغتة، فجعلتها عاجزة عن التفكير – مؤقتاً – بوضوح.

جاب باسل بعينيه بنظرات متفحصة لهيئتها من رأسها لأخمص قدميها وهو يقول بتهكم:
-ايه اللي عملاه في نفسك ده؟
ابتلعت ريقها محاولة الحفاظ على ثبات نبرة صوتها وهي تجيبه:
-أنا، أنا عملت ايه؟
ضغط على شفتيه بقوة ليمنع نفسه من الصراخ، ثم همس بغضب وهو يشيح بيده في الهواء ومشيراً إلى هيئتها:
-ايه المنظر اللي أنا شايفك بيه ده؟!

نظرت إلى نفسها بإستغراب، وحدقت في ثيابها المنمقة بتعجب، ثم ردت عليه بتوتر وهي قاطبة لجبينها:
-أنا لابسة فستان!
التوى ثغره بتهكم وهو يردد بسخط:
-فستان! وده من امتى إن شاء الله؟
رأت نظرات السخرية والإستهزاء في عينيه، فإشتعل غضبها الذي خبى من خوفها، واستعادت سريعاً شجاعتها، وتلونت عيناها بحمرة غاضبة، واكتسى وجهها بالغضب، ثم ردت عليه بتحدٍ سافر وهي متجهمة في تعابيرها:
-من دلوقتي!

استفزهه عدم اكتراثها به، ونطق من بين أسنانه بغلظة:
-والله! كده عادي
ردت عليه ببرود متعمدة إغاظته:
-ايوه، هو هيفرق معاك في حاجة!
ثم نظرت له بحدة، وتابعت بنبرة شبه متعصبة:
-إنت مش قولت عني إني شبهك وعندي دقن وشنب، ومحدش هيبصلي أصلاً، مالك مضايق بقى لما ألبس أي حاجة تعجبني، ده مايخصكش!
اتسعت حدقتيه بغضب كبير، وهتف بصعوبة واضحة وهو يحاول مسك زمام الأمور قبل أن تنفلت أعصابه ويفعل ما لا يحمده عقباه:.

-وأنا لما أقولك كده انتي تتهبلي وتعملي المسخرة دي؟!
فغرت شفتيها لتردد بحنق وقد ارتفع حاجبيها للأعلى في استنكار:
-نعم، مسخرة؟!
رد عليها بحدة وهو يقترب منها:
-ايوه، لما تلبسي فستان مبين سمانة رجلك كلها، وشوية وطالع على فخادك، ده أسميه ايه!
احتقن وجهها بحمرة أخرى خجلة امتزجت مع حمرتها الغاضبة بسبب تلميحه الجريء، وإرتبكت من نظراته الموحية بأنها كاشفة لجسدها بطريقة مثيرة، وصاحت فيه بحنق:
-انت قليل الأدب.

وقف قبالتها، وسلط أنظاره على مساحيق التجميل التي جملت بها بشرتها، وهتف بسخط وهو يرمقها بنظرات ساخرة:
-ولا الهباب اللي حطاه على وشك ده
بدت كمن ينفث دخاناً من أذنيه من فرط غضبها المتأجج من أسلوبه الفج في التحقير من جمالها، ورددت بذهول من إستهزائه المهين بها:
-هباب!
هز راسه بإيماءة قوية وهو يجيبها بصوت قاتم:
-ايوه، من امتى يا إيناس بتحطي روج على بؤك؟

نجح باسل في إشعال غضبها، وأوشك على الصراخ به، لكنها أثرت أن تستخدم معه أسلوبها البارد الغير مكترث به لتشعره بعدم أهمية رأيه فيها، لذا عقدت ساعديها أمام صدرها، ونظرت له بلا مبالاة، وردت قائلة بتناكة:
-على فكرة اسمه lip gloss مش روج!
نظر لها بسخط، ثم هتف فيها بتهكم:
-أيوه، هنفضنا بقى من الزفت اللي عملاه، ونمسك ده اسمه نيلة ولا هباب!
هزت جسدها وهي تشيح بوجهها للجانب لتقول بعدم اهتما:
-والله أنا حرة.

رد عليها بنبرة مغلولة من أفعالها الغير مبالية:
-لأ مش حرة!
سألته ببرود مصطنع وهي ترمش بعينيها بدلال:
-ليه يعني؟ أنا قبل ما بأعمل أي حاجة بستأذن أهلي، وماما كانت موافقة على آآ…
لم تكمل إيناس جملتها الأخيرة للنهاية حيث قبض باسل على فكها بيده، فشهقت مذعورة، وسألته بنبرة متحشرجة وهي تحاول تخليصه من قبضته:
-إنت بتعمل ايه؟
نظر لها بشراسة، وأردف قائلاً بصوت آمر:
-امسحي المسخرة دي!

حركت رأسها بعنف محاولة تحريرها وهي تقول بصعوبة:
-اوعى سيبني!
مد باسل يده الأخرى ليمسح براحتها أحمر الشفاه من على شفتيها بإنفعال واضح، وتابع قائلاً بصوت غليظ:
-بلاش قلة أدب!
حاولت إيناس أن تمنعه من إكمال إفساد زينتها وهي تهتف بصوت مختنق:
-بس، بهدلت الميك آب!
هددها باسل بنبرة عدائية صريحة وشديدة اللهجة وعيناه مثبتتان عليها:
-لو تاني مرة شوفتك حطاه ولا غيرتي في شكلك صدقيني هاندمك!

جاهدت لتفلت فكها من قبضته، وردت عليه بغيظ:
-إنت ايه، ده أنا آآ…
قاطعها قائلاً بنبرة غامضة:
-اسمعيني كويس، إنتي لسه صغيرة، بس مش هاتفضلي كده على طول
نظرت له بنظرات مرتجفة وهي تحاول استنباط المغزى من وراء كلماته تلك…
لم يمهلها الفرصة للتخمين أو التفكير، وتابع بصوت جاد للغاية:
-معاكي سنتين بالكتير، عاوزك فيهم دكر، عسكري ماشي قصادي، وتكملي بس 18 سنة وهنتفاهم بعدها!

ارتفع حاجبيها للأعلى في صدمة، واتسعت حدقتيها في ذهول كبير، وخفق قلبها وتسارعت نبضاته مما قاله، فهي لم تتوقع أن يتفوه بمثل هذا التصريح الجريء..
هو يعدها كخطيبة له، بل ويفرض تسلطه عليها دون وجود رابط رسمي أو علاقة شرعية، لكن كلماته كانت حادة كالسيف…
هتفت مشدوهة هي تحاول استيعاب هذا الكم الهائل من الصدمات المتتالية المصحوبة بالقرارات الجريئة:
-هاه!

طالعها بنظرات متملكة ومغترة وهو يرى تأثير كلماته عليها، ثم أكمل بهدوء واثق:
-اه، قبل ما أنسى كلمة أبيه دي تمسحيها من قاموس الكلمات نهائي!
حاولت أن تعترض على تحكماته الغير عقلانية معها، فهتفت بصعوبة من بين شفتيها المضغوطتين:
-إنت، آآآ…
قرب رأسه منها، وصاح بنبرة شبه مخيفة:
-ششش، نصيحة مني بلاش تزعليني، أنا زعلي وحش على الأخر!
ارتجفت من تهديده الجاد، وابتلعت ريقها بتوجس واضح..

أرخى ببطء يده عنها، فوضعت كفها على ذقنها لتفركه من ذلك الآلم الذي سببه به..
ابتسم لها بغطرسة، ثم أردف قائلاً بصرامة:
-واعملي حسابك مش هتخرجي من أوضتك النهاردة!
تحولت من وديعة مستكينة إلى عصبية متهورة بعد قراره الأخير، وتحدته متسائلة بجرأة:
-ومين هايمنعني؟!
رد عليها بثقة مغترة:
-أنا
ثم تحرك في اتجاه الباب ليسحب منه المفتاح، فلحقت به وهي تسأله بصوت غاضب:
-انت بتعمل ايه؟
دفعها من كتفها للخلف وهو يقول بجمود:.

-ابعدي!
أصرت على تخطيه، والخروج من الغرفة، وصاحت بنبرة منفعلة:
-لأ استنى، أنا مش هاتحبس هنا!
أمسكها من كتفيها، وأبعدها عنوة للخلف وهو يقول بصوت جامد:
-ارجعي لورا!
أزاحت يديه عنها بإنفعال ظاهر في تصرفاتها، وهتفت بإصرار وهي تتوعده:
-لأ، والله لو قفلت الباب وحبستني لأزعق وأخليهم يفتحولي وآآ…
قاطعها قائلاً بنبرة غامضة وهو ينظر لها بغرابة أجفلتها قليلاً:
-بصي انتي حطي هيموكلار بعد كده عليها.

عقدت ما بين حاجبيها في إندهاش مما قاله، ورددت متساءلة:
-ايه، هيموكلار؟
ابتسم لها قائلاً بهدوء:
-ايوه!
سألته بعدم فهم وهي ترمقه بنظرات غريبة:
-ليه إن شاء الله؟
أجابها بهدوء مريب:
-عشان دي
سدد باسل لكمة قوية ومباغتة أسفل فك إيناس مما جعلها تتأوه من الآلم الشديد قائلة:
-آآه…

وباغتها بأخرى أشد قوة فقدت وعيها على إثرها، ولف ذراعه حول خصرها ليحول دون سقوطها، ثم انحنى ليمرر ذراعه الأخر أسفل ركبتيها، وحملها، واتجه به نحو فراشها، ثم أسندها عليه برفق، وحدق فيها بنظرات أسفة قبل أن يهمس لها في أذنها:
-سامحيني، بس أنا بأغير على خطيبتي المستقبلية!
ثم طبع قبلة أعلى جبينها، ومسح على ذقنها برفق بأنامله، واعتدل في وقفته، ثم تحرك بخطوات حذرة في اتجاه الباب، وفتحه، ومن ثم سحب المفتاح،.

واستدار برأسه ناحيتها لينظر إليها لمرة أخيرة، ثم التفت في اتجاهه، وخرج بهدوء، وأغلق الباب خلفه، ثم أوصده من الخارج بالمفتاح، وتركه بمكانه، وسار في اتجاه الصالة وعلى ثغره ابتسامة إنتصار مغرية…
أرسلت هند إلى رفيقتها هدير تلك الصورة التي التقطتها مع إيناس خلال حفل عيد الميلاد لترى التغيير الجذري الذي حدث لها، وكيف تحولت إلى إحدى الجميلات ذات الذوق العالي في الأناقة، فما كان من الأخيرة إلا هاتفتها على الفور، فأجابت عليها هند وهي تقف في الشرفة لتتجنب الضوضاء العالية..
استمعت هي إلى صوت هتاف غاضب من الطرف الأخر يعنفها:
-أنا بعتاكي عشان تبوظي الدنيا، تقومي تحرقي دمي.

ردت عليها هند بإمتعاض:
-يعني عاوزاني أبوظه ازاي؟ ده احنا في بيت كله ظباط
صاحت بها بنبرة منفعلة:
-كنتي اتصرفي وعرفيني من بدري!
ردت عليها هند بحذر:
-ما أنا لما شوفتها اتفاجئت إنها عاملة كده، وبصراحة هي طلعت مزة جامدة!
اغتاظت هدير من وصف رفيقتها لإيناس، وظنت أنه مبالغ فيه، فهتفت بنبرة محتدة:
-هند، مترخمييش، خليكي متبعاها كويس
ردت عليها هند بإيجاز:
-طيب
تساءلت هي بإهتمام واضح في نبرتها:
-اومال باسل موجود؟

اجابتها هند بجدية:
-اكيد طبعاً
زاد حنقها، وتابعت نبرة مغلولة:
-كمان، اووف، من ساعة اللي حصل وهو مش بيرد على أي رقم غريب!
ردت عليها هند موضحة بنبرتها الخافتة:
-ما هو انتي اتصرفتي غلط، كان المفروض آآ…
قاطعتها هدير قائلة بجدية:
-هند بلاش تفترضي حاجات دلوقتي، وركزي في اللي عندك، وبلغيني بكل جديد!
-اوكي، باي!
قالتها هند وهي تتجه عائدة إلى الصالة لتراقب الوضع…

ولج باسل إلى داخل المطبخ ليغسل كفه الذي تلطخ ببقايا أثار أحمر الشفاه الخاص بإيناس..
وضع القليل من سائل التنظيف في راحة يده، وفركها مع الأخرى جيداً محاولاً إزالته..
ضغط على شفتيه بقوة، وتمتم بخفوت مع نفسه بتهكم:
-ده عاوز تنر ( مادة مذيبة ) عشان يطلع من ايديا، هي كانت حاطة بوهية على بؤها!
دخلت إسراء إلى المطبخ هي الأخرى وهي تحمل عدة صحون متسخة، وابتسمت لباسل قائلة بود:.

-انت فين يا باسل، أنا عملالك طبق محترم برا على السفرة
انتبه لصوتها، وأجابها بهدوء وهو يدير رأسه في اتجاهها:
-أنا موجود هنا، كنت بأغسل ايدي!
سألته بغرابة وهي قاطبة لجبينها:
-طب ما روحتش الحمام ليه؟!
تنحنح بحرج بسبب سؤالها المباغت هذا، فمن الطبيعي أن يتوجه الشخص للمرحاض لغسل يديه، لكن وجوده في المطبخ ربما يثير ريبتها، وببراعة حافظ على ثبات إنفعالاته وهو يجيبها:
-احم، كان تقريبا في حد فيه!

ردت هي عليه بنزق وهي تسحب عدداً من الصحون النظيفة من دولاب المطبخ:
-تلاقيها البت إيناس، ماهي مش باينة من بدري!
هز كتفيه في عدم إكتراث وهو يردد بفتور:
-جايز برضوه!
تابعت هي قائلة بجدية:
-أما أروح أشوفها واستعجلها، لأحسن دي لما بتدخل فيه بتبات هناك!
رد عليها باسل بإيجاز:
-براحتك
وقبل أن تنصرف من أمامه، أدارت رأسها ناحيته وهتفت بإلحاح جاد:
-ماتنساش الجاتوه والحاجة الحلوة برا على التربيذة!
ابتسم قائلاً بهدوء:.

-ماشي، تسلم ايدك
زادت ابتسامته المغترة إتساعاً لنجاحه في ابعاد الشكوك عنه، وتبعها إلى الخارج بعد لحظات بعد أن جفف يده بمنشفة ورقية..

أمسكت سابين بالشوكة لتقتطع قطعة من قالب الحلوى وتناولتها في فمها، وعيني مسعد لم تفارقها للحظة..
كان ينظر لها بهيام واضح مستمتعاً بقربها منه..
هو يعرف أنه من الخطأ التمادي في هذا الإحساس، وليس من المفترض أن يحبها، لكنه لم يقاوم تأثيرها الذي تغلل فيه، وأصبحت أهم شيء في حياته..
شعرت هي بنظراته المسلطة عليها دون أن ترفع وجهها إليه..
لكن قلبها كان في حالة ثورة هائلة، يخفق بقوة وتتسارع دقاته بتلهف..

هي محافظة على هدوء تعابير وجهها، وسكون تصرفاتها، لكنها كانت تتقاتل من داخلها..
هي تحب التواجد معه، تتمتع بتلك اللحظات التي يكونان فيها سوياً، وأصبح وجوده في حياتها جزءاً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه، إن لم يكن كلياً..
أهذا هو الحب؟ هكذا تساءلت مع نفسها بخجل..
مد مسعد يده بقطعة جاتوه مغروزة في شوكته، وهمس لها برجاء:
-ممكن تاكلي دي مين؟
هزت رأسها نافية بإيماءة خفيفة، وأجابته معترضة:.

-نو ( لا ) موسأد، أنا زيد في كالوريز ( دهون )
عبس بوجهه مردداً بإندهاش:
-كلور! لأ دي معمولة بالسمن البلدي ومتوصي عليها
ابتسمت لطرفته المازحة، وردت عليه موضحة:
-أقصد أنا هاكون Fat ( زائدة الوزن )
ابتسم لها قائلاً بمرح:
-اللي فات مات يا سابين، كلي بس!
اقترب أكثر منها، وهمس لها بحرارة شعرت بها على وجنتها وهو يتابع بإلحاح:
-ماتكسفيش ايدي، وحياتي عندك، وحياة آآ، مش عارفين بس، كليها، دي قطمة!

ابتسمت له بإستحياء وهي ترد عليه هامسة:
-اوكي
تنهد بحرارة أكثر وهو محدق بها بنظراته المتأملة لأدق تفاصيلها التي بات يعشقها بشدة..

راقبتهما صفية بإبتسامة عريضة متشكلة على ثغرها، وغمغمت مع نفسها بتضرع وهي ترفع كفيها للأعلى:
-يا رب يفرح قلبك يا حبيبي، وتكون هي المناسبة ليك!
وقف إلى جوارها زوجها محمد، وسألها بإستغراب:
-انتي بتدعي على مين كده؟
ردت عليه بتجهم قليل:
-أنا بأدعي لابني ربنا يعدلهاله ويلاقي بنت الحلال.

نظر إلى حيث هي تنظر، وزفر بخفوت، فهو قد فهم مقصد زوجته، ولكنه لم يرد إفساد فرحتها الزائفة لأنه يعلم مسبقاً أن وجود سابين هنا في منزل العائلة مؤقتاً، وقريباً سترحل عن هنا، وينتهي كل شيء..
راقبها وهي ترمق الاثنين بنظرات متفائلة، فأشفق عليها، فهي في النهاية أم تريد أن تفرح بفلذة كبدها وترى أحفاده يركضون حولها..
لف ذراعه حول كتفيها، ومازحها قائلاً:
-واضح كده إنك لاقيتيها
أجابته صفية بثقة:
-ايوه!

رد عليها مداعباً إياها وهو يضغط على كتفها بقبضة يده:
-مع إنها خسارة في ابنك
عبس وجهها بشدة، وارتفع حاجبها للأعلى في استنكار، ووبخته بصوت قاتم:
-جرى ايه يا سيادة اللوا، تكونش حاطط عينك عليها؟
رد عليها بجمود:
-لا عيني ولا ايدي! أنا داخل أخد الدوا بتاعي وأغير هدومي خليني أرتاح من الدوشة دي كلها!
ردت عليه بتبرم:
-يكون أحسن برضوه!
تركها وإنصرف وهي تتمتم مع نفسها بكلمات مبهمة..
-بعد اذنك يا حاجة صفية!

التفتت هي إلى صاحب الصوت الرجولي المألوف بعد تلك العبارة الأخيرة، فرأته المعلم كريم، فابتسمت له وهي تردد:
-منورنا والله يا مستر، إن شاء الله تكون اتبسطت النهاردة
رد عليها بنبرة مجاملة:
-الحفلة كانت كويسة، وعيد ميلاد سعيد على الباشا مسعد
هتفت صفية بود:
-تسلم يا رب
أضاف هو قائلاً بهدوء:
-ومبروك لإيناس على نجاحها، أنا بأدور عليها مش لاقيها
ردت عليه بعبوس قليل وهي تتلفت برأسها للجانبين باحثة عن ابنتها:.

-تلاقيها بس هنا ولا هنا، مشغولة مع أختها وبتشوف الضيوف
هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يقول:
-أها، ربنا معاها
ثم مد يده بعلبة طولية صغيرة موضوعاً بداخلها قلم حبر ذهبي، وأوضح قائلاً:
-عموماً، أنا كنت عاوز أديها الهدية المتواضعة دي، حاجة بسيطة تقديراً مني على تفوقها الدراسي!
أخذتها منه صفية، وشكرته قائلة بإمتنان:.

-كتر خيرك يا مستر، مكانش ليه لازمة تكلف نفسك والله، كفاية إنك شرفتنا النهاردة، وتعبك ومجهودك اللي باين معاها طول السنة!
رد عليها بجدية:
-إيناس تستاهل كل خير، وأتمنى أشوفها دايماً على القمة
هتفت بتهذيب:
-يا رب يسمع منك يا مستر كريم!
تنحنح بصوت خفيض قبل أن يتابع بنبرة ثابتة:
-طب أستأذن أنا بقى، وفرصة سعيدة إني شوفتكم النهاردة
ردت عليه بجدية:
-ما لسه بدري، خليك شوية كمان وآآ…
قاطعها قائلاً بإصرار:.

-معلش ورايا إرتباطات!
ابتسمت له بدفيء وهي تودعه:
-أنست وشرفت يا مستر، وخلينا نسمع صوتك
رد عليه بإقتضاب:
-إن شاء الله!

يئست إسراء من إيجاد أختها في أي مكان بالمنزل، فتشت عنها في المرحاض، وفي الشرفة، وفي غرفة والديها، وأخيراً أخيها، وفي النهاية قررت البحث عنها في غرفتها..
تعجبت من وجود مفتاح الغرفة بالخارج، وأدارت المقبض فتفاجئت بالباب موصوداً..
ورددت مع نفسها متساءلة بإندهاش:
-وده مين اللي قفله بالشكل ده؟
لوت ثغرها للجانب وهي تكمل بضجر:
-تلاقي حد من القردين اللي معايا عمل نصيبة ومش قايل!

قامت بفتح الباب وتفاجئت بوجود إيناس بها غافية على الفراش، فزادت دهشتها، واقتربت من فراشها، وهتفت فيها بنبرة مرتفعة:
-نوسة، إنتي نمتي ولا ايه؟
نظرت لوجهها فرأته ملطخاً، ومساحيق التجميل الموضوع على قسماتها قد فسد إلى حد كبير، فعقدت ما بين حاجبيها بريبة، وتساءلت بغموض:
-البت دي جرالها إيه؟
هزتها من ذراعها بقوة وهي تصيح فيها:
-نوسة، بت يا نوسة، فوقي، انتي أخدة منوم ولا ايه؟!

ظلت تهزها عدة مرات حتى بدأت تفيق تدريجياً..
استغرقها الأمر عدة دقائق لتستوعب ما حدث لها..
وضعت إيناس يدها على فكها تتحسس الآلم الرهيب الذي أحدثه باسل به..
اشتعلت عيناها غضباً، وكزت على أسنانها لتقول بهمس غاضب:
-ماشي، والله ما ساكتة
نظرت لها إسراء بريبة ورددت بعدم فهم:
-إنتي حصلك ايه؟ ومين بهدلك كده؟ اوعي يكون حد من العيال عمل فيكي مقلب
نفخت بحنق وهي تقول:
-اه ما هو عيل بارد ورخم.

ابتسمت لها بود، وربتت على ذراعها قائلة بحرج:
-معلش، مش قادرة عليهم لوحدي، أبوهم مدلعهم على الأخر!
ردت عليها إيناس بتبرم:
-خلاص يا إسراء، مش مشكلة
دققت إسراء النظر في وجه أختها، ورأت تلك الكدمة البارزة والملتهبة عند فكها بوضوح، فسألتها مندهشة وهي تمد يدها لتمسكها:
-بس إيه الكدمة الحمرا دي؟ هو انتي وقعتي؟
أبعدت إيناس يدها عنها بتأفف وهي تعيد رأسها للخلف، وردت عليه بنبرة محتقنة:
-أه خدت بوكس!

رفعت إسراء حاجبها للأعلى بتعجب، ورددت مندهشة:
-نعم
أدركت إيناس أن لسانها قد زل بحماقة قد تودي بيها إلى كارثة حقيقية إن عرفت أختها الكبرى ما حدث، فإرتبكت قليلاً وهي تجيبها كاذبة:
-قصدي دخلت في بوز التسريحة
تفحصتها إسراء بعدم اقتناع، ولوت ثغرها وهي تردد بجدية:
-مش تاخدي بالك!
ردت عليها إيناس ساخرة:
-حاضر المرة الجاية هابقى ألبس خوذة!
نظرت لها إسراء شزراً بسبب اسلوبها التهكمي، وتابعت قائلة بلهجة آمرة:.

-طيب قومي اغسلي وشك ورتبي نفسك وآآ…
قاطعتها إيناس قائلة بإرهاق:
-لأ أنا هاغير هدومي وأرتاح
هزت إسراء موافقة إياها، فلا داع لوجدها الآن، لأن الحفل قد أوشك على الإنتهاء، وهتفت بفتور:
-ماشي، هو معظم الناس أصلاً مشيوا!
نفخت إيناس قائلة بإرتياح:
-كويس
استدارت إسراء بظهرها لتتجه نحو باب الغرفة، وأشارت بيدها وهي تكمل بنفس الصوت الآمر:
-طب يالا، غيري هدومك عقبال ما أجيبلك تلج تحطيه عليها
ردت عليها إيناس بهدوء:.

-ماشي يا إسراء
انتظرت خروج أختها من الغرفة، فنهضت عن الفراش، واتجهت نحو المرآة لتنظر إلى هيئتها..
قربت ذقنها منها، وحدقت فيها بنظرات مشتعلة حينما رأت أثر الكدمة البارز..
ضغطت على شفتيها بغيظ كبير، وهتفت متوعدة بنبرة عدائية:
-والله ما سكتالك يا بسلة! أنا تديني بالبوكس؟ ماشي، هاتشوف!
تحسست موضع الآلم برفق، ثم حكت رأسها بيدها الأخرى وتساءلت مع نفسها بفضول:
-وبعدين ايه حكاية مهلة سنتين دي كمان؟!

ودعت صفية معظم الضيوف، واصطحبتهم إلى باب المنزل بعد أن ألقى عليه التحية مسعد..
كان باسل على وشك الإنصراف لكن منعه رفيقه قائلاً بجدية:
-استنى يا باسل، مش عاوزك تمشي الوقتي
سأله الأخير باستغراب:
-ليه؟
أجابه مسعد بنبرة شبه حزينة وهو ينظر في اتجاه سابين:
-أنا جاي معاك هنتكلم تحت في كام حاجة، بس هاقعد مع سابين الأول
سأله باسل بجدية وهو يشير بعينيه:
-انت هاتقولها اللي حصل النهاردة؟

هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يجيبه قائلاً:
-ايوه، لازم تعرف، محدش ضامن بكرة هايحصل فيه ايه
تفهم الأخير رغبته، ورد عليه بنبرة عادية وهو يشير بيده:
-ماشي، هاروح أساعد الست صفية تكون انت انجزت
لوح مسعد بيده له، وأردف مازحاً:
-اه يا ريت، وابقى سيأ ( امسح ) الأرض بالمرة
اغتاظ باسل من رد رفيقه الأخير، وعنفه قائلاً بغلظة:
-مش خدام أهلك أنا
ابتسم له مسعد ببلاهة وهو يقول بحذر:.

-بهزر معاك يا باسل، متخدش الموضوع على صدرك يا أخي!
نظر له الأخير بحدة، ورد عليه بإيجاز:
-ماشي
تحرك مسعد في اتجاه سابين التي كانت تجمع الصحون المتسخة معاً على الطاولة لترصها فوق بعضها البعض لتحملها مرة واحدة، ووقف إلى جوارها، ثم ابتسم لها بحزن وهو يستأذنها بصوت خافت:
-سابين، ممكن كلمة
بادلته ابتسامة رقيقة وهي ترد عليه:
-شور ( بالطبع ) موسأد!
أشار لها بيده وهو يكمل بصوت هاديء يحمل الجدية:.

-تعالي، هانقعد في البلكونة شوية
أومأت برأسها إيجاباً مرددة برقة:
-اوكي
ثم تحرك الاثنين في اتجاه الشرفة ليجلسا فيها سوياً وبعيداً عن أعين المتطفلين…

وقف باسل في منتصف الصالة يتلفت حوله بحيرة محاولاً التفكير في كيفية مساعدة السيدة صفية في ترتيب المنزل وإعادته لوضعه السابق بعد انصراف الضيوف منه..
تفاجيء بمن بجذبه من كف يده مردداً بإلحاح:
-عمو، هاتلي الحتة اللي هناك دي!
نظر باسل إلى جانبه فرأى الصغير فارس ينظر له بنظرات قوية، فابتسم له بتصنع وهو يقول:
-انت ماشبعتش يا بني، هايجيلك اسهال
رد عليه فارس بعبوس:
-دي فيها شوكولاته وأنا بأحبها، هاتها بقى!

أحضر له باسل قطعة الجاتوه المتبقية الموضوعة أعلى الرف الزجاجي، والتي تركها أحد المدعوين هنا دون أن يمسها، وأعطاها للصغير وهو يقول بهدوء:
-خد يا بني
زادت ابتسامة فارس إتساعاً، وهتف بسعادة وهو يقطمها في فمه:
-مشكر!
استدار باسل برأسه للجانب فلمح السيدة صفية وهي تنحني لتجمع بقايا علب المشروبات الزجاجية الفارغة، فاتجه إليها، وهتف متساءلاً:
-عاوزة مساعدة يا طنط؟

اعتدلت في وقفتها، ووضعت يدها على خصرها، وتنهدت في إنهاك وهي ترد عليه:
-كتر خيرك يا بني، الناس قلبوا البيت وبهدلوه!
رد عليها بأسف وهو يجوب بعينيه المكان بنظرات عامة وشمولية:
-ايوه، ماهو عشان كده معدتش حد بيعمل أي مناسبة في بيته!
وافقته الرأي قائلة بتعب:
-عندهم حق، احنا لسه ورانا هم ما يتلم، عاوزين نروق المكان ده كله ونضفه!
هز رأسه بالإيجاب، وتابع بصوت هاديء وهو يشير بيده:.

-أها، طب شوفي عاوزاني أعمل ايه وأنا موجود!
ابتسمت له بود لعرضه المساعدة، وربتت على ذراعه قائلة بإمتنان:
-وده يصح بردك، انت تقعد يا حبيبي، وأنا هاجيب ( المكسحة ) اللي عندي تساعدني!
تعجب من ذلك اللقب الذي قالته، وسألها بفضول وهو قاطب جبينه:
-قصدك مين؟
أجابته بإمتعاض وهي تشير بيدها:
-هو في غيرها إيناس، مش شايفاها من بدري، تلاقيها بس عاملة الشويتين دول عشان تهرب من ترويق البيت وتنضيفه معايا!

حك باسل مؤخرة رأسه بحرج، فهو يعرف السبب الحقيقي لإختفاء إيناس الغير مبرر، وحاول الدفاع عنها دون أن يثير ريبة والدتها، فتشدق قائلاً بحذر وهو يتنحنح بصوت خفيض:
-احم، اعذريها يمكن، آآ، تعبانة ولا حاجة!
تنهدت صفية بإنزعاج وهي ترد عليه:
-ربنا يعين اللي هايتجوزها، محتاج طولة بال وصبر، دي تجنن العاقل يا بني!
ابتسم لما قالته، ووافقها الرأي قائلاً:
-اه والله، عندك حق!

خرجت إيناس من الغرفة بعد أن بدلت ثيابها بمنامة طويلة، كنزتها من اللون الأحمر ومطبوع عليها رسمة كرتونية، أما بنطالها فهو مزيج من اللونين الأحمر والأزرق موضوعة بداخل مربعات كبيرة أو ما يطلق عليه ( بنطال كاروه )..
ظلت تفرك في ذقنها وهي تتأوه بآلم، ثم صاحت بنبرة عالية:
-إسراء، هاتلي التلج اللي يكرمك
أتاها صوتها من داخل المطبخ:
-طيب، هاحطهولك في قربة وجاية
ردت عليها إيناس بإمتعاض:.

-طيب، بس أوام الله يكرمك
ثم اتجهت بعدها إلى الصالة بخطوات متثاقلة لتجلس على الأريكة بإسترخاء،
نفخت بصوت مسموع، وحدقت أمامها بنظرات عادية، ولكن اتسعت مقلتيها بشدة، و تصلبت في جلستها حينما رأته جالساً قبالتها.
اتسعت حدقتي إيناس في صدمة واضحة، وارتفع حاجبيها للأعلى في ذهول بائن حينما رأت باسل يجلس قبالتها..
وسريعاً تحولت تعابير الاندهاش إلى تعابير غاضبة ومحتدة..
حافظ هو على برود أعصابه، وتفوس فمه بإبتسامة مغترة وهو يطالعها بنظراته الثابتة الواثقة، ثم استرخى في جلسته بأريحية تامة، ووضع ساقاً فوق اﻷخرى ليثير استفزازها أكثر
، وأردف قائلا ببرود وكأنه لم يرتكب شيئاً بحقها:.

-أخبارك ايه دلوقتي؟
اشتعلت عيناها، وكزت على أسنانها بحدة وهي تجيبه بإنفعال خافت:
-انت لسه قاعد، لأ وكمان بتسأل عاملة ايه؟!
رمقته بنظراتها المحتدة، وتابعت بنبرة شبه مهينة:
-بجد انت آآ…
وقبل أن تكمل جملتها قاطعها قائلاً بنبرة محذرة وهو يشير بعينيه:
-لو هتغلطي فيا، يبقى أحسنلك تلمي لسانك!

احتقن وجهها بحمرة غاضبة، هو تعمد إيذائها، وها هو يملي شروطه المهددة عليها، وهتفت من بين أسنانها بغيظ وهي تقبض على مسند الأريكة بقبضتها:
-انت مش شايف عملت فيا ايه؟!
ابتسم لها ببرود هاديء، فتعصبت أكثر، وأكملت بتهكم ساخط:
-وكل ده عشان كنت لابسة فستان وعاوزة أحضر عيد ميلاد أخويا!

لم يجبها، بل جمد تعابير وجهه، وأبعد نظراته عنها كي لا ترى فيهما اهتمامه الواضح بها، فلا يصح مطلقاً في هذا التوقيت أن يبوح لها بما يكنه من مشاعر نحوها..
هو عاهد نفسه على أن يظل ملازماً لها حتى تنضج أكثر، فيتمكن وقتها من الإفصاح عن إحساسه تجاهها..
أغاظها أسلوبه المتحكم بها، هي لا تخصه في شيء، وهو يقف لها بالمرصاد على ما تفعله حتى وإن كان عادياً..

حضرت إسراء وهي تحمل في يدها كيساً مليئاً بمكعبات الثلج وصاحت بجدية:
-خدي يا نوسة، حطي ده على دقنك عشان الورم يخف شوية!
لم تحد إيناس بعينيها عن باسل وهي تتناول الكيس من أختها الكبرى، لكن من يتأملها بنظرات دقيقة سيرى تعابير الغضب المنذرة بإنفجار وشيك..
وجهت إسراء حديثها لباسل قائلة بمرح:
-والله انت مأنسنا ومشرفنا يا باسل، نتعبلك ان شاء الله يوم فرحك!
ابتسم لها مجاملاً وهو يرد بهدوء:
-ان شاء الله.

سألته إسراء بفضول وهي تهز حاجبها قليلاً:
-على كده مافيش حاجة كده ولا كده يا باسل؟!
ثم تلوى ثغرها بإبتسامة فضولية وهي تحاول معرففة بعض التفاصيل الشخصية عنه..
فهذا هو طبعها المعروف لدى الجميع، تقصي أخبار الغير ممن لهم صلة قرابة أو معرفة وطيدة بالعائلة..
عبس باسل بوجهه وضيق نظراته قليلاً، ثم أجابها بجمود موجز:
-لسه!
أضافت إسراء قائلة بتحفز وهي تلوح بيدها:
-لسه! طب ليه كده!
رد عليها بفتور:
-عادي.

تابعت إسراء قائلة بإستنكار:
-البنات اتعموا عنك فين، ده انت ماشاء الله ابن ناس وحاجة!
لوت إيناس فمها في تهكم واضح وهي ترمقه بنظرات إزدراء عقب جملة أختها اﻷخيرة، ووضعت كيس الثلج على فكها لتسكن الوخزات التي تصيبها من آن لأخر بسبب آلم ذقنها المتورم..
رد باسل عليها بإقتضاب:
-لسه بدري!
عاتبته إسراء قائلة بجدية:
-انت هتعمل زي صاحبك مسعد، برضوه مش حاطط الجواز في دماغه؟!

هتفت إيناس قائلة بسخرية وهي ترمق باسل بنظرات مستهزأة:
-ماهو اللي زيهم يا إسراء أخرهم يدوا بوكسات وبس، لكن حب وجواز وحركات حلوة مالهومش فيها!
احتقنت عيني باسل نوعاً ما بسبب إهانتها المتعمدة له، وضاقت نظراته المسلطة عليها بقوة..
التفتت إسراء برأسها في اتجاه أختها وسألتها مهتمة:
-ايه معنى اللي بتقوليه ده؟
كانت على وشك الرد عليها حينما سمعت صوت والدتها يهتف بصياح:
-بت يا نوسة خدي دي قبل ما أنسى!

استدارت إيناس برأسها للخلف، وتساءلت بعدم فهم وهي قاطبة لجبينها:
-حاجة ايه دي يا ماما؟!
أجابتها والدتها بنبرة عادية وهي تناولها علبة القلم الذهبي الفاخر:
-ده المستر بتاعك جايبك دي عشان نجاحك
أشرقت عيناها بلمعان غريب، وهتفت بحماس:
-مستر كريم!
استرعى اﻷمر انتباه باسل بشدة، وتأهبت حواسه بالكامل للقتال والفتك بمن حوله وهو يستمع إلى ما يدور، خاصة أن للأمر علاقة بصغيرته التي يحبها ويكابر…

ردت عليها والدتها موضحة:
-اه يا حبيبتي، أعد يدور عليكي عشان يديهالك بس ملاقاكيش!
شعر بالدماء تشتعل بداخله، وبحالة عجيبة من الانفعال المهدد باﻹنفجار في أي لحظة إن لم يسيطر على نفسه ويتحكم بها ببراعة..
ابتسمت إيناس بسعادة وهي تعبث بالعلبة اﻷنيقة بأناملها، وردت بمرح على أمها:
-بجد مافيش زي مستر كريم، انسان ذوق وشيك ومحترم، حاجة كده مش موجودة دلوقتي خالص!

في تلك اللحظة تحولت عيني باسل إلى جمرتين من النيران المتقدة عقب ذكر اسم هذا الرجل المستفز، وحدق في إيناس بنظرات مطولة وقوية، وأنزل ساقه على الأرضية،
وتأهب في جلسته كالفهد المستعد للإنقضاض على فريسته في أي لحظة..
وافقتها والدتها صفية في الرأي، وأكدت قائلة:
-الصراحة أه!
تساءلت إسراء بفضول:
-على كده هو متجوز؟
هزت إيناس كتفيها في عدم معرفة، وأجابتها بهدوء:
-مش عارفة، بس هو مش بيلبس دبلة في ايده!

أوضحت السيدة صفية قائلة بسجيتها:
-ممكن يكون متجوز بس مش بيلبس دبل، زي أبوكي كده!
أضافت إسراء قائلة بجدية:
-صح يا ماما، في رجالة كتير كده، بس هو جنتل
ابتسمت إيناس ببسمة عريضة وهي تجيبها:
-جدا يا إسراء، كل اصحابي في الدرس بيقدروه ويحترموه!

ما كان من حديثهن المجامل للمعلم كريم إلا بنزيناً يسكب بغزارة على النيران المستعرة بداخل باسل ليزيد من تأججها واشتعالها بشراسة، قاوم قدر المستطاع ثورته الداخلية كي لا تنفجر في أوجهن، وخاصة إيناس…

بداخل الشرفة الواسعة،
إستند مسعد على حافة الشرفة، وأخذ نفساً عميقاً حبسه للحظات في صدره، ثم زفره دفعة واحدة، وأردف قائلاً بإبتسامة لطيفة:
-الجو حلو، صح؟
ردت عليه سابين ببسمة مهذبة:
-ييس ( نعم )!
أشار بيده وهو يتابع بصوت هاديء:
-المنظر من هنا جميل، أنا دايماً باحبك أقعد هنا، الهوا بحري ويرد الروح!
هزت رأسها بإيماءة صغيرة وهي تردد:
-شور ( طبعاً )!
هتف قائلاً بإرتياح وهو ينتصب في وقفته:.

-الحمدلله إن مافيش جيران ساكنين قصادنا، كان زمانهم أعدين معانا هنا زي ما بأشوف في الأبراج الجديدة
قطبت سابين جبينها في استغراب مما قاله، وسألته مندهشة:
-ليه؟
أجابها بإمتعاض واضح على تعابير وجهه وهو ينظر نحوها:
-إنتي مش بتبقي عارفة الدنيا بتبقى عاملة ازاي، دول بيبقوا كأنهم جوا البيت وكاشفينا وحاجة قرف بصراحة!
-أها..
تابع قائلاً بإبتسامة متفائلة:
-يالا ربنا ما يجعلي جار وله عينين في شقتي الجديدة!

عقدت ما بين حاجبيها بإهتمام واضح عقب عبارته الأخيرة التي لم تفهم مغزاها، وسألته بفضول:
-ده معناه إيه موسأد؟
أجابها بإبتسامة مصطنعة:
-ده عشان الحسد يا سابين!
رددت بإندهاش:
-هسد ( حسد )!
لوى فمه وهو يقول لها على مضض:
-مسيرك تعرفيه وتجربيه!
أومأت برأسها إيجاباً، ورفعت عينيها لتنظر أمامها بشرود..
جلس مسعد على المقعد البلاستيكي الموضوع بالشرفة، وحركه قليلاً ليكون في مواجهة سابين..

كانت هي مسبلة لعينيها وهي ترمقه بنظرات مرتبكة بين الحين والأخر..
حل الصمت بينهما للحظات، فهو يحاول التمهيد لموضوعين مختلفين لا يقل أحدهما أهمية عن الأخر، وما قاله في البداية ما هو إلا لغو فارغ..
انتظرت هي بصبر حليم مفاتحة مسعد لها بالحديث..
وفي النهاية استطرد حديثه قائلاً بهدوء:
-سابين!
رفعت رأسها نحوه، وردت عليه برقة:
-ييس ( نعم )
ضغط على شفتيه قليلاً، وابتسم لها بود وهو يتابع:.

-شوفي أنا، أنا كنت عاوز أفتحك في حاجتين مهمين!
ردت عليه بإيماءة خفيفة:
-اوكي
تحولت تعابير وجهه للجدية، وتبدلت نظراته الناعمة لأخرى أكثر حدة وقوة..
زفر من صدره نفساً عميقاً قد أخذه، وأكمل بصوت شبه رسمي:
-أنا مش عاوزك بس تقاطعيني في اللي هاقوله الوقت!
استشعرت الخوف من نبرته الغريبة التي لم تعتاد عليها من قبل منه، وسألته بتوجس:
-في ايه موسأد؟

أخفض رأسه للأسفل، ونظر لها بحذر، ثم فرك كفيه معاً، وتنهد بعمق قبل أن يجيبها بتوتر قليل:
-بصي، في البداية أنا، آآ…
انتبهت له، وحدقت فيه بثبات..
ضغط مسعد على شفتيه قليلاً، وزفر بإرتباك..
لا بديل عن الإفصاح الآن، فالوقت يسرقه، وربما با يستطيع تعويض تلك الفرصة..
لذا استجمع رباطة جأشه ليفاتحها فيما يريد، وهتف بنزق:.

-بصراحة مكونتش بأطيقك خالص، يعني قولت عنك بت تنكة، خواجية، شايفة نفسها متنططة على اللي جابونا، مالهاش تلاتين لازمة، أخرها ترتم ( تتحدث ) كلمتين انجليزي والسلام!
شهقت مصدومة من أسلوبه الفج في الحديث عنها بتلك الصورة المؤسفة، وهتفت بعدم تصديق مستنكرة كلماته التي توصفها:
-أوه، كل ده موسأد؟!
هز رأسه نافياً، وأكمل بثقة:
-لأ، لسه في كتير كمان زي رخمة وغتتة، ومعندهاش دم وآآ..

قاطعته قائلة بعبوس من إصراره على التفوه بحماقات:
-بليز، Enough ( كفاية ) موسأد!
شعر هو بضيقها، فرمش بعينيه وهو يتساءل بحذر:
-احم، انا بوخت صح؟
ردت عليه بوجه متجهم:
-ييس ( نعم )
ابتسم لها ببلاهة وهو يبرر تصرفه الأحمق:
-معلش الجلالة خدتني شويتين كده
عضت على شفتها السفلى وهي ترد بإيجاز:
-اوكي!
تنحنح مسعد بخفوت، ثم انتصب بكتفيه، وأكمل بصوت آجش:.

-انتي كنتي بالنسبالي واحدة هطلع من وراها بمصلحة، أروح الحرس الرئاسي وخلاص!
ضاقت نظراتها أكثر، واغتاظت من اسلوبه التهكمي، وقبل أن تفتح شفتيها لتوبخه، تابع بنبرة رخيمة:
-، بس آآ..
سألته بوجوم ظاهر على محياها:
-بس ايه؟
أجابها بإبتسامة هادئة وهو يحدق فيها بنظرات رومانسية:
-لما أعدنا فترة مع بعض، أقصد يعني كنتي معانا في الوحدة وعرفتك عن قريب، وشوفتك على طبيعتك لاقيت إني كنتي غلطان.

لاحظت التحول السريع في تصرفاته، فإرتبكت قليلاً، وأصغت إليه بانتباه..
تنهد بحرارة وهو يضيف:
-طلعتي بنت جدعة وكويسة وعندك أخلاق، وحاجة كده طرية، بسكويتة، بقلاوة تتاكل!
ابتسمت له قائلة بدعابة:
-إنت جآن ( جعان) موسأد؟
رد عليها نافياً وهو يقول:
-لأ، بس إنتي عاملة كده زي الجاتوه السواريه اللي يتخطف خطف من على تربيذة الحلويات، بأوصفك يعني! فهمتيني!
اتسعت ابتسامتها الرقيقة، وشكرته قائلة:
-اوكي، ثانكس!

أكمل مسعد حديثه المطول قائلاً وهو يشير بيده نحو قلبه:
-المهم، أنا معرفش حصلي ايه بعد كده، بس حالي اتشقلب، وقلبي بقى يدق دوم دوم دوم جامد!
تراجعت برأسها للخلف متعجبة مما يفعل، وتساءلت بعدم فهم:
-هاه، what ( ايه )؟
اقترب مسعد منها، وحدق فيها بنظرات ثابتة متأملاً ملامحها، وأخفض نبرة صوته وهو يقول لها:.

-مش قادر أوصف احساسي بالظبط ناحيتك، بس كل اللي انا حاسه وعاوزه إني أفضل على طول جمبك، واشوفك كل يوم، ومابعدش عنك ولا لحظة!
توردت وجنتيها سريعاً من تلميحاته الصريحة عن تعلقه بها، وزاد توترها وخجلها، وهمست بإرتباك:
-أوه، موسأد!
ابتلع مسعد ريقه، وهمس متنهداً:
-سابين! أنا، أنا معجب بيكي بزيادة أوي!
خفق قلبها من تصريحه الصادق، وشعرت بنظراته العاشقة لها، ولم تستطع الرد عليه..
أكمل قائلاً بشغف واضح في نبرته:.

-ويمكن أكون بأحبك!
رددت بصدمة:
-ايه؟
أوضح لها قائلاً بإبتسامة مشرقة:
-مش عارف بالظبط أحدد، لكن حبيت إنك تعرفي ده حتى لو كنتي آآ…
قاطعته قائلة بإرتباك:
-أنا آآ…
قاطعها هو بجدية واضحة:
-مش عاوزك تقولي حاجة دلوقتي، أنا كنت بأقولك على اللي حاسه ناحيتك!
طأطأت رأسها لتتحاشى النظر إليه، لكن تعابير وجهها كانت مرآة لإحساسها نحوه..

فهي الأخرى تكن له المشاعر العذبة، وربما تبادله الإعجاب، لكنها ليست مثله، لا تستطيع الإفصاح عن مشاعرها هكذا..
ابتسم بإطمئنان لرؤيتها في حالة تخبط، ولصمتها أيضاً، فهذا يعطيه الأمل في أنها تكن له أحاسيساً مرهفة مثله، لكنه لن يتعجل اعترافها بهم..
مال هو بجذعه للأمام ليستند بمرفقيه على ركبتيه، وتابع بنبرة هادئة لكنها جادة:
-الموضوع التاني بقى!
تساءلت سابين بخجل وهي تنظر بحياء إليه:
-هو لسه في تاني؟

تجهمت قسمات وجهه، وتحولت نظرات للضيق، وأجابها بحزن:
-للأسف أه، ويمكن ده قهرني أوي!
شعرت من نبرته أن الخطب جلل، وأن هناك شيئاً ما قد طرأ في قضيتها، وهو يود إخبارها به..
لذا تساءلت بتلهف:
-ايه هو موسأد؟
نفخ بضيق، وأجابها بصوت شبه قاتم:
-الأوامر صدرت لنا من جهة عليا بنقلك لمكان تاني عشان هترجعي بلدك.

اتسعت حدقتيها مصدومة، وهب جسدها منتفضاً بخوف من مجرد تخيل ما هي مقبلة عليه، وهتفت بتخوف وقد تسارعت دقات قلبها:
-ايه؟!
شعر مسعد بخوفها الظاهر عليها، وانزعج لعجزه عن طمأنتها حالياً، لكنه مد يده ليمسك بكفها، ونظر إليها بثبات، ثم تعهد لها قائلاً:
-مش عاوزك تخافي، أنا معاكي، وهافضل جمبك حتى لو ودوكي فين!

تنهدت إيناس بسعادة وهي تعبث بالقلم الحبري المميز بأصابعها، وحركت بيدها الأخرى كيس الثلج على ذقنها لتخفف من حدة الوخز..
لم تفارقها نظرات باسل المحتدة، وظل متابعاً إياها في صمت مهدد بالإنفجار..
وضعت إسراء يدها على كتف والدتها، ومالت على أذنها لتهمس لها:
-ماما، عاوزاكي كده في كلمتين!
أدارت والدتها رأسها في اتجاهها، وسألتها بإهتمام:
-خير؟
أشارت لها بحاجبيها وهي تقول بصوت خفيض وجاد:
-تعالي جوا في المطبخ!

انصرفت الاثنتان وهما تتبادلان حديثاً خافتاً غير مسموع لأحد..
وما إن تأكد باسل من ابتعادهما حتى هب واقفاً من مكانه، واتجه إلى إيناس التي كانت مشغولة بالتحديق بإعجاب في هديتها..
لم تنتبه له إلا حينما اختطف منها عنوة القلم، ففغرت فمها مشدوهة بذهول، وهتفت بحدة:
-انت بتعمل ايه؟
حدجها بنظرات قوية تحمل الغضب، ثم كور قبضته على القلم بعنف كبير…

نهضت عن الأريكة وألقت بكيس الثلج عليها، ووقفت قبالته لتسأله بتوجس:
-انت خدت القلم بتاعي ليه؟
رد عليها بسخط وهو يرمقها بتلك النظرات المشتعلة:
-عاجبك أوي
ردت عليها بحدة وهي متعجبة من تصرفه الغير عقلاني معها:
-ايوه، مش جايلي هدية من المستر بتاعي!
ضغط على شفتيه بعصبية بائنة، وطالت نظراته المحتقنة إليها، ثم فجأة، وبدون سابق انذار، اتجه إلى النافذة بخطوات سريعة، وقذف بالقلم إلى خارجها بغل ظاهر للعيان…

انفرجت شفتي إيناس في صدمة أكبر، وجحظت بعينيها غير مصدقة ما حدث تواً..
تحركت خلفه وهي مصدومة من تهوره الجامح، وسألته بغضب وهي تحاول تفسير فعلته الغبية:
-ايه اللي عملته ده؟ انت ازاي ترمي القلم بتاعي كده؟ انت آآ…
قاطعها قائلاً بشراسة وهو يكز على أسنانه:
-أرميه أحسن ما أغرزه في رقبتك!
شهقت مرعوبة من تصريحه العدائي المخيف، واستنكرت قائلة:
-نعم، انت، انت بتقول ايه؟
رمقها بنظرات مميتة، وتابع بنبرة مغتاظة:.

-لو عاوزة أقلام قوليلي، وأنا أديكي منهم عشرة على وشك عشان تتعدلي!
نهج صدرها بذهول مما يقوله، وشعرت بقلبها يقفز في قدميها…
ظل ينظر إليها بنظراته القاتمة دون أن يبرر لها تصرفه، فظنت أنه يريد فقط استفزازها بأفعاله الغير مفهومة ليثير غضبها، وكأنه يكمل عقابه لها..

حتى أنها تساءلت مع نفسها لما كل تلك العدائية معها، واعتقدت أنه يحاول إشعارها بالنقص وعدم أهميتها بالنسبة لشخص أخر حتى وإن كان معلمها ليزيد من تحقير ذاتها، ومن التقليل من شأنها..
صرت على أسنانها بغضب، وتلون وجهها بحمرة محتقنة، ثم هتفت بصوتٍ عالٍ متحدية إياه:
-ماما، أنا نازلة أجيب مرهم مسكن من الصيدلية اللي تحت لاحسن اللي معايا خلص!
أجابتها صفية من المطبخ بنبرة مرتفعة:
-طيب، أوام!

اشتعلت مقلتي باسل مما قالته، وسألها بنبرة محتقنة وهو يسد عليها الطريق:
-انتي رايحة فين؟
نظرت له ببرود، وتابعت بنفس النبرة العالية لتزيد من غيظه:
-وباسل يا ماما عاوز يخش الحمام بس محروج لأحسن يكون حد فيه!
برزت عروقه المتشنجة مما هتفت به، وصر على أسنانه بقوة تكاد تحطمها:
-إنتي آآ…
ردت والدتها قائلة بصوت دافيء:
-قوليله يتفضل، هو مش غريب!

تقوس فمها بإبتسامة زهو، وتحركت مسرعة من أمامه لتحضر القلم الذي ألقاه من أسفل البناية..
كان باسل على وشك منعها، ولكن حضرت إسراء إلى الصالة، وهتفت وهي تبتسم له بود:
-تعالى يا باسل، الحمام فاضي ونضيف
كور قبضة يده بعصبية عنيفة، وزفر نيراناً حارة من فمه وأنفه وهو يقول بهدوء مريب:
-ماشي!

نزلت إيناس على الدرج سريعاً لتبحث عن القلم الحبري قبل أن يجده أي عابر طريق ويأخذه..
وبالفعل وجدته ملقى بجوار الرصيف، فتنفست الصعداء، وهمست لنفسها بإرتياح:
-الحمدلله لاقيته، كنت هازعل أوي لو ضاع، ده شكله حلو وغالي!
حكت مقدمة رأسها بإستغراب من تصرف باسل الطائش، وتساءلت بعبوس:
-أنا مش عارفة إيه اللي خلاه يعمل كده؟!
زمت فمها لتضيف بسخط:
-ده زي ما يكون مستقصدني ومتسلط عليا، والله لأوريه!

استدارت لتعود إلى مدخل البناية، ولكنها لمحت سيارته في نهاية الرصيف، فتوقفت في مكانها، وحدقت فيها بنظرات غامضة..
ثم سريعاً التوت شفتيها بإبتسامة عابثة وهي تقول لنفسها:
-طب والله فكرة! ألحق أعملها وأعكنن عليه!
فركت طرف ذقنها بحذر، وأصدرت أنيناً خافتاً وهي تكمل بتأوه:
-يستاهل بجد اللي هاعمله فيه! منك لله وجعتني!

تحركت بخطوات سريعة في اتجاه سيارته، ثم سلطت أنظارها للأسفل لتحدق في الرصيف بدقة وكأنها تفتش عن شيء ما حتى وجدت غايتها، فهتفت بحماس:
-ايوه، دي هاتنفع أوي!
التقطت بيدها قالب طوب مكسور، وأمسكت به جيداً بأناملها، وتلفتت حولها بريبة لتتأكد من عدم متابعة أحد لها..

ابتسمت لهدوء حركة السير في الطريق، ولعدم وجود أي مارة، ثم عاودت النظر إلى السيارة بشراسة، ثم أرجعت ذراعها للخلف لتقذفه بقوة في اتجاه النافذة الخلفية التي اصطدم بها، فتهشمت إلى أجزاء صغيرة تناثرت على المقعد الخلفي، وعلى الرصيف..
رفعت قبضتها المتكورة بحماس للأعلى، وقفزت في مكانها بفرح بعد تحقيق انتصار أخر على غريمها، وصفقت بكفيها بخفوت مشجعة نفسها، ثم استدارت والإبتسامة العريضة متشكلة على شفتيها..

لكنها تسمرت، بل تجمدت في مكانها مذعورة، واختفت بسمتها، وحل على قسمات وجهها الهلع والشحوب حينما رأت باسل يقف خلفها ومحدقاً فيها بأعين كالجمرات الملتهبة…
تجمدت ساقي إيناس في مكانها مذعورة حينما التفتت مصادفة للخلف لترى باسل محدقاً بها بنظرات نارية متأججة..
قفز قلبها في قدميها، ودبت إرتجافة قوية في أوصالها..
إحساس قوي بالانتقام المهلك منه سيطر عليها..
يكفيه نظراته النارية المسلطة عليها لتعرف أنها نزعت فتيل قنبلة غضبه اللا محدود..
ازدردت ريقها الذي جف بصعوبة بالغة، وهمست بنبرة مرتجفة وهي تقول بتلعثم:
-أنا، أنا كنت باشوف، آآ، القلم، آآ.

لم تستطع إكمال جملتها الغير مفهومة، وتلفتت حولها بذعر محاولة إختلاق أي عذر للنجاة بنفسها من بطشه..
تابعت بإرتجافة أكبر في نبرتها وبرعشة واضحة في جسدها:
-كان في، آآ، فار، آآ، ﻷ قصدي كلب، ب، آآ بينط على عربيتك، ف، آآ، فكنت بأهشه بالطوبة!
لم يعلق على ما قالته، ولكنها شعرت بنيرانه المحتقنة التي توشك على إحراقها حية إن لم تفر اﻵن من أمامه..
أضافت قائلة بتوجس شديد:.

-م، مجاتش الطوبة فيه، ف، آآ، فالإزاز ادشدش!
أخفضت بصرها لتتجنب نظراته المهددة، فرأت القلم الحبري في يدها المرتعشة، فرفعته عفويا للأعلى، وهتفت بصعوبة وهي تجاهد للسيطرة على حالة الذعر المتمكنة من خلاياها:
-خد، آآ، خد القلم ده، آآ، آآ، أنا مش عاوزاه!
ثم مدت يدها به نحوه وهي تنظر له بنظرات زائغة..
كان كالصنم أمامها لكن قست ملامحه بصورة بائنة..

لم يشعر بمثل ذلك الغضب في حياته من قبل، هي تأجج به مشاعراً مختلفة بين النقيضين في لحظة واحدة..
قاتل هو بأقصى طاقاته لكبح عصبيته قبل أن تثور في وجهها وتدمرها…
وبلا لحظة أخرى من التأخير، ألقت هي بالقلم الحبري على الرصيف، وتراجعت بخطوات متعثرة للخلف متحاشية الاقتراب المهلك منه..
هتف بها بصوت خالي من الحياة دون أن تطرف عيناه:
-استني عندك!

لم تستطع الامتثال لآمره الحاد فهي تعلم ما سيحدث لها من خطر رهيب إن ظلت باقية في مكانها، وفكرت في الركض هرباً منه، وبالفعل حسمت أمرها ونفذته بلا تردد حيث انحرفت للجانب لتتمكن من الالتفات حوله، وتجاوزته وركضت بأقصى سرعة للأمام…
صاح بها باسل بصوت متشنج وهو ينظر لها مدهوشاً من هروبها:
-إيناس!
خفق قلبها بقوة من صوته المحتقن، ولم تستطع النظر إليه وأكملت ركضها..

ولكن في نقطة ما، التفتت برأسها للخلف – في حركة عفوية منها – لتتأكد من أنه لا يتبعها، ولم تأخذ حذرها من عمود لوحة الإعلانات المثبت على الرصيف، فارتطمت بحافته المدبدبة بعنف قوي، وكان النصيب اﻷكبر من الصدمة المؤلمة في جانب رأسها…
ترنح جسدها بإهتزازة صريحة، وسقطت على الارضية الحجرية من أثر الضربة..
تكورت على نفسها محاولة إفاقة نفسها، لكنها كانت مهزوزة للغاية، ورؤيتها شبه مشوشة…

انتاب باسل حالة من الهلع حينما رأى ما حدث ﻹيناس، وانقباضة قوية سيطرت على قلبه..
ركض ناحيتها وجثى على ركبتيه أمامها، ومد يديه ليمسك بها من ذراعيها، فانتفضت بفزع ونظرت إليه برعب، وتوسلته بنبرة راجية وهي تتوهم محاولته لغرز القلم الحبري في عنقها:
-مكونتش اقصد، أنا، آآ..
نظرت إلى قبضته التي ارتفعت فجأة عن ذراعها لتتجه نحو وجهها، فخشيت أن يسدد لها إحدى لكماته الفتاكة، فصرخت بهلع وهب تبكي:.

-وشي مش مستحمل، كفاية بواني! أنا مش أد ايدك دي!
نظر لها بخوف واضح في حدقتيه، وهزها برفق محاولاً إفاقتها من حالة الرعب المسيطرة عليها، فهو لم يكن ليؤذيها قط، ولكنه كان يود تهذيبها ظناً منه أنها تنساق بجموح وراء تصرفات المراهقين الطائشة والغير محسوبة، وهتف متوجساً:
-إيناس، اهدي واركزي مش هاعملك حاجة
رفع عينيه للأعلى ليجد خيطاً من الدماء ينساب من جانب رأسها، فانقبض قلبه أكثر، وهتف مردداً بفزع:.

-ده دم، انتي اتعورتي فين؟!
وضعت إيناس يدها المرتجفة على كفه محاولة ابعاده عنها وردت عليه بصوت خائف:
-مكونتش اقصد، بس، بس ماتموتنيش!
-انتي مجنونة!
قالها باسل وهو ينظر لها مذهولا من تلك الفكرة المسيطرة على عقلها بغرابة، وموهمة إياها أنه سيفتك بها لمجرد محاولة طائشة وهوجاء منها ﻹغاظته وتحطيم زجاج سيارته..

في نفس التوقيت، كان الصمت سائداً بين سابين ومسعد خاصة بعد إفصاح اﻷخير عن الخبر المؤسف المتعلق بنقلها إلى مكان أخر آمن تمهيداً لعودتها إلى ولاية أوهايو حيث المحاكمة الخاصة بقضيتها…
كان هو يعاني من آلم موجع في صدره بسبب فراقها، ولكنه لم يرد إظهار هذا أمامها حتى لا يؤلمها معه..
يكفيه أن يعاني لوحده..
انتبه هو إلى صوت تهشم زجاج ما، وارتعدت سابين في ذات الآن من قوته، فطمأنها قائلاً بإبتسامة هادئة:.

-متخافيش، تلاقي حد بس وقع حاجة
هزت رأسها بإيماءة خفيفة، وحاولت الحفاظ على سكونها رغم الشحوب البادي على تعابيرها..
بعدها بلحظات استمع إلى صوت الهتاف العالي المنادي بإسم شقيقته إيناس، فقطب جبينه مندهشاً، ونهض عن مقعده، واتجه للشرفة لينظر منها إلى الطريق
اتسعت حدقتيه في صدمة حينما رأى أخته جاثية على الأرضية الحجرية وإلى جوارها باسل، فهتف بلا وعي:
-إيناس!

هبت سابين هي الأخرى واقفة من مقعدها، واتجهت لحافة الشرفة لتنظر منها، ودار في رأسها هواجس متعددة..
فقد اعتقدت أن هناك من تعرض لها بالأذى..
لم ينتظر مسعد في مكانه كثيراً، بل ركض كالمجنون إلى الخارج ولحقت به سابين…
تساءلت صفية بتعجب وهي تنظر إلى ابنها الذي تبدلت حالته للفزع:
-في ايه يا بني بتجري كده ليه؟
أجابها بصوت قاتم وهو يفتح باب المنزل:
-إيناس واقعة في الشارع.

لطمت والدته على صدرها في رعب، وصرخت بهلع:
-بنتي!
لحقت سابين بمسعد، ونزلت خلفه على الدرج، بينما أتت إسراء من الغرفة الداخلية على إثر صوت والدتها الصارخ، وتساءلت بخوف هي الأخرى:
-في ايه يا ماما، بتصوتي كده ليه؟
لم تستطع صفية تمالك نفسها بعد تلقي ذلك الخبر المخيف، وردت على ابنتها الكبرة بنبرة مرتجفة وهي تشير بيدها:
-آآ، أخوكي بيقول اختك واقعة في الشارع
شهقت إسراء مصدومة وهي تضع يدها على صدغها:
-يا نصيبتي!

تابعت قائلة بنبرتها المرتعشة:
-آآ، الحقي أخوكي لحد ما أصحي أبوكي يشوف بنتنا جرالها ايه!
أومأت برأسها إيجاباً، واتجهت للخلف وهي تجيبها:
-حاضر يا ماما، هاحط الطرحة على دماغي، ورايحة وراه، استر يا اللي بتستر!

وصل مسعد إلى شقيقته، وجثى هو الأخر أمامها، وتساءل بخوف واضح وهو ينظر إليها متفحصاً الأضرار التي أصابتها:
-إيناس، حصل ايه؟
كانت ترتجف بشدة وهي تحاول الرد عليه، فخرج صوتها متقطعاً غير مفهوماً..
التفت مسعد برأسه نحو باسل وسأله بحدة:
-في ايه يا باسل؟ انت كنت معاها!
ابتلع ريقه، ونظر إليه بتخوف قليل، فهو لم يرد ابلاغه بما فعلته أخته في سيارته، واختلق سريعاً كذبة شبه مقنعة ليقولها لها، فأجابه بثبات حذر:.

-الظاهر كان في كلب سعران بيجري وراها وهي، آآ، وهي خافت منه وجريت على البيت بس مخدتش بالها من اللوحة دي!
هتفت سابين بجدية وهي تشير بإصبعها نحو جانب رأس إيناس:
-لازم نوقف blood ( الدماء )!
رد عليها مسعد بصوت جاد للغاية:
-احنا هنوديها على الطواريء!
انضمت إليهم إسراء، وصرخت بخوف:
-نوسة مالها؟ البت حصلها ايه يا مسعد؟
أجابها بصوت متجهم:.

-كلب كان بيجري وراها فدخلت في الزفت ده، واتكومت على الأرض، وأديكي شايفة دماغها عاملة ازاي
لطمت إسراء على صدرها بخوف وهي تهتف قائلة:
-دي دماغها مفتوحة!
انزعج باسل من التحقيقات المتتالية حول أسباب إصابة إيناس، وعدم اهتمامهم بإسعافها أولاً، فصاح بعصبية:
-يالا يا جماعة مافيش وقت، عاوزين نطمن عليها وبعد كده نبقى نسأل على اللي حصلها!
هتف مسعد بتلهف وهو يوميء بعينيه:
-بسرعة على عربيتي!
وافقه باسل قائلاً:
-ماشي!

أضافت إسراء قائلة وهي تشير بيدها للخلف:
-أبوك وامك جايين ورايا، مش هايسبوها!
بينما أردفت سابين قائلة بإصرار:
-موسأد أنا اجي معاك!
وهتفت إسراء هي الأخرى بجدية:
-وأنا كمان مش هاسيب أختي
احتار مسعد فيمن سيصطحب معه في سيارته، والتي لن تكفي بالطبع لكل أفراد العائلة، فالتفت إلى صديقه، وهتف فيه بصوت آمر:
-طب باسل خد انت بابا وماما، وحصلنا على مستشفى الطواريء!
أومأ برأسه موافقاً وهو يردد:
-ماشي!

وبالفعل حمل مسعد أخته بين ذراعيه، واتجه بها نحو سيارته، وأسندها على المقعد الخلفي، وجلست إلى جوارها أختهما الكبرى إسراء والتي احتضنها بحزن بائن على وجهها…
جلست سابين في المقعد الأمامي، واستدارت برأسها للخلف لتتابعها بخوف..
بينما ظل باسل واقفاً إلى جوار السيارة وقلبه يخفق بقوة هلعاً على ما أصاب حبيبته التي يعشقها في صمت..

تعلقت أنظاره بها، وأدمعت عيناه قليلاً وهو يرمقها بنظرات أسفة، فهو دون قصد منه قد تسبب في إيلامها مجدداً..
كور قبضة يده واعتصرها بشدة..
وتعهد لنفسه ألا يتهور مجدداً معها حتى وإن كان بالمزاح، فهو لن يتحمل أن يصيبها مكروه بسببه…

في بهو أحد الفنادق الفاخرة،
اجتمع بعض الأفراد في البهو الخاص بالفندق، وأشار أحدهم للبقية بيده ليتبعوه..
جلسوا حول الآرائك الخاوية الموضوعة في إحدى الزوايا ليكونوا بعيداً عن أعين المحيطين بهم..
أردف زعيمهم قائلاً بجمود:
-اسمعوني جيداً
أصغى إليه الجميع بإنتباه تام، فتابع بصوت خافت:
-لقد حصل على عنوان الفتاة الحالي، وسننتقل فوراً إلى هناك لنراقب المكان بدقة..!
أشار بيده وهو يكمل بنبرة مخيفة:.

وحينما تحين اللحظة المناسبة، سنتخلص منها للأبد..!
تبادل البقية كلمات جانبية مقتضبة، فقاطعهم قائلاً –وابتسامة شيطانية متكونة على ثغره – وهو يردد بثقة تامة:
-لن يمر عليها الغد إلا وهي تشيع إلى مثواها الأخير…!

في المشفى العسكري،
انتهى الطبيب من تقطيب جراح إيناس بغرفة الطواريء بعد أن أوصلها أخيها مسعد إلى هناك، وأكملت الممرضة تضميده..
تفقد حالتها بحرص واضح ليتأكد من عدم وجود أي توابع أخرى، أو مضاعفات جانبية، وتعجب من حالة الهلع والفزع البادية على عائلتها..
بل ما أثار استغرابه حقا هو كم التوصيات الخارجية من أجل الإعتناء بها، وخرج بعدها وهو يرسم على ثغره ابتسامة دبلوماسية مجاملة مردداً:.

-المريضة بخير، مافيش داعي للقلق ده كله!
تساءلت صفية بتلهف وهي تحاول التماسك والصمود:
-بنتي فاقت؟ طمني عليها الله يكرمك يا بني
أجابها الطبيب بثبات:
-هي بخير!
أضافت سابين قائلة بنبرة متعاطفة وهي عابسة الوجه:
-أتمنى تكون افضل ( hope she is okay)
تساءلت إسراء مستفهمة وهي ترفع حاجبيها للأعلى:
-أومال ايه التخاريف اللي كانت بتخطرف بيها طول السكة؟

ابتلع باسل ريقه عقب عبارتها اﻷخيرة، فقد خشي أن تكون إيناس قد تفوهت بشيء ما في حالتها الغير واعية يشير إليه بدون قصد…
بدى وجهه شاحباً للغاية، وكذلك كانت نظراته موحية بوجود خطب ما، ورغم ما يعتريه من مشاعر مختلطة ما بين خوف وندم وقلق وفزع إلا أنه كافح للحفاظ على رباطة جأشه أمام المتواجدين…
خرج هو من حالة شروده المؤقتة على صوت الطبيب وهو يتابع بصوت هاديء:
-ده طبيعي، من اثر الصدمة!

أردف والدها قائلاً بصوت شبه متحشرج:
-قدر ولطف
بينما عقب عليه مسعد بصوت حزين:
-ربنا يسترها
-أنا عاوزة أشوف بنتي وأطمن عليها
هتفت بها صفية بنبرة شبه باكية وهي تمسح وجنتها المبتلة بظهر كفها المرتعش، فرد عليها الطبيب بهدوء:
-كلكم هتشوفها، ننقلها بس أوضة عادية وتطمنوا وتقدروا كمان تاخدوها ﻷن الموضوع مش خطير!

تنفس الجميع الصعداء بعد عبارته اﻷخيرة وتبدلت أوجههم العابسة إلى أخرى متفائلة ومطمئنة، و كان أكثرهم إرتياحاً هو باسل…

في مكان ما بولاية أوهايو،
أسند الرجل الغامض كأسه بعد أن فرغ من شرب محتواه المُسكر، والتوى ثغره بإبتسامة شيطانية وهو يقول:
-اذن ما هي إلا ساعات وأنتهي تماماً من هذا الكابوس!
رد عليه رجله الخاص بثقة:
-بالطبع سيدي، فقد اتخذ الجميع مواضعهم بالقرب من مسكنها الحالي، وينتظرون اللحظة المناسبة للهجوم عليها
حذره ذلك الرجل الغامض بجدية مريبة:
-تلك المرة لا أريد أي أخطاء
رد عليه رجله الخاص بهدوء:.

-اطمئن! لقد تأكدت بنفسي من الخطة وطريقة تنفيذها!

في سيارة باسل،
تحاشى باسل التواجد بالقرب من إيناس عندما تأكد من إفاقتها، وأنها باتت بخير كي لا يثير ريبة أي شخص، وفضل أن ينتظر بسيارته عندما يوصل والديها إلى المنزل..
ترقب رؤيتها من بعيد بفارغ الصبر، وتعلقت أنظاره بها حينما رأها تخرج من باب المشفى الواسع مستندة على أختها الكبرى ومسعد..
كاد أن يتهور ويخرج من السيارة ويتخلى عن ثباته الزائف، لكنه أجبر نفسه على الصمود..

لم تفارقها نظراته حتى ركبت سيارة أخيها، وعاد إليه والديها وهما يرسمان على وجههما ابتسامة رضا وسعادة..
-معلش يا بني عطلناك
قالتها صفية وهي تلقي بثقل جسدها على المقعد الخلفي بالسيارة..
رد عليها باسل بإبتسامة مهذبة:
-متقوليش كده، أنا معملتش حاجة
أضاف زوجها اللواء محمد مجاملاً:
-باسل مننا وعلينا، ده أنا بأعتبره واحد من العيلة
أكدت صفية على ما قاله بحماس:
-اه والله عندك حق.

انطلق بعدها باسل بالسيارة ليلحق بمسعد الذي قاد سيارته هو الأخر في اتجاه المنزل…
تساءلت صفية بفضول وهي تنظر إلى الزجاج الخلفي المهشم:
-هو ايه اللي جرى لعربيتك؟ أنا عاوزة أسألك عنها من بدري!
ارتبك لوهلة من سؤالها المباغت، ثم تدارك الموقف سريعاً، ورد عليها قائلاً بهدوء مصطنع:
-مش عارف، أنا لاقيتها كده!
رد عليه اللواء محمد قائلاً بتعاطف:
-ربنا يعوض عليك، وديها عند التوكيل وآآ…
قاطعه باسل قائلاً بجدية:.

-ما أنا هاعمل كده بس بالنهار بقى!
أضاف اللواء محمد بنبرة منهكة:
-اها، صح ده الوقت اتأخر أوي
تنفس باسل الصعداء أن تلك الكذبة الصغيرة انطلت عليهما، وزفر بإرتياح واضح، وأثر الصمت خلال باقي المحادثة..
تابعت صفية قائلة بضجر:
-أه والله، محسناش بيه خالص! اتلبخنا في اللي حصل لنوسة
رد عليها زوجها بصوت شبه خافت:
-الحمدلله إنها جت على أد كده!
هتفت صفية بسخط وهي تشير بكف يدها مؤكدة:
-البت دي اتحسدت والله.

رد عليها زوجها بضيق وهو يدير رأسه قليلاً للخلف لينظر إليها من طرف عينه:
-ما انتي اللي صممتي تحتفلي بيها وآآ…
قاطعته قائلة بنية عازمة:
-بكرة هابخرها وأرقيها من العين واعملها عروسة أفقع بيها عين آآآ…
لم يصغِ محمد إلى بقية حديث زوجته الغير مُجدي، وتمتم مع نفسه بإمتعاض:
-ايوه، التخاريف وأمور الدجل اللي مش بتنتهي!
هتفت هي فجأة بصوت مرتفع لتسترعي إنتباهه بشدة:
-بالحق! إسراء كانت كلمتني في موضوع يخص نوسة.

رد عليها متسائلاً وهو يرفع حاجبه للأعلى:
-موضوع ايه ده؟
انتبه باسل هو الأخر إلى حديثهما عنها، وركز حواسه بالكامل معهما، فقط نظراته المتربصة كانت مسلطة على الطريق..
أجابت صفية على سؤاله بفتور:
-بتقولي في عريس تبع جوزها ابن ناس ومن عيلة مبسوطة بيدور على عروسة تكون صغيرة وحلوة، فجوزها سألها عن بنتنا
اتسعت حدقتي باسل في صدمة كبيرة، واحتقن وجهه نوعاً ما بحمرة غاضبة..

أيعقل ما سمعه تواً، هل تتحدث حقاً عن خطبة إيناس هكذا بكل بساطة وكأنها فتاة عاقلة راشدة وليست مجرد مراهقة طائشة؟
عجز لوهلة عن التفكير فيما، وأفاق من شروده المصدوم على صوت اللواء محمد وهو يرد مستنكراً:
-ده نوسة لسه صغيرة!
صاح باسل فجأة بصوت شبه محتقن:
-هو بيستهبل! جواز ايه اللي في السن ده!
نظر إليه الاثنين بإندهاش تام، وسلطا أنظارهما عليه بصورة فاحصة متفحصة لردة فعله المبالغ فيها..

حاول هو أن يبرر إنفعاله قائلاً:
-احم، معلش اعذروني، الموضوع ماليش دخل فيه، بس آآ…
قاطعه اللواء محمد قائلاً بهدوء بعد أن تفهم مقصده:
-قول رأيك يا باسل عادي، ما انت زي أخوها الكبير
نظر له باسل بعينين محتدتين، وكأن تصريحه الأخير قد زاد من حالة استفزازه، وردد مع نفسه بحنق وقد تحولت قسمات وجهه للتجهم:
-أخوها!
بررت صفية موقفها قائلة بصوت منزعج:
-أنا مردتش أصلاً عليها، وقولتلها آآ…
قاطعها زوجها بصرامة:.

-الموضوع مرفوض يا صفية، نوسة رايحة لسه ثانوي، وانتي بتكلمي عن جواز وخطوبة وكلام فاضي!
ضغطت على شفتيها لتقول بعبوس:
-خلاص يا حاج، اعتبره كأنه محصلش
أكمل زوجها قائلاً بغلظة:
-لا حصل ولا اتقال من أساسه! يتنسى وتنبهي على بنتك مالهاش دعوة بنوسة وتركز مع جوزها وعيالها وبس
ردت عليه بإمتعاض وهي تزفر بنبرة عميقة:
-طيب
ردد باسل بين طيات نفسه بإستنكار ممزوج بالغضب وهو يكافح للحفاظ على ثبات تعابير وجهه:.

-جواز! ومن دلوقتي؟!
عادت العائلة إلى المنزل مجدداً بعد أن تأكدوا من عدم وجود ما يستدعي بقاء إيناس بالمشفى وسماح الطبيب لها بالخروج..
والتفوا جميعاً حول فراشها..
قبلتها والدتها من جبينها، وهتفت بحماس:
-ربنا ما يوريني فيكي حاجة وحشة، لا انتي ولا اخواتك!
ربتت إسراء على كتف أختها، وقالت بحنو:
-خدي بالك بعد كده يا نوسة!
ابتسمت سابين وهي تهمس برقة:
-همدلله ( حمدلله ) على سلامة!

رد عليها مسعد بإبتسامة بلهاء وهو محدق بوجهها الذي بات شغفه مؤخراً:
-شكراً يا سابين!
تساءل محمد بجدية وهو يتلفت حوله بنظرات شمولية:
-اومال العيال فين؟
ردت عليه ابنته الكبرى إسراء قائلة وهي تشير بيدها للخلف:
-نقلتهم الأوضة عندك يا ماما، الحمدلله إنهم فضلوا نايمين ومصحيوش طول ما احنا برا!
تنهدت صفية في إرتياح:
-الحمدلله.

انزعج والدها من تصرفها الأهوج، فلا يجوز بأي حال من الأحوال ترك الأطفال الصغار بمفردهم دون وجود رقيب أو متابع معهم، فلا أحد يضمن ما يمكن أن يحدث في لحظة من تهور أحدهم…
لذا رمقها بنظرات صارمة، وحذرها قائلاً بغلظة:
-تاني مرة ماتسبيش العيال لوحدهم يا إسراء، ممكن يعملوا كارثة في البيت ومحدش موجود معاهم، لازم عينكي تكون دايماً عليهم
اعترضت إسراء على ما قاله:
-يا بابا دول قرود وآآ…

قاطعها قائلاً بصرامة حادة:
-الكلام ده مافيش فيه هزار، انتي شايفة بنفسك اللي حصل لأختك وهي كبيرة
لوت إسراء شفتيها للجانب في عدم اقتناع، وتمتمت بعبوس:
-حاضر يا بابا!
أضافت صفية قائلة وهي تمسح على جبين ابنتها الصغرى:
-ارتاحي انتي يا حبيبتي، ونامي براحتك! محدش فينا هيصحيكي!

هزت إيناس رأسها موافقة دون أن تتحدث، فقد كانت بحاجة ماسة إلى الراحة والنوم ليستريح عقلها من كم الضغط العصبي والنفسي الذي تعرضت له اليوم..
ما ظل يدور في مخيلتها هو هيئتها التي أصبحت بالتأكيد ( بشعة ) بعد لكمات باسل، وضربة لوحة الإعلانات التي تركت أثرها في جانب رأسها، ليزيد هذا من حزنها على مظهرها الذي يتحول للأسوأ يوماً بعد يوم..

انفطر قلبها أسفاً على نفسها، وصمدت لتمنع حالها من البكاء أمام عائلتها، فلا أحد يعرف بمعاناتها النفسية..
أغمضت عينيها، واستدارت بجسدها للجانب، وادعت النوم، فتركها الجميع بمفردها، وخرجوا من غرفتها ليكملوا نقاشهم بالخارج…
أجهشت هي بالبكاء الصامت بعد أن تأكدت من خلو الغرفة من الجميع..
ودار في خلدها فقط ذكرى الإهانات الماضية..

ظل باسل يجوب الشوارع ليلاً ليفكر فيما جرى على مدار اليوم من أحداث متتابعة..
شعر بنيران الغيرة تأكله..
فلم يكن ليسلم من المعلم كريم وسماجته مع حبيبته الصغيرة – وإن كان تعامله معها مبرراً بحكم كونه معلمها الخصوصي – حتى يظهر على الساحة عريس غامض ليؤجج من غضبه أكثر..
تساءل مع نفسه بغيظ وقد انبعثت الأدخنة من أذنيه، أليست إيناس بمراهقة صغيرة فلماذا يتكالب الجميع عليها وكأنها صيد ثمين؟

زفر بحنق، وأكمل تفكيره المحتج وهو يتحرك بلا هوادة أو وجهة معينة..
هو ظن أنه مخطيء حينما فكر فيها كحبيبة وهي لا تزال في تلك السن الصغيرة، وعاتب نفسه بشدة على تفكيره الأهوج، وأخذ يُمني نفسه بأنه سيحظى بها حينما يحين الموعد المناسب، وليس الآن..
بينما غيره يبيحون لأنفسهم بإستمتاع ما يحرمه هو!

أسفل بناية ما،
راقبت تلك الأعين الشيطانية البناية عن كثب متفحصة كل شيء بدقة متناهية..
مال أحدهم على زميله الواقف إلى جواره برأسه ليهمس له بتساؤل:
-هل تفقدت كل شيء؟
أجابه بخفوت هاديء وواثق:
-نعم، كل شيء على ما يرام
أضاف الرجل قائلاً بجدية:
-حسناً، علينا أن نرتاح لأن الغد حافل
التوى ثغر الثاني بإبتسامة خبيثة وهو يرد عليه بإيجاز:
-بالطبع!
أسند الرجل يده على كتف رفيقه
-هيا بنا!

في منزل مسعد غراب،
بصعوبة بالغة تمكنت إيناس من النوم، وبالطبع لم تسلم من تلك الكوابيس المزعجة التي أصابتها بالأرق والضيق..
تنهدت بتعب، وتثاءبت بإرهاق، وأغمضت عينيها بقوة لتنام ولكن قطع محاولتها الفاشلة رنة هاتفها المحمول، فمدت يدها بتثاقل لتلتقطه وتنظر إلى شاشته، فوجدت إشعارا برسالة نصية
اتسعت عيناها الناعستين بصدمة كبيرة حينما فتحتها وقرأت فحواها..

اعتدلت في نومتها رغم آلم رأسها، ورمشت بعينيها غير مصدقة ما قرأته توا..
هتفت لنفسها بذهول:
-باسل بيتأسفلي! دي تهيؤات!
هزت رأسها مستنكرة فعلته، ونظرت للهاتف شزرا، وتحولت نظراتها للحنق، وضغطت على زر مسح الرسالة..
فجرح اﻷشخاص عمدا واﻹساءة إليهم بلا إكتراث لا يمحى بسهولة أو يغتفر برسالة مكتوبة..
أغلقت هاتفها المحمول والغيظ متمكن منها، ثم ألقت به على الفراش، ودفنت رأسها في الوسادة…

ظلت سابين تفكر فيما قاله مسعد لها وهي تتمدد شاردة على فراشه..
هل الشعور بالأمان والاستقرار قد انتهى بالفعل، وأصبح لزاماً عليها المغادرة؟
تنهدت في حزن، ومسحت عن أهدابها العبرات التي بدأت في التشكل في مقلتيها..
أخذت شهيقاً عميقاً وحبسته في صدرها لتمنع نفسها عن البكاء، ثم زفرته دفعة واحدة، وواظبت على فعل ذلك حتى استعادت رباطة جأشها وصلابتها..

هي كانت تتوقع هذا، فوجودها في القاهرة كان مؤقتاً، وعليها العودة لموطنها للإدلاء بشهادتها في المحكمة عاجلاً أم آجلاً…
الوقوع في الحب لم يكن هذا في مخططها على اﻹطلاق، بل لم تفكر في حدوثه، واليوم هي أسيرته..
ابتسمت لنفسها في خجل، وتورد صدغيها بحمرة باهتة..
(( هي تحب؟ ))
هكذا تساءلت مع نفسها وتنهدت في حيرة، فليس هذا باﻷمر اليسير، فهو لم يكن في الحسبان منذ البداية.

هي كانت تعد الساعات لتعود إلى موطنها وحياتها السابقة، واليوم هي حزينة بشدة لتركها المكان بمن فيه..
اعتصرت عقلها تفكيراً لسويعات متصلة لتصل إلى الحل المناسب، وتوصلت إلى قرار حاسم ونهائي..

فإن كانت تكن مشاعراً رقيقة لمسعد فعليها ألا تضره أو تعرضه للخطر، وتضع مصلحته العامة نصب عينيها، وإفصاحها عن مشاعرها نحوه في هذا التوقيت تحديداً ربما سيدفعه لفعل أمور متهورة وجنونية غير محسوبة العواقب بدافع الحب وتوابعه..
لذا فاﻷسلم هو كتم ما تشعر به، والتسلح بقناع الأحاسيس الباردة..
حاولت اقناع نفسها بأن هذا هو الصواب واﻷسلم له..

كما كان عليها أن تضع في الاعتبار سلامة تلك العائلة الطيبة من أي أخطار تهديدية محتملة…
ثقل جفنيها وغلبها سلطان النوم وعقلها لم يتوقف عن التفكير في مستقبلها المجهول…

قضى ليلته شارداً في الشرفة ومحدقاً في الفراغ أمامه مستعيداً ذكرياته معها..
ابتسم مسعد عفويا وهو يتذكر لقاءاتهما الطريفة، والمصادمات الضاحكة بينهما، فوضع يده على رأسه وحك مؤخرتها بحركة ثابتة وقد زادت ابتسامته اتساعاً…
سريعاً ما لمعت عيناه بوميض حزين وهو يتخيل فراقها الذي بات محتوماً..
أطرق رأسه للأسفل، واستند بمرفقيه على حافة الشرفة، وأطلق تنهيدة عميقة تحمل الكثير، وتمتم مع نفسه بخفوت:.

-هتوحشيني اوي!
لم يكن بيده أي حيلة، فالأمر يتخطى المشاعر العذبة بكثير..
أغمض عينيه إرهاقاً، وظل يتنعم بالهواء البارد الذي يلطم صدغيه لعل نيران صدره المشتعلة تخمد قليلاً.

في صباح اليوم التالي،
تفاجئت سابين بأصوات ضوضاء خارجية وهي تحاول إفاقة نفسها من نومها الذي لم يكن كافياً..
استغرقها الأمر عدة دقائق لتستعيد وعيها كاملا، وتنهض عن الفراش..
رتبت هيئتها الخارجية سريعاً، ومشطت شعرها بيدها ثم اتجهت إلى خارج غرفة مسعد..
قطبت جبينها مندهشة حينما وقعت عيناها على حقائب السفر المتجمعة في الصالة
وقفز قلبها في صدرها بتوتر كبير..
أخرجها من تفكيرها الخائف صوت إسراء وهي تقول:.

-يالا يا ماما، أنا خلاص جهزت! والعيال كمان لبسوا!
اقتربت منها سابين وسألتها بتعجب بلكنة غريبة وهي تحاول فهم ما يحدث حولها:
-في ايه؟
أجابتها إسراء بحزن بادي في نبرتها ونظراتها:
-حمايا تعب أوي، واتنقل المستشفى، واحنا كلنا هنسافرله الوقتي
لم تفهم سابين ما قالته كاملاً، وظهر على تعابير وجهها الحيرة، وفغرت شفتيها قائلة:
-هاه، أنا لا أعرف ما آآ…

لم تكمل عبارتها للنهاية بسبب مقاطعة صفية لها وهي تقول بنبرة مرتفعة:
-انتي صحيتي يا بنتي؟!
أضاف مسعد هو اﻷخر قائلا بجدية:
-كويس انك صحيتي دلوقتي، أنا كنت هاخلي ماما تدخل الأوضة تفوقك، بس جت منك!
التفتت برأسها نحوه، ونظرت له بتوتر وهي تسأله:
-في ايه موسأد؟
ابتسم لها قائلاً بود وهو يطالعها بنظراته:
-انتي مالك مخضوضة كده ليه؟ الموضوع عادي على فكرة!

هزت رأسها بعدم فهم، فتابع موضحاً، ولكن على طريقته، ونظراته المتيمة لم تفارق عينيها:
-بصي هو حد قريبنا مريض، عيان يعني وحالته مش ولابد، قولي بيخلص، بيطلع في الروح، فاحنا عاوزين نلحقه قبل ما يفلسع ويسلم نمر!
فغرت شفتيها بغرابة واضحة على محياها، فهي لم تستوعب ما قاله..
-يا بني متدوخهاش معاك!
قالها اللواء محمد بعتاب وهو ينهر ابنه عن الاستمرار في أسلوبه الغير مفهوم في الشرح لتلك الضيفة الرقيقة…

ثم اقترب هو منها، ووضع يده على كتفها، وأردف قائلا بنبرة رزينة:
-بصي يا بنتي، احنا مضطرين نسافر النهاردة وراجعين أخر النهار لظروف طارئة، بمعنى أدق، her father in low is sick and in hospital، we won t be late ( والد زوجها مريض وبالمشفى، ونحن لن نتأخر في العودة )
بدى اﻷسف ظاهرا على وجه سابين بعد أن عرفت السبب الحقيقي، وشعرت بالإرتياح لكونه لا يتعلق بها، وردت عليه بحذر:.

-اوه، sorry for that! ( أسفة لتلك الأخبار السيئة )
أضاف مسعد قائلاً بجدية:
-مسافة الطريق، و مش هنتأخر، يدوب هاوصلهم وأرجعلك تاني!
أومأت برأسها متفهمة، فأكمل قائلاً بإبتسامة ودية:
-البت نوسة هتفضل معاكي هتسليكي لحد ما نرجع، خلوا بالكم من بعض!
صاح اللواء محمد بنبرة عالية وهو يشير بيده:
-يالا يا إسراء!
ردت عليه ابنته:
-ماشي يا بابا، هاجيب العيال وأحصلك
التفت أبيها نحو مسعد، وأردف قائلاً بصوت شبه آمر:.

-انزل يا مسعد سخن العربية واستنانا تحت!
أومىء برأسه وهو يجيبه:
-طيب
هتفت صفية قائلة بصوت قلق:
-هاروح بس ابص على نوسة واقولها ان احنا مسافرين
اعترض زوجها قائلاً بضجر:
-يا ستي سبيها نايمة ترتاح، سابين لما تصحى هاتقولها، واحنا كمان هانكلمها!
لوت ثغرها في عدم اقتناع، ورغم هذا لم تعترض عليه، وردت بإيجاز:
-ماشي!

احتضنت إسراء سابين بذراعيها، وضمتها إلى صدرها بقوة بعد أن انهالت عليها بقبلة ثلاثية الاتجاهات وهي تقول بأسف:
-مع السلامة يا سوسو، والله كان بودي اقعد يومين كمان، بس انتي شايفة الظروف!
ابتسمت لها سابين مجاملة، وردت بنبرة ودودة:
-مش مشكل، it s okay، I understand ( لا توجد مشكلة، أنا أتفهم الأمر ).

وبالفعل انصرفت العائلة تاركة سابين بمفردها مع إيناس ليقضوا نهارهما في المنزل بمفردهما حيث تنتظرهما مفاجأة غير متوقعة، وخطر محدق غير مسبوق…

أعلى سطح بناية ما تحت اﻹنشاء،
تفقد أحد الرجال الملثمين البناية الموجود بها منزل مسعد من خلال نظارته المكبرة ذات الإمكانيات الحديثة وهو يقف بحذر أعلى ذلك السطح المرتفع لتلك البناية الموضوعة قيد الإنشاء، وتمتم بكلمات خافتة ومبهمة إلى الواقف بجواره فأومىء اﻷخير برأسه متفهماً ثم تحرك متراجعاً للخلف..
انتصب الرجل اﻷول في وقفته واكتست ملامحه بقسوة قاتلة..
فخطأ واحد فقط سيكلف سابين حياتها..

أمسك الرجل بهاتف غريب، وضغط على رقم ما قائلاً بجمود:
-كل شيء يسير وفق الخطة، والمنزل أصبح تحت أعيننا!
صمت للحظة قبل أن يتابع بنبرة مخيفة تشبه فحيح اﻷفعى:
-سننفذ بعد لحظات! فالجميع قد رحل! وهي بمفردها هناك!
ثم أنهى المكالمة، وانحنى ليضع ذلك الهاتف في جيب بنطاله السفلي، واعتدل في وقفته ليتحرك بعدها في اتجاه باب ما مصنوع من ألواح الخشب هو يتحدث في اللاسلكي حديث التقنية بكلمات مقتضبة…

في نفس التوقيت،
في منزل مسعد غراب،
أعدت سابين وإيناس إفطاراً شهيا لكلتاهما بعد أن فرغ المنزل من ساكينه، وبالطبع لم تسلم الاثنتين من الاتصالات الهاتفية المتعاقبة للإطمئنان على أحوالهما رغم عدم مضي الكثير من الوقت على رحيلهم..
شعرت اﻷخيرة باﻹرتياح لتنعمها بالسكينة والهدوء بعد عدة أيام من الضوضاء وتوتر اﻷعصاب باﻹضافة للإرهاق النفسي والذهني الناتج عن مصادماتها مع باسل..

وضعت هي في فمها لقيمة من الخبز وهي تهتف بسعادة:
-أخيرا ارتحنا..
تعجبت سابين مما قالته، وسألتها وعلامات اﻹندهاش واضحة عليها:
-انتي مش حبي أختك؟
ردت عليها قائلة بإمتعاض قليل ظاهر في نبرتها:
-لأ بأحبها، بس اللي حصل اليومين اللي فاتوا كان أوفر بجد!
كذلك حاولت إيناس ألا تفكر فيما فعله باسل معها، ولكن ذكريات تصرفاته الفظة أبت ألا تترك عقلها دون أن تكدر صفوه وسكونه السلمي..
فبدى وجهها شبه عابساً..

لم ترد سابين أن تتدخل في شأنها الخاص احتراما لخصوصيتها، وعمدت إلى تغيير الموضوع، وتساءلت بمرح:
-اوكي، what will we do؟ ( ماذا سنفعل )
مطت إيناس فمها، وهزت كتفيها في عدم إكتراث، ثم أجابتها بفتور:
-مش عارفة، دماغي مش جيباني لحاجة
نظرت لها سابين بعدم فهم، فأوضحت اﻷخيرة مقصدها:
-اقصد يعني أنا مش عارفة
حركت سابين رأسها بإيماءة خفيف وهي تقول:.

-اوكي، احنا ممكن نعمل ( تسوق ) shopping، أو ننزل ناخد tour around ( جولة حول المكان )
عضت إيناس على شفتها السفلى للحظة لتفكر فيما قالته، ثم ردت عليها:
-بصي موضوع الشوبينج ده هايبقى صعب شوية عشان مافيش فلوس money enough ( أموال كافية ) معايا!
هزت رأسها متفهمة، بينما تابعت إيناس قائلة:
-لكن ممكن ننزل نتمشى شوية حوالين البيت كده وأوريكي المكان ونقعد في كافيه نشرب حاجة وناكل مثلا فروت سلاط أو آيس كريم.

تحمست سابين للفكرة كثيراً، وهتفت مشجعة وهي تهز حاجبيها للأعلى:
-واو، nice ( رائع )
ابتسمت لها إيناس قائلة بتأييد:
-تمام، هنغسل اﻷطباق ونلبس على طول!
أضافت سابين قائلة وبسمة لطيفة ظاهرة على محياها:
-اوكي، deal ( متفقين )!
جمعت إيناس الصحون الفارغة والمتسخة فوق بعضها البعض، بينما رصت سابين بقايا الطعام في إناء صغير لتضعه في المطبخ، وهتفت قائلة بإصرار:
-أنا will take them ( سوف أخذهم ).

ثم حملت هي جميع الصحون إلى المطبخ…
اتجهت إيناس إلى الشرفة لتنفض شرشرف ( مفرش ) الطاولة البلاستيكي مما علق به من فتات صغير من بقية قطع الخبز المقطعة، وحدقت أولاً في الشرفات السفلى لتتأكد من خلوها من أي ثياب موضوعة أو مفروشات، ثم دققت النظر باﻷسفل لتتأكد كذلك من عدم مرور أي شخص، ولكن لفت أنظارها تلك الحركات المريبة لبعض اﻷشخاص ذوي الملابس الداكنة الذين يقفون عند مدخل البناية المقابلة قيد اﻹنشاء..

أمعنت النظر نحوهم بدقة، وراقبتهم بحرص وهي تتوخى الحذر كي لا يروها..
تعجبت من ملامح وجوههم الغير مريحة بالمرة، فقد بدوا كمن خرج من فيلم أجنبي خاص بعصابات المافيا الشهيرة..

كانت على وشك الضحك والاستهزاء بهم، ولكن تجمدت تعابير وجهها، وقفز قلبها في صدرها فجأة حينما لمحت ما يشبه السلاح الناري في يد أحدهم وهو يدسه خلف ظهره، هي لم تكن لتشك به، وكانت لتظنه مسئولاً ذو مستوى رفيع من الحي، أو مهندساً ما قد جاء لتفقد مشروع البناية العالق لولا ذلك السلاح، وأوجههم الغريبة…
ابتلعت ريقها بخوف، وتوارت عن اﻷنظار، وتراجعت مبتعدة عن الشرفة..
فمجيئهم إلى هنا ربما ينذر بخطر شديد…

ركضت إيناس في اتجاه المطبخ لتبلغ سابين بتوجساتها المزعومة، وهي تهتف بهلع:
-سابين، سابين! تعالي بسرعة
تساءلت اﻷخيرة بإستغراب:
-ايه ( what )؟!
أجابتها إيناس بفزع وهي تضع يدها على ذراعها:
-في حاجة غلط ب، آآ، بتحصل مش، مش مريحاني!
رفعت سابين حاجبها للأعلى، وتساءلت بنزق بلكنتها الغريبة:
-ايه هو؟
ردت عليها بإرتباك وهي تسحبها جبراً من ذراعها:
-تعالي شوفي بنفسك!
هزت رأسها قائلة بهدوء:
-اوكي
ألحت إيناس هاتفة:.

-يالا بس بسرعة!
ردت عليها اﻷخيرة بهدوء:
-اوكي إيناس، wait، I am coming with you ( انتظري، سوف أتي معك )!
وبالفعل تحركت الاثنتين في اتجاه الشرفة بخطوات سريعة..
كانت دقات قلب إيناس تتسارع من فرط الخوف الممزوج بالتوتر، بينما حاولت سابين الحفاظ على هدوئها الانفعالي أمامها، فلا داعي للقلق أو الخوف دون وجود سبب مقنع…
ولكن تلاشى كل شيء حينما لمحت طيف أحدهم…

تشكل على قسمات وجهها علامات الفزع، وشخصت أنظارها بخوف بائن للعيان..
ارتفعت نسبة اﻷدرينالين في جسدها بشدة، وتلاحقت أنفاسها بصورة شبه لاهثة، وتسابقت دقات قلبها وكأنها تعدو في سبق خطير..
لقد خمنت هويتهم، هم يشبهون أولئك الذين حاولوا اغتيالها من قبل…
ازدردت سابين ريقها بخوف كبير بعد أن رأت تلك الأوجه القاتلة المرعبة بالأسفل..
ولا إرادياً تراجعت مبتعدة للخلف وهي قابضة على ذراع إيناس لتسحبها بعيداً عن أنظارهم قبل أن تلقتطهما أعينهم الشيطانية..
لم تبدِ اﻷخيرة أي مقاومة، فقد كانت مثلها في حالة مذعورة، و سألتها بنبرة مرتعدة ولكنها خافتة وهي تتحرك معها:
-هما، هما مين دول؟
أجابتها سابين بفزع جلي في جميع حركاتها وتصرفاتها:.

-إنهم ق، قتلة! They know no mercy ( لا يرحمون )!
قفز قلب إيناس رعباً من هول ما قالته، فقد تخيلت جسدها يمُزق إرباً على أيديهم بلا ندم..
اختفت الاثنين من الشرفة، وأوصدتا بابها الزجاجي سريعاً..
وقفت سابين خلف الستائر، وأزاحت طرفها بحذر لتراقب الطريق خلسة وهي تكافح ألا يراها أحد منهم، ، ولكن لم يتوقف عقلها عن التفكير للحظة..
دار في خلدها هواجس مفزعة..
ها قد جاءت نهايتها..

حانت منها إلتفاتة سريعة برأسها للخلف نحو إيناس، وأدمعت عيناها وهي تتأمل حالتها المرتعدة..
أطرقت راسها أسفاً، فهي ستزج بتلك البريئة معها في شيء لم ترتكبه، وستتحمل معها تبعات ما يدور..
ركضت إيناس نحو باب المنزل لتتأكد من غلقه…
ما طرأ ببالها هو مهاتفة أخيها فوراً للعودة من أجلهما..
فهو الأجدر على مساعدتهما في تلك الظروف..

بحثت عن هاتفها في غرفتها بعد أن ولجت إليها، ولكنها لم تجده في البداية بسبب توترها الشديد، وحالة الإرتباك والتخبط المسيطرة عليها، فزاد خوفها، وتوترت أكثر عن ذي قبل، وعجز عقلها عن التفكير بصورة واضحة..
تسمرت في مكانها مصدومة مذعورة مشلولة التفكير..
أفاقت من عجزها المؤقت على صوت هاتفها المكتوم، فتلفتت حولها بريبة باحثة عنه..
ركزت حواسها بالكامل لتعرف مصدر صوته، وتتمكن من تحديد مكانه، وبالفعل عرفته..

أسرعت نحو فراشها، وأزاحت الوسادة، وبحثت أسفلها، فوجدته..
تنفست الصعداء حينما رأته، ومدت يدها لتلقطه..
لم يكف هو عن الرنين بعد، وقرأت اسم باسل مضيئاً على شاشته..
فبلا تردد أو أدنى ذرة تأخير ضغطت على زر اﻹيجاب..
أتاها صوته من الطرف الأخر قائلا بتوسل:
-إيناس استني متقفليش! أنا بس بأطمن عليكي وبأعتذر، آآ…
لم يكمل جملته للنهاية حيث قاطعته قائلة بصوت لاهث وخائف:
-باسل! الحقنا!

انقبض قلبه فزعاً من عبارتها تلك، وسألها بتلهف:
-في ايه يا إيناس؟ حصل ايه؟
أجابته بصوت متقطع مرتعد:
-في، في ناس هايقتلونا تحت البيت! س، سابين عرفتهم، هما، معاهم، آآ، قصدي جايين آآ…
قاطعها باسل متساءلاً بتلهف:
-مافيش حد معاكو؟
ردت نافية وهي تهمس بهلع:
-ﻷ، كلهم، آآ، سافروا، و، آآ، ومسعد بيوصلهم!

استشف باسل من كلماتها المذعورة ما تقصده، فهي متواجدة بمفردها مع سابين فقط، وبالطبع اﻷخيرة مستهدفة من قِبل قاتلين محترفين، والمنزل خالي من العائلة…
هتف فجأة بصرامة:
-إيناس، اسمعيني كويس وركزي معايا، سيبوا البيت واطلعوا فوق عند حد من الجيران تكوني واثقة فيه، ومتعملوش حس، وأنا هاتصرف وهاجيلكم حالاً!
همست بنبرة مرتعدة وجسدها بأكمله يرتجف من فرط الخوف:
-أنا خايفة يا باسل، هانموت!

حاول باسل الحفاظ على هدوئه رغم حالة الغليان المسيطرة عليه بسبب خوفه عليها مما يمكن أن يحدث لها إن وقعت في أيدي هؤلاء القتلة، فهو يريد طمأنتها لا بث الذعر أكثر في نفسها..
ففي تلك المواقف، التصرف بحكمة وروية هو الأسلم من أجل النجاة بأبدانهم…
أردف قائلا بحذر وهو يشير بيده لشخص ما ليتوقف عن إكمال عمله بسيارته الخاصة:.

-اهدي، مافيش حاجة هاتحصل إن شاء الله، اطلعي بس دلوقتي فوق عند أي حد من جيرانكم، سيبوا البيت بسرعة!
طرأ بعقل إيناس تلك الفكرة التقليدية وهي اﻹستعانة برجال الشرطة لنجدتهما فورا، فصاحت بنزق:
-اطلب البوليس؟
رد عليها بنبرة منطقية:
-هياخدوا وقت عشان يجيلكم، أنا هاتصرف! وابقي اطلبيه بعدين لما تبقي في أمان، بس اعملي اللي قولتلك عليه اﻷول!
لم يكن هناك وقت للمجادلة، فردت قائلة بخنوع:
-حاضر!

أضاف باسل قائلا بلهجة آمرة:
-خدي موبايلك معاكي، واعمليه على الوضع صامت! سامعة!
أجابته بتوتر وهي تهز رأسها:
-م، ماشي!
هتف باسل قائلا بجدية حاسمة:
-ركزي يا إيناس، سمعاني، وابعتيلي رسايل لو مش عارفة تكلمي، أنا متابع معاكي لحد ما أوصل عندك!
ردت عليه بإيجاز:
-طيب!
أنهت هي المكالمة معه لتنفذ ما قاله حرفيا..

بينما أسرع هو بإيقاف عمل الميكانيكي الذي كان قد شرع في إصلاح نافذة سيارته الخلفية، وتحرك بها في اتجاه منزل مسعد..

أسفل البناية،
راقب الرجال المكان بحرص واضح، وتبادلوا اشارات ذات مغزى ليتحركوا بعدها في اتجاه البناية المتواجد بها هدفهم الحالي..
وما ساعدهم أكثر على الشروع في تنفيذ مخططهم هو هدوء المنطقة من حولهم، وخلوها من المارة، أو بمعنى أدق، عدم اكتراث من يسير على الرصيف بما يحدث..

في منزل مسعد غراب،
ركضت إيناس في اتجاه سابين المرابطة أمام النافذة، وجذبتها عنوة من ذراعها وهي تهتف بخوف:
-يالا بينا
سألتها سابين بإندهاش مذعور وهي تنظر إليها:
-فين؟
ردت عليها وهي تتحرك بها نحو باب المنزل:
-هانسيب البيت دلوقتي!
اتسعت حدقتي سابين في غرابة أكبر، وهمست معترضة قليلاً:
-بس ه. آآ…
قاطعتها إيناس بجدية:
-مافيش وقت، هاحكيلك بعدين!

أدركت سابين صحة تصرف إيناس، لا داعي للنقاش والتوضيح وإضاعة الوقت فيما لا يجدي، عليهما الآن التحرك فوراً والابتعاد عن هنا، لذلك ردت عليها:
-اوكي..
اتجهت كلتاهما خارج المنزل، وأشارت إيناس بيدها للأعلى، لتصعد الاثنتين على الدرج لتتجها إلى الطابق العلوي..
كانت إيناس قد فكرت في جارتهما التي تسكن بعد طابقين منهما للبقاء عندها، واخترعت حجة ما من أجل عدم إثارة ريبتها..

التفتت هي برأسها ناحية سابين، وهمست لها بصوت خفيض للغاية:
-بليز سابين، مش تكلمي خالص مع جارتي، أنا هاتعامل
أومأت سابين برأسها مواقفة، وردت بخفوت:
-اوكي! I am all yours ( أنا تحت طوع بنانك )!

في مشفى ما،
صرخ مسعد بفزع حينما هاتفه باسل وأبلغه بالمستجدات التي طرأت في غيابه…
وضع يده على رأسه ليضغط عليها بقوة، وحاول التماسك أمام أعين الممرضين المحدقين به بعد أن لفت أنظارهم بصياحه..
ثم كز على أسنانه بشراسة ليقول من بينهم:
-هاتصرف ازاي وانا مش موجود!
رد عليه باسل بجدية:
-أنا هاحاول أوصلهم، أنا مش بعيد عن بيتك!
اعترض مسعد قائلاً بحدة:.

-انت بتسهبل، انت لوحدك ودول محترفين، يعني هايخلصوا عليكم كلكم!
هو يتحدث بالمنطق، فكيف يمكن لفرد واحد أن يتقاتل مع مجموعة مدربة على القنص دون أن يكون مستعداً..
لذا هتف بتهور وهو يسير بخطوات أقرب للركض في الرواق:
– انا جايلك في السكة
رد عليه باسل بإمتعاض:
-يا مسعد إنت في بلد وأنا في بلد، يعني الجنان اللي بتقوله مش هايجيب نتيجة، لازم نفكر بعقل ونشوف هانتصرف ازاي!

هتف مسعد بحنق وقد اكتست نظراته بحمرة بائنة:
-دي حياة اختي وسابين، مش بس آآ…
قاطعه باسل قائلاً بهدوء:
-عارف والله، وفي دماغي حاجة كده!
سأله مسعد بتلهف:
-ايه هي؟
رد عليه الأخير دون تردد:
-هانستعين بزمايلنا في التشكيل القديم!
تفاجيء مسعد مما قاله رفيقه، وهتف غير مستوعباً اقتراحه العجيب:
-ايه؟
كان لباسل سبب منطقي يدفعه للجوء إليهم، وبرر هذا:.

-ايوه، هما مدربين على التعامل مع حالات الخطف والرهاين، والتعامل مع النوعية دي من المرتزقة، وأنا هاكلم كام حد يجي معايا!
سأله مسعد مستفهماً، فقد ظهر عليه عدم اقتناعه بتلك الفكرة الجنونية:
-وده هاتلحق تعمله ازاي وآآآ…
قاطعه باسل مجيباً إياه بثقة:
-انت هاتكلم كام حد من جهتك وأنا زيك في نفس الوقت، وايناس هاتكلم البوليس وآآ…

لم يجد مسعد بداً من الإعتراض، فهو الحل الأسلم حالياً وفقاً لوضعه، لذا رد عليه بلهفة:
-ماشي، أنا هاعمل اللي بتقول عليه، وإنت حاول تلحقهم لحد ما أرجعلك!
حذره باسل قائلاً:
-خلي بالك بس وانت سايق!
رد عليه مسعد بتذمر:
-يا سيدي أنا مش مهم!
ثم نفخ بصوت مسموع يحمل الكثير من النيران المشتعلة في صدره، وتابع برجاء خفي:
-احمي لحمي يا باسل، دي اختي وآآ، وسابين!

تفهم باسل شعوره جيداً رغم أنه لم يكن بحاجة إلى سماع مثل هذا الطلب، فإيناس غالية على قلبه، وتحتل مكانتها فيه، وهو لن يتركها أبداً تتأذى من أي شخص..
رد عليه بهدوء مشحون:
-حاضر!
أنهى بعدها مسعد معه المكالمة ليركض مسرعاً في اتجاه جراج المشفى دون أن يبدي أي مقدمات أو يوضح لأفراد عائلته المتواجدين بالمكان أسباب رحيله الإضطراري ليستقل سيارته، وينطلق بها بأقصى سرعته في اتجاه طريق العودة…

في منزل الجارة أم سيد بالطابق العلوي،
قرعت إيناس جرس الباب، وانتظرت بترقب خائف فتح الجارة الودودة الحاجة ( أم سيد ) له..
كانت اللحظات تمر كأنها أدهر..
اختلست سابين النظرات من أعلى الدرج محاولة رؤية أي ظلال لمن يصعد عليه، فلم ترَ شيئاً..
كان الوضع هادئاً، فتنفست الصعداء نوعاً ما، ثم استدارت برأسها في اتجاه إيناس حينما سمعت صوتها يقول:
-أخبار حضرتك ايه؟
ردت عليها الجارة أم سيد بنبرة دافئة:.

-بخير يا إيناس، إنتي عاملة ايه؟ وازي الست الوالدة وسعادت اللوا وآآ…
قاطعتها إيناس قائلة بإبتسامة مصطنعة:
-كلنا بخير الحمدلله، ينفع أدخل أتكلم معاكي في حاجة كده لو مكانش يضايقك
ردت عليها الجارة أم سيد بنبرة ودية طيبة وهي تفتح باب منزلها على مصرعيه:
-اه يا بنتي، اتفضلي ده بيتك، إنتي مش محتاجة تستأذني!
ابتسمت لها إيناس بإمتنان وهي تردد:
-شكراً لحضرتك!

ثم التفتت برأسها نصف التفاتة نحو سابين، وهمست من بين شفتيها وهي تشير بكفها:
-تعالي!

في نفس التوقيت تابع أحد القتلة ما يحدث من تحرك هدفهم المنشود عبر منظاره حديث التقنية الذي يخترق الجدران بأشعته تحت الحمراء، فتمتم بكلمات جادة عبر جهاز يشبه الهاتف اللاسلكي:
-لقد انتقل الهدف للطابق العلوي، سنعدل سريعاً في خطتنا!
رد عليه أحدهم موافقاً:
-حسناً!
وبدأوا في التجمع مرة أخرى في نقطة ارتكازهم للإتفاق فيما بينهم على إعادة تقسيم الأدوار وتوزيع المهمات للتعامل مع التجديد الذي طرأ فجأة..

في منزل الجارة أم سيد،
ولجت أم سيد إلى مطبخ منزلها لتحضر المشروبات الباردة كنوع من الترحيب بالضيفتين، فاستغلت إيناس الفرصة لترسل برسالة نصية إلى باسل دونت فيها:
(( احنا في الدور اللي فوقنا عند طنط أم سيد ))
أتاها رده بعد لحظات معدودة:
(( تمام، أنا خلاص أقل من دقيقة وهاكون عندكم ).

وما إن قرأت ما أرسله حتى تنفست الصعداء قليلاً، ورفعت رأسها لتنظر في اتجاه سابين التي كانت شاحبة للغاية تفكر في أسوأ ما يمكن أن يحدث لها..
مالت عليها إيناس وهمست لها:
-اهدي يا سابين، باسل هايتصرف
أجابتها سابين بصوت مرتبك:
-أنا، I am not feeling good ( لا أشعر أني بخير )، في كارثة هتحصل!

ضغطت إيناس على شفتيها بقوة قليلة، فهي مدركة لحجم الخطر الذي وقعت فيه كلتاهما، ولكن عليها التحلي بالشجاعة والصبر لمواجهة الأمر..
لذا همست بقوة مصطنعة:
-ربنا معانا، متخافيش!
ثم انتبهت الاثنتين إلى صوت أم سيد وهي تقول بنبرة عالية مرحبة:
-اتفضلوا يا بنات!
سلطت كلتاهما أنظارهما عليها وعلى صينية المشروبات والحلوى منزلية الصنع وهي تضعها برفق على الطاولة..
شكرتها إيناس على حسن ضيافتها قائلة:.

-كتر خيرك يا طنط، مالوش لازمة التعب ده
عاتبتها أم سيد بجدية:
-تعب، عيب عليكي يا بنتي تقولي الكلام ده، هو أنا عملت ولا جبت حاجة!
رمشت إيناس بعينيها وهي ترد بخفوت:
-شكراً
استدارت أم سيد برأسها نحو سابين لتنظر إليها بنظرات دقيقة متفحصة، وهتفت بصوت شبه مرتفع:
-يا مرحب بالضيفة!
ردت عليها إيناس موضحة:
-دي صاحبتي سابين، آآ، عايشة برا، وجاية تدرس هنا!

أضافت أم سيد قائلة بترحاب أشد والابتسامة الطيبة لم تفارق محياها:
-أهلا وسهلا بيكي يا بنتي، نورتي البلد!
ردت عليها سابين بإيجاز:
-ثانكس!
قطبت أم سيد جبينها لعدم تمكنها من فهم تلك الكلمة، فإرتبك سابين قليلاً، وردت برقة معدلة في لغتها:
-آآ، ش، شكراً
التفتت أم سيد ناحية إيناس، وسألتها بهدوء:
-ها يا نوسة، كنتي عاوزة ايه يا حبيبتي؟

كانت إيناس قد رتبت مسبقاً لحجة مقنعة تستخدمها عندما تسأل هذا السؤال الأكيد، وأخذت نفساً عميقاً، ثم زفرته على مهل لتحافظ على ثباتها، وردت بهدوء زائف محاولة ألا تثير ريبتها:
-كنت عاوزة اعرف طريقة الرز المعمر، أصلي حكيت لسابين صاحبتي عليه كتير، وهي نفسها تدوقه..
ردت عليها أم سيد بحماسة مفرطة:
-أما أنا عليا شوية رز معمر، إنما ايه حكاية، اللي يدوقه ياكل صوابعه وراه!

رسمت إيناس على ثغرها ابتسامة مجاملة – ولكنها عريضة للغاية – وهي تتابع قائلة:
-ماهو عشان كده أنا جيت لحضرتك تقوليلي طريقته بتتعمل إزاي!
ردت عليها أم سيد بثقة:
-إنتي جيتي المكان الصح!

كان باسل قد هاتف عدداً من رفاقه المقربين من ذوي المهارات البارعة والكفاءة العالية ليقفوا إلى جواره في تلك المهمة الطارئة..
أبلغهم بإيجاز أن هناك من يهدد عائلة مسعد ويستهدف أخته الصغرى كنوع من التصفية الإجرامية والإغتيال المتعمد لإلحاق الأذى النفسي به، فلم يترددوا في مساعدته..

ما لم يضعه باسل في الحسبان هو أنه ومسعد كانا مراقبان من قبل رجال ذلك المسئول رفيع المستوى – من تلك الجهة السيادية – الذي قابلاه مسبقاً، وبالتالي كانت كل خطوة أو تطور يحدث عند منزل أحدهما يكنْ الأخير على علم كامل به..
فلم يغفل عن تلك المجموعة الإجرامية من هؤلاء القتلة، وأعد العدة لمواجهتهم فوراً، و…
بدأت تجمعات منظمة من رجال ملثمين يرتدون ثياباً داكنة في التحرك بإشارات صامتة بإتجاه البناية المتواجدة بها سابين..
كانت تلك التجمعات تختلف كلياً عن هؤلاء القتلة المحترفين، حيثكانت أكثر قوة، وأكثر تدريباً واستعداداً للقتال والمواجهة..
وبصوت هامس ولكنه صارم أردف قائد تلك المجموعة قائلاً:
-خريطة العمارة معاكو، والمداخل متحددة، الكل هيتحرك عند إشارتي ويهجم، مفهوم!

أومىء أفراد مجموعته القتالية المدربة برؤوسهم إذعاناً لأمره المباشر، ثم أكملوا تحركاتهم الحذرة نحو أماكنهم المحددة مسبقاً..

لم يعرف مسعد كيف كان يقود سيارته على الطريق السريع ليتجاوز تلك السيارات التي تسير أمامه..
كل ما كان يدور في خلده هو انقاذ أخته وحبيبته..
الاثنتين لهما مكانة غالية ومميزة في قلبه، وهو لن يتحمل خسارة إحداهما..
كذلك لم يترك الهاتف للحظة من على أذنه، وعلى قدر المستطاع هاتف من يثق بهم من رفاقه في التشكيل لمعاونته في نجدتهما..
واستجاب معظم من تحدث معهم..

كان مسعد يسابق الزمن، ولكن الوقت لا ينتظر أحداً…

تمكن باسل من الوصول إلى البناية..
أوقف سيارته فوق الرصيف بحركة عنيفة، ثم جذب مفاتيحه من مكانها، وترجل منها، وانطلق مسرعاً نحو المدخل دون أن يعبأ بالتأكد من غلقه إياها..
وقبل أن يصل إلى الدرج كان هناك من يشهر سلاحاً آلياً في وجهه ليمنعه من اكمال طريقه، فنظر له مصدوماً وقد عجز لوهلة عن التصرف معه…

في منزل الجارة أم سيد،
لم تصغِ إيناس ولا سابين إلى كلمة واحدة مما قالتها الجارة عن طريقة صنع ( الأرز المعمر ) الشهير، فكلتاهما كانتا مشغولتان بما يحدث بالخارج..
مر الوقت عليهما بطيئاً للغاية، ولكنه كان منذراً بفاجعة ما..
انتفض ثلاثتهن مذعورات حينما سمعن دوياً قوياً ناجماً عن تحطيم باب ما..

استدرن برؤوسهن للخلف، فوجدن أوجه باردة صلبة لقتلة محدقة بهن ن ويحملوا في أيدهم أسلحة نارية بها كاتمات للصوت..
هبت إيناس من مكانها واقفة، وتراجعت مسرعة للخلف وهي تكتم بكفي يدها شهقة مرتعدة، وسقط هاتفها المحمول من يدها، فتناثر إلى أجزاء..
بينما تصدرت سابين بجسدها المقدمة في محاولة يائسة منها للدفاع عمن معها..

فقدت الجارة أم سيد وعيها من هول الموقف، وسقط جسدها المتعب على الأرضية، فهي لم تتحمل هذا الكم الهائل من الأسلحة والتهديد المخيف..
انحنت إيناس عليها محاولة مساعدتها، ووزعت أنظارها المذعورة بين سابين وهؤلاء القتلة..
رأت سابين المشهد، فزاد خوفها، وتسارعت دقات قلبها، وصرخت فيهن باللغة الانجليزية:
-من أنتم، وماذا تريدون!

التوى ثغر أحدهم بنصف ابتسامة برزت من خلفها أسنانه، واقترب منها ببطء، ثم أجابها بنبرة باردة – بنفس اللغة – لكنها مخيفة تدب الرعب في القلوب:
-نريد حياتك أنتِ
شهقت إيناس عقب عبارته الأخيرة بعد أن فهمت مقصده، ونظرت بهلع إلى سابين التي ارتجف جسدها بأكمله، وارتعشت أطرافها، ورغم ذلك حاولت الحفاظ على ما تبقى من رصيد شجاعتها، فهتفت بنبرة خائفة:
-حسناً، حياتي لك!
ثم زادت من قوة نبرتها قليلاً وهي تتابع:.

-ولكن لا تؤذهم، هما ليس لهما أي دخل ب آآ…
قاطعها الرجل قائلاً بشراسة:
-اصمتي، سنقتل الجميع بما فيهم أنتِ!
إشرأب الرجل بعنقه للأعلى قليلاً ليغمز لها بعينه وهو يتابع بعبث:
-ولكن ربما نتسلى قليلاً!
ثم أشار بعينيه نحو إيناس، وأضاف بخبث:
-ونمرح مع تلك الصغيرة!
صرخت فيه سابين بغضب بعد أن أدركت مقصده الدنيء:
-أيها المجرم الحقير!
زادت ابتسامته الشرسة إتساعاً وتابع قائلاً:
-وربما تمتعينا أنتِ الأخرى!

صرخت فيه بغضب وهي تشيح بيدها مهددة:
-أنت حقاً قذر، وسأنال منكم، وممن أرسلكم!
رد عليها بجمود مميت غير مكترثٍ بما تفوهت به تواً:
-هذا ما دُفع لنا لأجله!
وقع قلب إيناس في قدميها، وشخصت أبصارها بهلع أكبر خاصة أن نظراتهم نحوها كانت ذات مغزى..
ازدردت ريقها، ولهثت بخوف كبير..

تراجعت سابين للخلف لحمايتها، والذود عنها من بطش هؤلاء الرجال الذين لم يريدوا فقط قتلها، وإنما الإعتداء على رفيقتها الصغيرة وأخت من أحبت..
قررت هي ألا تتخلى عنها مهما حدث، وأن تدافع عنها حتى الرمق الأخير..
ففي نهاية المطاف هي من زجت بها في تلك الكارثة..
لذلك قبضت على ذراعيها لتجبرها على النهوض عن الأرضية، ودفعتها لتبقى دوماً خلفها وكأنها درع يحميها، وتحركت بها متراجعة عنهم..

وفجأة قُذفت عبوات صغيرة داخل صالة المنزل لتغرقه بسحب كثيفة من الدخان الأبيض سببت الذعر والإرتباك لجميع من فيه..
سعلت كلاً من سابين وإيناس بصوت مرتفع، وحاولت الاثنتان كتم أنفاسهما وعدم استنشاق هذا الدخان الخانق..
وأعقبه دوي طلقات نارية مصحوبة بصيحات وتحطيم..
اندفعت كلتاهما للداخل لتبحثا عن مكان تختبئان فيه، ولكن هناك أيادي قوية قبضت عليهما وحالت دون هروبهما..

صرخت إيناس بهلع حينما شعرت بتلك القبضة المحكمة على كتفها:
-سيبوني، لأ، مش عاوزة أموت!
وظلت تتلوى بجسدها محاولة تخليص نفسها ممن وقعت تحت قبضته..
صاحت سابين هي الأخرى بفزع بلغتها الانجليزية وهي تقاوم ذلك الكف الذي أمسك برسغها، ومسلطة أنظارها على إيناس:
-لا تلمسوها!
كتف أحد الضباط إيناس جيداً بساعديه، وشل حركتها تقريبا ً، وصاح بصوت قاتم:
-اهدوا، احنا مش هنأذيكم، احنا هنا لحمايتكم!

اهتاجت إيناس أكثر بعد تكبيلها، وبكت بخوف وهي تصرخ مستغيثة:
-لألألألأ!
ثم نظرت في اتجاه سابين، وصرخت فيها بتوسل:
-سابين ماتنسبنيش!
صاحت الأخيرة بقوة وهي تمد يدها في محاولة يائسة منها للوصول إليها ولكن باللغة العربية:
-ابعدوا عنها!
تابع الضابط قائلاً بهدوء جدي محاولاً إمتصاص ثورة الغضب المسيطرة عليها:
– اهدي، مش هانعمل حاجة، إحنا تشكيل قتالي معروف!

صرخت إيناس بجنون وهي تتلوى بجسدها بكل طاقتها المشحونة من الإدرينالين المتدفق بغزارة إلى جميع خلاياها:
-هانموت، هانموت على ايدهم!
ضغط الضابط بقبضتيه على إيناس ليمنعها من الحركة وهو يقول بحذر:
-يا آنسة اهدي، مش هانموتكم، احنا هنا عشانكم
لم تصدق هي ما قاله، واكملت صراخها:
-لألألأ!
ألقي بقنبلة دخان أخرى لتصيب الجميع بالسعال الشديد، وأعقبها تبادل للطلقات النارية..

انحنى الضباط بكلاً من سابين وإيناس للأسفل، وشكلوا من أجسادهم درعاً ليحولوا دون وصول أي طلقات إليهما..
وتعالت الصيحات المشيرة إلى الهجوم المدافع..
سحب ضابط أخر جسد الجارة أم سيد الملقى على الأرضية ليبعده عن المواجهة المحتدة، واستغل الأريكة في تكوين حاجز مؤقت لحمايتها، واستعان أيضاً بالطاولة ليشدد من قوة الحاجز فلا تخترقه الطلقات..

قفز قلب باسل في قدميه بعد سماعه لدوي الطلقات المخيفة، وشحب لون وجهه بشدة، وتلاحقت أنفاسه بخوف كبير..
وتمتم بلا وعي من بين شفتيه:
-إيناس!
اندفع كالمجنون بجسده نحو مدخل البناية، ولكن تم منعه من قِبل أفراد التأمين بالخارج، فظل يصرخ بإهتياج جامح:
-سيبوني أعدي، إيناس، خطيبتي جوا، انتو مش فاهمين حاجة، حاسبوا!
رد عليه فرد التأمين وهو يتصدى له بجسده العملاق:
-ممنوع يا باشا.

تحولت مقلتيه إلى جمرتين متقدتين، وصاح فيه بحدة وهو يلوح بذراعه في الهواء:
-ازاي أتمنع، أنا في قوات الصاعقة وآآ…
قاطعه فرد التأمين قائلاً بهدوء حذر:
-أنا عارف انت مين، بس الأوامر مانعة حد يدخل!
وضع باسل يديه على رأسه ليضغط عليها بقوة متعصبة بعد أن يأس من اقناعهم بتركه يدخل، وسلط أنظاره للأعلى ليحدق في شرفة منزل رفيقه مسعد وقلبه يصرخ ملتاعاً لعجزه عن حماية من دق فؤاده لها…

زادت حدة الاشتباكات بالخارج وتحول منزل الجارة أم سيد بالطابق الذي تسكن فيه إلى ساحة قتالية مصغرة..
وبدأت العناصر القتالية المدربة في فرض سيطرتها على المكان ومحاصرة القتلة المحترفين..
انزعج قاطني البناية مما يحدث بداخلها، وظنوا أن الحرب قد اندلعت بها فقط، وهرب أغلبهم نجاة بنفسه مما قد يحدث له…

لم يستطع باسل التحمل أكثر من هذا، ففقد أعصابه، وقرر التصرف فوراً حتى لو كلفه الأمر حياته..
استغل انشغال أحد أفراد التأمين بالحديث إلى زميله حتى ركض كالمجنون في اتجاهه ليتمكن من اختراقه، والدخول إلى البناية، ولكن تم منعه من الصعود إلى الأعلى عن طريق أحد أفراد ذلك التشكيل القتالي المدرب الذي جاء للتعامل مع القتلة..

حاول دفعه والمرور عنوة، لكنه فوجيء بأخرين يحكمون قبضتهم عليه ويجروه إلى الخارج، فصاح معترضاً، ولكن رد عليه الضابط العسكري قائلاً:
-الأوامر بتقول محدش هايدخل إلا تشكيلنا وبس!
احتج باسل قائلاً بإنفعال وهو يقاومهم:
-مش هامشي من هنا! أنا أعرفهم أكتر منكم، إنتو آآ…
قاطعه الضابط بصرامة:
-احنا عارفين أكتر بكتير من اللي انت تعرفه، خدوه برا، واتحفظوا عليه
صرخ باسل بغضب جم عقب عبارته الأخيرة:
-لألألأ!

لكن لم يكن بيده أي حيلة، وعجز عن التصرف معهم، فهم أكثرية، وهو بمفرده أمامهم..
كذلك الأوامر مشددة للغاية، والتشكيل المتواجد هنا معروف بحنكته ومهارته وبراعته اللامتناهية، وهو قد عرفهم من شعارهم المميز..

انهارت أعصاب مسعد وهو يحاول قطع أكبر المسافات في أقل وقت ممكن للحاق بأخته وحبيبته..
كان يتابع مع رفيقه باسل أخر المستجدات عبر هاتفه، وتحطمت صلابته المعهودة حينما أبلغه الأخير بإعطاء اشارة الهجوم..
تحولت عيناه إلى بركتين من العبرات الحارة، إنسابت كالأمطار الغزيرة لتغرق صدغيه…
خشي أن يكون قد فقد إحداهما، ناهيك عن التفكير في خسارة الاثنتين كأسوأ الافتراضات…

ظل يدعو الله أن يخيب ظنه، وينجيهما من أي مكروه..
لم يستطع كذلك إبلاغ أبويه بما يحدث، فهو لن يتحمل صدمة والدته، ولا انهيار أبيه، وفضل أن يظل الأمر واقفاً عنده حتى يصل إلى هناك…

مرت الدقائق التالية كأنها ساعات، ولكنها كانت فاصلة في انهاء محاولة الاغتيال قبل أن تتم فعلياً مع القبض على ثلاثة من عناصر التنفيذ، وإرداء البقية قتلى..
لم تُصب أياً من سابين أو إيناس بأذى حقيقي، فقط اختناق نتيجة الدخان الكثيف، وسجحات سطحية نتيجة المقاومة، ولكن في المجمل كانت الاثنتان بخير..
لم تصدق كلتاهما أنهما نجتتا حقاً من محاولة الاغتيال..

إرهاق كبير كان بادياً عليهما، وتم اصطحابهما إلى خارج المنزل بمعاونة الضباط الذي شكلوا حولهما جداراً بشرياً..
كما تم اسعاف الجارة أم سيد، ووضعها على الناقلة الطبية لإرسالها للمشفى القريب للتأكد من سلامتها..
زادت الحركة أمام مدخل البناية، وعلامات غريبة ما بين الفرحة والتعب كانت مرسومة على أوجه أفراد التشكيل..
ترقب باسل خروج إيناس بفارغ الصبر..

حبس أنفاسه داخل صدره، لكن لم يتوقف قلبه للحظة عن الصراخ باسمها..
حدق في أوجه الجميع بنظرات فارغة..
ربما لو عاد به الزمن للخلف ما كان ليؤذيها أبداً بأي صورة..
استشعر فؤاده أنها بخير رغم عدم ظهورها أمامه، ولكنه كان ينبؤه بهذا..
نعم صدق حدسه كمحب، وانفرجت شفتيه تلقائياً عن بعضهما البعض لتهمس بإسمها..
وما إن لمح طيفها وهي تخرج مستندة على كتف سابين بذراعها حتى اندفع كالقذيفة نحوها، و…

لم تصدق إيناس نفسها أنها قد نجت من تلك المعركة التي حدثت..
هي لم تكن تشاهد فيلماً سينمائياً، ولا حتى تستمع إلى إحدى الروايات الخيالية أو الغير منطقية، لكنها بالفعل كانت وسط تلك الاشتباكات..
رفعت عينيها الحمراوتين – من كثرة البكاء – للأعلى لتجد باسل يركض نحوها وهو يصيح بإسمها..
تسمرت في مكانها مشدوهة، وارتجف جسدها بقوة حينما رأته يضم وجهها بين راحتي يده، وينظر لها بغرابة..

لقد رأت في عينيه نظرات لم تعهدها مسبقاً منه..
نظرات عميقة تنطق بالكثير، ورغم هذا لم تستطع تفسيرها..
لوهلة لم تستوعب أنه احتضنها بقوة بالفعل، وأنه جذب رأسها بأحد ذراعيه ليدفن وجهها في صدره..
سكنت للحظات وهي تستمع إلى دقات قلبه المتلاحقة بأذنها الملتصقة بصدره..
أحاطها باسل بذراعيه بلا وعي وكأنه يحميها ممن حولها..
لم يشعر بنفسه وهو يفعل هذا، وكأن إحساسه الصادق هو ما دفعه للتهور وفضح نفسه أمام الجميع..

لكنه كان مرتعداً من التفكير في حدوث مكروه لها..
أرخى أحد ذراعيه عنها، وابتعد بجسده قليلاً للخلف دون أن يتركها، وضم بيده الأخرى سابين، وتساءل بصوت متحشرج:
-انتو كويسين؟ في حد عملكم حاجة؟!
وقبل أن تجيبه إحداهما، سمع صوتاً ذكورياً خشناً يأمره ب:
-من فضلكم اتحركوا، ماينفعش تقفوا هنا!
رفع رأسه لينظر نحو صاحب الصوت، فوجده ضابطاً أخراً، فرد عليه بإقتضاب:
-طيب.

ثم تحرك إلى الجانب معهما، ولكن قطع طريقهم ضابط أخر وهو يقول بهدوء:
-اتفضلوا هناك عند الاسعاف عشان نطمن!
ضغط باسل بقبضتي يده على كتفيهما، وهتف بجدية:
-تعالوا
اعترضت إيناس قائلة بخفوت:
-انا كويسة!
التفت برأسه التفاتة صغيرة، ونظر لها بقوة وهو يرد عليها بجمود قليل:
-الدكتور هو اللي يقول كده!
أضافت سابين هي الأخرى قائلة بنبرة شبه منهكة:
-باسل، we are okay , don t worry ( نحن بخير، لا تقلق ).

احتج باسل قائلاً بصرامة واضحة:
-مافيش داعي للإعتراض! يالا!
وبالفعل توجه ثلاثتهم إلى أقرب سيارة إسعاف للاطمئنان على الحالة العامة لكلاً من إيناس وسابين…

لطمت صفية بكف يدها المجعد على صدرها، وشحب لون وجهها بهلع كبير، واتسعت حدقتي عينيها بذعر واضح حينما قرأت إسراء عليها ما نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي..
لم يصدق الجميع آذانه حينما عرفوا أن بنايتهم تحت الحصار، وهناك اشتباكات دائرة فيها..
كان الأكثر رعباً بينهم هو اللواء محمد، فهو يعرف بهوية سابين الحقيقية..
صرخت صفية بصوت باكي وهي تهز رأسها للجانبين:
-بنتي، هاتلي بنتي، ودوني عندها، اه يا حبيبتي!

حاولت إسراء تهدئتها حتى لا تنهار منها، وهتفت بتوسل وهي تمنع بصعوبة عبراتها من الإنسياب:
-اهدي يا ماما، احنا لسه مش عارفين حاجة!
صرخت فيها صفية بحدة وهي تلوح بذراعها:
-كلمي أختك واعرفي هي فين، اطلبي أخوكي، شوفيه اختفى في أنهو حتة!
أومأت برأسها بحركة متكررة وهي ترد:
-طيب حاضر، هاعمل كل اللي انتي عاوزاه، بس اهدي عشان صحتك!
ضربت فخذيها بكفي يدها، وندبت حظها قائلة بخوف:.

-أهدى ازاي وانا بنتي واقعة مع العالم الشر دول!
حاولت إسراء أن تقنع والدتها بأن ما قرأوه ربما يكون أكذوبة ما، فهتفت مبررة:
-انتي، انتي عارفة النت ساعات بيهول ويقول حاجات محصلتش!
لم تقتنع والدتها بما قالته، وصرخت بعويل:
-آآآه، بنتي، ودوني عندها، اطلبيها
أشارت إسراء بيدها لها وهي تقول بيأس:
-طيب، طيب!
حاولت لأكثر من مرة مهاتفة اختها الصغرى لكن لا جدوى..

زاغت أنظارها من القلق الممزوج بالإضطراب، وعضت على شفتها السفلى بتوتر كبير…
سألتها والدتها بإلحاح وقد اغرورقت مقلتيها بعبراتها الملتاعة:
-ها؟ ردت عليكي؟!
هزت إسراء رأسها نافية وهي تجيبها بحذر:
-لأ، الرقم مش بيجمع
زاد خوف صفية، وتسارعت نبضات قلبها المرتعد، وهتفت بتوسل وهي تشد صدغيها بكفي يدها:
-استر يا رب، عديها على خير يا رب، احنا مالناش غيرك يا رب!

سار اللواء محمد مبتعداً عن زوجته وابنته الكبرى ليتمكن من مهاتفة ابنه، فسبب اختفائه الآن بات واضحاً له، ولكن الأخير لم يرد على أي من اتصالاته، فتوجس خيفة ان يكون قد وقع الأسوأ..
انقبض قلبه أكثر، وتوترت أعصابه، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من كشف كل شيء..
كز على أسنانه ليحدث نفسه بنبرة حاسمة:
-أنا مش هافضل كده أحرق في اعصابي ومش عارف حاجة، لازم أتصرف بطريقتي! أنا مش قليل برضوه!

قرر هو أن يهاتف من يعرفهم – من ذوي العلاقات المعروفة – ليطلع على أخر المستجدات، فطمأنه أحدهم بأن الوضع شبه مستقر وتم السيطرة عليه، فتنفس الصعداء..
ولكن قلبه لم يهدأ بعد، فهو مازال متعذراً في الوصول إلى ابنه وابنته الصغرى..
في شركة ما بولاية أوهايو،
هب الرئيس التنفيذي لتلك المؤسسة الشهيرة – ومالكها – مذعوراً من مقعده الوثير بعد أن وصلته الأنباء عن فشل خطة الإغتيال، وإلقاء القبض على عناصر التنفيذ من قبل رجال القوات الخاصة المصرية وتشكيل قتالي ما..
ارتجف مدير أعماله ورجله الخاص قليلاً وهو يرى حالة الهياج التي سيطرت عليه، وأطرق رأسه خزياً..
انحنى الرجل الغاضب للأمام ليطرق بعنف بقبضتيه على سطح مكتبه وهو يصرخ:.

-كيف حدث هذا؟ ألم تخبرني أن كل شيء مدروس وآآ..
قاطعه مدير أعماله قائلاً بنبرة شبه مخذولة:
-معذرة سيدي، لم نكن نعلم بتدخل جهة عليا!
صاح فيه الرجل الغاضب بصوت هادر:
-أنتم أغبياء، لقد أفسدتم كل شيء بحماقتكم!
ضغط مدير أعماله على شفتيه ولم يضف المزيد، فهو في وضع حرج، بل الأدق رب عمله في وضع سيء..
فنجاة الشاهدة – ورافعة الدعوى القضائية – من هذه المحاولة الأخيرة تعني تدميره نهائياً..

تراجع ليجلس على مقعده شبه منهاراً، وهو يفكر في تبعات ما سيحدث له…

تدخلت الشرطة وتعاونت مع قادة التشكيل القتالي لأخذ أقوال الجميع في تلك الجناية التي ارتكبت قبل قليل..
وتحول منزل الجارة أم سيد إلى مسرح جريمة، وطوق أفراد الأمن والعساكر البناية وأغلق الطريق المؤدي إليها..
كذلك حضر وكيل النيابة للمعاينة، ومعه عدد من مساعديه، واهتم رؤوساء الصحف القومية والخاصة بما يدور خاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي قد نشرت الخبر على نطاق واسع…

في نفس التوقيت كان مسعد قد وصل إلى أول الشارع الرئيسي المؤدي إلى منزله، فتفاجيء بالتكدس المروري الرهيب هناك..
فصرخ بسباب لاذع ليفسحوا له المجال، ولكن ليس بإستطاعة أي أحد التحرك، فالزحام وخنقته المرورية تؤثر على الكل…
لم يتحمل اضاعة الوقت، فحرك سيارته بعنف ليصعد بها فوق الرصيف، ثم أوقف محركها، وترجل منها، وركض كالمجنون نحو بنايته…

لم يعبأ بالمارة في الطرقات، ودفعهم بغلظة ليمر من بينهم حتى يصل إلى وجهته..
كذلك لم يتوقف هاتفه عن الرنين، فكان ينظر إلى شاشته، ليقرأ اسم والده عليه، فيزفر بضيق، ويتجاهله متعمداً..
هو يعلم أن تكرار اتصالاته بصورة متعاقبة تعني معرفته بما دار…

أحضر باسل زجاجة مياه معدنية باردة لإيناس لترتشف منها بعد أن أخبرت سابين أن حلقها بات جافاً للغاية وتحول طعم ريقها للعلقم، فلم يدخر وسعه، وأسرع لإحضارها ريثما ينتهي المسعف والطبيب المتواجد معه من فحصهما..
تناولت الزجاجة منه، وشكرته بإقتضاب:
-ميرسي
كذلك أعطى لسابين زجاجة أخرى لتشرب منها، فشكرته هي الأخرى..
لم يتوقف باسل عن النظر إلى ايناس في كل فرصة متاحة دون أن تنتبه هي لنظراته المحدقة بها..

راحة كبيرة سيطرت عليه لأنها تقف بخير أمامه..
-إيناس، سابين!
قالها مسعد بصوت مرتفع يحمل الكثير، فانتبه ثلاثتهم لصوته، واستداروا برؤوسهم للخلف..
وبلا تردد ركضت إيناس نحو أخيها وهي تنادي قائلة:
-م، مسعد!
فتح هو ذراعيه ليتلقاها في أحضانه، ثم ضمهما حول خصرها ليلصقها به، فتشعر أكثر بالأمان معه..
قبلها من أعلى رأسها، وتمتم بنبرة شبه مختنقة:
-أنا أسف، حقك عليا يا نوسة!

بكت إيناس عبرات الفرحة لأنها حينما رأته أدركت حقاً أنها في مأمن من أي شر..
ابتسمت سابين لرؤية مسعد أمامها..
شعرت بسكون عجيب يتسرب إلى خلايا جسدها، وكأنها قد تلقت مخدراً للتو لترتخي أعصابها المشدودة..
نعم وجوده إلى جوارها يماثل البلسم الشافي للجراح الغائرة..
نظراته بحثت عن عينيها، ولم يختلف حالها عنه، فكانت عيناها تبحثان عن نفسها فيه، ورأتها بالفعل..

لم ينطق بالكثير، ولكن فاضت عيناه بأكثر مما يمكن أن يُقال…
خرج من حالة الصمت المليء بالكثير على صوت باسل وهو يربت على ظهره:
-اطمن هما بخير!
أرخى مسعد ذراعيه عن أخته، وابتسم ممتناً وهو يرد عليه:
-الحمدلله..
غمز له بطرف عينه بخفة وهو يتابع:
-هاروح أطمن على سابين، خليك مع ايناس
زادت ابتسامة باسل اتساعاً، وتحركت عيناه تلقائياً نحوها، وأجابه بثقة جادة:
-ماشي!
قبل مسعد رأس أخته مجدداً، وتبسم قائلاً بمزاح:.

-حمدلله على سلامتك يا أروبة، تلاقيكي ولا جاكي شان في زمانك
ردت عليه ساخرة وهي تكفكف عبراتها بظهر كفها:
-لأ، أنا فاندام!
مسد مسعد على رأسها برفق، وأكمل بإبتسامة:
-ماشي يا ست الهرقل!
ثم تركها برفقة باسل وتحرك في اتجاه سابين..
نفخت إيناس بتعب، وأدارت وجهها للناحية الأخرى لتتجنب النظر إلى باسل..

كانت تشعر بعدم الإرتياح، ربما خجل قليل قد انعكس تأثيره على وجنتيها، فاصطبغتها بحمرة باهتة، لكن هذا لم يؤثر على ملامح وجهها المتشنجة..
راقبها باسل عن كثب، ودقق النظر في كل إيماءة تقوم بها..
أراد هو أن يقطع حاجز الجليد الإجباري الذي ستفرضه لا محالة إن بقيا صامتين، وأردف قائلاً بهدوء:
-أول مرة ت آآ…
لم تترك له الفرصة للحديث، حيث قاطعته قائلة بعبوس وهي قاطبة لجبينها:
-مش عاوزة أتكلم، أنا تعبانة!

أشار بكف يده أمام وجهها وهو يمازحها:
-بالراحة، أنا بس بأخد وأدي معاكي في الكلام!
ظنت إيناس أنه يتعمد استفزازها بطريقته الهادئة تلك، فردت عليه بحنق:
-لأ انت جاي تشمت فيا!
رفع حاجبه للأعلى مستنكراً وهو يردد:
-اشمت!
ردت عليه بحدة وهي تشير بسبابتها:
-ايوه، قولت دي زمانتها راقت وبقت فلة وكويسة، وقامت من خبطة اللوحة بعد البوكسين اياهم، أما أتأكد إن كانت خدت رصاصة ولا لأ!

فغر شفتيه مشدوهاً مما قالته، وردد بعدم تصديق:
-أنا؟
عقدت ساعديها أمام صدرها، ولوت فمها وهي ترد بغلظة تحمل الغل:
-أه!
دافع باسل عن نفسه قائلاً بعتاب قليل:
-يا إيناس حرام عليكي، هو أنا نطقت بكلمة واحدة!
نظرت له شزراً، وبررت موقفها العدائي قائلة:
-مش محتاج تنطق، كفاية عينيك والبصة اللي فيها.

صدم من طريقة تفكيرها، وخاصة تفسيرها الخاطيء لنظراته الأخيرة نحوها، فأسبل عينيه، واخذ نفساً عميقاً، وزفره على مهل، ثم أجابها بتنهيدة:
-والله إنتي ظلماني!
تابعت إيناس قائلة بغضب:
-مش هترتاح إلا لما أتحول زومبي قدامك عشان ترتاح!
ضحك من طرفتها الأخيرة، وبرزت نواجذه فاستشاطت هي غيظاً منه، فسيطر على نفسه، ورد عليه بهدوء:
-يا ساتر، زومبي مرة واحدة!
هزت رأسها إيجاباً وهي تقول بحنق:
-ايوه..!

ابتسم لها، ومازحها قائلاً:
-ماشي يا ستي، أنا مش هارد عليكي، انتي برضوه لسه طالعة من جو أكشن ومافيا وعصابات، حاجة نظام ( MBC مصر ) [ محطة تلفزيونية شهيرة ]
رفعت إيناس رأسها للأعلى في كبرياء، وكذلك أنفها في شموخ، ثم هتفت بتفاخر:
-هو انت تعرف تعمل اللي أنا عملته؟
رد عليها ساخراً:
-لأ طبعاً، أنا مش بأعرف أصرخ ولا ألطم، ولا أندب حظي، ولا أقطع في فروتي ولا جو الصويت الحريمي ده.

تلون وجهها بحمرة غاضبة، فهو مستمر في اغاظتها والتحقير من شأنها ومما تفعله..
لذا رمقته بنظرات محتقنة، وتمتمت بتذمر ولكن بصوت خافت:
-غتت!
التقطت أذنيه كلمة ما ولكنها لم تكن واضحة بالقدر الكافي ليترجمها، فسألها بإستغراب:
-مش سامعك كويس، قولتي ايه؟
ردت عليه بتبرم:
-سلك ودانك عشان تسمع!
انزعج من ردها الفظ، فتحنح بصوت خشن، وأردف قائلاً بإقتضاب:
-احم، لسانك!
ردت عليه متساءلة بإيجاز:
-ماله؟

أشار بإصبعيه بحركة المقص وهو يجيبها:
-عاوز يتعمله Cut ( يقص) شوية!
نفخت بصوت مسموع وهي تشيح بوجهها بعيداً عنه، فقد أنهكها ما مرت به، ولم يعد لديها أي طاقة اضافية للمجادلة معه..
تابع باسل حديثهما المتأرجح ما بين غضب وهدوء بتسلية واضحة عليه، وتشدق قائلاً:
-بس أنا مبسوط منك
أدارت رأسها في اتجاهه بعد أن أثارت عبارته الأخيرة فضولها لتعرف سبب تفوهه بهذا، وسألته بفتور:
-والله!
ردد مؤكداً:.

-اه، بجد يعني مبسوط انك لجأتي ليا وآآ…
شعرت أنه يريد التباهي بمآثره، فلم تمهله ليكمل عبارته، وقاطعته بحدة:
-ده بس عشان انت كنت بتتصل، غير كده مكونتش هارد عليك أصلاً!
ضغط على شفتيه ليقول بحذر:
-مقبولة منك!
أكملت هي قائلة بجدية مبالغة:
-ورقمك هاعمله بلوك!
نظر لها بعبوس، وردد بحزن زائف:
-كمان! ده انتي شايلة مني أوي
لوت ثغرها وهي تجيبه بنوع من التهكم:
-أه يا ( أبيه ) باسل!

تجمدت تعابير وجهه من كلمتها المستفزة له، وردد بعصبية قليلة:
-هو احنا رجعنا لأبيه دي تاني؟!
أجابته بلا تردد بكلمة موجزة لكن كانت تحمل بين طياتها غضباً ظاهراً:
-اه
رد عليها بإستخفاف:
-طب بالراحة، ده انا قولت جو المغامرون الخمسة ده رجعك لعقلك وآآ…
قاطعته قائلة بنفاذ صبر وهي تنحني للأمام لتفرك ساقها اليمنى:
-أنا رجلي وجعاني، ودماغي مصدعة وآآ…

لم تنهي جملتها حيث تفاجئت به يقترب منها، ويضع أحد ذراعيه أسفل ركبتيها، والأخر حول خصرها ليحملها بخفة، فشهقت مصدومة، وسألته بإنزعاج:
-انت بتعمل ايه؟
رد عليها بجمود:
-هتقعدي في عربيتي!
ركلت بساقيها في الهواء، وحركت جسدها بحركات عصبية متشنجة محاولة إنزال نفسها من بين ذراعيه وهي تقول بحرج:
-نزلني، ماينفعش كده!
رد عليها بعدم اكتراث وهو يتحرك في اتجاه سيارته:
-أخوكي اللي قايلي!
هزت رأسها محتجة وهي تقول:.

-محصلش، نزلني لو سمحت!
نظر لها ببرود، وأجابها بنبرة متحدية:
-مش أنا أبيه باسل، اعترضي بقى عليا!

على الجانب الأخر، مد مسعد كفيه ليلتقط يدي سابين بهما، ونظر لها بشغف وهو يهمس بتنهيدة مطولة شبه مترددة:
-س، سابين!
ردت عليه الأخيرة بنعومة وهي محدقة فيه:
-موسأد!
تمتم بنبرة هائمة وهو يرمقها بنظراته المتأملة:
-قلب موسأد وعقله وكل حتة فيه!
همست سابين متساءلة بدلال رقيق وهي ترمش بعينيها:
-إنت، come here ( أتيت إلى هنا )؟

شرد مسعد في نبرة صوتها الرقيق الذي أسر أذنيه، وسرح في عينيها اللاتين سلبته عقله، ورد عليها بإبتسامة عريضة:
-أنا ويلكم ( Welcome ) وزي الفل!
هزت رأسها نافية بحركة خفيفة وهي تصحح له ما قاله:
-نو، نو موسأد!
أضاف هو قائلاً بعدم اهتمام:
-سيبك من جو النونوة ده وقوليلي حد عملك حاجة من ولاد الهِرمة دول؟
لم تستطع سابين تفسير بعض الكلمات، وردت عليه برقة:
-مش إفهم إنت!

-في حد رَفَّعك ( المقصود جعلها ترفع ذراعيها عالياً مجبرة نتيجة اشهار السلاح )؟
انفرجت شفتيها في عدم فهم، ونظرت له بغرابة، فتابع هو قائلاً بجدية:
-عامة الرجالة عملوا معاهم الصح، ونفخوهم كويس، ماهو التشكيل اللي هاجم معروف عندنا إنه ميعرفش أبوه ولا أمه ولا أي حد من أهله لما بيشتبك!
ابتسمت سابين بنعومة، وردت عليه:
-موسأد، look ( انظر )، كل هاجة ( حاجة ) فاين ( بخير )!

ترك مسعد كفي يدها ليحتضن وجهها براحتيه، ومسح بإبهاميه على وجنتيها بحركة خفيفة، وأكمل قائلاً:
-المهم إنتي عندي، أنا كنت هاتجنن، بس الحمدلله، أنا مش هاسيبك!
تقلصت المسافات بينهما، وتلاقت أعينهما عن قرب مغري، وتراقصت الأحلام الوردية أمامهما، ولكن قطع تلك اللحظة المميزة صوتاً غليظاً مردداً:
-سيدة سابين!

توقف مسعد عما يفعل، وأبعد كفيه عن وجهها، ونظر في اتجاه صاحب الصوت ليتفحص هيئته الرسمية، بينما ردت عليه سابين بإقتضاب:
-ييس!
رد عليها الرجل بنبرة رسمية للغاية وهو مشبك لكفي يده أمامه:
-من فضلك، تعالي معانا!
تساءل مسعد بقلق وهو يوزع نظراته بين سابين والرجل:
-انتو مين؟
أجابه الرجل بجدية مفرطة:
-حضرتك احنا من اللحظة دي مسئولين عن الآنسة، وهاتيجي معانا!

شعر مسعد بإضطراب كبير في معدته، وخفق قلبه نوعاً ما بإنزعاج، وتابع تساءله بجديته:
-تيجي فين؟
رد عليه الرجل بجمود:
-دي معلومات سرية مش هاينفع تعرفها
اعترض مسعد على ما قاله، وهتف محتجاً:
-بس آآ…
قاطعه الرجل قائلاً بثبات:
-دي أوامر عليا، جاية من القيادة وتحديداً من ((، ))
ازدرد مسعد ريقه بتوتر بعدما عرف الجهة المنوطة بحماية سابين، ونظر لها بحزن، ثم عاود النظر إلى الرجل، ورد معترضاً:.

-وهو أنا أي حد يقولي أي كلام أصدقه وآآ…
قاطعه الرجل قائلاً بهدوء مريب وهو يشير بإصبعه إلى جيب مسعد:
-حضرتك رد على تليفونك دلوقتي وهاتعرف!
وبالفعل رن هاتفه برقم خاص، فخفق قلبه بقوة، وتسارعت دقاته أكثر، وتردد في الإجابة عليه، لكن ليس أمامه أي مفر سوى الرد..
وبالفعل استمع إلى الطرف الأخر الذي أبلغه بهويته، وأملى عليه أوامره الأخيرة، فاضطر أسفاً أن ينصاع له…

أنهى المكالمة لينظر إلى حبيبته بعينين لامعتين للغاية، وهمس بصوت خفيض يحمل الضيق:
-س، سابين!
نظرت له بحزن وهي ترد عليه بصوتها الناعم:
-موسأد
لم يبوحا بالمزيد، وتركا لأعينهما المجال للحديث عما تكنه أفئدتهما..

لحظات سريعة مرت عليهما، وانسلت كما ينسل الزئبق من بين الأصابع وهما مستمران في التحديق لبعضهما حتى انتهت بدفع سابين برفق من ظهرها من قبل هذا الرجل لتتحرك إلى الأمام تاركة خلفها مسعد وهو يرمقها بنظرات أخيرة حزينة لفراقهما الإجباري…
اطمأنت عائلة مسعد هاتفياً على حال ابنتهم الصغيرة إيناس، وكذلك على سابين – ظناً منهم أنها رفيقتها الأجنبية وبالطبع كانت معها خلال الأحداث المؤسفة – وتنفسوا الصعداء لكونهما بخير ولم يصبهما مكروه، ولم يهتموا برحيل الأخيرة، فالأهم عندهم هو سلامة ابنتهم..
وأبلغهم مسعد مدعياً بأن سبب رحيلها المفاجيء هو إصرار عائلتها على عودتها حتى تهدأ الأمور..

وبالرغم من هذا كان هو على عكسهم تماماً، فسيطرت عليه حالة حزن جلية..
فرحيلها برفقة أولئك الرجال تاركة إياه في حالة تخبط، قد أحدث في نفسه فجوة عميقة، وفراغ كبير..
تمنى لو لم يقابلها أو يحبها أو حتى يخفق قلبه لأجلها كي لا يعاني حينما تحين لحظة فراقها المحتومة..
لكن ما لأحد من سيطرة على فؤاده أو مشاعره…

ولأن البناية تحولت بأسرها إلى ساحة جريمة، فتم منع أغلب السكان من الصعود إلى منازلهم حتى ينتهي المعمل الجنائي من مهامه كليةً، لذلك اضطر مسعد أن يذهب مع باسل، وبالطبع كانت أخته الصغرى تجلس بالمقعد الخلفي متذمرة من تحكمات رفيقه الغير مبررة بها..
هي مازالت على ظنها به، متسلط جارح للمشاعر غير مكترث بالأخرين، دوره في الحياة فقط هو تثبيط العزائم وإهانة غيره والتحقير من شأنه..

قررت في نفسها ألا تعيره الانتباه، وأن تهتم بما يخصها فقط، فأمثاله لا يستحقون سوى ما يليق بهم..

لم يغبْ عن مخيلة سابين نظرات مسعد العميقة المليئة بالحزن وهو يودعها، تلك النظرات التي اعتصرت قلبها آلماً، وجعلتها تشعر بوخزات حادة في صدرها…
لم تظن أن وجوده القليل في حياتها سيحدث كل هذا التأثير الكبير عندها..
هي لا تملك زمام أمرها الآن لتقرر البقاء معه، لكن عليها أن تنهي ما بدأته، فأمور كثيرة على المحك بسبب تلك القضية الشائكة…
وها قد أوشكت النهاية…

لمح باسل تلك العبرات التي يحاول رفيقه تخبئتها، فأراد أن يهون عليه الأمر، فمازحه قائلاً:
-شكلك لما هتبقى عريس هتعيط ليلة فرحك، اه والله!
التفت له مسعد ونظر له من طرف عينه بنظرات شبه خاوية، فتابع باسل متساءلاً:
-تفتكر هايكون من ايه؟
هز مسعد كتفيه في عدم مبالاة ولم يرد عليه، فقد بدى غير مهتماً بما يقول، واستدار بجسده لينظر أمامه، بينما علقت إيناس قائلة بتهكم:.

-تلاقيه شاف واحدة احلى من اللي اتجوزها فندمان انه اتسرع
لم يتحمل مسعد الدعابات السخيفة المتبادلة بين باسل وأخته الصغرى إيناس، فعنفهما قائلا:
-اتلموا انتو الاتنين بدل ما أكدركم!
رد عليه باسل بحذر:
-انا بأحاول بس ألطف اﻷجواء، وآآ…
قاطعه مسعد قائلا بغلظة وقد قست تعابير وجهه:
-لا تلطف ولا تعطف، خليكوا ساكتين أحسن
التزمت إيناس الصمت مجبرة، فأخيها كان في حالة مزاجية سيئة، وأسلم شيء اﻵن هو تجنب الحديث معه..

بعد برهة وصل باسل بسيارته إلى بنايته، ثم ترجل منها بعد تأكده من نزول مسعد و إيناس..
كانت تلك هي المرة اﻷولى التي ترى فيها إيناس منزله، فبالرغم من صداقته لأخيها – والممتدة ﻷعوام – إلا أن عائلتها لم تقمْ بزيارته ولو لمرة واحدة..
صعد الجميع إلى الطابق المتواجد به المنزل، وقام باسل بفتح بابه ليلج الثلاثة إلى الداخل..

مد هو يده ليضيء مفتاح الإنارة المجاور للباب، فأُضيء المنزل بإنارة صفراء وأخرى بيضاء..
تأملت إيناس المكان بنظرات متفحصة شمولية سريعة، فلا وقت لدراس تفاصيلها بدقة..
رأت هي صالة المنزل الواسعة والموضوع بها طاقم من اﻷرائك المريحة لاستقبال الزائرين من اللون البنفسجي، وموضوع أمامهم وسائد أرضية كثيرة لهواة ومحبي الجلوس على اﻷرضية الصلبة..

وبالطبع كانت هناك الطاولة الحديثة المنخفضة والتي يزينها مزهرية صغيرة زجاجية..
كذلك لمحت رواق جانبي صغير، خمنت أنه يؤدي إلى الغرف الداخلية..
أفاقت من تأملها على صوت باسل وهو يقول:
-اتفضلوا في الليفنج..!
رد عليه مسعد بجمود وهو يشير بيده:
-احنا مش هانطول يا باسل، شوية وهاخد ايناس وهانروح أي فندق!
تعجب باسل من قرار رفيقه الحازم، واعترض قائلاً:
-ايه اللي بتقوله ده يا مسعد، ده بيت أخوك
رد عليه بجمود:.

-ما انا عارف، بس ميصحش نقعد فيه، انت فاهم قصدي!
وأومأ له بحاجبه في إشارة ضمنية منه نحو أخته الصغرى، فتفهم اﻷخير مقصده، ولم يجادله كثيراً…

لاحقاً وصلت سابين إلى مكان مجهول ولكنه كان مريحاً ومزوداً بكل ما يمكن أن تحتاج إليه..
لم يجب أي أحد على تساؤلاتها الملحة، فيئست من الحصول على إجابات، وظلت صامتة حتى وصلت إلى تلك الوجهة الغير معلومة..
لم يتوقف عقلها عن التفكير في مسعد وفي لحظاتهما سوياً..
ربما لم تكنتلك الذكريات بالكثيرة، ولكنها كانت كافية لتجعل قلبهما ينبضان معاً..
برقت عيناها بوميض حزين، وتنهدت بعمق…

انتبهت إلى صوت وقع أقدام ثابتة تتحرك صوبها، فأدارت رأسها ناحية الصوت…
أحضر لها رجل ما يرتدي حلة سوداء وجبة طعام رائحتها شهية وأسندها أمامها قائلا بنبرة عملية وباللغة الانجليزية:
-تفضلي، هذا الطعام لكِ!
ابتسمت له بتصنع، وردت بإقتضاب:
-أشكرك
أمسكت بالشوكة وبدأت في التقاط بضعة لقيمات لتسد بها جوع معدتها..
وقبل أن تفرغ من طعامها حضر إليها رجل أخر قائلا بجدية:
-سيقابلك الجينرال بعد دقائق، من فضلك استعدي.

ابتلعت ما بقي في جوفها على عجالة، ومسحت شفتيها بمنشفة ورقية، ثم نهضت عن مكانها لتتوجه معه إلى غرفة أخرى جانبية، وعقلها لم يتوقف للحظة عن التفكير في طبيعة هذا اللقاء…

كان في انتظار سابين مسئول رفيع المستوى يجلس بجمود على مقعد جلدي..
نهض فور أن رأها تلج للغرفة، ومد يده لمصافحتها قائلاً بود باللغة العربية:
-أتمنى يكون اتعمل معاكي واجب الضيافة كويس ومافيش أي مشاكل!
تعجبت سابين من استخدامه للغة العربية في الحديث، ونجحت في اخفاء دهشتها، وردت عليه بحذر:
-ثانكس، كل شيء فاين ( بخير )!
هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يتابع بهدوء:.

-تمام، المهم عشان مانضيعش وقتنا، انتي هترجعي أوهايو تاني تحت عينيا للمحاكمة، وطبعا بروتوكول الحماية بينا وبين ال FBI بيجبرنا نلتزم بتنفيذ الجزء اللي يخصنا!
حركت رأسها إيجاباً وهي تردد بإيجاز:
-اوكي!
أضاف قائلاً بنبرة عملية:
-أنا عاوزك ترتاحي النهاردة وبكرة من بدري هنتحرك في اتجاهنا!
وافقت سابين على ما قاله، وتساءلت بفضول:
-اها، بس ممكن أسال one question ( سؤال واحد )؟

رد عليها بإبتسامة سخيفة أبرزت أسنانه الصفراء:
-اكيد، اتفضلي
هتفت بلا وعي:
-موسأد!
نظر لها بغرابة، فعدلت ما قالته، وأوضحت قائلة بتلعثم قليل:
-(أنا أقصد الرائد مسعد )، I mean major Mossaad
رد عليها متساءلاً بعبوس:
-ماله؟
سألته بحذر وهي ترمش بعينيها:
-انتو هاتعملوا ايه معاه؟
أخذ نفساً عميقاً، وزفره على مهل، وأجابها بعدم اهتمام بمصيره:
-ولا حاجة، ده كان مكلف بمهمة محددة انتهت خلاص.

عضت سابين على شفتها السفلى في ارتباك، وفكرت في اقتراح شبه طائش، ولم تتردد في البوح به، فربما تكون هي فرصتها لرؤيته مجدداً، فتساءلت بقلق:
-هل يمكن أن يأتي معي ( come with me )؟
رد عليها بجمود:
-لا للأسف
عبست تعابير وجهها بشدة، وانطفأ بريق عينيها، وسألته بحزن خفي في نبرتها:
-ليه؟
رد عليها بنفاذ صبر:
-في مهام أخرى هو ملزم بيها، وعنده أولويات
ابتلعت غصة في حلقها، وتنهدت بحزن وهي ترد:.

-أوكي، ، أنا متفهمة لما تقول!
أخذت هي شهيقاً عميقاً، وزفرته دفعة واحدة وهي تقول:
-هل ممكن تبلغه my greetings ( سلامي )؟
ابتسم بإستخفاف، ورد عليها قائلاً بتهكم صريح:
-أكيد، ولو عايزة ابعتله بوكيه ورد مافيش مانع!
انزعجت سابين من مزحته السخيفة، ولم تعقب عليه، ولكن أصيبت باﻹحباط والحزن الشديدين لعدم وجود أي فرصة أخرى لرؤية مسعد…

في منزل باسل،
أغلق باسل باب منزله بعد أن استلم الطعام الجاهز الذي طلبه قبل قليل، ثم اتجه إلى غرفة المعيشة حيث تجلس إيناس..
وضع أكياس الطعام البلاستيكية أمامها، فعبثت الرائحة بأنفها وأوقظت عصافير معدتها الخاوية..
تصنعت عدم الاهتمام، ولكنه بفراسته لاحظ نظراتها المختلسة للأكياس، فأردف قائلاً بهدوء:
-اتفضلي، ماتتكسفيش
ردت عليه بعدم مبالاة وهي عابسة الوجه:
-مش جعانة على فكرة
لوى شفتيه وهو يجيبها:.

-ما أنا عارف انك مش جعانة، يالا سمي بالله وكلي..
أصرت قائلة بإعتراض:
-لا مش عاوزة!
تنفس بعمق وهو يردد:
-يا إيناس بلاش مكابرة في الاكل، ﻷحسن تكوني خايفة أحطلك سم فيه ولا حاجة
شهقت مذهولة مما قاله، وردت عليه بإمتعاض ظاهر على وجهها:
-مش بعيد، هو انت حد يقدر عليك!
وقبل أن يضيف المزيد، انضم إليهما مسعد وهتف قائلا وهو يجفف شعره بالمنشفة:
-كنت محتاج فعلاً للدش ده
رد عليه باسل بإبتسامة عادية:.

-البيت بيتك يا مسعد، انت مش غريب!
شكره مسعد قائلاً بإمتنان:
-الله يكرمك يا باسل!
ثم صمت للحظة قبل أن يتابع حديثه بجدية:
-احنا هناكل ونتوكل بعدها على الله
تابع باسل قائلاً بهدوء:
-خد راحتك يا سيدي
رد عليه مسعد بنبرة منهكة:
-لا كفاية كده، عشان ألحق استقبل ابويا وأمي، هما ركبوا مواصلات وفي الطريق!
هز باسل رأسه بإيماءة خفيفة وهو يقول:
-يجوا بالسلامة
-يا رب امين.

راقب باسل إيناس وهي تتناول الطعام بنهم واضح رغم انكارها الشديد للجوع، فابتسم في نفسه، وتابعها في صمت..
أما مسعد فكان في عالم أخر يفكر في حبيبته التي لن يراها مجدداً، وحدق في صحن طعامه بنظرات فارغة، لكن صورة سابين لم تفارق ذهنه لثانية..
تساءل في نفسه بحزن:
-يا ترى جعانة ولا شبعانة؟ بردانة ولا حرانة؟
ثم مازح نفسه ليهون عليه المسألة قليلاً:
-يا ترى لسه سابين ولا رجعتي صابرين؟!

ثم أطلق تنهيدة مطولة تحمل الكثير مما في صدره…

بعد مرور أسبوع،
كان كل شيء تقريباً قد عاد إلى طبيعته في منزل مسعد، وأصبح الوضع كما كان في السابق فيما عدا تبدل أحواله هو للعبوس والضيق، ونفاذ الصبر…
شعرت والدته صفية باﻷسف عليه، وأشفقت على حاله، فقد بدى أكثر استياءاً وتجهماً ورافضاً للحديث في أي شيء…
بينما اهتمت إيناس بالالتحاق بمراكز تعليم اللغات لتحسن من مستواها اللغوي، وكذلك لتستعد للعام الدراسي الجديد..

انهت إسراء مع زوجها مسألة الخطبة المزعومة لأختها الصغرى من أحد معارفه، وطلبت منه ألا يتدخل في هذا الشأن العائلي مجدداً طالما أنها لا تزال طالبة وبناءاً على رغبة والدها..

انضم مسعد وباسل إلى قوات الصاعقة مرة أخرى بعد حل التشكيل القديم، ولكن ضمن كتيبة جديدة..
حاول هو تقصي أي معلومات تخص سابين أو قضيتها، ولكنه لم يصل إلى أي شيء، وكأنها لم تكن موجودة يوماً في حياته..
حتى أنه حاول البحث عن تفاصيل قضيتها في المواقع اﻹخبارية ولكن بلا جدوى، ، دائماً يصل إلى طريق مسدود في مسألتها..
-انساها بقى يا مسعد!
قالها باسل مواسياً إياه ومحاولاً إثناءه عما يفعل..

ضغط مسعد على شفتيه بقوة ليرد عليه بضيق:
-أنساها ازاي ودماغي مش بتفكر إلا فيها؟!
تابع باسل قائلاً بإمتعاض:
-يا مسعد الدنيا مش بتقف على واحدة، وهي مش هاتكون لا أول ولا أخر واحدة هتقابلها في حياتك أو تشوفها
تنهد مسعد بعمق، ثم رد عليه بضجر:
-أنا عارف كل الحوارات دي، بس مش قادر!
لم يرد باسل أن يستمر في ذلك الحديث الغير مثمر، فغير مجراه، وأضاف قائلاً بجدية:.

-طيب، تعالى نشوف هنعمل ايه، احنا المفروض هننتقل على وحدة ((، ))
هز مسعد رأسه إيجاباً وهو يقول:
-ايوه، أنا مجهز نفسي وكل حاجة!
تابع باسل قائلاً بحماس مفاجيء:
-أنا سمعت انهم عاملين بعثة تدريبية للضباط، ما تيجي نكلم حد من معارفنا يرشحنا فيها
كانت مجرد فكرة مجنونة من باسل تلك التي اقترحها على رفيقه، ولكن كان غرضه منها هو إلهائه عن أي شيء يذكره بمن يعاني من فراقها..

صمت مسعد قليلاً ليفكر ملياً فيما قاله، ثم رد عليه بفتور:
-بلاش أنا..!
تساءل باسل بقلق:
-ليه بس؟ ده انت كفاءة وآآ…
قاطعه مسعد قائلاً بجدية:
-لأ مش قصدي على المهارات القتالية، على المصيبة التانية اللي أنا فيها!
قطب باسل جبينه، ونظر له بثبات، وسأله بإهتمام:
-ايه هي؟
ابتسم مسعد قليلاً وهو يجيبه:
-براعتي وجهبزتي في اللغة!
لكزه باسل في جانبه، ولف ذراعه حول كتفه، وهتف بحماس وقد تهللت أساريره:.

-ايوه بقى يا مسعد، فوكك كده وروق دماغك
حافظ مسعد على ابتسامته الهادئة وهو يقول:
-ماشي.

بعد عدة أيام،
استعان باسل بمعارفه الوثيقة وصلاته القوية في الزج بإسمه هو ورفيقه ضمن أحد البعثات التدريبية العسكرية إلى إحدى الدول الأوروبية من أجل الدراسة وتبادل الخبرات، وشدد على بعض الوسطاء من أجل هذا..
فهي فرصة لكلاهما للبعد عن الضغوط المحيطة والهروب مؤقتاً من الظروف التي أجبرتهما على الحب في صمت تام..

ولكن على عكس توقعاته وآماله تم ترشيحهما – مع أخرين – للانضمام إلى وحدة تدريبية قتالية سترسل إلى دولة أفريقية لتدريب القوات اﻷمنية في معسكر تابع للجيش الخاص هناك.

ومهمة التدريب بإيجاز تأتي في إطار عملية مشتركة بين الدولتين حيث أنها ستغطي نطاقاً عريضاً من المهارات العسكرية الفردية والتنظيمية ومن بينها الأسلحة الأساسية،
وكذلك تتضمن التخطيط للعمليات والدعم الطبي واللوجيستي للعمليات، والحرب غير النظامية…
وبالرغم من أن تلك المهمة التدريبية هي مهمة غير قتالية ﻷنها تعتمد على بناء القدرات من جديد، إلا أنها ستستمر لمدة سنتين.

انزعج مسعد من ذلك الترشيح، واعتبره عقاباً وليس تكليفاً..
فقد تم اقصائه إلى منطقة بعيدة للغاية لا صلة لها من قريب أو من بعيد بدولة حبيبته..

بكت صفية بحرقة وهي تودع ابنها الذي حزم حقائبه ليتحرك وينفذ أمر التكليف..
انحنى هو ليقبلها من كف يدها، ثم احتضنها بذراعه، وتمتم قائلاً:
-خلاص يا حاجة صفية، أمانة عليكي ما تقطعي قلبي!
انتحبت وهي ترد عليه:
-مش قادرة يا بني، يعز عليا فراقك والله!
ابتسم بصعوبة، ثم ابتلع غصة مريرة عالقة في حلقه، فهو لا يريد الانهيار في تلك اللحظة تحديداً، وهتف قائلاً بمرح:
-معلش، هانت، ده الأيام هتعدي هوا.

وغمغم مع نفسه ساخراً:
-بالظبط زي ما سميرة سعيد بتغني ( هوا، هوا )
ربت اللواء محمد بقوة على كتف ابنه، وتشدق قائلاً:
-شد حيلك يا مسعد، إنت أدها وادود يا بطل!
التفت مسعد برأسه نحوه، وأدى له التحية العسكرية وهو يرد عليه بصلابة:
-تمام يا فندم!
ثم أرخى جسده المتصلب، وتابع بمزاح:
-على فكرة أنا مش رايح أحارب، أنا هادرب بس وآآ…
قاطعه والده قائلاً بتفاخر وهو يشير بسبابته:.

-طالما بتخدم وطنك في أي مكان، فأنت بطل، وأبو الأبطال!
ابتسم مسعد عقب عبارة أبيه المتباهية الأخيرة، ورد عليه:
-الله يكرمك يا سيادة اللوا!
ثم استدار بجسده ليودع أخته الصغرى إيناس، فألقت بنفسها في أحضانه، وتعلقت بعنقه، وبكت وهي تقول:
-هتوحشني يا مسعودي، كده مش هاشوفك تاني!
ضمها إليه، ثم أبعدها عنه، ونظر إلى وجهها الحزين، واحتضنه براحتيه، ومسح بإبهاميه عبراتها التي بلت صدغيها، ورد عليها بمرح:.

-في يا نوسة نت وماسنجر وسكايب وواتس، يعني هانشوف خلق بعض على طول، بس تفتكري عندهم واي فاي؟
ضحكت وسط دموعها، وردت عليه بمزاح:
-اشحن الباقة قبل ما تمشي!
رد عليها ساخراً:
-ده على أساس إن الخط بتاعي هيبقى جوال
لكزته في صدره بخفة وهي تعاتبه:
-بطل غلاسة بقى!
ضمها مسعد إليه مجدداً، وعبث بفروة رأسها بيده، وتابع بجدية:.

-هتوحشني والله لماضتك، خلي بالك من نفسك، وحافظي عليها واتجدعني، عاوز أرجع ألاقيكي جايبة مجموع حلو!
ردت عليه بثقة:
-حاضر، هاطلع الأولى!
غمز لها قائلاً بجدية:
-تعمليها، أنا واثق فيكي!
رفعت له إبهامها، وأكملت بنبرة مغترة:
-طبعاً
وزع هو أنظاره على أفراد عائلته، وهتف بثبات حذر:
-يالا أشوفكم على خير
صاحت والدته قائلة بصوت شبه مختنق:
-عارف يا ضنايا اللي مطمني شوية عليك إن معاك صاحبك باسل، أهو ياخد بحسك في الغربة!

كزت إيناس على أسنانها قائلة بتبرم:
-بسلة الرزل، أهوو احنا ارتحنا منه!
نهرها مسعد قائلاً بتحذير:
-يا بنتي ماتبقيش ناقر ونقير معاه، هو بيسمع اسمك بيتعصب!
لوت ثغرها قائلة بإستخفاف:
-لا والله
رد عليها مسعد بإمتعاض:
-ايوه، زي ما تكوني سادّة نفسه عن كل حاجة
انفرج ثغرها بسعادة، ولمعت عيناها بفرح، وهتفت بحماس غريب:
-بجد، ربنا يسد نفسه كمان وكمان!
تعجب مسعد من موقف أخته العدائي تجاه رفيقه المقرب، وعاتبها:.

-أعوذو بالله، خلي قلبك ابيض، وصفي نفسيتك كده
عبست إيناس بوجهها وهي ترد:
-أنا مش بأطيقه أصلاً!
عنفتها والدتها صفية قائلة بتذمر:
-يا بت ابلعي لسانك شوية خليني أتكلم مع أخوكي!
نظر مسعد في ساعة هاتفه، وأردف قائلاً بتنهيدة:
-الوقت أزف، أشوف وشكم على خير!
لم تستطع صفية كبح عبراتها الحزينة على رحيله، وردت عليه بشجن:
-مع السلامة يا حبيبي، تروح وترجع بالسلامة يا رب.

وبالفعل ودع مسعد عائلته، وانطلق بعدها في اتجاه المطار لينضم إلى بقية أفراد وحدته بعد أن رفض أن يصحبه أياً منهم لعدم قدرته على تحمل لحظة فراق الأحبة…

على الجانب اﻷخر، ورغم حالة الحذر والحرص الشديدين المفروضة عليها، إلا أنه لم يستطع أحد الولوج إلى عقلها ومنعها عن التفكير في مسعد غراب..
ذلك الضابط الذي أحدث انقلاباً في حياتها وسيطر على تفكيرها كلياً…
هي أجبرت على قطع كافة الصلات مع من تعرفهم في القاهرة، والتزمت بإتفاقها مع المباحث الفيدرالية..

وتم محو كل ما يخصها من كافة وسائل الاتصال الاجتماعية، وما له علاقة بقضيتها على المواقع الإخبارية والاعلامية حتى بات وجودها سراباً للجميع..
فأصبحت بلا هوية، وبلا وجود..
لكن لم يتم إزالة ما نبت في مضمار قلبها، وعاهدت نفسها بألا تسمح لها بالنسيان…
خلال اﻷربع سنوات التالية،
لم يتوقع مسعد أن تمتد المهمة التدريبية إلى أربع سنوات وليس كما قيل في البداية انها لن تتجاوز بأي حال من اﻷحوال مدة عامين، وذلك بسبب وجود نزاعات ومشاكل عويصة في تلك الدولة مما استدعى بقاء جميع أفراد القوات هناك ريثما ينتهي كل شيء، ويعود الإستقرار..

كاد أن يفقد أعصابه ﻷكثر من مرة بسبب اليأس واﻹحباط والضيق وطول المدة، بالإضافة إلى ضعف وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة، ولهذا اعتمد فقط في مهاتفته لعائلته على محادثات الفيس بوك المكتوبة، ومكالمة أسبوعية دولية..

على عكسه تماماً، تأقلم باسل مع الوضع الجديد، و أوهم نفسه أن حبه ﻹيناس لم يكن إلا عبثاً، وهو لم يكن جدياً معها، وأن التفكير في حبها مجرد فكرة هوجاء لا أساس لها من الصحة..
وبرر لنفسها بأنها مراهقة صغيرة لا تفقه شيئاً، ولم تعرف عن حبه الخفي شيئا، وبالتالي لن تتأثر بفكرة تخليه عنها، كما أن حداثة سنها وربما تفكيرها المتهور يجعلها غير مهيئة لتكون شريكته المستقبلية..

اختلق لنفسه العشرات والعشرات من اﻷعذار ليقنع نفسه برأيه النهائي وهو عدم صلاحية إيناس كزوجة مناسبة له لعدم توافقها مع طموحاته الحالية وتطلعاته في نصفه اﻷخر، ناهيك عن إندفاعها الأعمى، وتجاهل متعمداً أن يعرف أي شيء يخصها، ليجبر نفسه على تخطي تلك المرحلة من حياته، وحينما طالت المدة تحول اعتقاده إلى يقين مُلزم، وبدأ مهمة البحث عن شريكة حياته تتوافق مع رغباته وآماله..

وبالفعل التقى بإحداهن، فاستحوذت على تفكيره، وشغلت عقله بطريقتها المبهرة، وأسلوبها المنمق، خاصة وأنها كانت ضمن فريق المترجمات المتواجد هناك..
وهي ذات أصول غربية وتدعى ناتالي ..
كون معها صداقة طيبة، ثم تحول اﻷمر بينهما إلى شيء أعمق و جدي، وأعلن ارتباطه الرسمي بها..

ورغم اختلاف الطبائع والعادات والثقافات بينهما، إلا أنهما وجدا سبيلاً للتواصل والتوافق الفكري والعقلي، وارتبطا في النهاية بما يشبه الخطبة ولكن غير رسمية..
حصل الاثنين – وبقية أعضاء المهمة – على ترقيات بسبب جهود الجميع المبذولة بالخارج فور انتهائهم من مهامهم، ( كل على حسب رتبته الأعلى )، فأصبح مسعد مقدماً، وباسل رائداً..

أما عن أحوال سابين، فلم يعرف أحد عنها أي شيء، فقد تلاشى كل ما له صلة بها، فأصبحت هي والعدم سواء، حتى صورتها كادت أن تمحى من ذاكرة مسعد بسبب عدم رؤيتها، فاعتمد فقط على مخيلته في استعادة صورتها كلما اشتاق إليها..

في منزل مسعد غراب،
طرقت السيدة صفية على باب المرحاض بدقات عالية وهي تصيح بنبرة شبه منفعلة:
-يالا يا نوسة، بقالك ساعة جوا!
أتاها صوت ابنتها إيناس المتذمر من الداخل قائلة:
-ساعة ايه بس، ده أنا يدوب لسه داخلة!
ردت عليها والدتها بضيق:
-انجزي، في غيرك عايشين معاكي في البيت!
تمتمت إيناس بصوت عالٍ:
-ده احنا تلاتة بس!
هتفت والدتها بإمتعاض وهي تطرق الباب:
-ياني عليكي، ليمضة من يومك! خلصي أوام
-حاضر، طالعة أهوو!

قالتها إيناس بإيجاز وهي تفتح باب المرحاض لتخرج منه وهي تجفف وجهها، ثم ألقت بالمنشفة على كتفها لتبدو ملامحها الجديدة التي تغيرت..
لقد كبرت إيناس حقاً، وتبدلت ملامحها الطفولية لأخرى أنثوية..
وبدت عليها علامات النضج والحيوية، وعنفوان الشباب..

احتفظت هي بشعرها الغجري المجعد ولم تبدل مظهره مثلما فعلت قريناتها، ولكنها اعتنت أكثر بمظهرها الخارجي وببشرتها، فهو من متطلبات كليتها الحالية، نعم فقد التحقت إيناس بكلية السياسة والعلوم الاقتصادية ، خاصة وأنها قد حازت على مجموع مرتفع في الثانوية العامة، ففضلت أن تلتحق بها، ودعمتها عائلتها، وأثبتت هي تفوقها فيها، وأنهت عامها الأول بتقدير جيد جدا ً، وهي الآن بالفرقة الثانية بها..

بعد برهة، كانت تعلق إيناس حقيبة يدها على كتفها، ثم حركت رأسها للجانبين لتلين عنقها، وتأكدت من بقاء خصلات شعرها في مكانها بعد أن ثبتتها بكريم الشعر الجديد، ونظرت إلى إنعكاس هيئتها في المرآة، وابتسمت لنفسها بثقة وهي تضع ملمع الشفاه الشفاف، ومصمصمت شفتيها معاً، ثم استدارت للخلف وأمسكت بكتبها ودفترها الكبير بقبضة يدها، ثم هتفت بصوت مرتفع وهي تخرج من غرفتها:
-أنا نازلة يا ماما.

التفتت صفية برأسها في اتجاهها، لترمقها بنظرات خاطفة وسريعة متأملة هندامها الكلاسيكي المنمق قبل أن تعود لتنظر إلى ما في حوزتها، و سألتها وهي تقشر حبات البطاطس المسنودة على حجرها:
-عندك محاضرات متأخر؟
هزت إيناس رأسها نافية وهي تجيبها:
-مش أوي، بس هاخلصها وهارجع عشان عندي تسليم بحث بكرة!
أومأت والدتها برأسها بحركة خفيفة، وهتفت بتضرع:
-ماشي يا بنتي، ربنا ينجحك ويكرمك!

توجهت بعدها إيناس إلى باب المنزل لتنطلق في طريقها إلى جامعة القاهرة..

أكملت صفية باقي عملها في التقشير وهي تتذمر بضيق:
-موال الأكل اللي مش بيخلص كل يوم، لازم أطبخ 100 صنف عشان أعجب، كل واحد مش بيعجبه أكل التاني!
تنهدت بإرهاق، ثم تابعت بحزن:
-والله ما كان مريحني إلا انت يا غالي، دايماً كنت تاكل اللي أعمله وتقولي تسلم ايدك يا ست الكل..
سمعت هي قرع جرس الباب، فتمتمت مع نفسها بإمتعاض:
-وده مين اللي جاي السعادي؟
قطبت جبينها، وضاق ما بين حاجبيها وهي تحدث نفسها:.

-لأحسن تكون البت إيناس نسيت مفاتحها، ماهي ماطيورة، وعقلها مش فيها، أوقات بتعمل حاجات غريبة وليها العجب!
نهضت بتثاقل عن الأريكة، وأسندت صحن البطاطس على الطاولة الجانبية، ثم تحركت في اتجاه باب منزلها..
كان كل ما يدور في تفكير صفية هو مجيء ابنتها إيناس فقط فلم تتوقع على الإطلاق أن يكون الطارق هو ابنها العائد بعد غيبة مسعد …

شهقت مصدومة حينما رأته أمامها بشحمه ولحمه، واتسعت مقلتيها بإندهاش أعجب، وترقرقت عبرات الفرحة فيهما..
ثم هتفت بلا وعي:
-ابني، حبيبي!
-ازيك يا ست الكل
قالها مسعد وهو يفتح ذراعيه ليحتضن والدته بإشتياق كبير..
ضمته والدته بكل عاطفة وحنو، وتابعت بصوت شبه باكي:
-اه يا حبيبي، وحشتني أوي، كل دي غيبة
رد عليها بغصة عالقة في حلقه:
-غصب عني والله!

ثم انحنى ليقبل كفيها، فأبعدتهما، وضمته إلى صدرها مرة أخرى وهي تبكي بفرح:
-حمدلله على سلامتك يا مسعد، نورت بيتك يا غالي!
ابتسم لها وهو يكافح لمنع دموعه المشتاقة من الإنهمار، وتساءل وهو يتلفت حوله:
-أومال سيادة اللوا فيه ونوسة؟
ردت عليه صفية بإستياء قليل:
-أبوك زي تملي على القهوة مع شلة العواجيز بتوعه! ليل نهار لازقين في بعض
هز رأسه متفهماً وهو يردد بخفوت:
-تمام!
بينما أضافت هي قائلة بهدوء:.

-واختك نزلت كليتها من شوية، ده أنا حتى فكرت إنها انت لما خبطت عليا!
ولج مسعد إلى داخل المنزل، وتأمله بنظرات دقيقة متفحصة، ثم ابتسم قائلاً بمزاح وهو يلوح بيده:
-ماشاء الله، زي ما سبتكم، بحطة ايدي من أربع سنين!
عاتبته والدته قائلة بحزن قليل:
-يا حبيبي، عدوا عليا كأنهم 100 سنة!
رد عليها بإحباط واضح في نبرته، ونظراته، وتعابير وجهه الباهتة:
-أومال أنا أقول ايه بس يا ماما، يالا الحمدلله على كل حال!

ربتت صفية على ظهره، وهتفت بحماس:
-تعالى يا غالي، خش أوضتك، زي الفل وتمام وآآ…
قاطعها قائلاً بجدية:
-هادخل أريح شوية وأعمل كل اللي نفسك فيه بس أنزل أسلم على سيادة اللوا، مايصحش بعد ده كله مايخدش التمام مني!
ردت عليه والدته بحماس:
-ده هايفرح أوي لما يشوفك! انزله يا بني!
أومأ برأسه وهو يتابع بنبرة مشتاقة:.

-ماشي يا ماما، وجهزيلي الله يكرمك كل اللي عندك في التلاجة، لأحسن أنا عايش على النابت بقالي زمن لما حاسس إني ربيت ديدان في معدتي!
مصمصت صفية شفتيها أسفاً وهي ترد عليه:
-يا عيني يا ضنايا، ده أنا هاعملك المحمر والمشمر، هاخليك تربرب من تاني!
تنهد مسعد قائلاً بحماس يحمل المزاح:
-ايوه، أنا عاوزة من ده يا حزومبل، أنا عاوز من ده!

في المقهى الحديث،
كان اللواء محمد يمارس هوايته المعتادة ( لعب الطاولة ) مع رفاقه الذين اعتاد الجلوس معهم..
لم ينتبه إلى تلك اﻷوجه المحدقة بمن يقف خلفه، فأنظاره كانت مسلطة على اللوح الخشبي بتركيز شديد..
استشعر وجود خطب ما، فالتفت برأسه بحذر للخلف، وهتف مصدوماً حينما رأى ابنه يبتسم له من الخلف ويؤدي له التحية العسكرية قائلاً بصوت صارم وقوي:
-تمام يا فندم
صاح والده بفرحة جلية:
-ابني!

ثم هب واقفاً من مقعده، واستدار بجسده ليحتضنه، بينما لف مسعد ذراعيه حوله، وتمتم بخفوت:
-ازيك يا بابا؟ اخبارك ايه؟
ربت والده على كتفيه عدة مرات وهو يجيبه:
-الحمدلله يا مسعد، أنا بخير، انت عامل ايه ورجعت امتى؟ نازل اجازة ولا نهائي وآآ…
قاطعه مسعد مبتسماً وهو يوميء بعينيه:
-واحدة واحدة وهافهمك كل حاجة يا سيادة اللوا!
هتف أحد رفاق والده مرحباً:
-حمدلله على سلامتك يا مسعد!
بينما أضاف أخر:.

-نورت مصر يا سيادة الرائد!
أوضح له مسعد خطأه قائلاً:
-هاصلح معلومة، أنا بقيت مقدم!
رد عليه صديق والده مهنئاً:
-ايه ده بجد، مبرووووك
بينما ردد ثالث مشجعاً:
-تستاهلها والله!
التوى ثغر اللواء محمد بإبتسامة متفاخرة بابنه الذي حقق انجازات مشرفة في كل ما يكلف به من مهام، وصاح متباهياً:
-الف مبروك، وعقبال رتبة المشير!
رد عليه مسعد بمزاح طريف:
-الله يبارك فيك، دي وأنا طالع على المعاش ده إذا ماتكعبلتش على السلم!

لكزه والده في جانبه وهو يوبخه قائلا:
-بطل تنكيت يا مسعد!
رد عليه بجدية واضحة:
-حاضر يا فندم!
ثم تحرك الاثنين سوياً بعد أن استأذن اللواء محمد بالانصراف من رفاقه وودعهم..
وقبل أن يخرجا من المقهى، تساءل مستفهماً:
-روحت سلمت على أمك؟
رد عليه مسعد بإهتمام:
-طبعا، هو أنا اقدر!
ربت والده على ظهره مرة أخرى وهو يقول:
-طب بينا على البيت نكمل كلامنا هناك!
رد عليه مسعد بهدوء:.

-ماشي، اللي تشوفه، بس الاول هاعدي على نوسة في كليتها، عاوز افاجئها البت دي!
لوح والده بذراعه معترضاً:
-ده لسه قدامها كتير، تعالى ناكل لقمة وبعدها تروحلها، ولا معدتش اكل الست صفية بيعجب؟
أجابه مسعد بنبرة متحمسة:
-ماشي، ده أنا هاموت على اي حاجة من ايد الحاجة
هز اللواء محمد رأسه بإيماءة خفيفة وهو يردد:
-طب بينا يا ابني، والله وليك وحشة!
رد عليه مسعد مبتسماً بود:
-الله يباركلنا في عمرك يا بابا!

ثم تساءل بعدها بإهتمام:
-واخواتي إسراء وأسماء وعيالهم واجوازتهم عاملين ايه؟
أجابه أبيه بهدوء:
-كلهم كويسين وبخير
زادت ابتسامة مسعد الراضية وهو يقول:
-الحمدلله.

في مكتبة كلية اقتصاد وعلوم سياسة،
تهامست أماني -رفيقة إيناس المقربة – معها وهي تسحب أحد الكتب من على أحد الرفوف وهي تتلفت حولها بحذر:
-ده هايموت عليكي، انتي مش بتشوفي بصاته ليكي عاملة ازاي!
ردت عليها إيناس بضيق ظاهر في نبرتها الخافتة بعد أن تبدلت ملامح وجهها للعبوس الشديد:
-مش هيرتاح إلا لما أهزئه وأخذئله عينيه دول، مش ناقص إلا وائل الفاشل واتكلم معاه!
همست أماني مبررة:.

-يا بنتي هو بيدبلر بمزاجه، بيعاند في باباه يعني، لكن الصراحة هو آآ…
قاطعتها إيناس بنبرة حادة رغم صوتها الخفيض:
-أنا ماليش دعوة بالكلام ده!
ثم تابعت بجدية وهي تشير بإصبعها:
– أنا اخدة قرار في نفسي من زمان ماخليش حد ابدا يقلل من شأني أو طموحي أو يمنعني عن أحلامي!
اعترضت أماني قائلة:
-بس وائل عاوز يتعرف عليكي وآآ…
قاطعتها إيناس مجدداً بحزم:.

-خلاص يا أماني كبري دماغك منه وخليني اشوف ناقصني ايه عشان ألحق انجز البحث بتاعي!
تمتمت رفيقتها بخفوت من بين شفتيها:
– ولو مكانتش دماغك ناشفة!
شردت إيناس في ذكريات بعيدة نوعاً ما، لكنها أحدثت آلماً وجرحاً غائراً في نفسها..
ذكريات أجبرتها على التشبث أكثر برأيها، وألا تستسلم لما يظنه الأخرين عنها…
رفعت رأسها للأعلى في كبرياء، وهمست بشموخ وعزة:.

-أنا اتعلمت الدرس كويس، ومش هاستنى واحد تاني يتريق عليا ولا يهيني مهما حصل…!
على مقربة من جامعة القاهرة،
وقفت إيناس إلى جوار رفيقتها أماني على رصيف الممتد لبوابة جامعة القاهرة تترقبا وصول سيارة الأجرة لإستقلالها..
زفرت أماني بتعب وإرهاق بعد أن طال أن طال انتظارهما، ثم هتفت بنفاذ صبر:
-بجد كده كتير، كنا وقفنا أي تاكسي وخلاص!
ردت عليها إيناس وهي تتلفت حولها بتعب:
-أنا اتصلت شوية بأوبر ( نوع سيارات أجرة ) وجاي على طول.

هتفت أماني بتذمر وهي تمسح حبات العرق عن جبينها بمنشفة ورقية:
-ده احنا وافقين بقالنا كتير، مش معقول كده!
ضغط إيناس على شفتيها وهي تجيبها بإقتضاب:
-مجتش من 5 دقايق كمان!
هزت أماني رأسها معترضة، وصاحت بإلحاح:
-والله ولا دقيقة، احنا نشتري دماغنا أحسن بدل الوقفة دي!
بررت إيناس إصرارها على استقلال تلك النوعية من سيارات الأجرة قائلة:
-يا بنتي أنا ليا لي لسه حساب عنده، فعشان كده بأركبه!

تساءلت أماني مستفهمة خاصة أنها تعمل بمسألة امتلاك عائلة رفيقتها لسيارة ملاكي خاصة:
-أومال مش بتاخدي العربية بتاعتكو ليه؟
أخذت إيناس نفساً عميقاً، حبستة للحظات في صدرها، ثم أطلقته دفعة واحدة، وأجابتها على مضض:
-ما انتي عارفة ماما ورأيها، مفكراني مش بأعرف أسوق وهارجعلها بالعربية كل حتة فيها لوحدها!
لوت أماني شفتيها قائلة بإستهزاء:
-تفكير زمان بقى
بينما أضافت إيناس بتبرم:
-مش مقتنعة إني كبرت!

-كل الأمهات كده، مش لوحدك!
وفجأة شعرت إيناس بإهتزاز هاتفها بداخل حقيبة يدها، فمدت أصابعها لتلتقطه منها، ثم نظرت إلى شاشته، وسريعاً تشكل على وجهها تعابير الصدمة، وهتفت غير مصدقة:
-ايه ده!
تعجبت أماني من ردة فعل رفيقتها الغريبة، وسألتها بفضول واضح:
-في ايه؟
أجابتها إيناس بلا تردد:
-ده مسعد بيتصل!
ردت عليها أماني:
-أخوكي
أومأت إيناس برأسها إيجاباً وهي تقول:
-ايوه، مكالمة دولية، مش معقول! ربنا يستر.

أشارت لها أماني بيدها وهي تقول بتلهف:
-طب ردي عليه قبل ما الخط يفصل
وبالفعل أجابت إيناس على اتصال أخيها قائلة بنبرة شبه جادة:
-ألووو!
جاءها صوته واضحاً وهو يرد عليها مازحاً:
-نسناسة!
سألته بجمود واضح في نبرتها وهي محدقة أمامها بنظرات فارغة:
-مسعد! خير في حاجة؟!
رد عليها بتساؤل غامض:
-ايه اللي موقفك كده؟
انتابتها الريبة من سؤاله الغير مفهوم هذا، ورددت بإندهاش ظاهر عليها:
-موقفني!
بينما تابع هو متساءلاً بمكر:.

-وبعدين مين المزة اللي معاكي؟
هتفت شاهقة بعد ان استوعبت ما قاله:
-مسعد، إنت هنا؟!
أجابها بثقة:
-ايوه يا نوسة!
تلفتت حولها بنظرات سريعة خاطفة محاولة اكتشاف مكان أخيها المختبيء به، فوقعت عيناها عليه وهو يرتدي حلته العسكرية، ومتأنقاً بصورة آسرة للأنظار، فشهقت مصدومة، ووضعت يدها على فمها لتكتم صرخة فجائية صادحة، ثم ركضت في اتجاهه وهي تهتف بعدم تصديق:
-مسعد!

لوح لها بيده بحركة بسيطة، وارتسم على محياه ابتسامة سعيدة للغاية لرؤيته إياها بعد أن كبرت وتبدلت كثيراً..
استقبلتها أحضانه، ومسد على ظهرها برفق وهو يردد:
-وحشتيني أوي
ألصقت رأسها بصدر أخيها، وهتفت بإشتياق كبير:
-ياه يا مسعد، كل دي غيبة، أنا كنت خلاص هانسى شكلك!
أبعدها عنه ليتأمل ملامحها ومظهرها عن قرب، ثم تمتم بإعجاب كبير وهو يوميء بعينيه:
-بس ايه الحلاوة!
ردت عليه مبتسمة:
-إيه رأيك؟

أجابها وهو يشير بأصابعه بحركة ثلاثية:
-الصراحة حاجة حلوة على الأخر!
ثم صمت للحظة ليسألها بفضول:
-أومال راحت فين قمصاني وبناطيلي اللي كنتي بتشحتيها مني؟
ردت عليه بضيق:
-بطل بقى! انت لسه زي ما انت
ابتسم لها بثقة وهو يجيبها:
-الحمدلله، متغيرتش!
مدت إيناس يدها لتمسك كف أخيها، وبدت الفرحة ظاهرة في بريق عينيها، وهتفت متابعة:
-وحشني هزارك يا مسعد!
رد عليها بهدوء:
-أديني رجعتلك تاني هارخم عليكي للصبح!

تنهدت بحرارة وهي تقول:
-يا ريت!
ثم تساءلت بتفاخر وهي تشير إلى هيئتها الأنثوية الجديدة:
-بس ايه رأيك فيا؟
أجابها مسعد بإعجاب:
-بصراحة مافيش بعد كده!
ثم تساءل بجدية بعد لحظة:
-قوليلي خلصتي اللي وراكي ولا لسه؟
هزت رأسها إيجاباً وهي تقول:
-اها، عندي كام حاجة، بس مش مشكلة هاطنشها عشانك!
غمز لها بعينه قائلاً:
-أصيلة يا بنت أبويا
التفتت هي برأسها بحركة سريعة للخلف وهي تردد:.

-بس هستأذنك هاقول لصاحبتي تركب أي حاجة وآآ…
قاطعها قائلاً بجدية:
-طب ما تخلينا نوصلها لو هي في طريقنا
سألته إيناس بإستغراب:
-هو انت معاك العربية؟
أجابها بثقة:
-اه طبعاً، اومال هاخدها كعابي مثلاً
تهللت أساريرها وهي تردد بحماس:
-اشطا
اقترب مسعد من أخته الصغرى، ومال ناحية رأسها ليهمس لها بمكر:
-بس قوليلي صاحبتك مزة؟
رمقته بنظرات حادة وهي تحذره بغلظة:
-مسعد!
ابتسم لها قائلاً بمرح:.

-بأهزر يا نوسة، أنا مش في بالي أي واحدة
ثم أخفض صوته تماماً ليهمس من بين شفتيه بمرارة:
-إلا هي وبس!
وبالفعل أوصل مسعد زميلة أخته إلى منزلها الذي كان على مقربة من بنايتهم، وأكملا هما طريقهما سوياً..
تساءل مسعد بفضول وهو يدير عجلة القيادة:
-اخبار السواقة معاكي ايه؟
ردت عليه بضجر:
-والله لو ماما سابتني أخد فرصتي هاثبتلها إني بأعرف أسوق
-ليه؟ الحاجة صفية معاندة معاكي؟
أجابته بحنق قليل:.

-معاندة! قول رافضة أي حاجة إلا إنها توافق أركب العربية وأسوقها بنفسي
ثم أخذت نفساً طويلاً، وزفرته مرة واحدة لتتابع بإمتنان:
-بس بابا الصراحة واقف معايا وبيخليني أركبها يومين تفاريحي في الأسبوع!
رد عليها مسعد بصوت عادي:
-فيه البركة والله
هتفت إيناس بحماس وهي محدقة في أخيها بنظرات مطولة:
-أنا مش مصدقة لحد دلوقتي إنك رجعت وبأتكلم معاك كده، ياه الأربع سنين عدوا بطريقة صعبة أوي.

ضغط هو على شفتيه وهو يجيبها بتنهيدة حزينة:
-فعلاً، أسوأ أربع سنين في حياتي!
ربتت إيناس على ذراعه محاولة التهوين عليه وهي تقول برقة:
-معلش يا مسعد
رد عليها أخيها مازحاً:
-ايوه معلشيني شوية، لأحسن عندي جفاف في المعلشة
هتفت ضاحكة:
-ده انت هتاخد منها كتير، متقلقش!
-ايوه كده طمنيني!
أوقف مسعد السيارة عند الإشارة، وطرق بأصابعه على المقود، وظل يتابع حركة السير بنظرات دقيقة..
تساءلت إيناس بفضول:.

-على كده معرفتش حاجة عن سابين أو قضيتها
التفت برأسه في اتجاهه، وأجابه بحزن:
– ولا الهوا، زي ما تكون فص ملح وداب، وده اللي هايجنني! كل اللي ليه علاقة بيها اتبخر، كله بخ!
أبعدت إيناس نظراتها عن أخيها حينما لمحت ذلك الإحباط المسيطر عليه، وهتفت بهدوء:
-انساها يا مسعد، شوف حياتك، هي أكيد عاشت حياتها وبعدت عنك لمصلحتها، ماتنساش هي وضعها كان مؤقت وآآ…
قاطعها مسعد قائلاً بجدية شديدة:
-سيبك يا إيناس.

فهمت إيناس أن أخيها أراد تغيير الموضوع، فلم تسأله المزيد عنها، خاصة وأنه جاد في كل ما يتعلق بأمرها..
فكرت هي أن تساله عن شيء أخر لتغير مجرى الحديث:
-طب انت هاترجع تاني البلد دي ولا آآ…
قاطعها قائلاً بجدية:
-لا خلاص توبنا! كفاية أوي كده! احنا نريح الكام يوم دول وبعدهاربك يسهلها!
-أها
أضاف قائلاً بإبتسامة شبه متهكمة:
-وبالمرة نشوف خطوبة باسل!

انتبهت حواس إيناس بالكامل عقب تلك الجملة الموجزة، وهتفت بلا وعي:
-خطوبة باسل!
أجابها مسعد بفتور:
-ايوه، أهله كلهم موجودين هنا، وهو ناوي يعمل خطوبة بالبت الأفريقية اللي مصاحبها!
ابتلعت هي غصة عالقة في حلقها بعد أن سمعت جنسية الشابة، وبدى وجهها شاحباً نوعاً ما وهي تحاول استيعاب تلك الصدمة، وتساءلت بحذر:
-هو خطب؟
-يعني، حاجة زي كده
تحولت نظراتها للجمود، وبزرت عروق عنقها الغاضبة وهي تتساءل بإهتمام:.

-وشكلها ايه خطيبته دي؟!
أجابها مسعد بعدم اكتراث:
-بصي هي ناتالي آآ…
قاطعته إيناس قائلة بشهقة:
-اسمها ناتالي
تابع مسعد موضحاً:
-اها، هي أفريقية بس من أصول أوروبية، تقريباً ابوها كان من البرتغال وأمها
ردت عليه بحدة:
-أنا مش عاوزة أعرف تاريخ حياتها، بس أكيد هي حلوة وقمر وآآ…
قاطعها مسعد قائلاً بإمتعاض:
-لالالا، مين قالك دي سودة فحمة، وحاجة كده ماتتشافش، بس عاجبة باسل أوي!

وكأن ردوده تتعمد إشعال فتيل الغضب عندها، فرفعت حاجبها للأعلى، وهتفت:
-لا والله
أضاف مسعد مبتسماً:
-هو الحق يتقال لو ظبطت شعرها الأكرت المنكوش ده شوية وطولته حبتين هتبقى شبه المطربة ريحانة
كزت إيناس على أسنانها قائلة بضيق:
-بجد!
هز مسعد كتفيه قائلاً بلا مبالاة:
-احنا مالنا، هو احنا اللي هانلبس فيها!
أشاحت بوجهها بعيداً، وردت بنبرة محتقنة:
-اها، هو حر، ما هو القرد في عينين أمه غزال.

انفجر مسعد ضاحكاً على جملتها الأخيرة، وهتفت بعد أن جاهد للسيطرة على نفسه:
-على رأيك، قتلتيني يخرب عقلك! واحشني هزارك وردودك
شعور بالغضب الجامح قد استحوذ عليها كلياً، وسيطر على تفكيرها، وتحولت نظراتها للعدائية والشراسة، وباتت أكثر بغضاً وحنقاً على باسل..
فوصف أخيها – وإن كان موجزاً – إلا أنه أيقظ جرحها الغائر الذي لم يندمل يوماً..

ما عذبها حقاً، وأشعل نيران حقدها نحوه هو تفكيره العقيم، فإن كان لا يبحث عن الجمال في عروسه المستقبلية، إذن لماذا تعمد إهانتها وأساء إليها بتلك الصورة المهينة والمخزية، وأشعرها بأنها نكرة ومنبوذة من الجميع؟
ظلت إجابة ذلك السؤال تلح على عقلها بشدة..
زاد كمدها منه، وغضبها اللا محدود من مجرد ذكر أي شيء متعلق به..
-ايه يا نوسة؟ انتي سرحتي في ايه؟

أفاقت هي من شرودها الحانق على صوت أخيها الصادح، وارتبكت قليلاً، ثم سريعاً ما استعادت هدوئها، وردت عليه بثبات وهي تبتسم له ابتسامة دبلوماسية:
-في المذاكرة والمحاضرات والأبحاث اللي ورايا
هز رأسه مقتنعاً وهو يردد:
-ربنا معاكي ويوفقك!

قضى مسعد أول يومين في منزل عائلته مستمتعاً بتلك الأجواء العائلية الدافئة التي افتقدها كثيراً طوال فترة ابتعاده في المهمة التدريبية..
كذلك هاتفته أختيه ( إسراء وأسماء ) وزوجيهما للترحيب به بعد عودته، ووعده الجميع بالقدوم لزيارته خصيصاً..
كما أخذ هو جولات بالسيارة في المنطقة ليرى ما حدث حوله من مظاهر حضارية جديدة، وشاهد.

أرادت والدته صفية أن تستغل فرصة وجوده في البحث عن عروس مناسبة له قبل أن يطرأ شيء ما جديد يعوقه عن الزواج، فهي تتمنى أن ترى أحفاد منه مثلما رأت وتنعمت بأولاد ابنتيها، لذا لن تضيع وقتها، وستحصل له على واحدة تستحقه…

ظلت كلمات مسعد عن رفيقه يتردد صداها في عقل إيناس أغلب الأوقات، وكأنها تعقد نفسها – مكرهة ومجبرة – في مقارنة مع خطيبة الأخير..
فهو قد سبب لها عقد نفسية لها علاقة بثقتها بنفس، وأوجد فيها شيئاً لطالما بغضته..

لم تستطع الاستذكار بتركيز كما كانت تفعل من قبل، فدوماً صورة باسل المتهكمة منها، وطريقته المستفزة والمحطة من شأنها تتجسد على الصفحات أمامها، فتصفع كتبها بعنف مغلقة إياهم بغضب واضح..
حاولت هي أن تلهي نفسها حتى لا تفكر في تلك المسألة الموجعة كثيراً..
وبينما هي في حربها العقلية مع ذكرياتها المزعجة، تلقت اتصالاً هاتفياً من رفيقتها أماني تبلغها فيه بأمر هام، فردت عليها بضيق:
-مش كنتي تقولي من بدري.

أجابتها أماني بهدوء حذر:
-ما هو أنا لسه عارفة!
سألتها إيناس مستفهمة وهي تحاول كشف ما وراء مكالمتها تلك:
-وعرفتي منين؟
ردت عليها أماني بتوجس قليل:
-بصراحة من وائل، هو اللي قالي!
انزعجت إيناس من ذكر اسم ذلك السمج الذي يلاحقها دوماً، وهتفت بإمتعاض:
-برضوه سي بتاع ده! هو أنا مش هاخلص منه
عللت أماني موقفها قائلة:.

-بصي على أد ما هو رزل وانتي مش طايقاه، بس والله طيب وغرضه مصلحتنا، لما بيعرف أي حاجة خاصة بأي مادة بيبلغني على طول! والورق خلاص نزل، واحنا محتاجينه ضروري عشان نخلص الشيت اللي ورانا، ده غير آآ..
زفرت إيناس بعدم اقتناع ولم تصغِ إلى باقي مبرراتها عنه، فهي تنبذ تلك النوعية من العلاقات القائمة على مصالح ما..
سألتها أماني بإلحاح بعد أن طال صمتها:
-ها هتعملي ايه؟ هتعدي عليا تاخدي الورق ولا هتنطشي.

نفخت إيناس مجدداً وهي تجيبها:
-لولا إني فعلاً محتاجة الورق كنت كبرت دماغي منه!
تساءلت أماني بجدية:
-طيب هاتيجي امتى؟
ردت عليها رفيقتها على مضض:
-هاشوف ماما الأول، وأتصل بيكي أعرفك
-ماشي، بس حاولي تيجي على طول عشان خارجة أخر النهار
-ربنا يسهل!
قالتها إيناس وهي تختم المكالمة معها، ثم غرزت أصابع يديها في خصلات شعرها، وزفرت بعمق وهي تمتمت بإنهاك:
-مش هرتاح من الغتتين أبداً، أوووف!

وافقت صفية على مضض على إعطاء السيارة لإيناس لتحضر الأوراق الهامة من رفيقتها شرط ألا تتأخر..
وبالفعل ذهبت إليها، وأخذت ما تريده منها، ثم اتخذت طريق العودة إلى منزلها، ولكن للأسف تعطلت بها، فترجلت منها وهي تسب وتلعن بضيق واضح، فهي لا تريد أن يتم توبيخها لأنها تأخرت..
فتحت هي غطاء السيارة الأمامي، ونظرت إلى مكوناتها الداخلية وهي تضع يديها على منتصف خصرها بنظرات عامة شمولية..

ثم زفرت بصوت مسموع، وعادت إلى مقعدها الأمامي لتبحث عن قماشة نظيفة لتستخدمها عندما تمسك بالموتور الساخن لتتفحصه..
وقفت تنظر إلى البطارية بنظرات دقيقة، ثم انحنت لتتفقدها بدقة محاولة اكتشاف سبب العطل..
-في حاجة يا آنسة؟ محتاجة مساعدة؟!
قالها شاب ما بصوت ذكوري هاديء..
لم تلتفت له إيناس، بل أجابته بجدية واضحة في نبرتها وهي منهمكة فيما تقوم به:
-شكراً، مش عاوزة!

وقف الشاب إلى جوارها، ونظر إلى محتويات السيارة، واضاف قائلاً بإهتمام:
-لو البطارية فاصلة منك، فانا معايا كابلات ممكن أشحنهالك!
اعتدلت إيناس في وقفتها لتتأمله بنظرات سريعة، فرأت مظهره الكلاسيكي المنمق الذي يختلف عن أغلب الشباب العصري فخمنت أنه ربما يكون محامياً، أو يعمل في هيئة قضائية، واستمعت إلى نبرته الهادئة الرزينة، وأدركت أنها شردت فيه، فتداركت الموقف سريعاً، وردت عليه بجمود:.

-شكراً، أنا عرفت العيب فين، وخلاص هاظبط الفيوز وهاتشتغل إن شاء الله!
مط الشاب فمه ليرد عليها بإعجاب طفيف:
-مممم، شكلك بيفهم في العربيات، ولو محتاجة أدلك على ميكانيكي قريب أنا ممكن حتى أوديكي عنده، أصلي انا ساكن قريب من هنا، وآآآ..
تعجبت إيناس من طريقته التي يفرض بها نفسه عليها، فقاطعته بصلابة:
-شكراً، أنا لو احتاجت حاجة هاطلبها من أخويا أو بابا!
هز رأسه بتفهم، ورد عليه بنبرة دبلوماسية:.

-تمام، عموماً دي كانت فرصة سعيدة إني شوفت حد زيك!
ابتسمت بتصنع واضح وهي ترد عليه بإقتضاب:
-ميرسي
أضاف قائلاً بهدوء:
-أنا الأستاذ خالد رضوان، وحضرتك!
كتفكت إيناس ساعديها أمام صدرها، وردت عليه بتأفف:
-أنا مش من النوع اللي بأتعرف طياري! ومتشكرة، تشرفنا!
شعر خالد بالحرج من أسلوبها الفظ، فأطرق رأسه، وتنحنح بخفوت، وغمغم بإبتسامة مهذبة نجح في رسمها على وجهه:
-احم، سوري إن كنت أزعجتك! عن اذنك
لوت ثغرها وهي تجيبه:.

-مع السلامة!
ثم تابعته بنظراته الحادة وهو يبتعد عنها، وتابعت بضيق مع نفسها:
-هو أنا ناقصة تلائيح جتت…!
في منزل باسل سليم،
ولج خالد سليم رضوان إلى داخل منزل أخيه بعد أن فتحت له الخادمة الباب، وتوجه إلى غرفة المعيشة حيث استمع إلى صوت باسل وهو يتحدث هاتفياً بغموض:
-اوكي ناتالي، مش هانختلف، deal ( اتفقنا )
جلس خالد بأريحية على الأريكة بعد أن حل زرار سترته، ووضع ساقاً فوق الأخرى، وظل يتابعه في صمت..
شرد لوهلة فيما دار قبل قليل مع تلك الفتاة الغامضة..

وبدى منزعجاً من ردها الفظ، فهو قد اعتاد على الردود المجاملة، والمدح والثناء، خاصة من النساء اللائي يظهرن إعجابهن بلباقته، ولكن تلك الصغيرة جعلت من بريقه الماسي وهماً لا قيمة له..

أغمض عينيه مجبراً ليجبر عقله على عدم التفكير في الموقف برمته، وأخذ نفساً عميقاً، ثم نفسه على مهل، ورفع رأسه في اتجاه أخيه، ونظر له بنظرات خاوية إلى أن أنهى المكالمة، فالتفت الأخير نحوه، وهتف مبتسماً وهو يتساءل بقلق بعد أن أخفى تلك النزعة العصبية من وجهه:
-خالد، انت هنا من بدري؟!
هز خالد رأسه نافياً، وأجابه بهدوئه المعتاد:
-لأ، لسه جاي من شوية
ثم اختطف نظرات سريعة حوله، وتساءل بإهتمام:.

-أومال باقي العيلة الموقرة فين؟
وضع باسل يده على فروة رأسه ليحكها قليلاً، ثم أجابه بتنهيدة مطولة:
-ماما راحت مع بابا النادي شوية عندهم تقريباً ندوة هناك وهما مش بيحبوا يفوتوا أي حاجة من الحاجات دي
هز خالد رأسه متفهماً، وغمغم يإيجاز:
-أها، وأحمد؟
رد عليه بهدوء حذر وهو يتفرس تعابير وجهه المنهكة:
-في العيادة بتاعته!
هز خالد رأسه بإيماءة خفيفة، ثم ردد بفتور:
-تمام.

تابعه باسل بنظرات فاحصة، وراقب تنهيداته المنزعجة المصحوبة بطرقعة لأصابع كفيه، فسأله بفضول:
-مالك، بتنفخ ليه؟
أخذ خالد شهيقاً مطولاً، وزفره مرة واحدة، ثم أجابه بضيق:
-الناس هنا عندكم عجيبة أوي!
رد باسل متساءلاً وهو يعقد ساعديه أمام صدره:
-اشمعنى يعني؟
أجابه أخيه الأكبر بضجر:
-عادة الواحد لما بيحب يساعد حد بيتوقع كلمة شكر، ده الطبيعي والمفروض زي أما كنت عايش برا، بس بأشوف العكس هنا!

قطب باسل جبينه، وسأله مهتماً:
-في حد ضايقك؟
لوى خالد ثغره للجانب قليلاً، وأجابه:
-مش ضايقني، بس ردها كان قليل الذوق
لمعت عيني باسل نوعاً ما، ومط فمه قائلاً:
-ممم، دي واحدة؟!
-ايوه
تابع باسل قائلاً بسخرية:
-وطبعاً إنت مش متعود على البنات التنكين بتوعنا، الظاهر إنك نسيتهم!
رد عليه خالد بتبرم:
-أنا كان قصدي أساعدها وبس، مش تطفل ولا فضول!
برر له باسل تصرف الفتيات قائلاً بعد أن حل ساعديه من تشابكهما:.

-البنات هنا لو حد عبرهم بيسوقوا فيها، فكبر منهم، وبعدين شكلك كده بتدور على جوازة جديدة بعد ما طلقت مراتك!
عبس خالد بملامح وجهه، ورد عليه بحدة بائنة في نبرته:
-وايه العيب في كده، من حقي أشوف نفسي، الحياة مش هاتقف عليها
-طب وولادك؟ وقصة الحب الكبيرة اللي كانت بينكم وآآ…
قاطعه خالد بجدية:.

-الأولاد عايشين مع مامتهم! وأنا بأزورهم باستمرار ومتفق معاها على كل حاجة، أما قصة الحب فانتهت بانشغالها عني، وبإهتمامتها الكتير!
أومىء باسل برأسه متفهماً:
-أها، واضح إن السلك الدبلوماسي فرق معاك جامد في حياتك
رد عليه أخيه بجدية:
-اها، بصراحة غير نمط حياتي!
اعتدل خالد في جلسته، ثم تساءل بصوت هاديء:
-المهم سيبك مني ومن مشاكلي، أنا كفيل بيها، وقولي هاتعمل ايه مع عروستك؟

فرك باسل وجهه بكفه، وأجابه بإمتعاض ظاهر في نبرته:
-هي مش حابة جو الأفراح والهيصة والدوشة، عاوزة حاجة سيمبل ( بسيطة ) ويدوب عيلتي وعليتها وبس!
غمز له خالد وهو يمازحه:
-ممممم، شكل عروستك بخيلة
أوضح له باسل موقفها قائلا:
-مش مسألة بخل، بس هي ليها نظام وفكر معين كده، وآآ…
قاطعه خالد وهو يشير بكف يده
-عامة اعملوا اللي يريحكم، محدش بيفرض عليكم رأيه، إنتو اللي هاتجوزوا مش حد تاني!

هز باسل رأسه بإقتناع وهو يضيف:
-بالظبط، ودي الميزة في الأجانب، تحكمات الأهالي وغيرها مش موجودة زي هنا عندنا، كل اللي احنا عاوزينه بنعمله من دماغنا وبس!
-اها، ربنا يتمملك على خير يا بسول، اتجدعن بقى وخلينا نفرح فيك
ثم تصنع الضحك، وصحح قائلاً:
-قصدي نفرح بيك!
لاح شبح ابتسامة خفيفة على ثغره وهو يقول:
-وماله يا خالد اتريق براحتك، بكرة نشوف هاتعمل ايه لما تتجوز تاني.

تشكل طيف تلك الفتاة التي قابلها خالد في مخيلته، ورد عليه بصوت رخيم:
-والله لو زي اللي قابلتها يبقى مش عاوز!

في منزل مسعد غراب،
التهمت إيناس ما تبقى من ثمرة التفاح وهي تكمل حديثها مع أخيها قائلة:
-وفكيت الفيوز وطلع العيب منه!
لوى فمه في اعجاب وهو يردد متفاخراً:
-والله برافو عليكي، عرفتي تتصرفي
تباهت إيناس بنفسها قائلة:
-أومال ايه، لاحسن تكون مفكرني من البنات السايحة النايحة
رد ضاحكاً:
-لأ، ده انتي أنشف منهم! ولا العساكر اللي في المِيس عندنا
تجهمت ملامحها وهي ترد بغيظ:
-متتريقش عليا، أنا هاكون سفيرة!
رد مازحاً:.

-أكيد طبعاً، السفيرة عزيزة
اغتاظت إيناس من ردوده المستفزة، وهتفت بحنق:
-يووه يا مسعد، إنت رخم بجد!
أمسك بها من كتفها، ورد بهدوء:
-خلاص ماتقفشيش، أنا بأهزر يا نوسة معاكي
نزعت كتفها من قبضته بقوة، ونهضت من جواره، واسندت الصحن الفارغ على الطاولة، وصاحت بتذمر:
-لأ أنا قافشة، وحاسب خليني أروح أذاكر!
هتف بنبرة مرتفعة نسبياً:
-يا بت، استني!
عبست أكثر بوجهها وهي ترد:
-لأ.

انضمت إليهما والدتهما، وابتسمت لابنتها وهي تقول:
-روحي يا نوسة كملي يا حبيبتي مذاكرتك!
ردت عليها إيناس بتبرم:
-ما أنا رايحة من غير حاجة!
تابعتها صفية حتى غابت داخل غرفتها، وجلست إلى جوار ابنها، وأخفضت نبرة صوتها قائلة:
-عاوزة أقعد معاك يا مسعد شوية!
التفت مسعد برأسه نحوها، وسألها بهدوء:
-خير يا ماما
تهللت أساريرها وهي ترد:
-بص يا حبيبي، عندي ليك حتة عروسة إنما آآ…
زفر مسعد بضيق، وقاطعها قائلاً على مضض:.

-الله يكرمك يا ماما، مش عاوز سيرة في الموضوع ده، أنا مبسوط كده!
قطبت صفية جبينها، وتجهمت قسماتها بشدة، ورفعت حاجبها للأعلى مستنكرة، ثم ردت بضجر:
-مبسوط! بس أنا وأبوك لأ، هو انت صعبان عليك نفرح بيك ونشوف عيالك؟!
هز رأسه نافياً:
-لأ يا أمي، مش كده الموضوع، بس أنا مش في دماغي حد، وبعدين اللي اتجوز خد من الجواز ايه غير الهم والغم!
لطمت على فخذها قائلة بضيق:.

-يا غلبي ياني، أكيد في واحدة عملالك عمل مخلياك كاره الجواز وسيرته، ماهو الكلام اللي بتقوله ده مش طبيعي
استنكر مسعد ما قالته تواً، ورد عليها بإستخفاف:
-عمل، هو في حد لسه بيتكلم في التخاريف دي
أجابته بجدية غريبة:
-اه يا حبيبي، إنت بس اللي طيب وغلبان ومتعرفش حاجة!
تمتم مع نفسه بخفوت:
-واضح كده إن الحاجة صفية دماغها زي ما هي! أحسن حاجة أعملها أخلع منها بدل ما تحضرلي عفريت وتجيبلي شيخ منصر يقرى عليا!

نهض هو من جوارها، وتابع حديث نفسه بكلمات مبهمة، بينما تعجت صفية من تصرفات ابنها الغير مقنعة، وأصرت قائلة:
-مش هاسيبك تخيب نفسك، أنا هاتصرف بطريقتي!

خلال اليومين التاليين كان باسل قد أعد كل شيء لإقامة حفل خطبة بسيط داخل منزله، ودعا إليه رفيقه مسعد وعائلته لمشاركته تلك المناسبة المميزة..
ربما أراد أن يثبت لنفسه شيئاً، أن حب الماضي لم يكن إلا وهماً ومن طرفه فقط، وأن وجود إيناس في حياته ان لن يشكل فارقاً معه، لذلك أصر على دعوة العائلة بالكامل، ولم يقبل بإعتذار أي فرد منها بإعتبارهم المقربون إليه..

وبإمتعاض واضح على تصرفاتها وتعابير وجهها المتشنجة، اضطرت إيناس أن تذهب – مرغمة – مع أسرتها إلى تلك الخطبة المزعومة..

وبالرغم من رفضها للذهاب إلى هناك والتواجد مع باسل في أي مكان إلا أنها رضخت لإلحاح والدتها وإصرار أخيها، فلا مفر من الهروب مما هو محتوم، ومع ذلك تأنقت في هيئتها، وارتدت فستاناً ملائماً لتلك السهرة من اللون الأزرق النيلي يلامس طرفه الأرضية بينما يمتد ذيله الحريري لمسافة عليها، وعقصت شعرها كعكة، وأسدلت خصلة كبيرة أمامية لتغطي جبينها، ووضعت لمسة من مساحيق التجميل، وتعمدت المبالغة في وضع أحمر الشفاه ليظهر تميزها أكثر..

ارتدى مسعد حلة سوداء وقميصاً نبيذي اللون من أسفلها، ولم يضع رابطة عنق..
وحينما رأى أخته بتلك الصورة الجميلة أبدى إعجابه الفوري قائلاً:
-ايه الجمال ده!
ابتسمت له بثقة، بينما تابع هو بمزاح:
-شكلك ناوية تضيعي العروسة! وهي مش ناقصة ضياع أصلاً!
زادت ابتسامتها المغترة وهي ترد عليه:
-وأنا مالي بيها، دي أقل حاجة عندي
رفع حاجبه للأعلى ليرد بإستغراب:
-واضح فعلاً!
-ها يا ولاد جهزتوا؟

تساءلت بتلك العبارة السيدة صفية وهي تسحب شالها على كتفها لتخفي تلك الفصوص الفضية اللامعة..
ردت عليها إيناس بنبرة رقيقة:
-أنا تمام يا ماما
نظرت لها والدتها، وردت بحماس:
-النبي حارسك وصاينك، زي القمر يا نوسة
ثم مصمصت شفتيها بضيق قليل وهي تضيف لنفسها:
-مش كان عمل الفرح في قاعة كان العرسان شافوكي وجالك عدلك!
هتف اللواء محمد قائلاً بجدية:.

-يالا بينا، احنا مش عاوزين نتأخر، هتبقى قلة ذوق إن صاحبك عازمك ونيجي كمان بعد الميعاد بفترة، المفروض تكون معاه من بدري
رد عليه مسعد قائلاً بهدوء:
-البركة في اخواته، هما معاه!
ثم ولج الجميع بعدها من المنزل ليستقلوا السيارة، ويتوجهوا إلى منزل باسل حيث تنتظرهم عدة مفاجآت سارة و…

أبطأ مسعد السيارة حينما أوشك على الاقتراب من البناية القاطن بها باسل، وظل يتفقد الطريق بحرص حتى يتجنب التصادم مع أي سيارة، خاصة أن مساحة الطريق كانت ضيقة للغاية.
ورغم الهدوء الحذر الواضح على وجه إيناس، إلا أن روحها كانت مشتعلة من الداخل..
فنيران كرهها له لم تهدأ، بل كانت دوماً مستعرة لكنها لم تظهر هذا لأحد، حتى الأقرب إليها لم يشعروا بما كانت تعانيه..

أوقف مسعد السيارة، والتفت برأسه للجانب ليرمق جميع أفراد عائلته بنظرات شمولية وهو يقول:
-انزلوا انتو هنا، وأنا هاشوف راكنة قريبة للعربية واحصلكم
أشار له والده بيده وهو يقول:
-طب ما تركن قصاد الجراج ده، أو عندك عربية باسل محدش آآ…
قاطعه مسعد قائلاً بجدية:
-يا بابا مش عاوزين مشاكل مع حد، خلينا نركن في أي حتة وخلاص، مش هاتفرق كتير..
رد عليه أبيه بصوت جامد:
-اللي يريحك!
ثم أومىء برأسه لزوجته وهو يضيف:.

-يالا يا صفية، تعالي يا إيناس
أجابته زوجته قائلة بنبرة شبه مرهقة:
-حاضر، احنا مجناش هنا قبل كده، هانعرف بيته ازاي ولا آآ…
قاطعها مسعد بهدوء:
-إيناس جت معايا قبل كده مرة، وعارفاه، صح ولا نسيتي؟
ردت عليه إيناس بتأفف:
-أها! مش ناسية مكانه
هتف اللواء محمد بنفاذ صبر:
-طب انجزوا، وبلاش عطلة اكتر من كده!

وبالفعل نزل الثلاثة من السيارة متجهين نحو مدخل البناية، بينما تابعهم مسعد بنظراته حتى اختفوا بالداخل، فتحرك بالسيارة باحثاً عن مكان شاغر ليصفها فيه..
لمح سيارة أخرى تأتي من الطرف المعاكس تحاول المرور، فأزاح سيارته إلى أقصى الجانب ليعطي قائدها أكبر مساحة ممكنة لكي يمر دون أن يحدث أي تصادم بينهما أو احتكاك..
ونجح في مسعاه، ولكنه تفاجيء بشبحها يمر بجواره..

فخفق قلبه بصورة مباغتة، وتسارعت دقاته فجأة، وتصلبت حواسه بالكامل للحظة..
أفاق من صدمته القوية سريعاً، والتفت برأسه للجانب ليتأكد من صحة ما رأى..
لقد كانت هي، حبيبته – سابين – التي لم ينساها للحظة..
هي مرت من هنا، وهو قد رأها بالفعل، لم تكن وهماً ولم يكن خيالاً صوره له عقله، بل كانت هي حقاً..

وما أكد شكوكه هو صوتها الذي يحفظه عن ظهر قلب واخترق أذنيه بقوة ليصيب أوتار قلبه وهي تشكره بنعومتها المميزة:
-ثانكس!
حدق في سيارتها التي تبتعد رويداً رويداً عنه بنظرات مصدومة، وفغر فمه في ذهول تام..
لم يدرِ كيف أدار محرك سيارته واستدار بها بصورة عجيبة ليتمكن من اللحاق بها قبل أن تهرب منه للأبد..

في منزل باسل سليم،
قرع اللواء محمد الجرس ووقف في المقدمة لينتظر من يفتح الباب له ولعائلته..
بعد أقل من دقيقة، كانت الخادمة ترحب بالجميع وتشير لهم بالدخول، ولكن تعمدت إيناس التباطيء في الدخول وتعللت بإصلاح رباط حذائها ذي الكعب العالي كي تلج متأخرة..
دخل اللواء محمد أولاً، واختطف نظرات سريعة في المكان من حوله، ثم توجه بأنظاره نحو أصحاب المنزل الذين كانوا في انتظار وصول أخر المدعوين..

رسمت السيدة صفية على وجهها قناع المجاملة الذي تجيده في تلك النوعية من المناسبات، وأطلقت زغرودة سعيدة وهي تطأ بأقدامها صالة المنزل لتلحق بزوجها، فانتبه الجميع لها، وخاصة باسل الذي بدى مضطرباً على غير المعتاد..
ابتلع ريقه، ونظم أنفاسه ليحافظ على ثباته الانفعالي في الوقت الحالي، فلا حاجة به لرفع نسبة الأدرينالين في دمائه من شيء تافه، هكذا ظل يردد لنفسه في صمت..

تعجب خالد من تصرف تلك السيدة التي لا يعرفها بعد أن التفت بجسده ناحيتها ليتفحصها بإهتمام، ومال على أخيه ليسأله عن هويتها، فأجابه باسل بخفوت:
-دي أم مسعد صاحبي
أضاف خالد بمزاح جاد:
-واضح إنها جاية تعمل معاك الواجب!
أجابه باسل مبتسماً بتصنع:
-أصلها بتعزني أوي
هز خالد رأسه متفهماً وهو يقول:
-أها، ده باين فعلاً
حذره باسل بجدية:
-اسكت بقى عشان جاية علينا
-اوكي
هتفت صفية بنبرة فرحة وهي تشير بيديها في الهواء:.

-ألف مبروك يا باسل، والله فرحنالك كلنا من قلبنا، ربنا يتمملك على خير يا رب!
-الله يخليكي يا طنط!
قالها باسل وهو ينهض عن الأريكة الواسعة التي كان يجلس عليها، ومد يده لمصافحة السيدة صفية، ولكنها جذبته بقوة لتقبله من وجنتيه بحرارة، فهو بمثابة أخٍ ثانٍ لابنها، وتابعت بسعادة:
-عقبال مسعد لما نفرح بيه زيك
-إن شاء الله
رد هو عليها متراجعاً بجسده للخلف بعد أن ادعى الابتسام..

وتلقائياً بحثت عيناه عن إيناس، لكنه لم يرها بعد، فظن أنها رفضت الحضور، فعبس وجهه قليلاً وأصيب بالإحباط، وظهرت في عينيه لمحات شبه حزينة…
تحرك خالد من مكانه ليشعل سيجاراً ليدخنه بعيداً عن الواقفين، فاتجه نحو الخارج، وقبل أن يشعلها بقداحته تشكل على تعابيره الهادئة علامات الإندهاش، واتسعت حدقتيه في صدمة حينما رأى تلك الفتاة تقف على أعتاب منزله تتأمل هيئتها في المرآة الكبيرة المعلقة على الحائط..

أرخى يده للأسفل، وأعاد وضع القداحة في جيب سترته، ثم رسم على وجهه الجدية، واتجه نحوها بخطوات ثابتة..
استدارت إيناس بجسدها لتجد ذلك الشاب الذي التقت به قبل يومين أمامه، ففغرت شفتيها مصدومة، وتسمرت في مكانها غير مصدقة أنه بالفعل أمامها..
رمشت بعينيها عدة مرات لتتأكد أنها لا تتوهم رؤيته، وصدقت شكوكها حينما أردف قائلاً بنبرة رخيمة:
-أظن أنا مش جاي أعاكس ولا أفرض نفسي على حد، انتي اللي جاية برجلك عندي!

قفز قلبها في قدميها من الصدمة، ووضعت يديها على شفتيها لتردد بتوتر رهيب:
-إنت!
التوى ثغر خالد بإبتسامة شبه مغترة، وأشار بذراعه في الهواء قائلاً:
-أهلاً وسهلاً بيكي في بيتنا المتواضع!
أنزلت يديها عن فمها، وتلفتت حولها بعدم تصديق متساءلة:
-ده، ده بيتك؟!
رد عليها بإيجاز وهو يقترب منها:
-ايوه
أبعدت إيناس عينيها عنه، وعقدت ما بين حاجبيها بإستغراب، وتمتمت بصوت خفيض مع نفسها:
-مش معقول.

وقف خالد قبالتها، وراقب ردة فعلها بفضول كبير، ثم هتف بابتسامة مهذبة:
-غريبة صح!
رفعت رأسها لتنظر إليه عن قرب، فأطال هو من نظراته الممعنة بها، وظهر عليه الإهتمام بهيئتها الجميلة، وزادت ابتسامته اتساعاً وهو يضيف:
-مممم، مش بيقولوا الدنيا صغيرة!
توردت وجنتيها قليلاً من الاحراج، وحاولت سريعاً أن تربط أطراف الخيوط معاً، وهمست بعدم تصديق:
-مش ممكن!

لاحظ هو ذهولها الواضح في نظراتها إليه، وتابع بصوت خفيض لكنه ثابت:
-أعتقد إنك مش قادرة تستوعبي ده لسه! أنا ممكن أوضحلك أكتر
هتفت بشهقة عالية بعد أن توصلت للإستنتاج المؤكد:
-معنى كده إنك انت، آآ…
انتبه هو لنظراتها المحدقة به، وأعجبه حماسها الممزوج بخجلها، وكذلك تبدل انفعالاتها في لحظة واخرى، وردد متساءلاً بإهتمام وهو يدس يده في جيب بنطاله:
-أنا ايه؟
أشارت بسبابتها نحو صدره وهي تسأله بصرامة غريبة:.

-انت أخو باسل؟
تعجب من أسلوبها المتحول، وقطب جبينه مجيباً إياها بتساؤل أخر:
-باسل! هو انتي تعرفيه؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترد قائلة بجدية:
-اه، يبقى صاحب أخويا مسعد
حرك خالد رأسه متفهماً سبب وجودها في منزله، ومع ذلك لم يشبع هذا فضوله لمعرفة كيف لم يتعرف إليها طالما هي أخت رفيق أخيها، فسألها بإهتمام أكبر:
-أها، بس غريبة، دي أول مرة أشوفك هنا؟

نظرت له إيناس بنظرات حادة، وردت عليه بحنق ظاهر في نبرتها بعد ان استشفت إشارة ضمنية منه لكونها سهلة المنال:
-أكيد طبعاً لازم تشوفني أول مرة، ماهو أنا مش هاجي أزور أخوك يعني، هو مش صاحبي أنا، ولا أنا أعرفه أوي!
استشعر خالد الحرج مما قاله، وتأكد من انزعاجها من سؤاله الغير دبلوماسي، وظن أنه تسرع بل أخفق حينما ردد مثل تلك النوعية من الأسئلة التي لا تجوز خاصة في تلك المواقف والصدف الغريبة..

كور قبضة يده، وقربها من فمه، ثم تنحنح بصوت خشن، واعتذر قائلاً:
-احم، سوري، مقصدش، انتي دايماً متسرعة وبتفهميني غلط، أنا أقصد إن باسل مقاليش إنه يعرف بنات حلوين زيك
لم تهتم هي بما قاله ونظرت له شزراً، فتابع قائلاً بحذر:
-قصدي ان اخوات أصحابه جُمال وشيك!
ردت هي بتأفف ظاهر بصورة جلية وهي تشيح بوجهها للجانب:
-أها أبيه باسل
صُدم خالد من اللقب، وتمتم بلا وعي:
-أبيه!
أوضحت له إيناس مقصدها بإمتعاض:.

-أصل أنا بأعتبره زي أخويا الكبير!
رفع خالد يده على رأسه ليمررها سريعاً بين خصلاته، ثم ابتسم مازحاً:
-لا، مش حلوة كلمة أبيه دي، إنتي كده بتكبريني معاه، يعني لو هو أبيه، يبقى شوية وهاتقوليلي يا جدو خالد، ولا ايه رأيك؟ ينفع أبقى أنا جدو؟!
ضحكت إيناس مقهقهة على دعابته الأخيرة، فأثارت بصوتها انتباه ذلك الذي كان يتحرك ناحية غرفة الضيوف ليستقبل عروسه التي أوشكت على الانتهاء من زينتها وتنتظر هناك..

توقف في مكانه، وبدى كالصنم للحظة..
حبس أنفاسه، وتجمد كلياً وهو يكاد لا يصدق وجودها..
تأهبت حواسه مرة أخرى حينما علت ضحكتها المميزة، واشتعل شيء ما به، وظهر الوجوم الممزوج بالغضب على تعابير وجهه..
لم يشعر بقدميه وهما تتحركان نحو صاحبة الصوت المألوف، و…
حاول مسعد اللحاق بتلك السيارة التي سمع منها صوت حبيبته المختفية منذ سنوات..
لم يكن وهماً أو سراباً كما قد يظن غيره، بل هو متيقن تماماً مما سمع..
ولحسن حظه أن السيارة التي تقودها كانت سرعتها إلى حد ما بطيئة فتمكن من الاقتراب منها حتى أصبح مجاوراً لها، وسلط أنظاره بالكامل عليها، نعم لقد كانت هي سابين ، هو لم ينسَ ليومٍ واحدٍ ملامحها التي حفرت في ذاكرته..

تسارعت دقات قلبه لرؤيتها، وتجمدت تعابير وجهه حينما رأها تزيح خصلات شعرها ليظهر جانب وجهها بوضوح كامل..
نعم هي هنا بالقاهرة..
هي حقيقة ظاهرة أمامه..
هي حلم حياته الضائع..
أفاق من تحديقه بها حينما رأى ما صدمه أكثر..
اتسعت عيناه في ذهول كبير عندما وقعت أنظاره على تلك الطفلة الصغيرة التي تقفز بمرح بالمقعد الخلفي وتلوح بكف يدها له وكأنها تلقي عليه التحية..

وقع قلبه في قدميه، وزاد اتساع مقلتيه أكثر، وانفرجت شفتيه بصدمة..
في نفس التوقيت كانت سابين قد استدارت تلقائياً للجانب وهي تبتسم عفوياً، فرأته..
تلاشت ابتسامتها فوراً، وصدمت بشدة، وحل عليها التجهم والذهول، وفي لمح البصر كانت تضغط على دواسة البنزين لتزيد من سرعة السيارة لتبتعد عنه..
صرخ مسعد بإسمها عالياً يحمل القوة:
-سابين!
ولكنها نجحت في الفرار منه بحرفية تاركة إياه عالقاً في إشارة مرورية..

ضرب بيده المقود بعصبية كبيرة لأنه فقدها، لكن لم يغب عن ذاكرته التقاطه لثلاثة أرقام من لوحة سيارتها، حتى وإن لم تكن كاملة، وكذلك الحروف المطبوعة فوقها، لكنها تعد طرف الخيط الذي سيوصله إليها..
كز على أسنانه قائلاً بإصرار عنيد:
-مش هضيعك تاني مني، هاعرف أوصلك حتى لو هربتي مني لأخر الدنيا!

في منزل باسل سليم،
تحرك باسل نحو صاحبة الصوت الأنثوي المعروف، وإن كان قد خمن هويتها قبل أن يراها إلا أنه لم يكن متأكداً من حضورها لحفل خطبته..
انهارت عهوده ووعوده لنفسه بنسيانها وتجاوز تلك المرحلة من حياته بمجرد سماع ضحكتها التي استفزت مشاعره بشدة، واثارت حنقه، بل إنها ألهبت فؤاده..
لم يظن أن يحدث به هذا، وهو على وشك وضع خاتم خطبته في إصبع من اختارها شريكة حياته..

سؤال لاح بقوة في عقله رغم انكاره له،
أيعقل أنه مازال يَغير عليها حتى وإن كان على وشك الإرتباط بغيرها؟
-مش معقول!
قالها خالد وهو ينظر بإندهاش عجيب نحو إيناس التي تابعت بجدية:
-والله مش بأهزر، أنا فعلاً في كلية سياسة واقتصاد!
رد عليها بتحمس واضح في نبرته:
-وأنا شغال في السلك الدبلوماسي، وخريج نفس الكلية!
ارتسمت علامات الصدمة والتعجب على وجهها، وردت عليه:
-صدفة عجيبة فعلاً!

كان باسل قد استمع إلى جزء من حوارهما، وكتم غضبه الغير مبرر، وسار في اتجاهها، ولكنه لم يحظَ بفرصة رؤيتها بوضوح، فقد حجبها عنه أخيه بجسده..
استشعرت إيناس وجوده، وشعرت بقليل من الرهبة، وارتجف جسدها قليلاً، لكن هناك شعوراً غريباً بل الأحرى مزعجاً بدأ يتسرب إليها..
إحساس قلق ممزوج بالخوف والإرتباك تخلل في ثناياها..
فالذكريات بينهما كان تتضمن الإهانة والعنف وردود الفعل المبالغة..

تشبثت بجانبي فستانها بأصابعها وكأنها تحتمي فيه من عاصفة غضب قادمة ربما تطيح بالجميع..
هتف باسل فجأة بصوت يحمل الغضب أكثر منه الحدة:
-خالد، إنت واقف مع مين؟
رد عليه أخيه بعد أن التفت نحوه برأسه وابتسامة عريضة متشكلة على ثغره:
-مش هاتصدق قابلت مين؟
ثم تنحى جانباً لتظهر إيناس بمظهرها المبهر أمامه..
حدق فيها مصدوماً..
لقد اختلفت كلياً عما مضى.

لم تعد تلك الصغيرة الطائشة ذات الشعر المشعث، بل أصبحت أنثى ناضجة مفعمة بالحياة
أخذت إيناس نفساً عميقاً، وحبسته لثوانٍ في صدرها لتتمكن من السيطرة على ثباتها وهدوئها أمام من تبغضه، ومن ثم زفرته على مهل، ثم رسمت ابتسامة متسلية على شفتيها الحمراوتين وهي تهلل قائلة بسعادة مصطنعة:
-ابيه باسل! ألف مبروك على الخطوبة، بجد فرحت من قلبي ليك!
( أبيه ) تلك الكلمة المستفزة التي دقت ناقوس الخطر في كيان باسل..

هي تتعمد التصريح بها جهراً لتعذبه أكثر بها..
عجز للحظة عن الرد عليها مرغماً، أيفضح نفسه أمام أخيه الأكبر في ليلته المميزة تلك بردة فعله نحوها أم يتماسك ويحافظ على جموده ويظهر لها عدم تأثره بها؟
اشتعلت نظراته، وبدى وكأنه ينفث دخاناً من أذنيه..
انتبه لحديث أخيه وهو يضيف:
-عاوز أقولك يا باسل إن أخر حاجة كان ممكن أتوقعها إني أشوف الآنسة هنا في البيت عندنا، صدفة غريبة فعلاً!

صر باسل على أسنانه متساءلاً بحنق:
-وهو انت تعرفها؟
أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول:
-اه، فاكر لما حكيتلك عن سوء التفاهم اللي حصل من كام يوم مع آآ…
تذكر باسل الموقف الذي سرده عليه أخيه قبل يومين، وزاد حنقه أكثر..
هو كان يخاطب إيناس ويتبادل الحديث معها بأسلوبه المنمق الذي يجذب النساء..
لم يشعر بإرتفاع نسبة الأدرينالين في دمائه، ورد عليه بنبرة مغلولة متعمداً الإساءة فيها إلى إيناس:.

-البت اللي أعدت تشتم فيها وتقول قليلة الذوق ومش متربية ومعندهاش دم ولا ريحة الاحترام!
ارتفع حاجبي إيناس للأعلى في صدمة مما لفظه تواً، وصاحت مشدوهة:
-نعم!
تشكلت علامات الإندهاش العجيبة على وجه خالد الذي تفاجيء بما قاله أخيه، وللحظة استنكر أسلوبه الفظ في وصف الأمر والإدعاء كذباً عليه، فهو لم يتجرأ على وصف الأمر هكذا..
تابع باسل قائلاً بغيظ:.

-تقصدها هي صح؟ البت اياها اللي كنت هتشتمها وأنا قولتلك تكبر منها، مظبوط؟!
تلون وجهها بحمرة مغلولة ظاهرة، واصطبغت عيناها بحنق جلي..
تشفى هو فيها قليلاً بعد أن رأى انعكاس ما قاله على تعابير وجهها، ونظر إليها ببرود، وتكون على ثغره ابتسامة ماكرة..
احتدت نظراتها المشتعلة منه، بينما أكمل هو بإستخفاف:
-اصل خالد أخويا صريح ومش بيحب ينافق في حاجة مش عجباه!

لم ترغب هي في إعطائه الفرصة للسخرية منها والإساءة إليها بتلك الصورة المهينة، فردت بابتسامة مجاملة بعد أن تنحنحت برقة:
-احم، حصل خير، وزي ما الأستاذ خالد أخو سيادتك يا أبيه باسل قال كان سوء تفاهم وانتهى!
اتسعت مقلتيه بغيظ أشد، وتمتم من بين أسنانه:
-برضوه أبيه!
أكملت هي قائلة بحماس وهي تتحرك خطوة للأمام لتنظر مباشرة إليه:
-المهم إنك خلاص قررت تتجوز، فرحنالك كلنا، وعقبال أخويا!
رد عليها خالد بلؤم:.

-وعقبالك انتي كمان يا آنسة آآ..
وضع اصبعيه على طرف ذقنه، وأردف متساءلاً بنبرة ماكرة:
-تعرفي لحد دلوقتي انتي مش قولتيلي على اسمك، أظن مافيش مانع، احنا نعتبر في حكم القرايب!
تصنعت العبوس الزائف، وردت بنعومة وهي تضع يدها على فمها:
-أوه، سوري!
ثم مدت كفها لتصافح خالد وهي تكمل برقة:
-أنا إيناس، أبيه باسل شغلنا وكده!
صافحها هو الأخر، واحتضن كفها براحتي يده، وربت عليه برفق وهو يرد:.

-اهلا يا آنسة إيناس، أنا سعيد بالمعرفة دي
شعرت إيناس بإحراج شديد من حركته المبالغة تلك، فهي لم تقصد سوى المصافحة العابرة، لكنه حولها إلى شكل حميمي بطريقة ما، فازعجها هي منه،
وبصورة جدية سحبت يدها سريعاً، وردت مجاملة:
-وأنا كمان، وزي ما بيقولوا ما محبة إلا بعد عداوة
أضاف مبتسماً بعتاب:
-وهو كان في عداوة! احنا ننسى اللي فات ونبدأ من جديد!

لمحت هي بطرف عينها النيران المتأججة في باسل، فتحركت للجانب وهي تقول:
-صح، عن اذنكم، هاروح أبارك للعروسة، ولا هي لسه مش جهزت؟
التفت خالد نحو أخيه وسأله بجدية وهو يشير بيده:
-عروستك فين يا باسل؟
اجابه أخيه بضيق وهو مكفهر الملامح:
-لسه جوا، بتجهز نفسها!
أومأت إيناس برأسها بإيماءة خفيفة وهي تقول بخفوت:
-أها، مبروك ليكو، عن اذنكم.

ثم أسرعت في خطاها لتبتعد عنهما، فوجدها معهما محرجاً لها، وأصبح غير مقبولاً بالمرة..
كادت أن تتعثر في خطواتها حينما داست على ذيل فستانها، فمد الاثنين ذراعيهما نحوها لمساعدتها، وهتف باسل بلا تردد:
-حاسبي
ثم تمالك نفسه بسبب تصرفها، وتراجع بحذر، وازدرد ريقه بإرتباك قليل وهو يتابعها..
بينما اعتدلت هي في وقفتها، وتشبع وجهها بحمرة خجلة من تعثرها الأهوج، وهمست بحرج:
-ميرسي.

ثم رفعت طرفه بيدها، وأكملت خطاها للداخل..
لاحقتها أنظار باسل المتقدة، ولكن قطع تحديقه بها صوت أخيه وهو يعنفه بحدة:
-إنت بوظت الدنيا بكلامك ده
استدار باسل برأسه نحوه، ورد عليه ببرود:
-عادي يعني، مش هاتفرق معاك!
استشاط خالد غضباً من رده، وهتف بتذمر:
-انت عارف إن أنا مش باحب كده، وخصوصاً مع آآ…
قاطعه باسل قائلاً بجدية شديدة وهو يشير بإصبعه محذراً:
-خالد، إيناس نص عمرك، واخت صاحبي، فبلاش جو ال، آآآ…

قاطعه خالد بهدوء مستفز:
-أنا معملتش حاجة معها، فمافيش داعي من جو ولي الأمر وناظر المدرسة ده معايا! وبعدين إنت مش عندك عروستك، افرح معها، وركز في اللي جاي احسن!

في نفس التوقيت ولج مسعد إلى منزل رفيقه وعلى وجهه وجوم غريب..
أراد اخفاء ما يشعر به حتى تنتهي تلك الليلة بسلام، ولكنه لم يستطع، فتأثير ظهورها بعد كل تلك الغيبة – وكذلك الطفلة التي رأها معها – انعكس عليه كلياً..
تنفس بعمق، واستعاد جزءاً من جموده، وعاهد نفسه بالبدء في مسعاه الجدي وإيجاد سابين فوراً..
تدارك باسل نفسه حينما رأى مسعد أمامه، وهتف مرحباً:
-حبيبي، كل ده!
رد عليه مسعد مبتسماً:.

-هاعمل ايه في الزحمة، مش بإيدي!
ثم نظر إلى الواقف إلى جواره بنظرات سريعة، فقدمه باسل إليه متعمداً الإشارة إلى كبر سِنه:
-أعرفك، ده خالد، أخويا الكبير أوي! أكبر حد في العيلة!
تعجب خالد من أسلوب أخيه العجيب، ونظر له بغرابة، ثم عاتبه قائلاً بضجر:
-انت محسسني إني عندي 60 سنة
برر باسل ما قاله بإبتسامة سخيفة:
-مش بأديك وضعك مع مسعد صاحبي!
انتبه خالد إلى اسمه، ونظر له بإمعان وهو يرد متساءلاً:
-انت مسعد بقى؟

تعجب مسعد هو الأخر من تصرفات خالد، وهتف مازحاً:
-هو أنا فايمص ( مشهور )، وأنا مش عارف؟!

في إحدى الزوايا بالمنزل،
مالت صفية على زوجها لتسأله بفضول وهي تترقب ظهور العروس المنتظرة:
-هو صحيح ينفع ضابط يتجوز أجنبية زي ما باسل عامل كده، أصل أنا سمعت من مسعد إنها من آآ…
قاطعها زوجها اللواء محمد قائلاً بصوت خفيض:
-اه ينفع بشرط تصريح مباشر من رئيس الأركان، ولازم يكون معاها جنسية مصرية
زاد فضولها أكثر، وتأهبت حواسها لمعرفة المزيد، وتابعت تحقيقها قائلة:.

-يعني العروسة ن، آآ، نانا باين، والله ما فاكرة اسمها معاها جنسية مصرية؟
أجابها بنفس النبرة الرزينة:
-ده المفروض، ولو مش معاها وهو عاوز يتجوزها ومصمم عليها بيقدم استقالة وينهي خدمته، ويكون مواطن عادي فيتجوز براحته من غير أي تصاريح أو موافقات رسمية!
ردت عليه صفية بتفكير متمعن:
-ده الموضوع مش سهل زي ما آآ…
قاطعها قائلاً بإستغراب من إلحاحها الفضولي:.

– وبعدين إنتي شاغلة بالك ليه بالأمور دي يا صفية، اللي بيعمله مايخصناش في حاجة!
ردت عليه وهي تشير بيدها في الهواء:
-أصل دماغي عمالة تودي وتجيب في موضوعه من بدري، ومكانش داخل مخي! بت أجنبية، وهايموت عليها، وابنك بيقول شكلها مش أد كده، وانت بتقولي لسه على التصاريح، معنى كده كل حاجة عندكم في الجيش وليها نظامها وقوانينها..!
-ايوه، هي مش سويقة يا صفية!

التفتت زوجته برأسها عفوياً للجانب لترى ابنتها وهي تتجه نحوهما، فهتفت بنزق:
-نوسة ظهرت أهي، كانت مختفية فين دي!
ضغطت صفية على شفتيها، وأشارت لها وهي تهمس:
-بيست! نوسة تعالي!
وقفت إيناس إلى جوارها، وردت بتلعثم:
-ايوه يا ماما!
سألتها والدتها بإهتمام وهي تنظر إلى وجهها بتفرس:
-كنتي فين؟
أجابتها إيناس بإرتباك شبه ملحوظ:
-موجودة يا ماما، بس بأدور على العروسة!

اهتمت السيدة صفية بالجملة الأخيرة، فهي تريد أن ترى تلك الخطيبة الأجنبية السمراء التي سيخطبها باسل الليلة، فنظرت أمامها، واختطفت نظرات شمولية سريعة وهي تغمغم:
-دلوقتي تطلع ونشوفها!
نظر اللواء محمد في ساعة يده، وهتف بتوتر:
-مسعد اتأخر أوي!
أضافت إيناس قائلة بتعجب:
-كل ده ومش لاقي أي ركنة! حاجة غريبة
رد هو عليها بجدية:
-الغايب حجته معاه!
هتفت صفية بعد أن شعرت بالتوجس مما قاله الاثنين:.

-ما تطلبه يا محمد تشوف هو فين!
كان على وشك الرد عليها حينما لمح ابنه وهو يصافح زميله، فهتف بإرتياح:
-أهوو طلع هناك واقف مع صاحبه!
وجهت إيناس أنظارها تلقائياً نحو مسعد وباسل، ثم أبعدتهما سريعاً قبل أن يراها الأخير وتمسك بها عينيه الثاقبتين، بينما هتفت صفية بإبتسامة راضية:
-الحمدلله، ربنا ما يحرمني من دخلة ولادي عليا أبداً…!

أوقفت سابين السيارة في أحد الطرق الخاوية من الحركة المرورية لتلتقط أنفاسها اللاهثة بعد أن صدمت لرؤية مسعد أمامها..
لم تتوقع أن تراه بعد كل تلك المدة..
كانت تظن أنه نسيها مثلما حاولت هي نسيانه..
لكن خابت كل توقعاتها، وبدا عليه متعلقاً أكثر بها..
ضربت بيدها المقود بإنفعال، وأطرقت رأسها للأسفل، وتنهدت بحزن وهي تردد:
-ليه موسأد، ليه تظهر تاني؟!
قفزت الصغيرة أمامها، ومسحت على شعرها، وهتفت ببراءة:.

-مامي، مامي!
رفعت سابين رأسها بيأس نحوها، ونظرت إليها مطولاً بأعين لامعة، ثم ابتسمت لها ابتسامة باهتة، ومسدت على رأسها قبل أن تسحبها إليها، وتضمها بقوة إلى صدرها، وهمست من بين شفتيها بصوت متهدج:
-أوه، جينا!
وانهمرت العبرات الأسفة من مقلتيها بغزارة لتبلل وجنتيها، وكتف الصغيرة..
تمتمت بإستياء مرير:
-فراقك صعب موسأد!

ظلت على تلك الوضعية تحاوط الصغيرة بذراعيها لبرهة من الوقت حتى غفت في أحضانها، فبحذر شديد مددتها على المقعد الخلفي، ثم التفتت أمامها، وكفكفت عبراتها، وأخذت شهيقاً عميقاً، وأدارت المحرك لتقود السيارة إلى منزلها…

في منزل باسل سليم،
أصاب أحمر الشفاه الملون لشفتيها بطريقة مغرية – والملفت في نفس الآن للأنظار- باسل بالضيق..
وجاب بذاكرته وميض صدام عنيف حدث بينهما بسببه..
كانت وقتها مراهقة، لا تعي أي شيء، فشعر بأنه غير ملائم لها لتضعه في تلك السن الصغيرة..
واليوم نفس أحمر الشفاه تضعه فزادها أنوثة وإغراء، ربما به ستسلب عقول الرجال إن رأوا جمالها الحقيقي مثلما يراها هو..

أرغم نفسه على تجاهله حتى لا يتهور، وظل يردد لنفسه أنه وجد لنفسه فتاته المنشودة، ناتالي الفريدة بشخصيتها والتي حازت على إعجابه، واليوم سيحظى بها كخطيبة رسمية بعد أن حصل على الموافقة الرسمية لذلك الإرتباط..

وقف مسعد بين الحاضرين بجسده لا بعقله الذي ظل يفكر في سابين..
ردد بين جنبات نفسه أرقام لوحة السيارة التي كانت تقودها سابين..
تلك الأرقام التي ستقوده إليها..
ولكن ماذا عن الطفلة؟ من هي؟ هل تزوجت غيره وأنجبت واستقرت في حياتها ونسيته تماماً؟ وكان هو مجرد محطة عابرة تخطتها بمرور الزمن؟

أنكر تلك التساؤلات، وركز تفكيره حالياً في وضعالتصورات والتخيلات لما سيقوم به لاحقاً حينما يعثر عليها، فلن تختبيء منه للأبد…

بنظرات دقيقة ودارسة تابع خالد إيناس بإهتمام واضح..
راقب إيماءاتها، وكذلك شرودها ونظراتها الحادة، والتواءة فمها، وزفيرها المتتابع، فأثار فضوله لمعرفة لماذا كل هذا الضيق الواضح عليها..
وبخبرته التي اكتسبها لسنوات وضع اعتقاداً بوجود شيء ما بينها وبين أخيه..
فنظرات الاثنين – وإن كانت حذرة – إلا أنها تحمل الكثير..

ربما لم يخفَ عليه أنها تصغره بسنوات كثيرة، بل هي تصل إلى نصف عمره تقريباً، ومع ذلك تمتلك جاذبية فطرية، وشخصية محببة، وكذلك ذكاءاً اجتماعياً، لكنها لا تصلح لأن تكون خطيبة مثالية له، بسبب ظروفه الحالية وفارق السن بينهما..
نفض تلك الفكرة عن عقله، وابتسم لنفسه بسخرية..

واستنكر تفكيره في الإرتباط بمن رأها لمرتين فقط، وأبعد نظراته عنها ليحدق فيمن حوله بنظرات عامة وهو يرسم تلك الابتسامات المجاملة التي اعتاد عليها في هذه النوعية من المناسبات..

ترقب الجميع خروج الخطيبة المنتظرة بفارغ الصبر، وكان أكثرهم فضولاً وتلهفاً السيدة صفية ، فقد طال بقاؤها بالداخل، وهي ترغب في رؤيتها والتطلع إلى جمالها ال ( خارق ) الذي ظل مسعد يتحدث عنه لأيام…
وها هي قد حانت اللحظة حينما هدأت الموسيقى تماماً، وصدح بدلاً منها موسيقى أخرى كلاسيكية ناعمة، فالتفت الجميع نحو مدخل الغرفة مترقبين دخولها..

حل الوجوم والصدمة ونظرات التعجب والذهول على وجه كلاً من صفية وابنتها حينما رأت كلتاهما هيئتها..
كتمت والدتها شهقة مذهولة بصعوبة بالغة، وجابت بنظراتها تلك الخطيبة لتفحصها بتمعن، وهمست لنفسها بعدم تصديق:
-يا لهوي بالي يا باسل، هي دي خطيبتك؟ عيني عليك يا نضري!
تفرست إيناس في ملامحها بدقة وكأنها تضعها تحت عدسات المجهر…
انفرجت شفتاها للأسفل في عدم تصديق، وبدت كالبلهاء وهي تتطلع إليها..

كانت كما قال مسعد ذات بشرة سمراء، بل سمراء للغاية كأغلب الأفارقة، وخصلات شعرها مجعدة بصورة واضحة، ومع ذلك لم تغير في منظره، أو حتى تستخدم مثبتات الشعر أو مواد لفرده، بل تركته على وضعه المنفوش ليصدم الجميع أكثر، ويصيبهم بالحيرة والذهول، ووضعت حوله طوقاً من الورد..

ما كان مميزاً بها هو لون عينيها، فقد كانتا خضراوتين تحاوطهما أهداباً كثيفة، ووضعت على جفونها ألواناً عجيبة لتظهر لون عينيها، وأكثرت من وضع أحمر الشفاه الصارخ ليبرز فمها الممتليء..

أما فستان الخطبة فقد كان حريرياً قصيراً ضيقاً من اللون الفضي يبرز ساقين رفيعتين، وذو حملات رفيعة أظهرت كتفيها وذراعيها الدقيقين، وفتحة صدر مثلثة أوضحت مفاتها بطريقة شبه منفرة، وبالطبع إرتدت حذائاً عالياً من نفس اللون ليزيد من طولها..
تأبط باسل ذراعها بعد أن رفع كفها إلى فمه ليقبله فأصاب بفعلته تلك إيناس بالنفور والضيق..

ابتسم بتكلف وهو يصطحبها للداخل، ورفع عينيه ليختلس النظرات نحو إيناس ليرى ردة فعلها، فشعر بغصة قوية في نفسه، وبآلم رهيب يجتاح صدره..
لم يتصور أن يؤثر ما فعله على نفسه قبلها..
بل إنه استحقر نفسه لدناءته..
وعاتب نفسه بقسوة لإيلامها، فيكفيه تلك النظرات لمعرفة شعورها الداخلي..
حافظ على ثبات ابتسامته، وتحرك بها نحو الجميع، فأفسحوا له المجال. وتراجعوا للخلف..
أجلس باسل عروسه إلى جواره، ونظر لها بفتور وضيق..

فقد تعمدت تبديل فستان الخطبة بأخر غير الذي اتفقا عليه لتصدمه..
ولم يرد هو أن يحدث جدلاً في هذا الوقت الحرج، فاكتفى بالعبوس..
وقفت أمامه والدته لتحجب عنه وجه إيناس المصدوم، وهنأت ابنها وخطيبته..
تمتمت صفية بإستنكار وهي تميل برأسها ناحية زوجها:
-وهي دي محتاجة تصريح للجواز؟ يا ساتر يا رب!
-شششش، اسكتي يا صفية
همس بتلك العبارة اللواء محمد محذراً زوجته للمرة الأخيرة، فامتثلت مضطرة لأمره..

صفق الحاضرون للعروسين فيما عدا إيناس التي كانت في حالة صدمة..
كانت تتخيل أن أخيها يمازحها بشأن تلك الخطيبة السمراء، لكنه كان صادقاً في وصفه لها ولم يبالغ..
ما آلمها حقاً أنه كان يهينها بطريقة تجرح الفؤاد والروح في وقت لم تفعل له أي شيء..
لسنوات عانت من عقدته، وكافحت لكي لا يؤثر هذا على أحلامها..
ترقرقت العبرات في عينيها – دون سبب محدد – لمجرد التفكير في الأمر..

وتساءلت مع نفسها بحسرة، أتلك التي فضلها على جميع الفتيات الجميلات؟ وفي نفس الوقت كان يحط من شأنها ويحقر من مظهرها ليدمر ثقتها بنفسها؟
ألهذا الحد كان يبغضها؟ ويريد أن يراها محطمة وهي لم تفعل له أي شيء..
شعرت بالإختناق، وبصعوبة في السيطرة على انفعالاتها..
فاستدارت برأسها باحثة عن الشرفة لتهرب من ذلك الجو الكئيب الذي يخنقها أكثر، وبالفعل وجدتها، فتوجهت نحوها..

مرت الأجواء هادئة في الخطبة، وارتدى العروسين الخواتم..
مصمصت صفية شفتيها وهمست بإستهجان:
-ايه اللي رماك الرمية السودة دي يا بني؟ هو بنات البلد خلصوا عشان تجيب دي، حسرة عليها أمك، تلاقيها مفروسة من عمايلك!
نهرها زوجها عما تفعل قائلاً:
-كفاية تقطيم يا صفية، هو احنا من بقية أهله! ما يخطب ولا يتجوز اللي هو عاوزها
ردت عليه بتهكم:.

-هي دي فيها حاجة تتشاف، استغفر الله العظيم، يا رب سامحني، بس في أحسن من كده!
حذرها زوجها قائلاً بصرامة:
-مالكيش دعوة! هو حر، الله!
لم يكن باسل راضياً عن الوضع، فقد انكشف جزء كبير من ساقي خطيبته، فمال عليها ليهمس لها باللغة الانجليزية:
-من فضلك، اجلسي بحرص أكبر، وغطي جسدك المكشوف
نظرت له بضيق، وردت بصوت خفيض:
-ألا يعجبك ما ارتديه؟
رد عليها بتهكم وهو عابس الوجه:.

-إنه جيد، لكن في غرف النوم فقط، وليس أمام عائلتي وأصدقائي
نظرت له بقوة، وهتفت بصرامة:
-باسل لقد اتفقنا منذ البداية ألا تتدخل في اختياراتي!
لم يجبها واكتفى بالنظر شزراً إليها، ثم أدار وجهه للناحية الأخرى فلم يجد إيناس بين الحاضرين..
انقبض قلبه نوعاً ما، وجاب بنظراته المكان باحثاً عنها، وشعر بالإحباط لاختفائها..
اقترب خالد منه وسأله مهتماً:
-شكلك مش مبسوط يا عريس
رد عليه بفتور:
-عادي!
ابتسم قائلاً بمزاح:.

-واضح إن العروسة بدأت النكد بدري بدري
حذره باسل قائلاً بجدية وقد انعقد ما بين حاجبيه:
-خالد، أنا مش ناقص!
أشار له خالد بعينيه، وهتف بهدوء:
-طيب اهدى بلاش العصبية!
قاطع حديثهما صوت ناتالي وهي تقول بنعومة:
-باسل، سأذهب للحظة!
اكتفى بالابتسام وهو يهز رأسه ايجاباً، بينما تركه خالد وابتعد..

استغل هو فرصة نهوض ناتالي وذهابها للمرحاض لتهندم من نفسها لتستعد لالتقاط بعض الصور التذكارية لحفل الخطبة حتى يخرج للشرفة ويلتقط أنفاسه…
وضعت السيدة صفية في فمها قطعة من الجاتوه، وابتلعتها على عجالة وهي تراقب العروس عن كثب، ثم التفتت برأسها ناحية ابنها وسألته بفضول:
-قولي يا حبيبي هي نانا خطيبة صاحبك دي غنية ومعاها فلوس؟
رد عليها مسعد متساءلاً باستغراب:
-بتسألي ليه يا حاجة صفية؟
أجابته بتبرم وهي تلوك ما تبقى من طعام في فمها:
-أبوك مش مريحني ولا بيرد على أسئلتي!
لوى مسعد ثغره ليقول بصوت خافت للغاية:
-ليه حق!

سألته مستفهمة بعد أن عجزت عن سماع ما قال:
-بتقول ايه؟
ابتسم لها بثقل وهو يجيبها:
-ولا حاجة!
سألته بفضول وقد لمعت عيناها:
-طب قولي هو ايه اللي جابر باسل عليها؟
أجابها مسعد بتنهيدة منزعجة:
-عادي ياماما، واحدة شافها عجبته فقرر يخطبها!
هزت رأسها مستنكرة، وأشارت بإصبعها وهي تقول محتجة:
-لا مش مصدقة، هي أكيد سحراله يا عملاله عمل!
كز مسعد على أسنانه قائلاً بتذمر:
-بلاش الله يكرمك يا ماما جو الدجل ده.

تابعت صفية قائلة باستهجان:
-ماهو لو أخدها عشان فلوسها، يبقى يا حسرة مش هايطول حاجة، وعلى رأي المثل يا واخد القرد على ماله، يروح المال ويفضل القرد على حاله!
ضرب مسعد مقدمة رأسه بيده بعد أن ضاق ذرعاً بما تتفوه به والدته، وهتف بضيق:
-عشان خاطري، مالناش دعوة!
أكملت صفية غير مكترثة بالإنزعاج البادي على وجه ابنها:
-ماهو بالعقل كده، هي لا مال ولا جمال، يبقى خاطبها ليه؟

وضع مسعد كلتا يديه على رأسه، وتمتم بيأس جلي:
-يا دماغي! مش هنخلص النهاردة!

ولج باسل إلى الشرفة وهو يحمل في صدره ثقلاً كبيراً و هماً مزعجاً..
شعوره بعدم الرضا عما يحدث في الخطبة كان طاغياً عليه، فلم يظهر عليه تعابير الفرحة كغيره ممن يخطبون ويتزوجون بشريكة حياتهم..
تساءل مع نفسه بحيرة وهو ينفخ بإنزعاج هل تسرع فيما فعل؟ أم كان يجب عليه التريث أولاً قبل الإقدام على تلك الخطوة الهامة؟

زفر بقوة وهو يرفع يده على رأسه، ولكن قطع تساؤلاته تفاجئه برؤية إيناس بالشرفة وهي مولية إياه ظهرها، ومحدقة أمامها وكأنها في عالم أخر، فلم تشعر بوجوده..
تسمر في مكانه ليتأملها بإمعان شديد، فربما لن تتكرر تلك الفرصة يحدق بها دون مقاطعة..
التوى فمه بإبتسامة ظاهرة وهو يرى تفاصيلها..
لقد تغيرت حقاً، وصارت أنثى رشيقة القوام، جذابة..
رفع حاجبه للأعلى في اعجاب وهو يخفض بصره بتريث..

هي أصبحت أطول قليلاً، كانت أجمل مما مضى بالرغم من احتفاظها بأغلب ملامحها التي اعتاد رؤيتها عليها..
ربما لأنه رأها الآن مثلما تمنى قبل سنوات، ولأنها أصبحت أصلح لأن تكون زوجة أحدهم..
زوجة لغيره، مجرد التفكير في الأمر أشعل به نيران الغيرة والغضب..
أيقن أن مشاعره نحوها لم يبدلها الزمن رغم انكاره لها..
هو يحبها، بل متيماً بها، وأخطأ فيما فعل بنفسه..
استشعرت إيناس وجوده رغم عدم التفافها..

فعبست ملامحها أكثر، وأغمضت عينيها للحظات لتستعيد قوتها وثباتها..
فأياً كان ما سيحدث لاحقاً، لن تجعله يراها ضعيفة أو منهارة أمامه..
هو دمرها مسبقاً، فلن تسمح لها بإذلال كبريائها..
وفكرت في اغاظته قليلاً، ولما لا، هو يستحق هذا..
رسمت على ثغرها ابتسامة عريضة مصطنعة، وهتفت بنزق:
-المنظر حلو أوي من هنا يا أستاذ خالد!
أزعجه بل رفع ضغطه ذكرها لاسم أخيه، فهتف محتجاً وهو يقترب منها:
-أنا مش خالد!

التفتت ببطء، وادعت الضيق وهي ترمقه بطرف عينها:
-اوه، سوري، افتكرته إنت!
وقف باسل قرابتها، ونظر مباشرة في عينيها بتلك النظرات الحانقة..
بادلته هي نظرات قوية غير مكترثة به، وابتسمت بسخرية متعمدة الاستهزاء به..
ضغط على شفتيه بقوة محاولاً كبح نفسه من التهور، فمازال أحمر الشفاه المغري جاذباً لأنظاره ومثيراً لحنقه أكثر..
رفعت إيناس رأسها للأعلى في إباء، وسألته ببرود يحمل التهكم:.

-هو عادي تسيب عروستك القمر كده؟ مش خايف حد يقول عليكم حاجة
شعر بالسخرية من حديثها عنها، فعنفها قائلاً:
-أنا واثق فيها، فبلاش تلميحاتك دي
تجمدت تعابير وجهها، وصارت نظراتها أكثر قسوة، ثم ردت عليه بمرارة:
-وهو أنا قولت حاجة وحشة عنها لا سمح الله؟ بالعكس ده أنا بأقولك دي قمر، مالهاش زي ولا مثيل
ثم نظرت إليه بعتاب ظاهر، وتابعت بتشنج قليل:
-مش عندها شنب ودقن زي ناس، فاكر ولا نسيت؟

جرحته بكلماته السابقة عنها، فنكس رأسه متحاشياً النظر إليها..
زادت نظراتها حدة، وأكملت بقسوة أشد:
-أنا فاكرة كل كلمة قولتهالي كويس، ومانستهاش، يا ترى انت فاكرها ولا نسيت؟ ماهو اللي بيجرح حد مش شرط يكون ب آآ…
قاطعها قائلاً بندم وهو يرفع عينيه نحوها:
-إيناس أنا، أنا أسف، مكونتش أقصد وقتها، بس انتي فاهمة الظروف كانت آآ..
قاطعته بنبرة شبه منفعلة ونظراتها قد تحولت للشراسة:.

-أسف، عادي كده، صح، انت المفروض أصلاً مش تتأسف على حاجة شوفتها فيا واعتبرته عيب، بس قبل ما كنت تهين غيرك كنت فكر مليون مرة قبل ما تأذيه بكلامك!
حدق باسل فيها بندم، وعجز عن الرد عليها، فقد كانت مصيبة في كل حرف قالته..
أضافت هي قائلة باستنكار:
-إنت لما اخترت تخطب خدت واحدة الكل بيعجب على شكلها، واحدة أنا اتصدمت من اختيارك ليها!
ردد غير مصدق وهو يرفع حاجبيه للأعلى:
-اتصدمتي!
أومأت برأسها وهي تجيبه بقوة:.

-ايوه اتصدمت، لأني توقعت بعد اهانتك ليا، وكلامك المذل إنك هتاخد ملكة جمال مش واحدة زيها!
رد عليها محاولاً تبرير موقفه:
-إيناس انتي مش فاهمة حاجة وكنتي صغيرة وكلامي ليكي كان عشان مصلحتك!
رفعت كفها أمام وجهه لتجبره على الصمت، وصاحت بغلظة:.

-بس، عندك، مش محتاجة مبررات، إنت كلامك خلاني أعيد حساباتي من أول وجديد، وأعرف قيمة نفسي كويس، مش بالشكل ولا بالمظهر ولا بالتفاهات اللي الرجالة بتفكر فيها، الواحدة تقدر تعمل من نفسها حاجة، وتبقى متميزة وليها مركز بمجهودها مش بجسمها ولا شكلها!
ثم تراجعت خطوة للخلف، وأمسكت بجانبي فستانها لتفرده أمامه، وتغنجت قليلاً بجسدها لتظهر حسنها، وهتفت بمرارة:.

-وأظن أنا قدامك أهوو، بقيت أحلى وأجمل، وبكرة هايجيلي اللي هايعرف قيمتي كويس، ويحبني عشان أنا إيناس مش عشان شكلي ولا منظري!
لم تدرِ أنها بحركاتها العصبية والعفوية تلك قد أججت من شعوره نحوها، وزادت رغبته فيها..
هي أهلكت أعصابه التي يحاول التحكم بها بكل قوة..
هي لا تعلم ما الذي يفعله وجودها به..
هي تعذبه بشراسة بجحيمها الأنثوي غير مدركة لخطورة الأمر معه..

أرخت أصابعها عن فستانها، ثم عقدت ساعديها أمام صدرها، ونظرت له بنفور قبل أن تدير رأسه للجانب لتتجاهله عمداً لعله يشعر بعدم تقبلها له فيرحل مبتعداً..
نظر لها مطولاً ممتعاً عينيه بها، وابتسم بتسلية وهو يرى ذلك القرط المتدلي من أذنها..
لم يلاحظ من قبل أنها كانت ترتدي الأقراط، ربما لأنها أصبحت محور اهتمامه بعد ذلك الحرمان الإجباري، فباتت كل تفاصيلها الصغيرة مهمة بالنسبة له..
سألها عفوياً وهو يتفرس فيها:.

-من امتى بتلبسي حلقان؟
صدمت من سؤاله العجيب، وحلت ذراعيها، ونظرت في اتجاهه بإندهاش، ورددت:
-نعم؟!
تابع قائلاً بمكر:
-أصل الحلق اللي حطاه في ودانك حلو
تحسست أذنها تلقائياً، وردت عليه بحدة بعد أن ضاقت عيناها:
-والله أنا بألبسهم من يوم ما ربنا خلقني بنت، بس في ناس عامية مش بتشوف ولا بتحس!
ثم أخفضت نبرة صوتها لتضيف بتهكم:
-مش بيعجبهم إلا الدرة ( ثمرة الذرة ) المحروقة وبس!
رد عليها بهدوء حذر:.

-ناتالي مش درة على فكرة
هتفت معترضة على ما قاله وهي تضع يدها على منتصف خصرها:
-ومين قالك إني بأتكلم عليها؟
اقترب بخطوات حذرة منها، وسألها بخبث:
-يعني انتي مش قاصدها؟

توترت من اقترابه الملحوظ منها، وأرخت يدها عن خصرها، وابتلعت ريقها بعدم ارتياح، خاصة أنها قد رأت في نظراته شيئاً غريباً، وميضاً مختلفاً يربكها، ويسرع من نبضات قلبها، وخشيت أن يلكمها في وجهها مثلما فعل في الماضي، ولكنها استعادت سريعاً سيطرتها على نفسها، فلما التوتر والخوف منه، فهو لن يتجرأ على فعل أي شيء أحمق هنا..
وهي بالطبع لن تصمت إن فكر في إذائها..

لذلك وبكل ثقة جمدت تعابير وجهها، وأصبحت أكثر صرامة أمامه، وهتفت بجدية وهي تشير بكفها محذرة:
-أبيه باسل، روح لعروستك أحسنلك ومافيش داعي آآ…
باغتها بإمساكه برسغها بقبضة يده، فتوقفت عن الحديث مصدومة من فعلته، وشهقت بتوتر خائف، بينما شدد هو من أصابعه عليها، وحذرها بهمس خطير وهو ينظر لها بتمعن واضح:
-مش هاتبطلي كلمة أبيه دي!

حاولت التملص بكفها محاولة تحريره، وشعرت بقوته على رسغها، وتلعثمت وهي تحاول الرد عليه بشجاعة زائفة:
-هاه، آآ، أنا
اقترب برأسه منها، فتقلصت المسافات بينهما، وتابع بصوت خافت ذو مغزى:
-هايجي يوم هاخليكي فيه تحرمي تقولي كلمة ( أبيه ) دي تاني!
حدقت فيه بنظرات شبه خائفة وهي مشدوهة مما قاله..
بينما بادلها هو نظرات عميقة، وحدث نفسه بنبرة عازمة:
-بس الأول أصلح الغلط اللي عملته فيكي وفي نفسي…!

في منزل باسل سليم،
أرخى باسل قبضته عن رسغ إيناس بعد أن رمقها بنظرات واثقة، بينما بادلته هي بنظرات بغيضة كارهة إياه..
ابتسم لها مغتراً، ثم أولاها ظهره، وتحرك مبتعداً عنها تاركاً إياها بمفردها في الشرفة..
نظرت له بحنق، وتمتمت مع نفسها بغيظ:
-عمري ما كرهت حد في حياتي أدك!
ركلت الأرضية الصلبة بكعب حذائها، فآلمها قليلاً، فثنيت ساقها لتفرك كعبها قليلاً، وتابعت حديث نفسها بكلمات مبهمة..

عاد باسل إلى خطيبته التي كانت تجلس بخيلاء، فنظر لها بغرابة..
أزيلت الغشاوة عن عينيه بالفعل، ورأى الحقيقة واضحة أمامه.
هو لم يحبها يوماً، ولم تكن لديه أي مشاعر صادقة نحوها..
هو انبهر فقط بشخصيتها، وانجذب إليها نوعاً ما، وبعناده أراد أن يتخلص قسراً من حبه الحقيقي ويعوضه بحب زائف..
كانت ناتالي كمن يراها لأول مرة..
تفرس فيها بنظرات مطولة غير مصدق اندفاعه وتهوره الأعمى..

هي تختلف كلياً عنه في الطبائع وفي الصفات وقبلها في الثقافة والأخلاق..
ويوماً ما كان سيحكم على ارتباطهما بالفشل الذريع..
لم يرد أن يفسد الأجواء الآن، وقرر أن ينهي الخطبة خلال الأيام اللاحقة ليتجنب القيل والقال..

جلس هو إلى جوارها، ورسم ابتسامة متكلفة على ثغره، واستدار ببطء برأسه ليحدق أمامه، وبحث بعينيه عن حبيبته التي خفق لأجلها فؤاده، فرأها تخرج من الشرفة وعلى وجهها نذير غضب، فابتسم عفوياً ليزيد من غيظها أكثر..
نادت صفية على ابنتها قائلة وهي تشير بيدها نحو طاولة الطعام:
-نوسة، تعالي يا حبيبتي، كلي حتة جاتوه ولا آآ…
قاطعتها إيناس قائلة بضيق:
-مش عاوزة حاجة!

تعجبت والدتها من حالة العبوس الظاهرة عليها، واستنكرت رفضها قائلة:
-ليه بس؟ والله ده الجاتوه كويس ومن محل نضيف
ضيقت إيناس عينيها، وهمست بحنق وهي تكز على أسنانها:
-ماما!
رمقتها والدتها بنظرات ساخطة، ومصمصت شفتيها هامسة باستهجان:
-يا ساتر يا رب على بوزك ده!
نفخت إيناس بغل وهي تقول:
-زهقت!
ردت عليها والدتها بإمتعاض:
-خلاص شوية وهنمشي!

التفتت إيناس برأسها نحو الأريكة الجالس عليها باسل وخطيبته، ورمقت الاثنين بنظرات قوية، ثم أبعدت عينيها عنهما، وأردفت قائلة بتبرم:
-مش هو صاحب مسعد احنا مالنا نيجي معاه، مكانش ليها لازمة والله!
ردت عليها والدتها معترضة عليها:
-كتر خيره الشاب عزمنا على خطوبته، صحيح أنا مش عاجبني الحال، بس كتر خيره افتكرنا وعمل معانا الأصول
لوت إيناس ثغرها لتقول بتهكم صريح:
-لا فيه الخير!

انضم إليهما اللواء محمد ليقول بجدية:
-تعالوا نسلم على العرسان قبل ما نمشي!
ثم تلفت حوله ليبحث عن ابنه وهو يتساءل:
-أومال مسعد فين؟
رأه يقف في أحد الزوايا، فأشار له بعينيه، فامتثل الأخير له، وحضر إليه، ثم قال له:
-عاوزين نسلم على صاحبك ونباركله ونتوكل على الله ونمشي
رد عليه مسعد بهدوء:
-ماشي يا بابا!

اعترضت السيدة صفية على اصرارهما على الرحيل في هذا الوقت خاصة أنها لم تشبع فضولها بعد من تلك الخطيبة العجيبة، فهتفت محتجة:
-الله! هو انت هتمشي الوقتي يا مسعد؟ مش تقعد حبة كمان؟!
رد عليها مسعد بفتور:
-كفاية كده يا ماما، احنا يعني هانعملهم ايه!
أصرت قائلة بتجهم ظاهر في تعابير وجهها:
-يا بني ده احنا ملحقناش نقعد ونعمل الواجب
استنكرت إيناس ما تفعله والدتها، فهمست بإحتقان:.

-هو انتي يا ماما من أصحاب الفرح واحنا منعرفش، يالا بقى أنا زهقت واتخنقت!
زفرت صفية باستياء بعد أن أصر الجميع على موقفهم بالرحيل، وردت بإمتعاض:
-ماشي
ثم توجهوا جميعاً ناحية العروسين لتهنئتهما..
كانت ناتالي ممسكة بكأس المشروب البارد في يدها، وابتسمت برقة وهي تتلقى المباركات من الجميع..

وقفت صفية أمامها، وتأملتها بنظرات شبه مستنكرة، خاصة أنها كانت ترى تفاصيلها بوضوح، وتعجبت من موافقة شاب حسن الطلعة وذو مركز هام – كباسل – على الارتباط بتلك الفتاة..
مدت يدها لتصافحها، ثم انحنت بحذر للأمام لتقبلها من وجنتيها كعادة السيدات المصريات، فبدت ناتالي منزعجة من تصرفها هذا، ونظرت إلى باسل بغرابة، فأوضح لها قائلاً:
-هذه من العادات المصرية لدينا، تهنئة العروس بالقبلات الحارة!

أمسكت صفية بكف باسل وقربته إليها، وهمست له بعتاب:
-ايه يا بني اللي وقعك الوقعة السودة دي؟
التوى ثغره بابتسامة خفيفة وهو يرد بخفوت:
-معلش بقى يا طنط
ردت عليه بإنكار:
-هي دي فيها معلش، دي مافهاش حاجة يا باسل، أنا عارفة الست أمك رضت بيها ازاي، لا حول ولا قوة إلا بالله، أكيد ذنب وبيخلص منك!
اكتفى بالابتسام لها ولم يعقب، ولكنها كانت مصيبة في أنه أخطأ في اختياره..

تحركت بعدها السيدة صفية للجانب لتفسح المجال لابنها لتهنئة رفيقه، وعلى عكس والدته لم يصافح العروس وابتسم مجاملاً وهو يقول:
-مبروك يا عروسة وربنا يتمم بخير
تمتمت صفية مع نفسها بسخرية:
-ودي هاتفهمك يا بني، دي بتكلم بالضالين!
ثم سار مبتعداً ولحق به أبيه ليقوم بدوره في تقديم المباركات..
كانت إيناس تتقدم بخطوات بطيئة، ولا يخفى على وجهها علامات النفور والإشمئزاز..

هي تبغض الموقف برمته، فكيف تبارك لمن أهانها، وقرر الارتباط بمن هي أسوأ ليشعرها دوماً بالنقص..
ومع ذلك لم تتخلَ عن أداء واجبها المزعوم، واقتربت من ناتالي لتهنئها، ولكن تعبت الأخيرة من كثرة الوقوف والنهوض، فأثرت الجلوس وهي تتلقى المباركات من البقية..

ولسوء حظ إيناس كان ذلك دورها، ولذلك اضطرت للانحناء بجسدها للأمام نحوها لتقبلها، فأصبح الفستان ملاصقاً اكثر لانحناءات جسدها وموضحاً لتفاصيله بصورة لافتة..
وكان باسل هو الأقرب بأنظاره لرؤيتها، فبدا عليه الضيق، وزفر بصوت شبه مسموع وكأنه محتج على ذلك التصرف..
حرك لا إرادياً قدمه ليدوس على ذيل فستانها دون أن يشعر، وغمغم بخفوت:
-استغفر الله العظيم!

اعتدلت إيناس في وقفتها، وأردفت قائلة لها باللغة الانجليزية وهي تدعي الابتسام:
-أتمنى السعادة لكِ، فأنتما تليقان ببعضكما البعض
ردت عليها ناتالي بإيجاز:
-أشكرك
ثم التفتت برأسها نحو باسل، ونظرت له بعدم اكتراث وتجهمت أكثر وهي تردد على مضض:
-مبروك
رد عليها بإقتضاب وهو ينظر لها بحدة:
-شكراً
نظرت له شزراً وهمست بغل:
-إن شاء الله تطلعه عليك حي ني!

اشتعلت نظراته حينما التقطت أذنيه ما قالته بصوتها الخفيض، وضغط على فمه بقوة لكي لا ينفعل..
ثم عاود الجلوس وهو ينفخ بضيق..
أبعدت ناتالي كأس المشروب للجانب لتتفادى الارتطام به بأي أحد خاصة وأنه مازال ممتلئاً لأكثر من نصفه، ولكن ما لم تضعه في الحسبان هو تعرقل إيناس وهي تحاول التحرك مبتعدة عنهما، فصرخت مصدومة و جسدها يترنح..

حدث الأمر كله في لمح البصر، حيث حاولت الإمساك سريعاً بذراع ناتالي لكي تحافظ على اتزانها، ولكن الأخيرة أبعدت ذراعها بعنف، وحركت الأخر نحوها ليتناثر المشروب الملون على فستانها، فشهقت إيناس بهلع، وفقدت توازنها، وسقطت على حجر باسل الذي حاوطها بذراعيه ليمنع وقوعها على الأرضية..
ورغم تفاجئه بما صار معها ووجودها في أحضانه إلا أن روحه كانت تقفز طرباً من فرط السعادة، فقد حظى بشيء لم يتخيل حدوثه مطلقاً..

التوى ثغره بإبتسامة واضحة، ونظر لها بعمق بنظرات والهة تفضحه..
تهدجت أنفاس إيناس من قمة الإحراج واعتبرت الأمر إهانة إليها، وحدقت فيه بضيق شديد خاصة حينما رأت ابتسامته الظاهرة للكل، وعندما حاولت النهوض رأت قدمه موضوعة على فستانها، فظنت أنه تعمد فعل هذا ليسيء إليها أكثر ويحرجها أمام الجميع ليحط من شأنها..
هبت ناتالي واقفة من مكانها، وهتفت معتذرة:
-أوه سوري!

أسرع مسعد بالتدخل، وساعد أخته على الوقوف وتساءل بإنزعاج:
-ايه اللي حصل؟ مش تاخدي بالك!
شهقت إيناس بهلع حينما رأت تلك البقع تلطخ فستانها، وصرخت مصدومة:
-فستاني باظ!
رد عليها مسعد بعدم مبالاة:
-حصل خير يا بنتي
تدخل خالد هو الأخر في الموقف، وتشدق قائلاً بهدوء:
-اهدي، ده أمر طبيعي، ممكن يحصل في أي مكان، مافيش داعي للعصبية!
استدارت إيناس برأسها نحو باسل، ورمقته بأعين كالجمرات في لهيبها، وصاحت فيه:.

-هو السبب، هو اللي قاصد يعمل كده فيا
تعجب مسعد مما قالته، وسألها باستغراب:
-ليه يعني؟
رد عليها باسل بعصبية قليلة وهو يرمقها بنظرات غاضبة:
-وأنا هاعمل كده ليه؟ بيني وبينك تار مثلاً؟! والله ما شوفته أصلاً، وده حصل غصب عني!
حضرت صفية لترى المشهد، ولطمت على صدرها مذهولة حينما رأت ما صار بفستان ابنتها، وهتفت قائلة بتحسر:
-ياني، دي عين سودة وصابتك يا حبيبتي!
أضاف خالد قائلاً بنبرة دبلوماسية ملطفاً الأجواء:.

-يا جماعة حصل خير، اتفضلي يا آنسة إيناس في الحمام نضفي فستانك!
بينما أكمل مسعد قائلاً بتنهيدة شبه مرهقة:
-خلاص يا نوسة ماتعملهاش قضية! كبري مخك! عادي بقى!
صاحت هي مغتاظة وهي تمسك بفستانها مشيرة إلى ما به من بقع متسخة:
-يعني عاجبكم أنزل كده قصاد الناس ويتريقوا عليا؟!
ردت عليها والدتها محاولة تهدئتها:
-محدش يستجري يعمل كده
بينما أضاف مسعد بعدم مبالاة:.

-كده كده انتي هتركبي العربية ومحدش أصلاً هايشوفك بالليل، فعديها!
اغتاظت من تلك الردود المواسية والغير مكترثة بها، وصاحت بإصرار وهي متشنجة الوجه:
-أبداً والله!
تنحنحت ناتالي في خجل، فهي كانت بطريقة أو بأخرى المتسببة في إفساد فستانها، وأردفت قائلة بأسف باللغة الانجليزية:
-أعتذر منكِ، لم أقصد فعل هذا!
ردت عليها إيناس محتجة:
-مش انتي السبب!
ثم أشارت بسبابتها نحو باسل وتابعت بحنق جلي:
-هو ده اللي عمل فيا كده!

صاح باسل معترضاً على اتهامها الصريح:
-برضوه هاتقول أنا!
لكزها مسعد بخفة في كتفها لتتوقف عن عصبيتها الغير مبررة، وأمرها بهدوء جاد:
-عدي ليلتك يا نوسة، خلاص بقى!
التفتت برأسها نحوه، وردت عليه بإنفعال:
-يا مسعد إنت مش شايف البهدلة اللي أنا فيها!
لوت صفية ثغرها للجانبين، وهمست بأسف وتحسر:
-حسرة على الفستان الغالي اللي راح بلاش!
حاول مسعد التهوين عن أخته قليلاً، فهتف بمزاح وهو يبتسم:.

-يا بنتي دلق العصير خير! صدقيني!
لم تجد إيناس مفراً من عدم اهتمام الجميع بها، فضغطت على شفتيها بإستياء كبير، وزفرت بغضب وهي تقول بعصبية:
-أوف، أنا ماشية، بجد حاجة تخنق والله!
ثم أخفضت نبرة صوتها لتقول بتشنج:
-يعمل المصيبة ويقول مش أنا!
تساءلت صفية مع نفسها باستغراب وهي تتابع تصرفات ابنتها المنفعلة:
-بتبرطم تقول ايه البت دي؟
رد عليها مسعد بعدم اهتمام:
-مش سامع!

تابعها باسل بنظراته حتى انصرفت من أمامه، وهمس لنفسه متوعداً:
-ماشي يا إيناس، اغلطي براحتك!
قطع تحديقه بها صوت ناتالي وهي تقول:
-أوه باسل، الأمر حدث فجأة وأنا آآ…
قاطعها قائلاً بجمود بعد أن حدجها بنظرات قوية:
-لا عليكِ ناتالي، تجاهلي المسألة برمتها!
هزت رأسها بحرج وهي تقول بإيجاز:
-أوكي..!
عاود النظر إلى أثر طيفها بعد أن رحلت، وحدث نفسه بضيق:
-ليكي وقتك يا إيناس معايا!

-يالا يا ماما عشان نلحق نوسة بدل ما ترتكب جناية مع أي حد
هتف بها مسعد ساخراً وهو يدفع والدته للأمام لتضيف هي موافقة إياه في الرأي:
-على رأيك، مجنونة وتعملها!

لاحقاً في سيارة مسعد،
لم تتوقف إيناس عن الشكوى أو التذمر بسبب ما حدث معها، واتهمت باسل صراحة بأنه يقف وراء إذلالها فتعجب الجميع مما تقول..
اعترضت والدتها قائلة:
-فداكي يا نوسة، والله ده باسل غلبان وواقع في نصيبة ربنا يعينه عليها
أردف والدها قائلاً بهدوء:
-يا بنتي انتي ممكن تتعرضي للموقف ده في أي مكان، فمتشغليش بالك، المهم إنك بخير وكويسة
أضاف مسعد مستخفاً بعصبيتها المبالغة:.

-والله لو عملتوا ايه، برضوه نوسة مش هاتقتنع، دي أختي وأنا عارفها! هاتفكر إن كل جاي عليها، وتعيش في جو المحن والنكد!
لم تقتنع بالمبررات التي قالوها، وهتفت محتجة بغضب:
-والله كان قاصد! هو عاوز يهزأني قصاد الناس!
ردت عليها والدتها متساءلة بإستفهام:
-طب ليه هايعمل كده، هاه؟

نظرت لها إيناس بحدة، ولم تستطع اجابتها، ولكنها كانت تحترق من الداخل، فهي متأكدة من استمراره في استخدام أسلوب التقليل من الشأن والحط من قدرها ليستمتع برؤيتها محطمة..
أضافت صفية قائلة بحزن قليل:
-ده الشاب كله ذوق واخلاق ومحترم، لأجل البخت المنيل اللي وقعه مع البت دي! ربنا يعدلهاله بقى، هانقول ايه أدي الله وأدي حكمته!
صرت إيناس على أسنانها قائلة بصوت محتقن:
-بتدافعوا عنه كمان؟

مل مسعد من حديث أخته، فما يشغل باله حالياً أهم بكثير من ذلك الموقف الغير مقصود، لذلك هتف بضجر:
-كبري بقى، في حاجات أهم من حتة فستان باظ من شوية عصير!
استطرد والده الحديث قائلاً بجدية:
-اعقلي يا ايناس وشيلي التوافه دي من دماغك!
ابتلعت هي غصة مريرة في حلقها، وتوقفت مجبرة عن الشكوى، وأرغمت نفسها على كتم غيظها بداخلها، فلا أحد يستطيع تقدير ما عانته وما تعانيه، وحدثت نفسها بإحتقان:.

-محدش فيكو حاسس باللي فيا، فهتفهومني إزاي؟
أدارت رأسها في اتجاه النافذة، وحدقت في الطريق بنظرات شاردة وتابعت بإحباط جلي:
-انتو مش عارفينوه زيي، هو أسوأ بني آدم ممكن تتخيلوه…!
(( لا تشكي لأحد جرحاً أنت صاحبه، فالجرح لا يؤلم إلا منه به آلم ))
ظلت إيناس تردد تلك العبارة في عقلها طوال طريق العودة إلى المنزل
كبحت عبراتها بصعوبة، فهي الوحيدة التي تُهان ويُستخف بها، بل ما يكمدها حقاً هو دفاع عائلتها المستميت عن باسل وكأنه ملاك منزه عن الخطأ..
زادت جرعات بغضها له، وأصبح بجدارة عضواً دائماً في قائمتها السوداء للمنبوذين من حياتها..

لم تصغِ هي لأيٍ من الأحاديث الجانبية لأفراد أسرتها، وأثرت الصمت وأبعدت أعينها عنهم…
بعد برهة أوصلهم مسعد إلى المنزل، فترجلت إيناس أولاً من السيارة وركضت مسرعة نحو مدخل البناية وهي ترفع فستانها عن الأرضية محاولة الإختباء قبل أن يراها أحد الجيران فيسخر منها..
لحق بها أبويها بخطوات متريثة ومتباطئة نوعاً ما، وبالطبع لم تتوقف صفية عن الحديث عن ناتالي واختيار باسل الغير موفق لها.

ولجت إيناس إلى داخل المرحاض، وأوصدت الباب خلفها، وأجهشت بالبكاء الحار وهي تنظر إلى انعكاس هيئتها المزرية في المرآة..
لم تتحمل منظر الفستان المشوه، فانفعلت بغضب، وأمسكت به من أطرافه، ثم شقته بعصبية واضحة وهي تصيح بتشنج:
-مش عاوزاه خلاص، مش عاوزاه!
تمزقت أطراف الفستان إلى أجزاء صغيرة، ودهستها إيناس بقدمها بعصبية، ثم فتحت الصنبور، وأغرقت وجهها بالمياه لتزيل أثار تلك الليلة عن وجهها..

فيكفيها التطلع إلى علامات العبوس والتجهم لترى حجم المآساة التي عاشتها..
توقفت عن التشنج والنحيب، ورفعت رأسها للأعلى في شموخ، وحدثت نفسها بكبرياء:
-اوعي تتهزي يا إيناس، ماتسمحيش لواحد زيه أو غيره إنه يقهرك ويخليكي تفقدي ثقتك بنفسك، انتي أحسن منه مليون مرة!
أخذت هي نفساً عميقاً، وزفرته على مهل، ثم خرجت من المرحاض تاركة بقايا فستانها ملاقاة على أرضيته المبتلة..

نظرت صفية إلى ابنتها بإندهاش وهي تتحرك نحو غرفتها، وهمست بتعجب:
-البت دي مجنونة! والله ما تصرفات ناس عاقلة أبداً، ربنا يهدي!

ذرع مسعد غرفته جيئة وإياباً وهو يفكر بحيرة في إيجاد الحجة التي يستخدمها – دون أن يثير الشكوك – في البحث عن سابين، فهو لا يريد أن يلفت الأنظار إليه..
كذلك لم يعرف أي شخص بشعوره العميق نحوها عدا باسل الذي اعترف له بما يكنه في فؤاده من مشاعر صادقة..

فكر في الإستعانة به لمساعدته وإخباره بما رأه اليوم، ولكنه تراجع عن تلك الفكرة سريعاً بسبب انشغال الأخير بخطبته، وبالتالي لن يكون متفرغاً له ولمسعاه الجدي، وربما سيسخر منه ويثبط من عزيمته..
لذلك ليس أمامه أي بديل سوى اللجوء لمن تجدي نفعاً في الأزمات الصعبة، أخته إيناس
همس لنفسه بنفاذ صبر:
-مافيش إلا هي، صحيح ليها دقات نقص كتير، بس وقت الجد بتبقى جدعة وبتسد!

وبالفعل عقد مسعد النية على مفاتحة أخته باكراً في خطته الجدية…

في منزل باسل سليم،
تمدد باسل على فراشه عاقداً كفيه خلف رأسه ومحدقاً في سقفية الغرفة بنظرات والهة..
كان كمن يرى انعكاساً حياً لطيف إيناس عليه، فالتوت شفتيه بإبتسامة عذبة..
تنهد بعمق وهو يتذكر سقوطها في أحضانه، كانت من أسعد الذكريات التي حفرت في عقله للأبد..
أرخى ذراعيه، ورفع كفيه أمام وجهه ليتذكر ملمسهما عليها، وأردف قائلاً لنفسه بهيام:.

-لو تعرفي يا إيناس بأحبك أد ايه! ازاي أنا فكرت أنساكي بالسهولة دي!
توقف هو عن حديثه حينما اقتحم أخيه الأكبر خالد غرفته فقطع خلوته، وعبس بوجهه، ثم اعتدل في جلسته، ونظر له بضيق قليل، وعاتبه قائلاً:
-مش تخبط قبل ما تدخل
رد عليه خالد بهدوء:
-ده أنا إيدي وجعتني من كتر الخبط بس الظاهر إنك مش هنا أصلاً
ثم غمز له وهو يضيف بمكر:
-اللي واخد عقلك!
امتعض وجه باسل بدرجة واضحة، وسأله بضيق:.

-خش في الموضوع على طول يا خالد، عاوز ايه؟
رفع الأخير حاجبه للأعلى في اعجاب وهو يجيبه بتريث:
-حقيقي بيعجبني فيك إنك لماح!
سأله باسل مجدداً بنفاذ صبر:
-جاي السعادي تكلمني في ايه؟
جلس خالد على طرف الفراش، وابتسم له بتهذيب وهو يرد قائلاً:
-ايه حكايتك مع إيناس؟
ارتبك باسل من سؤاله المباغت والصادم، واكتسى وجهه بعلامات شاحبة، وبدى كالطالب المخطيء وهو يحاول الحفاظ على ثباته الانفعالي..
تابع خالد متساءلاً بحذر:.

-متنكرش إن في حاجة بينكم، أو على الأقل من ناحيتك انت، صح ولا أنا غلطان؟
ازدرد باسل ريقه، ورد عليه بتوتر قليل وهو يتحاشى النظر مباشرة في عينيه:
-ايه اللي خلاك تقول كده؟ أنا آآ…
قاطعه خالد بجدية دون أن تطرف عيناه:
-باسل أنا مش صغير قدامك، ولا معنديش خبرة، أنا بأفهم في الناس كويس، واللي شوفته النهاردة وحصل قدامي يأكدلي إن في حاجة، والحاجة دي من زمان أوي مش وليدة النهاردة!

ابتلع باسل ريقه، وحك بإصبعيه جبينه، وبحث عن كلمات مناسبة ليرد على أخيه الذي فضح أمره ببساطة..
أكمل خالد قائلاً بابتسامة واثقة بعد أن تأكد من ظنونه:
-طب لما انت عاوزها روحت خطبت غيرها ليه؟
هز باسل كتفيه وهو يجيبه بخفوت:
-مش عارف
وضع خالد يده على طرف ذقنه، وفركه قليلاً، ثم تساءل بإهتمام:
-طيب، وناوي على ايه مع ناتالي؟
أجابه باسل بتنهيدة مطولة:
-أنا مش عاوز أظلمها معايا، أنا اتسرعت في ارتباطي بيها، وآآ…

قاطعه خالد بجدية قبل أن يكمل حديثه للنهاية:
-يبقى مافيش أحسن من المواجهة المباشرة!
قطب باسل جبينه، ونظر إليه بثبات، ثم سأله مستفهماً:
-قصدك ايه؟
رد عليه خالد بنبرة متعقلة:
-يعني بلاش تخترع حجج وأعذار، صارحها إنك بتحب واحدة تانية وكنت مفكر إنك لما ترتبط بغيرها هتنساها!
وضع باسل يده على رأسه، ومررها عليها عدة مرات وهو يفكر ملياً فيما قاله أخيه، ثم تساءل بقلق:
-وتفتكر ناتالي هتتقبل ده بسهولة؟!

أجابه خالد برد دبلوماسي اعتاد عليه:
-والله لو عقلها متفتح وزي ما أنا شايف مش هايفرق معاها وجودك، لأن هي من النوع العملي، والمشاعر ممكن تكون درجة تانية عندها فهاتكون ردة فعلها طبيعية ومتفهمة!
حرك باسل كتفيه في عدم مبالاة وهو يردد:
-احتمال!
تابع خالد حديثه الجدي قائلاً:
-المهم انت متحطش نفسك في دوامة، خَلَص مع ناتالي!
أومأ باسل برأسه موافقاً إياه، فأكمل خالد بمرح متعمداً الضغط على كلماته:.

-وبعدها ظبط أمورك مع إيناس يا ( أبيه ) باسل
تشنجت تعابير وجهه عقب عبارته، وحذره بضيق:
-بلاش الكلمة دي لأحسن بتعصبني!
ابتسم خالد وهو يدافع عما قاله:
-بتقولي أنا ليه؟ روح قولها للي كبرتك يا، آآ، يا أبيه!
هتف باسل بتبرم بائن وهو يعقد ما بين حاجبيه بشدة:
-تاني!

تعالت قهقهات خالد عالياً وهو ينظر إلى وجه أخيه المتشنج، ثم نهض من جواره، وضرب كفاً على الأخر، وأخذ يردد عبارات مبهمة، وتحرك إلى خارج الغرفة وهو متعجب من تأثير الحب على عاشقيه..
شعر باسل بالإرتياح نوعاً ما لأنه لم يعد بحاجة إلى إخفاء مشاعره الحقيقة تجاه حبيبة فؤاده، فقط عليه أن يضع الأمور في نصابها الصحيح ليحقق أحلامه، وسيبدأ من الغد في هذا مع خطيبته ( السابقة ) ناتالي..

على غير عادته في أيام عطلته، قرر مسعد الاستيقاظ مبكراً للحاق بأخته إيناس قبل أن تذهب إلى كليتها للحديث معها على انفراد وبعيداً عن أجواء المنزل..
تعجبت هي من إصراره على إيصالها بنفسه ولكنها فرحت بذلك لإراحتها من عناء زحام السير وانتظار سيارات الأجرة..
تحرك مسعد بالسيارة ببطء ملحوظ، فسألته إيناس مندهشة:
-السكة فاضية قدامك يا مسعد، دوس بنزين شوية، أنا مش عاوزة أتأخر على محاضراتي!

رد عليها بإرتباك قليل وهو يوزع نظراته بينها وبين الطريق:
-ماشي، بس أنا كنت عاوز الأول أحكي معاكي شوية!
سألته بإمتعاض وهي تشير بكف يدها:
-وانت ماينفعش تحكي وانت مسرع حبتين كده؟!
ابتسم وهو يجيبها:
-لأ ينفع، بس عاوزك تكوني مركزة في اللي هاقوله يا نانوسة عين أخوكي!
ضيقت إيناس عينيها، واستدارت للجانب بجسدها لترمقه بنظرات متفحصة، وهتفت بجدية:
-طالما قولت كده يبقى في إن، ها يا مسعد خير.

غمز لها قائلاً بمرح مصطنع:
-ده انتي أختي وبأدلعك!
صاحت فيه بنبرة شبه آمرة وقد زاد وجهها تجهماً:
-خش في الموضوع دوغري!
رد عليها بغموض وهو يبتلع ريقه:
-سابين
تهدل كتفيها بفتور وقد عرفت السبب، ورددت قائلة على مضض:
-اشمعنى؟!
هتف مسعد قائلاً بإستنكار:
-احنا هانخش لبعض قافية؟!
نفخت وهي تسأله بنفاذ صبر:
-مالها يعني؟
صمت للحظة قبل أن يجيبها بهدوء:
-أنا شوفتها امبارح!
التوى فمها بتهكم وهي تقول:.

-ده الكلام ده كان في المنام ولا ايه؟
انزعج من أسلوبها الغير مهتم والساخر، وأردف قائلاً بحدة:
-لأ، في الحقيقة يا إيناس، وأنا بأركن العربية!
أبعدت إيناس خصلة شعرها المتناثرة على جبينها بفعل الهواء للخلف، وردت عليه بنبرة دبلوماسية بعد أن لاحظت ضيقه:
-مسعد ممكن تكون أوهام ومش هيا اللي انت شوفتها، يعني جايز تكون واحدة شبهها!
رد عليها بإصرار وقد برزت عروقه:
-لأ أنا متأكد إنها هي!
سألته مندهشة من تمسكه برأيه:.

-وايه اللي خلاك متأكد من ده؟!
أجابها دون تردد بضجر:
-لأنها هربت أول ما شافتني!
عقدت إيناس ما بين حاجبيها في استغراب، ونظرت له بإهتمام وهي تسأله:
-هربت؟ طب ليه؟
أطلق زفيراً عميقاً وهو يجيبها بإحباط:
-مش عارف
مطت إيناس فمها للأمام، وردت عليه معللة:
-يعني بالعقل كده يا مسعد سابين رجعت من برا وعايشة هنا في القاهرة عادي كده، ومن غير ما تعرفك بده؟

ضغط مسعد على المقود بقبضتيه، وحاول الحفاظ على ثباته الانفعالي وهو يجيبها بهدوء:
-ما أنا مش فاهم ايه اللي حصل معاها، والغريبة إني شوفت معاها بنتها!
شهقت إيناس مصدومة عقب جملته الأخيرة، وسألته بعدم تصديق:
-ايه ده! هي اتجوزت؟
عبس وجهه بوضوح وهو يجيبها:
-باين كده
اعتدلت في جلستها، وحدقت أمامها غير مصدقة ما سمعته تواً، ثم حاولت استيعاب الموقف برمته، فرددت بلا وعي:.

-أوبا، يعني عاشت حياتها عادي واتجوزت وخلفت كمان، وانت يا عيني كنت آآ…
قاطعها قائلاً بضيق بائن:
-بصي مش هاخمن حاجة دلوقتي، أنا محتاج بس أوصلها وأفهم منها كل حاجة!
وضعت يدها على حجرها، والتفت إليه وهي تسأله بسخرية:
-طيب وهتوصلها ازاي، ده انت عامل زي اللي بيدور على إبرة في كوم قش!
ابتسم لها بتصنع وهو يجيبها:
-ماهو البركة في ربنا، وبعدين فيكي!
ضاقت نظراتها وأصبحت أكثر حدة، وسألته بغموض:
-قصدك ايه؟

أجابها مسعد بتريث:
-بصي أنا لحقت أقرى أرقام العربية والحروف، صحيح مش كلها بس ده اللي لقطته وقتها
عقدت ساعديها أمام صدرها، واكفهرت تعابير وجهها بإنزعاج وهي تسأله:
-أها، والمطلوب مني ايه؟
زادت ابتسامته الماكرة اتساعاً وهو يقول:
-بشاطرتك كده يا نوسة تشوفيلي واحدة من صحاباتك الأنتيم يكون لها حد معرفة في المرور يجيبلي بيانات العربية بتاعتها!
ردت مستنكرة بعد أن أرخت ساعديها:.

-طب وليه اللفة الطويلة دي كلها، ماتقول لحد من اللي انت تعرفه!
أجابها بجدية وهو ينظر نحوها:
-أنا مش عاوز أعمل شوشرة وقلق على الفاضي، وعاوز الموضوع يفضل كده في السَكَرَتَة ( سر ) لحد ما أقابلها بنفسي
صمتت إيناس لتفكر ملياً فيما قاله، فالأمر ليس بالهين لتفعله، كما أنها لا تعرف إن كانت إحدى زميلاتها أو حتى رفيقاتها على صلة بأحد ما بالمرور لتستعين بخدماته، فردت عليه:
-مش عارفة والله يا مسعد هاعرف ولا لأ.

توسل لها أخيها بإستعطاف:
-حاولي بس يا نوسة، ها!
ثم أسبل عينيه ورمقها بنظرات أكثر توسلاً ورجاء، وأضاف بجدية:
-ده انتي تعرفي طوب الأرض هنا!
استنكرت عبارته الأخيرة وردت بحدة:
-يا سلام، أل يعني انت اللي متعرفش، ده انت ماشاء الله أصحابك أكوام أكوام
رد عليها بإلحاح غير مكترث بما قالته:
-يالا بقى، عشان خاطر اخوكي، اعملي الخدمة دي ليا!
-ممم..
سألها مجدداً بنظرات ناعسة:
-ها ماشي؟
حذرته بسبابتها قائلة:.

-بلاش البصة دي! عشان أنا مش بأستحمل
زادت ابتسامته اتساعاً وتهللت أساريره وقد استشف أنها وافقت على طلبه، فصاح بسعادة:
-قلبي يا نوسة!
ردت بسخط قليل:
-ايوه ده اللي باخده منك قلبي وكلاويا وبس!
أضاف قائلاً بمزاح:
-بكرة أخدمك في مصلحة، دي جمعية ودايرة يا بنتي!
هزت رأسها بإيماءة واضحة وهي تقول:
-ماشي، أما نشوف، وساعة الجد بتلبسها لأي حد
ابتسم مغتراً:
-عيب عليكي، ده أنا مسعد غراب!
-هانشوف يا سي مسعد!

تنهد هو بعدها في إرتياح بعد اقناعه لأخته بمساعدته في مسعاه الجدي، وتطلع بتلهف لإيجاد سابين وكشف غموض كل شيء…
ترجلت إيناس من سيارة أخيها بعد أن أوقفها على مقربة من الطريق المؤدي إلى بوابة كليتها..
لوحت له بيدها شاكرة إياه على إيصالها، وتحركت في اتجاهها..
ولجت للداخل وهي تفكر فيمن تستعين به لتلبية مطلب مسعد، ولكنها تسمرت في مكانها فجأة حينما رأت وائل أمامها..
تجهمت قسمات وجهها، وضيقت نظراتها لترمقه بحدة وهي تقول بجمود:
-خير يا وائل؟ في حاجة؟
-مين ده يا إيناس؟!

سألها وائل بعصبية قليلة وهو ينظر لها بإحتقان واضح
استشاطت غضباً من تدخله في أمورها الخاصة، وتلون وجهها بحمرة مغتاظة، وصاحت فيه بإنفعال:
-وانت مالك؟ دي حاجة متخصكش
أخذ وائل نفساً عميقاً وحبسه في صدره للحظة، ثم أطلقه دفعة واحدة ليستعيد هدوئه، فلا حاجة به للتعصب الآن، وإلا أفسد معها الموقف، ورد عليها بعتاب خفي:
-يا إيناس انتي بتعامليني كده ليه؟ والله أنا آآ…
قاطعته قائلة بغلظة وهي ترفع كفها أمام وجهه:.

-أنا مسمحلكش! في حدود للتعامل بينا، وأظن انت عارف ده كويس!
أخفض رأسه يئساً، وتهالك كتفيه وهو يتابع بإحباط:
-حرام عليكي، بجد أنا نفسي تسمعيني وتديني فرصة أعبرلك عن آآ…
قاطعته مجدداً بصرامة وقد زاد وجهها عبوساً:
-من فضلك، أنا مش بأحب الطريقة دي!
تنهد مستسلماً لطلبها، ورد عليها بهدوء:
-ماشي، حاضر، هاعمل اللي انتي عاوزاه، بس ممكن تقوليلي مين الاستاذ اللي وصلك ده لو مافيهاش إساءة أدب؟!

نفخت بصوت مسموع، وأشاحت بوجهها للجانب دليلاً على عدم تقبلها لتدخله السافر فيما يخصها، ثم نظرت إليه بقسوة وهي تجيبه على مضض:
-شوف يا وائل عشان دماغك بس متوديش وتجيب، وعشان أحط حد لأي حاجة وحشة ممكن تفكر فيها!
-أنا آآ..
منعته من إتمام جملته قائلة ببرود:.

-من فضلك سيبني أكمل، وبالمرة ترتاح وتريح نفسك مني، ده أخويا مسعد، كان مسافر برا ولسه راجع، والطبيعي إنك هاتشوفه كتير لأنه كل ما هايكون فاضي هيرحمني من عذاب المواصلات الصبح وهيوصلني! تمام كده ولا في أسئلة تاني؟
شعر وائل بالخجل من نفسه لتهوره في إلقاء التهم عليها، ولكن ما بيده حيلة، فهو يغار عليها بشدة..
تنحنح بحرج، وأردف معتذراً:
-احم، آآ، أنا، أنا أسف!

لم ترغب هي في الإطالة معه، وتحركت مبتعدة وهي تقول:
-عن اذنك!
تحرك خلفها وهو يهتف بإسمها:
-إيناس
توقفت في مكانها مجبرة، وسألته بنفاذ صبر وهي محدقة أمامها:
-في ايه تاني؟
ابتسم قائلاً بهدوء:
-انتي عاملة ايه النهاردة
نظرت له بحنق وهي تجيبه:
-زي ما انت شايف!
اتسعت ابتسامته وهو يضيف بعشم:
-اوكي، طيب مش عاوزة أي حاجة مني؟ أنا أعرف آآ…
قاطعته قائلة بتجهم:.

-شكراً، ولو عوزت حاجة اكيد مش هاقولك، عن اذنك اتأخرت على محاضراتي
أشار لها بذراعه وهو يقول بخفوت:
-اتفضلي، أسف!
أسرعت في خطواتها، وتمتمت مع نفسها بضجر:
-يا ربي هو أنا مش هاخلص منه، انسان ثقيل وسمج!
تابعها وائل بنظراته المتمنية وهي تسير مبتعدة عنه، وحدث نفسه برجاء:
-امتى بس ترضي عني يا إيناس؟

لاحقاً في كافيتريا الكلية،
طرقت إيناس بأصابعها على كتبها الموضوعة على الطاولة، وزفرت بإنزعاج لأكثر من مرة وهي غير متقبلة لتلك الفكرة التي اقترحتها عليها رفيقتها أماني..
ألحت عليها الأخيرة قائلة:
-والله هو الوحيد اللي هايقف معاكي، ده أخوه ليه مركز في المرور، وهايجيبلك كل المعلومات اللي عاوزة تعرفيها هوا ومن غير لف ولا دوران!
احتجت إيناس قائلة بتذمر:.

-يعني دوناً عن الناس كلها، أروح لوائل، ده أنا لسه مهزأه!
ردت عليها أماني بعدم مبالاة:
-يا بنتي والله عادي، ده هايفرح أوي
زفرت بضيق وهي تتابع رفضها مبررة إحساسها نحوه:
-أنا مش بأقبله، تقيل على قلبي، واقف في زوري هنا!
ضحكت أماني على ما قالته، ثم أكملت بمرح محاولة إقناعها بطلب المساعدة منه:
-معلش، المرادي ابلعيه عشان مصلحة أخوكي
مطت إيناس شفتيها لتصر على إعتراضها:
-مش بأحب أكون كده
بررت لها أماني موقفها:.

-ده طلب مش حاجة يعني! وبعدين انتي ممكن تعتبريه واحد غريب، و اعرضيه عليه، لو رفض يبقى جت منه، لو واقف يبقى انتي مش أرغمتيه على حاجة!
-اوف
مالت عليها برأسها، وسألتها بمكر وهي ممسكة بهاتفها المحمول:
-ها، أكلمه وأقوله إنك عاوزاه؟
أرجعت إيناس ظهرها للخلف، وكتفت ذراعيها أمام صدرها، وزمت شفتيها وهي تقول:
-بصراحة مش عاوزة، أنا كده ابقى استغلالية
رمقتها أماني بنظرات متعجبة، وهتفت مستاءة من عِنادها:.

-انتي أوفر بصراحة، ده الموضوع أبسط من كده بكتير
صمتت هي ولم تضف المزيد، فاحست أماني بقرب موافقتها، فألحت قائلة بنعومة:
-ها، اطلبه يا نوسة؟ صدقيني دي حاجة بسيطة وعادية خالص، ها ايه رأيك؟
أخذت إيناس شهيقاً عميقاً، ولفظته من صدرها ببطء وهي ترد مستسلمة:
-اوكي!
جلست أماني باسترخاء على مقعدها بعد موافقة رفيقتها وهي تقول:
-ماشي يا قمر.

وبالفعل هاتفت أماني زميلهم وائل، وطلبت منه الحضور إليهما في كافيتريا الكلية لأمر هام، وبالطبع لم يتأخر هو عنهما، فالمسألة بها إيناس، وهو مستعد لفعل أي شيء ليحظى بلحظة رضا منها..

أمسك وائل بالورقة المدون عليها أرقام السيارة وحروفها بإصبعيه، ثم طواها ووضعها في جيبه، وسلط أنظاره على إيناس، وأردف قائلاً بثقة:
-اعتبريه تم يا إيناس، انتي بس تؤمري
ردت عليه إيناس بحرج وهي تضغط على شفتيها:
-أنا مش عاوزة أتقل عليك، بس آآ..
قاطعها قائلاً بنبرة مغترة:
-تتقلي إيه بس، دي حاجة بأعملها بتكة!
ابتسمت مجاملة وهي ترد:
-ميرسي ليك!
أضاف وائل قائلاً بحماس جلي في نبرته وتصرفاته:.

-شوفي لو حابة ايه تاني أعمله، أنا موجود! إنتي بس اطلبي وأنا أنفذ
نهضت عن مقعدها، وردت عليه بهدوء:
-كتر خيرك!
ثم التفتت برأسها نحو رفيقتها، وهتفت بإنزعاج:
-مش يالا بينا يا أماني!
اعترض طريقها بجسده، وتشدق قائلاً بنزق:
-طب قوليلي بس لو جبت اللي انتي عاوزاه أكلمك على الموبايل، فممكن رقمك ولا آآ…
قاطعته بجمود وهي عابسة الوجه:
-مافيش داعي، أنا مش مستعجلة، خد راحتك، وأدينا بنشوف بعض هنا!
رد عليها بنبرة هادئة:.

-تمام، اللي يريحك!
صاحت إيناس بتذمر:
-يالا يا أماني، عندنا سكشن، إنتي ناسية ولا ايه؟
هبت رفيقتها واقفة، وتفهمت رغبتها في عدم البقاء مطولاً، وهمست بحرج:
-أها، اوكي!
لم يهتم وائل سوى بوجود إيناس معه، وهتف بفرح:
-أنا مش عارف أقولك إيه، بس بجد أنا طاير من السعادة إنك لجأتي ليا وآآ…
قاطعته بجمود:
-ميرسي لذوقك!
أضاف قائلاً بنبرة متشجعة وهو ينظر لها بتفاؤل:
-إن شاء الله ماتكونش اخر مرة!

ردت عليه بإيجاز وهي تعلق حقيبتها على طرف كتفها، وتحمل كتبها بذراعها:
-ربنا ييسر!
ابتسم مودعاً إياها:
-باي باي يا إيناس
ردت عليه بإختصار:
-مع السلامة
وما إن ابتعدت الاثنتان عنه حتى عاتبتها أماني قائلة:
-ده انتي تقيلة بشكل رهيب
وبختها إيناس على أسلوبها قائلة بضجر:
-بطلي انتي التانية، أهوو أنا مكونتش حابة أطلب منه حاجة عشان كده!
دافعت عنه أماني مبتسمة:
-والله ده طيب وغلبان!

صاحت بها إيناس بنفاذ صبر وقد تصلبت تعابير وجهها:
-أماني!
استشعرت رفيقتها عصبيتها البادية عليها، فتوقفت عما تقول وهي تردد بحذر:
-خلاص مش هاتكلم تاني
-يكون أحسن برضوه!

في مطعم ما،
نزعت ناتالي خاتم الخطبة من إصبعها، وهبت واقفة في مكانها بعد أن صارحها باسل بعدم رغبته في اتمام تلك الزيجة وتعلقه بأخرى، وهتفت بصوت مختنق معنفة إياه باللغة الانجليزية:
-كان عليك أن تخبرني بهذا منذ البداية ولا تتلاعب بي!
وقف هو الأخر، واعتذر قائلاً بهدوء محاولاً امتصاص غضبها:
-لم أقصد ناتالي، كنت أظن أني نسيتها، وأن حبي لها مجرد وهماً، ولكني لم أستطع، فأنا عاشق لها!

زاد هو من الطين بلة بإصراره على الاعتراف بحبه لها، فصاحت فيه بإنفعال:
-كفى، لا داعي لقول هذا، انتهى كل شيء!
ثم وضعت الخاتم على الطاولة، ورمقته بنظرات استنكار قبل أن تستدير وتتركه بمفرده..
شعر باسل بأنه قد أزاح ثقلاً كبيراً عن صدره بإنهائه للخطبة بهذا الشكل المتحضر حتى وإن أصبحت ناتالي تكرهه، لكنه قد منع كلاهما من تدمير الأخر إن استمرا في علاقة فاشلة..

أخرج هو من جيبه تصريح الموافقة بالزواج منها، ثم مزقه إلى قطع صغيرة، وأسنده في المنفضة، والتقط خاتم الخطبة بيده، ورفعه نصب عينيه، وحدث نفسه قائلاً بسخرية:
-أرجعك من مطرح ما اشتريتك، واستنى أما تحن عليا ست البنات، وتوافق عليا ونجيب غيرك!

في اليوم التالي،
أحضر وائل ورقة مدون بها المعلومات المطلوبة عن السيارة، وانتظر في كافيتريا الكلية ليقابل إيناس..
كان متأنقاً للغاية، ومنتظراً إياها بتلهف كبير..
فقد كانت فرصته للتقارب أكثر بينهما، ولم يدخر هو وسعه في الإلحاح على أخيه لانجاز الأمر فوراً ودون تأخير، ولما لا وهو في مركز مرموق بالهيئة العامة للمرور، وبالطبع ما طلبه منه لم يكن إلا مسألة سهلة..

وقعت عيناه عليها وهي تلج للمكان، فنهض من مكانه، وأزاح مقعده للخلف وتحرك نحوها وعلى ثغره ابتسامة عريضة للغاية..
تحاملت إيناس على نفسها لتظهر شبح ابتسامة باهتة على ثغرها.
هتف بحماس ونظراته مسلطة عليها:
-أخبارك ايه يا إيناس؟
ردت عليه بإختصار:
-الحمدلله
أضاف وائل قائلاً وهو يمد يده بورقة مطوية:
-أنا جبت المطلوب
تملكها الحماس فجأة، وارتفع حاجبيها للأعلى وهي ترد عليه:
-بجد!

ابتسم بتفاخر وهو ينظر مسبلاً عينيه نحوها:
-طبعاً، هو أنا أقدر أتأخر عنك!
مدت يدها لتتناول الورقة منه، وهتفت ممتنة:
-شكراً
أعطاها لها قائلاً بإبتسامة سخيفة:
-اتفضلي
أضافت هي مجاملة إياه وهي تنظر إلى محتوى الورقة:
-معلش تعبتك!
رد عليها بنبرة رومانسية:
-يا ريت لو كل التعب يبقى منك وعشانك!
نظرت له قائلة بإستنكار:
-افندم!
لم يرد إفساد اللحظة، فاكتفى بالابتسامة وهو يرد عليها:
-لا ولا حاجة!
-اوكي.

قرأت إيناس ما بداخل الورقة، واعتلى حاجبيها للأعلى في صدمة كبيرة، وزاد اتساع مقلتيها وهي تردد غير مصدقة ما عرفته تواً:
-مش معقول!
تعجب وائل من الحالة التي أصابت إيناس، ونظر لها بغرابة وهو يسألها بفضول:
-في حاجة غريبة في المكتوب؟
ارتبكت هي من سؤاله، وردت عليه بتلعثم:
-هاه، آآ، لأ!
أوضح مقصده قائلاً:
-بس شكلك كده اتغير وآآ…
قاطعته قائلة بابتسامة مصطنعة:
-لأ عادي، أصلها واحدة صاحبتي، وكانت مهاجرة ورجعت!

أومأ برأسه وهو يقول:
-طب تمام، حمدلله على سلامتها!
ردت عليه بشحوب ظاهر على وجهها:
-الله يسلمك، عن اذنك!
استغرب من ردة فعلها، وتساءل مندهشاً:
-بسرعة كده؟ طب اقعدي اشربي حاجة؟!
ردت عليه بإختصار:
-بعدين بعدين، عن اذنك
انصرفت سريعاً وهي تحاول استيعاب تلك المفاجأة الصادمة التي عرفتها تواً..
تابعها وائل متطلعاً إليها بنظرات شغوفة وهو يقول بتمني:
-نفسي أخد فرصتي معاكي بجد!

هب مسعد من فراشه مذهولاً وغير مصدق ما قالته إيناس عبر الهاتف بشأن المعلومات التي استطاعت الحصول عليها والتي تخص سابين، وهتف مدهوشاً وهو ينزع التيشرت الخاص به:
-أنا جايلك حالاً متتحركيش من عندك!
ردت عليه بصوت شبه منزعج:
-أنا مستنياك
اتجه ناحية خزانة ملابسه، ونزع عنه باقي ثيابه المنزلية، وهتف بتلهف:
-مسافة السكة، سلام!
ثم التقط بيده بنطالاً وقميصاً، وارتداهما على عجالة ليتجه بعدها إلى أخته…

راقبت إيناس الطريق بنظرات شمولية، وزفرت لأكثر من مرة بضيق واضح..
لم يتوقف عقلها للحظة عن التفكير في سابين وما فعلته، بدا الأمر غريباً أكثر منه صادماً..
انتبهت هي إلى صوت أبواق متتالية، فأدارت رأسها في اتجاه الصوت، فرأت أخيها وهو يلوح لها بذراعها من النافذة، فسارت نحوه..

فتحت إيناس الباب، وركبت إلى جوار أخيها الذي تحرك بها مبتعداً بعد أن رفضت ابلاغه بأي شيء وهو يقود السيارة حتى لا يفقد أعصابه أو يتهور بفعل المفاجأة..
أوقف مسعد السيارة في مكانٍ شبه مزدحم، ثم التفت إلى أخته وسألها بجدية:
-فين الورقة؟
-اتفضل
قالتها وهي تناوله إياه بحذر شديد..
اختطف الورقة منها، وفتحها ليقرأ ما بها بعجالة، ثم انفرج فمه مصدوماً مردداً بذهول وكأن صاعقة ما قد ضربت رأسه بقوة:
-مش ممكن!

ردت عليه إيناس غير مصدقة هي الأخرى:
-أنا زيك مش مستوعبة المكتوب!
أبعد الورقة عن عينيه، ووضع يده على مقدمة رأسه ليفركها في حيرة، وردد متساءلاً بتعجب كبير:
-أنا مش فاهم حاجة، طب إزاي؟
أجابته بإندهاش لا يقل عنه:
-اسألها بنفسك وانت تعرف
-ماهو ده اللي هايحصل ودلوقتي!
هتف بتلك العبارة بعد أن تحول وجهه للوجوم وهو يعاود تشغيل السيارة لينطلق بها نحو منزل ( سابين )…
لم يرغب مسعد في إصطحاب إيناس معه خلال مواجهته مع سابين، وبرغم تذمر الأخيرة واعتراضها على قراره الصارم والنهائي إلا أنها لم تتمكن من اقناعه بمجيئها معه..
هي تعلم بما دُوِن من معلومات في الورقة، لكنها مثله لم تفهم سبب فعلها لهذا..
أوصلها أولاً عند بنايتهم، فترجلت على مضض منها، ورمقته بنظرات معاتبة، ولكنه لم يعبأ بها ولا بتوسلاتها، و انطلق مسرعاً بالسيارة نحو العنوان المذكور..

ظلت أنظار إيناس متعلقة ببقايا أثر سيارة أخيها وهي تدعو الله في نفسها أن يمر الأمر على خير..
تحركت في اتجاه مدخل بنايتها، ولكن استوقفها ذلك الصوت المألوف الذي بات كابوسها مؤخراً وهو يهتف باسمها:
-إيناس!

أسئلة كثيرة دارت في رأس مسعد محاولاً الوصول لتفسير مقنع لها..
لم يكن يرى أمامه سوى صورة وجهها، وتلك الطفلة الصغيرة التي كانت معها..
ظل يكرر لنفسه متساءلاً بحيرة:
-طب ليه عملت ده؟ واشمعنى أنا؟ ليه؟!
ضغط على المقود بكفيه مفرغاً فيه شحنته العصبية لعجزه عن الإجابة عنهم..
قطع أشواطاً مخترقاً الزحام المروري بصعوبة حتى وصل أسفل بنايتها، ثم رفع رأسه للأعلى ليحدق بالطابق المتواجد به منزلها..

طالت نظراته الممعنة، وفي النهاية تحرك بالسيارة ليبحث عن مكان شاغر ليصفها به..
ترجل منها، وجاهد ليضبط انفعالاته بالرغم من التشنجات الظاهرة على قسمات وجهه..
اتجه إلى مدخل البناية، فأوقفه حارسها متساءلاً عن هويته، فرد عليه بصرامة:
-مقدم مسعد غراب! قوات مسلحة!
ظن حارس البناية أنه يستخف به، فسأله بأدب:
-ممكن بطاقتك لو سمحت؟
أشهر له مسعد هويته وهو يرد بتهكم:.

-ولو تحب أجيبلك الكتيبة كلها هنا عشان تتأكد معنديش مانع!
اضطرب الحارس بعد أن تحقق منها، وأدى له التحية وهو يقول بصوت شبه مرتجف:
-اتفضل يا باشا
ولم يسأله المزيد، فيكفيه إطلاعه على هويته، وربطه بهوية الساكنة بالطابق العلوي ليخمن من هو…
وبالفعل ولج مسعد إلى داخل بهو البناية الحديثة، واستقل المصعد ليصل إلى الطابق المتواجد به منزل سابين..
ومع كل خطوة كان يخطوها نحوها، تتسارع فيها دقات قلبه..

ورغم حنقه منها إلا أنه لم يستطع إنكار حالة التخبط التي أصابته في مشاعره..
لا يعرف هل يحق له الغضب منها أم عليه الصبر والتريث لفهم كل شيء..
وقف أمام باب منزلها، وحدق فيه بنظرات مطولة قبل أن يمد يده ليقرع الجرس..
انتظر للحظات قبل أن يسمع هتاف طفلة صغيرة مصحوباً بخطواتها وهي تركض ناحية الباب لتفتحه دون تردد..
فتحت هي الباب على مصراعيه ووقفت على عتبته وهي تهز جسدها ببراءة، وهتفت بإبتسامة:
-أنا!

ابتسم لها مسعد بعد أن أخفض بصره نحوها، وتفرس في ملامح وجهها البريء الذي كان مختلفاً كلياً عن وجه سابين، وسألها بنبرة هادئة:
-ماما فين؟
أشارت الصغيرة بيدها للخلف وهي تجيبه ببراءة:
-جوا!
استمع هو إلى صوت سابين وهي تهتف بإنزعاج من الداخل قائلة بلكنتها الغريبة:
-جينا، انتي افتحي بدون أنا again ( مرة أخرى )!

كانت محدقة في وجه الصغيرة بنظرات غاضبة وعلى تعابيرها علامات استنكار لفعلتها المتهورة، ثم دفعتها برفق للخلف..
رفعت تلقائياً عينيها للأعلى لتنظر في وجه الشخص المتواجد أمامها، فتجمدت نظراتها عليه بعد أن انفرج فمها مفتوحاً من الصدمة الغير متوقعة بالمرة…
تسمرت مذهولة في مكانها، وظلت محدقة به دون أن ترمش للحظة..
التقت أعينهما معاً، وامتزجت نظرات الغضب الحانقة مع نظرات الإندهاش والصدمة.

صمت رهيب ساد بينهما للحظات معدودة قبل أن يقطعه مسعد قائلاً بصوت متحشرج يحمل التهكم والسخط:
-اهلا يا سابين! ولا أقولك أحسن مدام صابرين موسأد غراب؟!
لم تتحمل هول المفاجأة المباغتة من قِبَلِه، وشعرت بعجز ساقيها على الصمود، وبتراخي قواها كلياً فجأة..
ارتجفت بشدة، وجف حلقها، وتشوشت الرؤية في عينيها، وترنح جسدها للأمام والخلف، وبدت كمن على وشك الإغماء..
أسرع مسعد بإسنادها من ذراعيها قائلاً بغلظة:.

-مش هتخيل عليا الحركات دي!
لكنها لم تكن تدعي ذلك، فقد فقدت وعيها بالفعل، وإنهار جسدها، وسقطت في أحضانه مغشية عليها، فخفق قلبه خوفاً عليها وهو يضمها بذراعيه ممسكاً إياها بقوة وهاتفاً بقلق:
-سابين!

أسفل البناية،
التفتت إيناس برأسها للخلف لتجد باسل مقبلاً عليها وهو يحمل في يده باقة ورد صغيرة..
عبس وجهها فور وقوع عينيها عليه، وزادت حدة نظراتها المحتقنة نحوه، ونفخت بغيظ منه..
تفهم هو تصرفاتها الطبيعية تجاهه، ولما لا؟ فهو قد أساء إليها بصورة مبالغة، وترك في نفسها أثراً سيئاً..
اقترب ببطء منها حتى وقف قبالتها، ثم أردف متساءلاً ً بصوت رخيم:
-عاملة ايه؟

نظرت له شزراً، وردت عليه بنبرة محتدة ومنفعلة نسبياً:
-أفندم؟ إنت جاي هنا عشان تسألني السؤال الغبي ده!
ضغط على شفتيه بقوة مسيطراً على نفسه، فلا داعي للاشتباك أو التشاجر معها أمام المارة بسبب فظاظتها، واجتذاب الأنظار نحوهما..
تصنع الابتسام وهو يرد عليها بهدوء عجيب:
-على فكرة أنا واقف مستنيكي من بدري!
ثم أخفض نبرة صوته، وأسبل عيناه وهو يتابع موبخاً إياها بحذر:
-فعيب عليكي تردي عليا بقلة أدب!

استشاطت غضباً من تعنيفه الغير مبرر لها، واستنكرت ما قاله، فهو أكثر من تبغضهم في حياتها، ولذلك ردت عليه بإستهجان وهي ترمقه بنظراتها المشتعلة ومشيرة بكف يدها في الهواء:
-عيب عليك إنت لما تقف كده في الشارع وتستنا أخت صاحبك زي الشباب الصيع!
نظر لها مشدوهاً، واصطبغ وجهه بحمرة غاضبة من هجومها اللاذع عليه، ولكنها لم تتوقف عند هذا الحد، حيث أضافت بوقاحة متعمدة اهانته:
-إنت كبرت على حركات العيال دي يا أبيه.

أغمض عيناه للحظة ليسيطر على نوبة غضب توشك على الانفجار في وجهها فتطيح بها، ربما هي محقة في جزء مما قالته، ولكنه لا يستحق كل هذا التطاول منها..
فتح عينيه ورمقها بنظرات ثابتة، وأخذ شهيقاً عميقاً كتمه في صدره، و أخرجه دفعة واحدة ليرد عليها بعدها من بين أسنانه:
-مش قولتلك تبطلي الكلمة دي!
نظرت له بإستخفاف وسألته بعدم اهتمام بتلك النيران التي تراها تتراقص متأججة في عينيه:
-جاي هنا ليه؟

تجاهل نظراتها متعمداً، وأجابها بجدية وهو مكور لقبضة يده:
-كنت عاوز أقولك إني فركشت مع ناتالي!
لوت ثغرها مستهينة بما صرح به، وردت عليه بعدم اكتراث:
-وأنا مالي، ما تخطب ولا تتجوز ولا تفركش!
رد عليه بإمتعاض:
-انا قولت الموضوع يهمك!
صاحت به بعدم مبالاة وهي تشيح بيدها في الهواء:
-بتاع ايه يهمني، أنا ماليش دعوة باللي يخصك!
حذرها بعينيه قائلاً بصرامة:
-لمي ايدك وانتي بتكلمي معايا.

نظرت إلى حيث أشار، وبرزت عروقها الغاضبة من أمره الحاد إليها، وتفاجئت به يمد يده نحوها ليعطيها باقة الورد وهو يقول بنبرة شبه هادئة:
-اتفضلي، ده عشانك!
نظرت إلى الباقة بإزدراء، وتمتمت بإستغراب:
-نعم؟
أضاف قائلاً بسخط قليل:
-يا ريت بس يعجبك! ولو إني عارف إنك مش بيعجبك العجب!
ثم ابتسم بسخرية وهو يتابع قائلاً:
-بس يالا أنا قولت الصلح خير وأهو نبدأ مع بعض من أول وجديد وننسى اللي فات!

شعرت إيناس بأنه يتفضل عليها بما يفعله، وأن تلك الباقة ما هي إلا وسيلة رخيصة لإشباع غروره وتعاليه وليس إعتذاراً حقيقياً منه..
لذا جذبتها منه عنوة دون أن تنطق، وألقتها على الأرض بعصبية، فصدم مما فعلته بها، وقامت بدهسها بقدمها لتفسدها وهي ترد بعصبية:
-وأدي الورد اللي انت جايبه، ده مصيره!
تحولت حدقتيه لشرارتين متقدتين، وكان على وشك تعنيفها لولا انفعالها قائلة:.

-أنا بأكرهك وبأكره أي حاجة منك، فيا ريت ما أشوفكش ولا تشوفني تاني!
ركلت بعدها ما تبقى من الباقة بقدمها لتطيح بها في الهواء، وتابعت بفظاظة محدثة نفسها بصوت عالي وهي توليه ظهرها:
-كفاية بقى، كانت معرفة سودة جت على دماغي في الأخر!
تجمدت قدماه في مكانه وعجز عن الرد عليها..
تساءل مع نفسه بحزن واضح وهو يراها تختفي من أمامه.

ألهذا الحد تبغضه؟ هل أذاها بشكل بشع جعلها لا تتقبل العفو عنه مهما فعل؟ وهل بالغ في تحطيم ثقتها بنفسها بالشكل الذي جعلها تشعر بالنفور الشديد منه؟
أدرك باسل وهو يقف في مكانه أن الطريق إلى قلب إيناس أصعب بكثير من الطريق إلى إيلات، ولكنه لن يستسلم بسهولة، فقد اعتاد على اتمام ما يُكلف به من مهمات حتى لو كانت مستحيلة، وهي أصبحت مهمته الحالية بل أهم تكليف في حياته القادمة…

في منزل سابين،
أسرع مسعد بتلقي جسد سابين المغشي عليه بذراعيه، وأسند رأسها على كتفه، ثم حاوط بذراعه خصرها، وتحرك بها بحذر للداخل ليتمكن من غلق باب المنزل قبل أن يراهم أي أحد ويظن به السوء..
استغربت الصغيرة جينا مما أصاب والدتها، وتساءلت ببراءة وهي تجذب بنطال مسعد بأصابعها:
-مامي نامت؟
نظر هو لها بتعجب ورافعاً حاجبه للأعلى، ثم هز رأسه إيجاباً وهو يقول:
-اه!

انحنى قليلاً ليتمكن من حمل سابين، ثم بحث عن أقرب أريكة، ووضعها عليه برفق..
تلفت حوله ليفحص المكان بنظرات سريعة شمولية..
لمح الصغيرة وهي تقترب منها، وتجثو على ركبتيها أمامها، وتمد يدها لتعبث بخصلات شعرها المتدلية، واستمع إلى صوتها وهي تهزها قائلة:
-مامي، wake up ( اصحي )
ضغط على شفتيه بضيق، ثم بحث بعينيه عن المطبخ فوجده، واتجه ناحيته ليحضر ما يستعين به لإفاقتها..

غاب للحظات بالداخل، ثم عاد وهو يحمل ( بصلة ) في يده
نظرت إليه الصغيرة جينا بإندهاش، وسألته بفضول:
-دي آمل ( اعمل ) ايه؟
أجابها مسعد بإمتعاض:
-هافوقك أمك بيها! ماهو الجيش بيقول اتصرف.

قام مسعد بتقشير أوراق البصلة الخارجية، ثم جلس على الطاولة المنخفضة المقابلة للأريكة، وتذكر أنه لم يحضر سكيناً لتقطيعها، وأخفض بصره للأسفل، وضرب البصلة بعنف على زجاج الطاولة بكفه فانقسمت إلى عدة أجزاء، ثم انحنى للأمام على سابين، ولف ذراعه خلف عنقها ليرفعها إليه، ووضع بيده الأخرى البصلة على أنفها، وأجبرها على استنشاقها..

ضحكت الصغيرة مما يفعله، ثم نهضت من مكانها، وركضت مسرعة نحو رواق ما وهي تغمغم بمرح..
قرب مسعد البصلة مجدداً من أنف سابين هاتفاً بضجر:
-فوقي يا صابرين، بلاش شغل الأموات ده، إنتي مش شوفتي عفريت، يالا يا ماما!
تجهم وجهها، وبدت علامات النفور واضحة على قسماتها وهي تجاهد لتستفيق من اغماءتها المؤقتة..

انتبه مسعد إلى الصغيرة جينا وهي تركض عائدة إليه، وجلست إلى جواره على الطاولة حاملة دميتها باربي الشهيرة، ثم قامت بمحاكاته وتقليده ولكن مع لعبتها..
قطب جبينه متعجباً من تصرفها الطفولي، وعاود النظر إلى سابين التي كانت تستعيد وعيها بالفعل، وأصدرت أنيناً خافتاً، وتأوهات خفيضة وهي تحرك رأسها عفوياً للجانبين..
بدت الرؤية مشوشة في البداية، ولكن قوة الرائحة النفاذة لثمرة البصل جعلتها تشعر بالنفور والضيق..

لم يتوقف مسعد عن إجبارها على شم رائحتها حتى تأكد من استعادتها كلياً لإدراكها..
هبت هي مذعورة من نومتها، ونظرت إليه بصدمة، وانكمشت على نفسها في مكانها وهي محدقة فيه بخوف واضح..
لم تكن تتخيل أنه سيتمكن من الوصول إليها بتلك السرعة..
كانت معتقدة انه يستغرق وقتاً – على الأقل شهراً – حتى يصل إلى مقر سكنها، لكنه خالف توقعاتها، ووصل لها في غضون ساعات..

تراجع مسعد بجسده للخلف، وانتصب في جلسته، واحتفظ بهدوء ملامحه وهو يراقبها..
لم تتغير كثيراً، كانت كما رأها أخر مرة من أربع سنوات، مازالت تحتفظ بجمالها الرقيق، وبوجهها الناعم..
لكن لم تتوقف عيناه عن عتابها بقسوة..
صاحت الصغيرة جينا بمرح وهي تتقاذف دميتها في الهواء لتخرج كلاهما من حالة الصمت:
-يااااي، مامي woke up ( صحيت )، بليز نلأب ( نعلب ) again ( تاني )!

انتبهت سابين لوجود الصغيرة معهما، فازدردت ريقها بتوتر كبير، وابتسمت لها ابتسامة باهتة وهي تطلب منها:
-جينا، بليز Go Inside ( اذهبي للداخل )
هزت الصغيرة جينا رأسها معترضة بشدة وهي تقول بوجه عابس:
-نو مامي، أنا stay ( أبقى هنا )!
زادت نبرتها حدة وهي تعيد أمرها عليها مجدداً:
-بليز جينا، مامي قول ايه؟
نفخت الصغيرة بغيظ، وهتفت معترضة وهي تنهض مرغمة من مكانها:
-أوف، مامي!

انتظرت سابين ابتعاد الصغيرة واختفاؤها بالداخل حتى هتفت متوسلة لمسعد:
-بليز موسأد، مش آآ…
قاطعها قائلاً بشراسة وقد احتدت نظراته:
-بلا موسأد بلا بتاع، بقى أنا أفضل دايخ على اللي جابوكي أربع سنين، ومخي يودي ويجيب عشان أعرف أراضي سيادتك فين، وأنتي موجودة هنا، لأ وكمان مسمية نفسك صابرين، وعلى اسمي، وبأوراق رسمية!
ابتلعت ريقها بتوجس، وهتفت متوسلة:
-أنا هافهمك موسأد، بس بليز calm down ( إهدأ ).

هب واقفاً من مكانه، وصاح بها بتهكم وهو يلوح بذراعه في الهواء:
-بلاش عوجة البؤ دي عليا، كلميني عربي يا صابرين، ده احنا دافنينوه سوا!
نهضت هي الأخرى من على الأريكة، ووقفت قبالته مستجمعة شجاعتها، وردت عليه بهدوء رقيق:
-اوكي، بس إنت اهدى، وبلاش صوت آلي ( عالي )!
نفخ بقوة، وهو يتابع بسخط:
-ماشي، أديني هاحط جزمة في بؤي واسكت، اتفضلي فهميني يا مدام!
ابتسمت بخجل قليل وهي توضح له سوء فهمه:.

-أنا still miss ( مازلت آنسة )، أنا لسه مش اتجوزت!
رد عليها بتهكم:
-والمفروض أنا أفرح يعني ولا أزغرط؟
نظرت له بحيرة، فأضاف متساءلاً بحدة:
-والبت دي جت بالمراسلة مثلا؟!
استشعرت من حديثه إتهاماً صريحاً لها بأنها أنجبت تلك الصغيرة من علاقة غير شرعية، بالطبع ولما لا؟ وكل الأمور ليست في صالحها..
حافظت هي على هدوئها أمام بركان انفعاله المبرر، وأردفت قائلة بحذر:
-انت اديني فرصة اكلم!

زفر مجدداً بنفاذ صبر وهو يقول:
-ماشي، أديني سامعك
أخذت سابين نفساً عميقاً، وزفرته مرة واحدة، ثم بدأت في سرد ما دار معها قائلة بتريث وهي تشير بيدها:
-شوف موسأد، أنا بعد ما رجعت أوهايو، كان في قضايا ومحكمة، وآآ…
قاطعها قائلاً بإنزعاج:
-الفيلم ده كله أنا عارفه، خشي على المفيد!
هزت رأسها متفهمة، وتابعت بصوت جاد:
-القضية خلصت بعد شهور، واتحاكم المجرمين، بس للأسف حاولوا يقتلوني تاني!

تشنجت تعابير وجهه، واتسعت حدقتيه مصدوماً، وهتف بهلع واضح:
-ايه؟ يقتلوكي!
أكملت بنبرة شبه أسفة وقد لمعت عيناها إلى حد كبير:
-أنا كنت مفكرة إني في أمان، بس ده مش حقيقي، هما كانوا عاوزين ينتقموا مني، واتعرضوا لصديقتي مارلي، وآآ…
تقطع صوتها، وصمتت للحظات محاولة استعادة السيطرة على نفسها خاصة حينما بدأت تنخرط في البكاء..
نظر لها بإهتمام كبير، وسألها بتوجس:
-ها، كملي! حصل ايه؟

انتحب صوتها وهي تجيبه بحزن حقيقي:
-وقتلوها!
صدم مما قالته، وهتف بنزق وهو محدق بها بأعين متسعة:
-يا ساتر يا رب!
مسحت سابين عبراتها بكفيها، وأكملت بنبرة منتحبة:
-مارلي كان عندها بيبي صغير، هي جينا، وكانت هاتروح ل Foster house ( بيت خاص برعاية الأطفال دون السادسة عشر )
سألها مسعد بعدم فهم وهو يرفع حاجبه للأعلى:
-ده ايه ده؟

أجابته بصوت مختنق بلكنة عجيبة محاولة إيصال مفهومه له بعد أن جذبت منشفة ورقية من العلبة الموضوعة على جانب الطاولة:
-حاجة زي، مممم، بيت رعاية أطفال مش عندهم مامي ولا دادي!
أدرك مسعد أنها تقصد ما يشبه دور كفالة اليتيم، فأومأ برأسه:
-أها، فهمتك
أضافت قائلة وهي تشعر بنوع من تأنيب الضمير بسبب ما حدث لرفيقتها:
-أنا مش رضيت أسيبها تتبهدل، إنت مش عارف ممكن يعملوا ايه في بيبي صغير، مش قادر يحمي نفسه!

التوى ثغر مسعد بتهكم وهو يقول:
-اه، أم قلب طيب، إنتي هاتقوليلي!
تابعت هي قائلة بنبرة حزينة:
-وقررت أتبناها وتبقى تحت وصايتي، وخوفت أكتر إن هما يوصلولي ويؤذوني أو يؤذوها زي مارلي، فلجأت لمكتب حماية الشهود، وغيرت هويتي لحاجة تانية!
وكأنه لم يقتنع بما قالته، فرد عليها بسخط وقد تحولت نظراته للضيق:
-ايوه صابرين موسأد أوراب!
هزت رأسها بإيماءة خفيفة وهي تجيبه بحذر:.

-ييس، مش حد هيفكر إن دي أنا، الكل عارفني بسابين مشعل!
صاح بها ساخراً:
-يا ناصحة، فقولت ألبسها للغلبان مسعد!
عضت على شفتها السفلى وهي تهمس بتوتر:
-مش بالظبط!
أشار بسبابته للأمام وهو يتساءل بعبوس:
-والبت دي؟ عملتي معاها ايه؟
رمشت بعينيها بإرتباك ملحوظ، وتلعثمت وهي ترد قائلة:
-آآ، هي اسمها، آآ، جينا..!
تابع متساءلاً بنفاذ صبر:
-ايوه جينا ايه؟
تراجعت خطوة للخلف وهي تجيبه بصوت خفيض:
-آآ، جينا موسأد أوراب.

وضع مسعد يده على رأسه مصدوماً، وهتف غير مصدق ما يحدث معه:
-صلاة النبي أحسن! كمان!
لم ترغب سابين في إخفاء أي شيء عنه، فالمصارحة في هذا التوقيت مطلوبة لوضع الأمور في نصابها الصحيح..
خاصة وأن كل شيء مرتبط به وبإسمه..
فهي من اختارت استغلال اسمه والاستعانة به كوسيلة للاختباء عن أعين من يحاولون اغتيالها، ومن حقه أن يحصل على تفسيراً كاملاً لدوافعها..
أضافت قائلة بنبرة خافتة:.

-وال FBI رتبلي هويات جديدة، وانتقلت لولاية تانية لحد ما أظبط أوضاعي، وبعدها رجعت كايرو ( القاهرة ) على إني آآ..
رمشت بعينيها وهي تتابع بتخوف من ردة فعله:
-مدام صابرين! وفي مسئول هنا مهم ساعدني عشان كل حاجة تبقى سليمة!
احتقنت عيناه بوضوح، وسألها بغلظة:
-والكلام ده كان من امتى؟
تنحنحت برقة وهي تجيبه:
-احم من آآ، من سنتين ونص
هدر مصدوماً بإنفعال جلي:
-اييييييه!

انتفضت خيفة من تهوره، ورددت بحذر وهي مسبلة لعينيها الدامعتين:
-هو آآ، مش كتير صح؟
كور قبضة يده وأوهمها أنه على وشك لكمها، فأخفضت رأسها ووضعت كفيها أمامها لتحمي نفسها منه، ولكنه ضرب قبضته بالأخرى، وأكمل بصوت غاضب:
-مجاش في بالك للحظة تعرفيني باللي عملتيه ولا تطمنيني عليكي حتى، أش حال مكونتش معترفلك بحبي ليكي!
نظرت له من طرف عينها، وابتلعت ريقها وهي محرجة منه، فهو محق في ضيقه منها…

أولاها ظهره، وأكمل بنبرة متشنجة وهو يضغط بيديه على رأسه محاولاً كبح غضبه:
-حرام عليكي، ده أنا كنت هاتجنن وأعرف أي حاجة تخصك!
أخفضت يداها للأسفل، ونظرت إليه بندم، وبررت موقفها قائلة بهمس:
-خوفت موسأد يحصل زي أخر مرة مع إيناس ( سيستر ) بتاعك، أنا مش كنت أستحمل إنت تتأذى أو حد من عيلة، ومارلي ( ماي فريند ) ماتت بسببي! فخبيت عن الكل!
استدار بجسده ليواجهها، واستنكر ما قالته، ورد عليها بسخرية مريرة:.

-يا حنينة، فقولتي بقى أجي من وراه، وأكتب اسمي على اسمه، وأهوو محدش واخد باله، ولا هيعرفوا أصلاً، وبالمرة ألزقله بنت مش عارفها عشان تكمل الليلة!
هزت رأسها نافية وهي تدافع عن نفسها بجدية:
-نو ( لأ ) موسأد، نو! دي كانت ( دواعي أمنية، مشددة )!
ارتفع حاجباه للأعلى، وظن أنها تستخف به، وصاح متهكماً:
-يا شيخة! دواعي أمنية!
هزت رأسها بإيماءة خفيفة، وردت عليه بجدية:.

-أها، وأنا كان لازم أعمل كده عشان أحمي نفسي وجينا معايا!
اغتاظ من عدم اهتمامها بإحساسه الذي احتفظ به نحوها لأربع أعوام دون أن ينتقص من قدره شيئاً، وهتف متساءلاً بسخط:
-طب مفكرتيش إن ملعوبك ممكن يتكشف؟ وإن ممكن حد من طرفي ياخد باله من الاسم ويعرف ويبلغني؟ ده مصر كلها أوضة وصالة ومنفدة على بعض!
لم تستوعب جيداً المغزى من عبارته التهكمية الأخيرة، وردت عليه بحذر:
-أنا مش إفهم!

انفجر فيها غاضباً وهو يشيح بيده:
-لا انتي فاهمة كويس
ارتجف جسدها من نبرته المتشنجة، ونظرت له بخوف ظاهر في عينيها، وهمست له برجاء:
-موسأد صدقني أنا كنت خايف عليك، وده كان لمصلحة الكل!
استنكر ما رددته قائلاً:
-بلاش كدب!
تحرك مبتعداً عنها، وظل ينفخ بعصبية واضحة..
وقفت مترددة في مكانها، حائرة فيما تفعله معه، وفي النهاية أقدمت على التحرك، وسارت بخطوات محسوبة نحوه..

كان مسعد محدقاً امامه يفكر بتعمق في كل ما دار..
أربع سنوات تم اختزالها في أكذوبة كان هو بطلها المجهول دون أن يعرف..
شعوره بالحنق والغضب يفوق قدرته على تحمله..
خشيت سابين أن يثور هو عليها وينهي كل شيء في لحظة انفعال طائشة..
فمدت يدها بحذر ووضعتها على ذراعه، وتلمست بشرته بأناملها الرقيقة، وضغطت برفق عليه وهي تقول بنبرة ناعمة بتلك اللكنة العربية العجيبة:.

-أنا عارف إنك مضايق، بس أنا صادقة موسأد، أنا عملت ده لينا كلنا!
التفت برأسه نحوها، وأخفض عيناه لينظر إلى يدها الموضوعة عليه..
فكرت هي في سحبها، ولكنها لاحظت تعلق أنظاره بها، فأبقتها كما هي..
شعر مسعد بيد صغيرة تجذبه من بنطاله بعنف وهي تقول بصوت طفولي بريء:
-مامي، ده يشبه البابا!
أدار مسعد رأسه في اتجاه الصغيرة جينا، ونظر لها بتمعن، كانت تمتلك أعين زرقاء، وبشرة بيضاء بالإضافة إلى كونها شقراء..

تنهد بتعب ثم قال ساخراً:
-يشبه البابا، ايه جو الدبلجة ده؟ انتي بتفرجي البت على سبستون كتير؟!
ردت عليه سابين برقة:
-أوه، أنا بأعلمها أربيك ( عربي ) وانجليش
التوى فمه بإستنكار ليقول:
-يا زين ما اخترتي، خليها تشوف عالم سمسم ولا بكار وتتكلم لغوتنا، أنا مش ناقص فقع مرارة!
ابتسمت لأنه استطاع تجاوز تلك الشعرة الفاصلة بين العقل والجنون، وعاد لطبيعته المرحة من جديد..
وردت عليه بنعومة موجزة:
-اوكي.

هتفت الصغيرة جينا متساءلة وهي تشير بإصبعها الضئيل نحو مسعد:
-مامي، دادي؟!
ابتسمت سابين بإشراق وهي تجيبها بهدوء:
-اوه ييس جينا، he s daddy
قفزت الصغيرة بمرح وهي تصفق بيديها، وصاحت مهللة:
-دادي، بابا!
ثم احتضنت ساقي مسعد ولفت ذراعيها حولهما، فنظر لها مصدوماً، وردد متساءلاً بتعجب:
-مين بابا؟
عضت سابين على شفتها السفلى وهي تبتسم، ووضعت يدها على رأسها لتعبث بخصلات شعرها، وتنحنحت قائلة بصوت خافت ومرتبك:.

-احم، ماهو، ماهو أنا مفهمة جينا إنك إنت آآ، بابا بتاعها
صاح بها مذهولاً:
-وحياة أمك!
انزعجت من أسلوبه الفظ، وحذرته قائلة بتوجس بعد أن لاحظت انكماش الصغيرة من الخوف وتراجعها للخلف لتلتصق بها:
-بليز موسأد إهدى، مش قصاد جينا!
نظر لها شزراً وأكمل بصوت غاضب:
-أهدى، يعني جوزتيني وجبتيلي عيال معرفهومش وأنا ولا هنا!
ردت عليه مبررة:
-دي دواعي آآ…
قاطعها قائلاً بتهكم صريح:
-بلا دواعي بلا دوالي!

ثم حدق في الاثنتين بنظرات حادة، وتابع مستهزئاً من الموقف برمته:
-عيني عليا، طب أقول لأهلي ايه، كنت في أفريقيا بأناضل لأربع سنين، وإذا فجأةً اتجوزت وخلفت بالإحساس لأن الواي فاي مكنش شغال كويس هناك! ايوه، لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله!
ضمت الصغيرة إلى صدرها بعد أن رفعتها عن الأرضية، ومسحت على ظهرها برفق، وأنامت رأسها على كتفها، وهمست مواسية:
-أوه، موسأد، بليز
رد عليها بتهكم وهو ينظر لها بضيق:.

-ايوه، اديني شوية تعاطف! وحطي عليها معلشة كمان!
رفعت الصغيرة رأسها عن كتف سابين، ونظرت في اتجاه مسعد، وسألته ببراءة:
-دادي إنت كون فوق؟
نظر له بتعجب، وأجابها متساءلاً بعدم فهم:
-فوق فين؟
ردت عليه الصغيرة ببراءة وهي تفرد ذراعيها في الهواء:
-دادي فلاي ( يطير )
سلط مسعد أنظاره على سابين، وسألها بنفاذ صبر بعد أن تعذر عليه فهم كلمات الصغيرة:
-أنا مش فاهم منها حاجة، بتقول ايه دي؟
ابتسمت بإحتراز وهي تجيبه:.

-لما كانت بتسأل عن باباها آآ..
أكمل وهو يشير بيده نحو نفسه:
-اللي هو أنا يعني!
أومأت برأسها بخفة وهي تجيبه بحرص:
-اها، فأنا عرفتها إنك انت بتسافر كتير!
ألقى مسعد بجسده على أقرب أريكة هاتفاً بإستسلام وهو يضرب فخذيه:
-ماشاء الله! أبوها، طيار بقى وكده، الله أعلم قايلة ايه تاني!
قبلت سابين الصغيرة من وجنتها، وهمست لها في أذنها بشيء ما، ثم أنزلتها على قدميها، فركضت الأخيرة في اتجاه غرفتها..

نكس مسعد رأسه للأسفل، ثم أغمض عيناه محبطاً بعد تلك الحقيقة الصادمة..
لقد تأزم كل شيء، وأصبح هو موضوعاً في أمر لم يكن على علم به..
ربما لم تتزوج سابين منه فعلياً، ولكنها تمكنت من الحصول على أوراق رسمية زائفة تشير إلى كونها زوجته..
تعجب هو من مدى سذاجته، لكونه كان يبحث في دائرة مفرغة، وهي في أخر مكان توقع أنها ستتواجد فيه، بل وعلى ذمته…

خطت سابين نحوه بعد أن طال صمته، وسألته بهدوء وهي تحاول سبر أغوار عقله:
-موسأد إنت ناوي على ايه بعد ما عرفت السر بتاعي؟
رفع رأسه ببطء في اتجاهها، ورمقها بنظرات غامضة لم تتمكن من فهمها، ورد عليها بإستياء بائن في نبرته:
-مش عارف، ماهو اللي حكيته استحالة يحصل ولا حتى في الأحلام…!
في منزل سابين،
حدق مسعد أمامه بنظرات خاوية يفكر ملياً في تلك الكارثة التي حلت فوق رأسه، فهو متزوج دون أن يعلم منذ أكثر من عامين، بالإضافة إلى وجود صغيرة تحمل اسمه ولا تربطه بها أي صلة..
عضت سابين على شفتها مجدداً بإرتباك، وظلت تراقبه صامتة، فمن حقه أن يستوعب المسألة بروية حتى تصل معه إلى حل أمثل مرضياً لجميع الأطراف..
ركضت الصغيرة جينا نحوه وهي تحمل ورقة بيضاء عريضة، ووقفت قبالته، وهتفت بمرح:.

-دادي أنظر!
نظر لها باستغراب، وردد متعجباً من مزجها للغة العربية الفحصى مع مصطلحات انجليزية بطريقة غريبة:
-أنظر! دي اللي هي أبص يعني!
تابعت الصغيرة حديثها بحماس:
-أنا رسمت مامي، دادي، جينا!
ظلت تلوح بالورقة أمامه بكلتا يديها لتجبره على أخذها منه لينظر إلى ما رسمته..
لم ترسم جينا الكثير، بل الأحرى أن نقول أنها كانت تحاول رسم دوائر وأشياء غير مفهومة أو ما يقال عنه ( شخابيط طفولية ).

حدق مسعد في الرسم الطفولي بنظرات متعمقة محاولاً تفسير ما رسمته الصغيرة..
وقبل أن يستكشف مقصدها، هتفت هي قائلة بسعادة وهي تشير إلى دائرة ما ينبعث منها عدة خطوط متعرجة:
-مامي
رد عليها بسخرية:
-اه باين عليها بشعرها النكيش! بس لو قلبتيها كده هتبقى شبه عمتك إيناس!
أكملت الصغيرة جينا قائلة وهي تشير بإصبعها نحو دائرة أخرى أقل حجماً ويتدلى منها خطين رفيعين:
-جينا
مط فمه قائلاً بمزاح:
-ممم، تمشي بالزعازيع دي!

دقق هو النظر في ذلك الشكل المقارب للمثلث والذي يتوسط الدائرتين، وسألها مستفهماً:
-وده مين اللي شبه القرطاس ده؟ حاسه مش غريب عليا!
هتفت بسعادة جلية وهي تصفق بيديها وقد ظهرت نواجذها بوضوح:
-دادي!
هز رأسه بإيماءات متتالية، وردد قائلاً بسخرية:
-اه تصدقي، شبهي خالص، ماهو أنا فعلاً القرطاس اللي اتقرطس في الليلة دي كلها، ولبس العِمة، لأ واتكبست جامد في دماغه! عندك خيال واسع يا بنتي، ليكي مستقبل باهر معايا!

توجست سابين خيفة أن يتفوه بشيء مزعج أمام الصغيرة التي تحرص عليها، فهتفت بقلق:
-جينا، sweetie ( حلوتي )، بليز go inside( اذهبي للداخل )، دادي تعبان!
اعترضت الصغيرة جينا بضيق:
-نو، أنا آوز ( عاوزة ) دادي!
ثم أجلست نفسها على حجر مسعد الذي نظر لها عاجزاً عن فعل أي شيء، وسلط من بعدها أنظاره المنزعجة إلى سابين التي رمقته بنظرات متوسلة كي يمرر الأمر بسلام..

أخذت الصغيرة تضع يدها على أنف مسعد، وتضغط عليه بإصبعيها، وتنظر له بتفحص، فأبعد يدها قائلاً بضجر قليل:
-بس يا حلوة!
اقتربت منه سابين، ومدت ذراعيها لتلقف الصغيرة قبل أن يتفاقم الوضع ويتعصب مسعد على الصغيرة التي لا ذنب لها..
ثم حملتها، وأخذت تهدهدها برفق وهي تتساءل بجدية:
-بتفكر تعمل ايه موسأد؟
هب واقفاً من مكانه، ونظر إليها مطولاً قبل أن يجيبها بجمود:
-أنا ماشي، دماغي مش جيباني لحاجة.

لم يرد هو اتخاذ أي قرارات مصيرية دون التفكير بصورة عقلانية، لذلك تحرك مبتعداً عنها، فحاولت اللحاق به وهي تهتف برجاء:
-بليز موسأد صدقني، أنا مش كنت عاوز أذيك، أنا آآ…
لم تكمل عبارتها للنهاية، فقد ترددت في البوح بما تشعر به نحوه..
هي لم تعترف له مسبقاً بحبها له، فظنت أنها ربما تكون الفرصة للتعبير عما تكنه له، لعل قلبه يرق نحوها ويغفر لها ما أقدمت عليه..
لذا هتفت بنزق وهي محدقة في ظهره:.

-أنا بأحبك موسأد!
كانت قبضته موضوعة على مقبض باب المنزل حينما باغتته بإعترافها الذي جعل أصابعه تتجمد عليه..
التفت نحوها ببطء، ونظر إليها بثبات دون أن تطرف عيناه..
لم يكن يرى سواها أمامه..
وكأن العالم من حولهما تلاشى إلا منهما..
همست مجدداً برقة وهي تنظر إليه:
-ييس، أنا أحبك موسأد
انفرج فمه لا إرادياً غير مصدق ما قالت..
هي تحبه مثلما أحبها..
تساءل مع نفسه مصدوماً أحقاً قد اعترفت له ذلك؟

ولم تكن مجرد تخيلات اختلقها عقله؟
دنت منه سابين، ونظرت مباشرة في عينيه لتتابع بصوت خفيض وناعم للغاية:
-يمكن زمان مش إقدر قولك ده، بس أنا لسه أحبك!
أنزلت الصغيرة التي لم تكن تعي حرفاً مما يقال، فتركتهما بمفردهما وركضت نحو غرفتها..
لم ينبس مسعد ببنت شفة، وظل محدقاً بها بذهول..
ابتلعت هي ريقها بإرتباك خفي، وأردفت قائلة حينما طال صمته:
-أنا مش عاوز أجبر إنت على حاجة موسأد، أنا قول على حسه ناحيتك!

ثم أشارت بإصبعها نحو قلبه، وتابعت بصوت شجي:
-إنت جوا هنا، زي ما أنا كنت جوا هنا!
أخفض بصره نحو إصبعها، ومن ثم رفع عيناه نحوها، ومد يده ليمسك بكفها، ورد عليها قائلاً بعتاب:
-كان فين الكلام ده من أربع سنين!
لمعت عيناها بوضوح وهي تجيبه:
-صعب وقتها موسأد قول ده! بس ممكن نصلح كل حاجة
هز رأسه قائلاً بتهكم:
-اه، ده على أساس إن اللي اتكسر جوايا مج مش كوباية!
نظرت له بعدم فهم، وسألته بحيرة:
-ايه؟ انت اقصد ايه؟

تنهد بعمق وهو يجيبها بغموض:
-مش عارف أشرحلك حاجة، لأن أنا نفسي مش عارف هاتصرف ازاي!
ثم سحب يده من كفها، وأكمل بنبرة جادة:
-ده حتى لا وقت ينفع فيه عتاب، ولا الوقوف على الأطلال، في مصيبة ولازم أشوف حل ليها، وخصوصاً مع الفاموليا!
همست له محاولة استجدائه وترقيق قلبه نحوها ليغفر لها اضطرارها إخفاء كل تلك الحقائق عنه:
-موسأد! بليز!

أذابت نبرتها فؤاده، ورفعت نسبة الأدرينالين الذي أوقد مشاعره المشتاقة إليها، وجعلته يتوق شوقا أكثر إلى جذبها فورا إلى أحضانه ونسيان ما مضى كليا، والبدء من جديد، لكنه نفض عن فكره كل تلك الأفكار المتهورة والهوجاء، وهتف قائلاً بجمود مريب:
-سلام دلوقتي يا صابرين!
ثم استدار ليفتح الباب، فتوسلته بإستعطاف بعد أن ظنت عدم قدرتها على استمالته نحوها:
-استنى موسأد!

لم يمهلها الفرصة، وخرج مسرعاً، وصفق الباب من خلفه، فاستندت هي بكفيها عليه، وأطرقت رأسها حزناً، وأدمعت عيناها خزياً وهي تردد بأسف:
-أوه، يا ريت مش كون خسرتك، حبيبي!

في منزل مسعد غراب،
ذرعت إيناس غرفتها ذهاباً وإياباً تفكر فيما قرأته في الورقة التي تخص سابين..
ظنت السوء بأخيها، واعتقدت أنه كان يتلاعب بها وبالعائلة طوال الأعوام الماضية موهماً إياهم ببحثه المزعوم عن سابين، وأنه عازف عن الزواج لأجلها، وهو في واقع الأمر كان مرتبطاً بها ارتباطاً وثيقاً..

أكثر ما أزعجها أنه كذب عليها هي تحديداً، ولم يكن أميناً حينما كانت تسأله عن أحواله، فإن كان أخبرها مسبقاً عن زواجه منها، لم تكن لتغضب منه…
ما ألهاها عن التفكير في أخيها قليلاً هو موقف المواجهة المحتد مع باسل..
اصطبغ وجهها بحمرة مغتاظة من مطاردته الدائمة لها، وتعمده اذلالها بصورة أو بأخرى، لكن ما أصابها بالريبة هو تصرفه السخيف بإحضار باقة ورد بدون وجود سبب مقنع حتى وإن كان يتعلل بإعتذاره لها..

عادت إبتسامتها للظهور وبقوة حينما تذكرت ما فعلته بها، وحدثت نفسها بتباهي:
-يستاهل اللي عملته!
قطع تفكيرها فيه هو صوت رنين هاتفها، فنظرت إلى شاشته، فوجدت المتصل هو أخيها مسعد، فمطت فمها بإستهجان، ثم أجابت على اتصاله بامتعاض:
-ايوه يا مسعد!
رد عليها بجدية:
-ايناس، البسي وانزليلي، أنا واقف تحت البيت مستنيكي، محتاج أتكلم معاكي في اللي عرفتيه!
صاحت متسائلة بحنق:
-عندك مبرر ليه؟ ولا هاتكدب تاني علينا وآآآ…

قاطعها قائلاً بجمود صارم:
-إيناس، البسي يالا بسرعة، سلام!
ثم أنهى معها المكالمة، فنظرت إلى شاشة الهاتف بغيظ، وردت عليه بعبوس:
-ماشي يا مسعد! أما أشوف أخرتها معاك ايه!

التقى مسعد بأخته أسفل البناية، ثم اصطحبها معه إلى مطعم قريب من المنزل ليسرد لها كل ما عرفه من سابين..
أصغت له بإنتباه تام، ورغم عدم اقتناعها في بداية الأمر بما يقول، لكن بدا الأمر لها في النهاية منطقياً حينما علمت بتدخل جهات عليا سيادية ودولية لإتمام الأمر في سرية..
كذلك تعاطفت مع حال الصغيرة جينا التي فقدت أمها غدراً، وأشفقت عليها..

شعر مسعد بالإرتياح لتفهم أخته الموقف، وأيضاً لتبرئة ساحته من الشكوك..
نظرت له بدقة وهي تسأله:
-وهاتعمل معاها ايه؟
أجابها بنبرة حائرة وهو يفرك طرف ذقنه:
-مش عارف!
ردت عليه متساءلة:
-طب إنت لسه عاوز ترتبط بيها ولا خلاص هتنهي الموضوع؟
رد عليها بإستياء وعلامات الحيرة واضحة عليه:
-هو أنا عارف أفكر أصلاً في حد إلا هي، بس دلوقتي الوضع مختلف وآآآ…
قاطعته إيناس قائلة بنبرة مهتمة:.

-طيب، ماهي محلولة، هي تعتبر مراتك بس مع وقف التنفيذ!
نظر لها مسعد بعدم اقتناع وهو يردد:
-بلاش عبط الله يكرمك يا إيناس، مراتي ايه! هو احنا هنكدب الكدبة ونصدقها!
هتفت إيناس قائلة بضجر:
-ماهو انت برضوه مش وصلت لحل؟
نفخ مسعد بضيق، ودفن وجهه للحظة بين كفيه، ثم تراجع للخلف ليجلس بإسترخاء على المقعد، وأردف قائلاً:.

-بصي أنا محتار ومش عارف أفكر كويس دلوقتي، سيبني يومين مع نفسي أشوف هاعمل ايه، واللي فيه الخير يقدمه ربنا!
حركت إيناس رأسها متفهمة وهي تقول:
-ماشي
اعتدل مسعد في جلسته، ونظر لأخته برجاء وهو يهمس بمكر:
-إيناس، نوسة، نانوسة!
بادلته نظرات غامضة فهي تعرف أخيها حينما يستخدم تلك الكلمات المدللة، وردت عليه بنبرة ذات مغزى:
-نعم!
هتف قائلاً برجاء:.

-اللي حصل ده مايتقالش، أنا مش ناقص قلبة دماغ من غير لازمة، خلي الطابق مستور لحد ما ربك يأذن! ونشوف هنعمل ايه!
كتفت ساعديها أمام صدرها، ونظرت له متفهمة وهي تقول بصوت هاديء:
-أوكي.

بعد مرور يومين،
عاد مسعد إلى وحدته العسكرية، وكذلك باسل، وقص كلاهما على الأخر ملخصاً موجزاً لأخر التطورات التي مرا بها..
تنفس باسل الصعداء لأنه تخلص من إشكالية الخطبة بناتالي دون توتر، وتعاطف مع رفيقه الذي كان الضيق واضحاً عليه بصورة جلية و مشتت التفكير معظم الوقت..
بالطبع فالموقف خطير، وهو في حالة يُحسد عليها، لأنه لا يستطيع ترك المسألة معلقة دون التصرف..

كذلك لا يريد الإقدام على شيء ما دون التفكير في توابعه بصورة عقلانية..
-يعني ناوي برضوه على ايه؟
تساءل باسل بجدية وهو محدق في رفيقه..
رد عليه مسعد بتبرم وهو يلوح بيده:
-يادي أم السؤال ده، أنا بتسأله أكتر من هناكل ايه النهاردة!
هتف باسل بضجر:
-ماهو إنت مش مريحنا ولا عاوز تقول حتى بتفكر في ايه
فرك مسعد فروة رأسه الحليقة قائلاً:
-أنا بأحسبها صح
أضاف باسل قائلاً بجدية:
-هي مش كميا، ده 1 + 1 يساوي 2!

رد عليه مسعد ساخراً:
-لأ 2 وعيلة نص شِبر!
لم يعبأ باسل بجملته الأخيرة، وعقب متساءلاً بثبات:
-ما علينا، المهم إنت عاوز تتجوز سابين ولا لأ؟
مط مسعد فمه قليلاً، ثم مسح وجهه بكف يده، وتنهد قائلاً:
-مكدبش عليك، أنا ماحبتش إلا هي، ومش هاعرف أتجوز غيرها!
التوى ثغر باسل بإبتسامة باهتة وهو يرد عليه:
-طيب ما هي محلولة، اتجوزها رسمي
تساءل مسعد مستنكراً وهو يشير بعينيه:
-واللي عندي في البيت أطنشهم مثلاً؟!

رد عليه باسل متساءلاً بغموض:
-مش أختك إيناس عارفة بالحكاية؟
أومأ مسعد برأسه إيجاباً وهو يرد بإيجاز:
-اه
وأضاف باسل مبرراً بهدوء:
-وأخواتك البنات ماهيصدقوا يفرحوا بيك!
-اها
ثم صمت ليكمل بعدها بنفس النبرة الهادئة:
-ناقصك بس سيادة اللوا والحاجة وآآ..
قاطعه مسعد قائلاً بتوجس:
-أهو أنا مشكلتي كلها في الحاجة صفية، العيلة كلها كوم، وأمي لوحدها كوم تاني!
مد باسل يده ووضعها على كتف رفيقه، وربت عليه برفق وهو يقول:.

-انت ظبط بس الليلة معاها، وإن شاء الله خير!
قاطع حديثهما صوت أحد العساكر وهو يقول بنبرة رسمية:
-باشا!
التفت مسعد برأسه في اتجاهه، وسأله بصرامة:
-خير يا عسكري
رد عليه الأخير بصوت جاد:
-في واحد عاوز سيادتك ضروري، ومنتظرك برا يا فندم!
قطب مسعد جبينه بإستغراب، وتساءل بحيرة وهو يدير رأسه في اتجاه باسل:
-واحد مين ده؟
رد عليه رفيقه متساءلاً بتعجب هو الأخر:
-انت مستني حد؟
هز مسعد رأسه نافياً:
-لأ.

لكزه باسل في جانبه برفق وهو يقول:
-طب بينا نشوف في ايه
رد عليه مسعد وهو يهب واقفاً من مقعده:
-تعالى، وأهوو يا خبر بفلوس، دلوقتي يبقى ببلاش…!

في الوحدة التدريبية العسكرية،
خرج مسعد لمقابلة ذلك الغريب الذي طلب لقائه لأمر هام بصورة ودية، وبالطبع لم يتركه باسل يذهب بمفرده، فقد أصر على مرافقته لمعرفة السبب..
كان وائل يقف متأنقاً عند منطقة الاستقبال، وواضعاً لنظارته الشمسية متطلعاً بإهتمام للقاء مسعد..
وما إن رأه حتى نزع عنه نظارته، وطوى طرفيها، ثم اتجه نحوه مادداً يده لمصافحته..
تساءل باسل بفضول وهو ينظر نحو ذلك الغريب بتعجب:.

-انت تعرفه يا مسعد؟
أجابه الأخير قائلاً بإيجاز وهو يدقق النظر فيه:
-لأ
أضاف باسل قائلاً بإهتمام ونظراته المتفرسة لم تفارقه:
-باين عليه إنه عارفك كويس!
رد عليه مسعد بصوت حذر:
-دلوقتي هيبان!
هز رأسه دون أن يضيف المزيد، وسار الاثنان نحوه..
هتف وائل قائلاً بإبتسامة مهذبة حينما رأى مسعد مقبلاً عليه:
-ازي حضرتك يا مسعد باشا!
بادله مسعد المصافحة دون أن يعرف هويته، ورد عليه بجدية:
-تمام، مين إنت؟

رد عليه وائل بهدوء وبثبات:
-حضرتك متعرفنيش، وماتقبلناش قبل كده، بس أنا عارف سيادتك كويس، وسمعت كلام طيب ومشرف عن حضرتك وآآ..
تساءل مسعد بنفاذ صبر مقاطعاً إياه:
-ايوه يعني انت مين برضوه؟
تنحنح وائل بصوت خفيض للغاية، وأجابه بتأني:
-أنا وائل المحلاوي، زميل أخت سعادتك، الآنسة المحترمة إيناس
شهق باسل مصدوماً، واتسعت حدقتيه بقوة، وقد بدت الشراسة جلية على تعابير وجهه:
-مين؟!

نظر مسعد إلى باسل مستغرباً من ردة فعله المبالغة التي لا تتناسب مع الموقف، ثم عاود التحديق في وائل، وسأله بإمتعاض:
-ايوه، وعاوز ايه مني؟
ابتلع وائل ريقه بتوتر، فقد كان الأمر محرجاً إلى حد ما، فالمكان لا يلائم ما يريد الحديث عنه، ولكن لا بديل عن المحاولة..
لذلك حافظ على ثبات ابتسامته المصطنعة وهو يرد:
-كنت عاوز حضرتك في موضوع شخصي يخصني أنا وآآ، والآنسة إيناس.

وقبل أن يسأله مسعد عن طبيعة ذلك الموضوع الذي له علاقة بشقيقته الصغرى، هتف باسل بنزق وقد تحولت عيناه لجمرتين من النيران المحمومة:
-نعم؟ موضوع ايه ده ان شاء الله اللي يخصكم انتو الاتنين؟ وانت تعرفها منين وآآ…
قاطعه مسعد بحذر وهو يضع قبضته على ذراعه:
-اهدى كده يا باسل خليني أفهم!
ثم التفت ناحية وائل، وسأله بصوت جاد وهو يرمقه بنظرات مطولة:
-موضوع ايه يا آآ، قولتلي اسمك ايه؟

ابتسم وائل وهو يجيبه بثقة ورافعاً رأسه للأعلى في تفاخر:
-وائل المحلاوي، الفرقة التانية في سياسة واقتصاد!
هتف باسل بوقاحة متعمداً إهانته وقد تشنجت قسمات وجهه، وزادت حمرة عيناه الغاضبتين:
-أها يعني لسه عيل وبتاخد المصروف من أهلك!
حدق فيه وائل مصدوماً من طريقته الفجة في انتقاده والهجوم الغير مبرر على شخصه..
بينما ارتفع حاجبي مسعد للأعلى مستنكراً ما يردده رفيقه بأسلوب فظ، وهتف فيه بعتاب خفي:.

-ما تديني فرصة أكلم معاه وأفهم
ضغط باسل على شفتيه بقسوة محاولاً كبح غضبه الذي انفلت زمامه:
-ماشي، اتفضل!
التفت مسعد ناحية وائل، وأردف قائلاً بإبتسامة سخيفة:
-اتكلم يا سيدي، خير!
رد عليه وائل بنبرة دبلوماسية محافظاً على هدوء تعابير وجهه:
-حضرتك بس في دقيقة هأشرحلك اللي انا عاوزه، هو الموضوع خير إن شاء الله!
صاح فيه باسل بنفاذ صبر وهو يلوح بكف يده مهدداً:
-اللي هو ايه؟ انطق!

ضيق مسعد نظراته لتصبح أكثر حدة وهو يحذر صديقه:
-ثواني يا باسل، ده انا اللي اسمي أخوها مش منفعل كده!
رد عليه باسل بعصبية وهو يشير بكفيه بغيظ شديد:
-ثواني ايه يا مسعد، ده بيقولك موضوع يخصه مع إيناس، يعني ممكن تكون بلوى وإحنا هنا في الطراوة ومش دريانين!

انزعج وائل أكثر من تلك الطريقة الغير لائقة في الحديث من قِبل هذا الضابط الغريب، واستشعر من أسلوبه اتهامات غير أخلاقية تسيء إليه وإلى شخص إيناس، فرد عليه مدافعاً عن موقفه:
-مش عاوز حضراتكم تفهموني غلط والله، أنا بس كنت عاوز أتعرف بمسعد باشا، وأعرفه عليا، يعني كبداية للتعارف بين العيلتين!
سأله مسعد بإستغراب وهو يدقق أنظاره في تعابيره الجامدة:
-واحنا هنتعرف على بعض ليه؟

بينما تساءل باسل بنبرة محتقنة وقد استشاطت نظراته:
-ايه لزمتها المعرفة دي من الأساس؟
صاح فيه مسعد بحدة بعد أن ضاق ذرعاً من طريقته الهوجاء في الحديث:
-يا باسل اديله فرصة يقول كلمتين على بعض خلينا نفهم!
ثم تمتم مع نفسه بغرابة:
-هو ماله مش طبيعي ولا على بعضه!
رد عليه باسل بتجهم شديد:
-ماشي، حاضر، هاسكت ومش هانطق بحرف!
أخذ مسعد شهيقاً عميقاً، ونفخه دفعة واحدة ليخرجه من صدره، ثم سأله على مضض:.

-خير يا أستاذ وائل؟ انت عاوز مني ايه؟ وضحلي لأني مش فاهمك الصراحة!
كور وائل قبضة يده، ثم قربها إلى فمه، وتنحنح بصوت خشن، ورد عليه بتلعثم وقد بدا مرتبكاً بعض الشيء:
-احم، أنا يزيدني شرف إني آآ، أتقدم وآآ، وأطلب من سعادتك ايد الآنسة إيناس!
نزل ما قاله على مسامع باسل كالصاعقة التي أصابته بتيار كهربائي عالي الجهد، فاتسعت مقلتيه بصدمة جلية، وهدر غير مصدق:
-نعم! ايد مين؟

صُدم مسعد هو الأخر مما قيل، لكن حالة إندهاشه لم تكن تقارن برفيقه الذي كان في وضعية الانفجار..
فردد مشدوهاً:
-إيناس أختي!
تابع وائل بقدر من الثبات وهو يفسر سبب عرضه:
-أنا عارف إن المكان مش مناسب للطلب ده، وأن والدها سيادة اللوا – ربنا يديله طولة العمر – موجود، بس أنا حبيت أخد موافقة مبدأية من حضرتك قبل ما امشي في باقي الخطوات وأعمل بالأصول!
هز مسعد رأسه متفهماً موقفه وهو يغمغم بخفوت:
-أها..

هدر فيه باسل بجنون:
-لا إيد ولا رجل، معندناش بنات للجواز!
استدار مسعد برأسه نحوه، ونظر له مصعوقاً، وردد بعدم تصديق للحالة التي عليها:
-باسل اتهبل ولا ايه؟
استنكر وائل التدخل السافر لذلك الضابط دون وجود سبب واضح لتصرفاته المتهورة..
فاستجمع شجاعته، ونظر له بإزدراء وهو يسأله بنبرة شبه ساخطة:.

-معلش، مين حضرتك؟ أنا المفروض بأتكلم مع أخوها الكبير، وعلى حد علمي مافيش اخوات شباب عندها إلا هو وبس! وهو اللي يقول رأيه في طلبي!
دفع باسل مسعد للجانب قليلاً ليتجاوزه ويقف مواجهاً لوائل ومتحدياً إياه بقوة، وصاح به بغلظة ونظراته قد تحولت لنذير خطر:
-أقولك أنا أبقى مين!
احنى باسل رأسه للأمام ليبدو كمن يحاول تسديد لكمة رأسية قوية، ورد عليه بصوت قاتم يحمل الغضب والسخط:.

-اللي واقف قدام جانبك يا سيادة التلميذ يبقى الرائد باسل سليم، خطيب الآنسة المبجلة إيناس غراب!
فغر وائل فمه مصدوماً وهو يردد بذهول:
-نعم!
نظر مسعد إلى باسل بإندهاش عجيب، وردد متساءلاً:
-إيناس مين؟ دي اللي هي البت نوسة؟
تابع باسل قائلاً بشراسة:
-أظن بقى مايصحش تخطب واحدة مخطوبة!
ثم لكزه بعنف في كتفه وأكمل مهدداً بنبرة عدائية:
-اتفضل بالسلامة بدل ما ألبسك تهمة وانت واقف مكانك!

تراجع وائل للخلف مصدوماً من تلك المفاجأة الغير متوقعة..
تحرك باسل في اتجاهه، وعيناه لم تطرفان للحظة، وأكمل بنبرة عدوانية:
-انت مش عارفني لما الجنونة تطلع!
وضع مسعد قبضته على ذراع باسل، وسأله بنزق وهو يحاول استيعاب ما قاله تواً:
-باسل، انت خطبت إيناس امتى؟ مش آآ…
شعر وائل بالحرج الشديد، فتنحنح بصوت متحشرج وهو يردد بتعلثم:
-احم، أنا أسف، مكونتش أعرف إنها مخطوبة، عن اذنكم!

لاحقه باسل بنظراته المخيفة حتى ابتعد عن أنظاره، فهتف مسعد متساءلاً باستنكار وقد صارت تعابير وجهه متجهمة:
-ايه يا باسل الكلام الغريب اللي قولته؟ أنا كفيل أنهي معاه أي موضوع من غير ما آآ…
التفت باسل ناحيته، وقاطعه قائلاً بقوة:
-مسعد، بص من غير ما ألف كتير وأعمل أفلام ومقدمات، أنا عاوز أخطب أختك إيناس!
رد عليه مسعد بسخط:
-هو في ايه؟ مالكم النهاردة، الكل عاوز يخطب ايناس، هو مافيش إلا هي في البلد!

احتج باسل عليه قائلاً:
-لا في كتير، بس أنا آآ…
ثم توقف عن اتمام حديثه، فقد تغير مجرى الحوار وأصبح في موضع حرج نوعاً ما..
فلم تكن تلك هي الطريقة التي يود أن يتقدم بها لخطبة إيناس..
طال صمته وبدا أكثر ارتباكاً عما كان قبل لحظات من شراسة وعنف..
حدجه مسعد بنظرات حادة، وسأله بنفاذ صبر:
-انت ايه؟
نكس باسل رأسه حرجاً منه، وأسبل عيناه وهو يجيبه بصوت خفيض غير واضح نسبياً:
-أنا بأحبها..!

لم يسمع مسعد ما قاله بوضوح، فهتف بحدة:
-يا بني مالك قلبت بطة بلدي كده ليه، ما تعلي صوتك شوية!
رد عليه باسل بنبرة جادة وهو يبتلع ريقه:
-بأقولك بأحب إيناس
صاح مسعد مذهولاً وقد ارتفع حاجباه للأعلى:
-نعم!

استقل وائل سيارته وهو في قمه ضيقه وغضبه..
لم يتخيل أن من أحبها مرتبطة خفية بغيره، وهو كان كالأحمق يفرض نفسه عليها دوماً، فبالطبع كانت ترفضه وتتصدى لأي محاولة بائسة منه للتقرب منها..
هاتف وائل أماني وهو يقود سيارته، ثم عاتبها بحنق:
-كنتي قوليلي إنها مخطوبة بدل ما أروح أتهزق واخد كلمتين مالهومش لازمة!
ردت عليه بعدم تصديق:
-ازاي بتقول كده، إيناس مش مخطوبة، دي صاحبتي وأنا عارفها!

زفر بصوت مسموع ومختنق وهو يقول:
-أهوو اللي حصل!
ردت عليه أماني بهدوء حذر:
-طب اهدى يا وائل وفهمني بالظبط ايه الموضوع!
في الوحدة التدريبية العسكرية،
حدق مسعد في باسل بنظرات متفرسة بعد أن اعترف الأخير بحبه لشقيقته الصغرى..
لم يتصور أن رفيقه قد يقع في غرام أخر شخص يتوقعه على ظهر الأرض، خاصة وأنه يعرف بمدى كراهية أخته له، فاعتقد أنها ربما تكون دعابة سخيفة منه…
لذا صاح به مدهوشاً، وقد اتسعت عيناه:
-نعم! بتحب مين؟
ازدرد باسل ريقه وهو يجيبه بحذر:
-آآ، إيناس!
ردد مسعد غير مصدق وهو يشير بإبهامه للخلف:
-إيناس بتاعتنا!

تعجب باسل من طريقه رفيقه معه، ورد عليه مستنكراً صدمته الزائدة:
-هو انت عندك حد تاني غيرها
هتف مسعد بعدم اقتناع:
-إيناس، البت نوسة، اللي كنت بتناديها نسناس!
عبس باسل بوجهه، ورد عليه بنبرة قاتمة وقد احتدت نظراته:
-أه هي، بس متقولش عليها نسناس!
صاح مسعد بنبرة جادة:
-انت عاقل يا باسل، إيناس، ده انت كنت بتعتبرها شيخ غفر! وعندها شنبات يقف عليها الصقر!

تشنجت قسمات وجهه، فقد كان أخيها صائباً، فطالما تعمد هو السخرية منها قديماً لاستفزازها، ولكنه ندم اليوم على ما قاله في حقها، حتى لو كان بدافع الضحك، لذلك حذره قائلاً بغلظة:
-مسعد، متقولش كده على أختك!
التوى ثغر مسعد بإبتسامة متهكمة وهو يردد:
-انت يا بني واعي، ده انت بنفسك على طول بتقولي كده عليها ومن وهي لسه عيلة!
هز رأسه غير مقتنع بطلب رفيقه، وتابع بسخرية:
-أكيد مخك جراله حاجة بعد ناتالي!

رد عليه باسل بنبرة شبه متشنجة وقد زادت تعابير وجهه غموضاً:
-ناتالي دي كانت غلطة وانتهيت خلاص منها!
مسح مسعد وجهه بكفه، ثم مرر يده على رأسه، وهتف بنبرة حائرة:
-إنت، أنا مش عارف أقولك ايه؟
حدق فيه باسل بنظرات جادة للغاية، وهتف بلا تردد:
-قولي إنك موافق!
هز مسعد رأسه بإيماءات متعددة وهو يقول:
-موافق على ايه؟
أجابه بنبرة أكثر إصراراً:
-على إني أخطب أختك!

تفرس مسعد في تعابير وجه رفيقه الذي بدا أكثر جدية عما مضى..
لم يكن الأمر مزاحاً، أو مجرد عبارة قيلت إعتباطاً، ولكنه طلب واضح ومحدد..
لذلك سأله مستفهماً دون أن تتبدل نظراته الغير مقتنعة:
-طب انت بتكلم جد؟ يعني مش هزار ولا أفلام ولا حركات عشان الواد المسهوك اللي آآ…
قاطعه باسل بنبرة عنيدة وهو يشير بعينيه:
-وده شكل واحد بيهزر!
تفرسه مسعد بنظرات دقيقة، ورد بإيجاز:
-لأ!

ضرب مسعد كفاً على الأخر، وردد بإبتسامة ساخرة:
-أنا مش مصدق وداني، حاجة عجيبة والله! أنا ممكن أتصور أي حاجة إلا الجنان اللي سمعته حالاً!
اغتاظ باسل نوعاً ما من ردود رفيقه الفاترة، والتي بدت أكثر استخفافاً، وسأله بعبوس:
-وايه الغريب في اللي بأقوله؟
رد عليه مسعد بتساؤل غامض:
-انت تايه عن إيناس اختي ولا ايه؟
لم يفهم باسل المقصد من عبارته المبهمة، وسأله محاولاً تفسير ما يقول:.

-قصدك ايه يا مسعد؟ فكرك أنا مش هاقدر أعملها كل اللي نفسها فيه وآآآ…
قاطعه مسعد بإمتعاض:
-مش كده خالص
رفع باسل حاجبه للأعلى، وتساءل بنفاذ صبر:
-أومال؟ إنت مش موافق بيا؟
أجابه مسعد مبتسماً بسخرية:
-يا عم هو أنا طايل حد يتقدملي! بس الرك في الأخر على رأيها هي
تساءل مسعد بتلهف:
-طيب ايه المانع اني أتقدملها؟
رفع مسعد كفه أمام وجه رفيقه، ورد عليه بجدية:.

-شوف من الأخر كده ايناس تطيق العمى ولا تطيقك، فاستحالة انها توافق عليك أصلاً!
هتف باسل غير مستوعب ما قاله الأخير:
-نعم!
أوضح مسعد قائلاً بتهكم:
-ده انت بالنسبالها في البلاك ليست ( القائمة السوداء )، ولو أخر واحد في الدنيا مش هترضى بيك!
استشاطت نظراته عقب الجملة الأخيرة، وشعر بدمائه تغلي بداخل عروقه..
ألهذا الحد هي تبغضه، تكره كل ما له صلة به..

لم يظن أنها تحمل له كل تلك الضغينة، وهو ذي ظن أنه فعل ما في صالحها..
توهم للحظة أن مسعد يبالغ في وصفه لإحساس أخته تجاهه، فسأله بمكر:
-وانت عرفت منين؟
أجابه بهدوء:
-الكل عارف ده!
اكتسى وجه باسل بعلامات الحزن، وانطفأت نظراته اللامعة نوعاً ما..
أضاف مسعد قائلاً بجدية:
-بص ماتزعلش مني، مش هي أختي، بس صدقني ماتنفعكش!
ضغط باسل على شفتيه محاولاً إخفاء احساسه بخيبة الأمل، وردد يائساً:
-طب عشان خاطري اسألها الأول.

أجابه مسعد بثقة:
-من غير ما أسألها، أنا متأكد من اللي بأقوله
ألح عليه باسل بضيق وقد ضاقت نظراته:
-جرب مش هتخسر حاجة!
أخذ مسعد نفساً عميقاً، وزفره على مهل وهو يراقب ردة فعل رفيقه المقرب..
شعر بالإستياء لتوقعه نتيجة عرض الزواج، ولكن أمام إصراره قرر أن يعرض المسألة على والدته ويستشف منها رأي شقيقته..
تنهد بتعب وهو يقول:
-ماشي، بس مش هاوعدك بحاجة! اللي عليا إني هاقول للحاجة صفية، وانت ونصيبك بقى!

احتضن باسل رفيقه بعد أن تهللت أساريره، وهتف بحماس:
-حبيبي يا مسعد!
ربت الأخير على ظهر رفيقه، وتمتم مع نفسه بتوجس:
-أنا مش عارف الست هتلاحق على ايه ولا ايه؟ ده أنا كنت ناوي أفاتحها في مصيبتي! يالا ماهو المصايب لا تأتي فرادى! وأنا والبت نوسة مش مصايب، لأ كوارث…!

في منزل مسعد غراب،
حصل مسعد على تصريح بالراحة لعدة ساعات، فاستغلها في الذهاب إلى منزله ومفاتحة والدته في مسألة ارتباطه بسابين، وكذلك إبلاغها بعرض رفيقه باسل بالزواج من أخته الصغرى..
تفاجئت هي بوجوده، ورغم ذلك فرحت لقربه منها، وأعدت له الطعام..

وبعد وقت الغذاء بقليل وانتهائها من تنظيف الصحون، تأبطت في ذراع ابنها الذي سحبها معه، وسار بها بخطوات متهادية نحو غرفة الصالة، وأردف قائلاً بصوت هاديء وهو يشير للأريكة:
-يالا يا ست الكل
نظرت له بإستغراب من طريقته الغامضة في التعامل معه، ورددت قائلة بتوجس:
-قلبي مش مرتاح للحركات بتاعتك دي يا مسعد!
رد عليها بعتاب زائف مدعياً البراءة:
-ليه بس يا ماما، ده أنا حبيبك!
نظرت له بإمعان وهي تسأله قائلة:.

-ها، عاوز ايه؟
دفعها بحذر نحو الأريكة لتجلس عليها وهو يردد بإبتسامة عادية:
-اقعدي بس الأول، وخدي راحتك، وبعدها هاقولك على كل حاجة!
جلست على الأريكة بإسترخاء، وردت عليه بتنهيدة مطولة:
-وأدي أعدة، ها عاوز ايه؟
نظر إليها بحيرة، ولوح بكف يده بحركة لا إرادية وهو يحاول البحث عن الطريقة للبدء في الحديث..
لذلك تمتم مع نفسه:
-هو المواضيع دي بنفاتح فيها ازاي.

تعجبت والدته من الصمت الذي حل عليه، ورفعت حاجبها للأعلى مستنكرة هدوئه المريب، فهتفت بضيق:
-ساكت ليه، يا بني خلص ورايا غسيل ومواعين وآآ…
قاطعها مسعد قائلاً بمزاح:
-حاضر بس بأجمع حبل الغسيل، قصدي حبل أفكاري
مصمصت شفتيها وهي ترد:
-ماشي، ربنا يسهلها عليك!
ابتلع مسعد ريقه، ورسم ابتسامة صفراء على وجهه قائلاً بحذر:
-شوفي يا ماما، احنا عارفين كلنا إن الجواز سنة الحياة!

بدت مهتمة بما يقوله، ودققت النظر فيه، بينما تابع هو بسخرية قليلة:
-وكل واحد محتاج إنه يكمل نص دينه، أو يخسره! على حسب!
سألته بتلهف وقد انفرجت شفتيها لتظهر ابتسامة عريضة:
-ها، قصدك ايه؟
لوى ثغره مستنكراً تخمينها المبكر لما يريد البوح به، وأردف قائلاً:
-لأ متفرحيش أوي كده، استني أكملك الباقي
ربتت على فخذه قائلة بسعادة:
-ماشي يا حبيبي، قول!
أخذ نفساً عميقاً، وزفره دفعة واحدة، ثم رد عليها بقلق قليل:.

-شوفي هو أنا عندي موضوعين جواز، وكل واحد أنأح من التاني!
اتسعت عيناها في فرحة ظاهرة، وسألته بعدم صبر:
-ها؟
نظر مسعد إلى والدته بنظرات ثابتة، وتابع بهدوء:
-عارفة صاحبي باسل
-ايوه، ماله؟
أجابها بحزن قليل:
-فسخ خطوبته مع ناتالي!
صاحت صفية بعدم تصديق وقد برزت نواجذها بسعادة:
-البت السودة الكوتة!
استغرب مسعد من مظاهر الفرحة الواضحة على والدته، والتي لم تكلف نفسها العناء لإخفائها، ورد عليها:.

-ايوه هي دي، فركش معاها!
هللت صفية قائلة وهي تشير بكفيها:
-يا صلاة النبي، خير ما عمل، والله فرحتله من قلبي، أنا من الأول قولت ده عمل ومعمله في بطن نملة!
رفع مسعد حاجبه قائلاً بإستهجان:
-بطن نملة، طب أنا راضي ذمتك، هاتيجي ازاي!
ردت عليه بثقة كبيرة:
-دي حاجات انت ماتفهمش فيها!
لوح بيده وهو يقول بجدية:
-سيبنا من أمور الشعوذة والأعمال، لأن التقيل جاي ورا!
هزت رأسها بإيماءة قوية:
-ماشي
ازدرد ريقه، وتابع بإرتباك:.

-المهم، هو كان عاوز يعني آآآ..
سألته بإهتمام رغم استطاعتها استنباط ما يريد قوله:
-عاوز ايه؟
صمت للحظة محاولاً توضيح المسألة لها..
هتفت والدته بنزق:
-يكونش عاوزنا ندورله على عروسة؟
رد عليها بغموض:
-حاجة قريبة من كده
صاحت به بنبرة آمرة:
-ازاي، ما تكلم!
حك فروة رأسه قائلاً بإنزعاج:
-أجيبهالها ازاي!
هتفت فيه والدته بنفاذ صبر بعد أن لاحظت تردده:
-يا واد انطق، انت هتحكي بالقطارة!
رد عليها مسعد مرة واحدة دون مقاطعة:.

-بصي يا حاجة صفية باسل عاوز يخطب البت إيناس
نظرت له صفية مدهوشة لثوانٍ محاولة استيعاب ما قالته تواً، ورددت بعدم تصديق:
-إيناس مين؟
أشار بإصبعه وهو يرد عليها:
-وده كان نفس رد فعلي لما قالي البؤين اللي فاتوا
حل الوجوم وتعابير مصدومة على وجهها، وتابعت بذهول:
-بقى باسل عاوز البت نوسة أختك!
هز مسعد رأسه إيجاباً وهو يقول:
-ايوه، هي بشحمها ولحمها وشعرها النكيش!

ضربت السيدة صفية كفها بالأخر، وبدت أكثر سخرية وهي تقول:
-يا حلاوة يا ولاد!
ردد مسعد مستنكراً حالة البلاهة التي رأها عليها:
-خشي عليا بتعبيرات جو الشِلت والمصطبة البلدي!
أشارت صفية بيدها وهي تضيف بإمتعاض:
-بس هي ممكن تقبل بيه؟ دي مش بتطيقه، ولا بتقبل حتى سيرته، وبتخانق دبان وشها لما نقول حاجة عنه
وافقها مسعد في رأسها، ورد عليها مؤكداً:
-والله قولتله كده، بس هو دماغه جزمة ومصمم عليها!

أثار عرض باسل بخطبة إيناس فضول صفية، فهي تعلم الخلفية السيئة بينهما، وتعجبت كثيراً من طلبه لها..
ربما لم تعترض على الفارق العمري بينهما الذي يجاوز العشر سنوات، لكن اعتراضها على رغبته فيها هي تحديداً..
لن تنكر رغبتها في إتمام تلك الخطبة، لكنها متأكدة من مشاعر ابنتها نحوه، ولذلك تساءلت بإهتمام غريب:
-طب وايه اللي لم الشامي على المغربي!
رد عليها مسعد وقد تهدل كتفيه:
-بيقول بيحبها!

قطبت ما بين حاجبيها بإندهاش قائلة:
-بيحبها، وده حصل امتى؟
أجابها نافياً:
-معرفش يا ماما
عنفت صفية ابنها قائلة بغلظة:
-وإنت أهبل كده، صاحبك يحب أختك من وراك!
ضغط على شفتيه قائلاً بإنزعاج من توبيخها الحاد:
-ربك لما يريد بيدي العبيط!
حذرته بعبوس:
-يا مسعد اتكلم عدل، بلاش هزار!
نفخ بإمتعاض وهو يردد:
-اهوو اللي حصل بقى!
ضربت صفية على فخذيها قائلة بضيق:
-يادي الحوسة، دي هترفضه بالثلث!
رد عليها مسعد بعدم اكتراث:.

-أديني قولتلك، وإنتي اتصرفي وفاتحي بنتك
أومأت برأسها بحيرة وهي ترد عليه:
-ربك يسترها بقى!
ثم أضافت مهللة بسعادة مخفية:
-بس تعرف إنت والله فرحتني، الواد باسل كويس وابن ناس ويستاهل كل خير
اكتسى وجهها بعبوس مفاجيء وهي تكمل:
-بس البت نوسة وش فقر، ومش هترضى!
رد عليها مسعد موثقاً حديثها:
-عارف ده، ويمكن الجنونة تطلع لما تقوليلها!
-مش بعيد!
مال مسعد على والدته، وأخفض نبرة صوته قليلاً وهو يحذرها بتوجس:.

-بس بصي بلاش سيادة اللوا يعرف دلوقتي إلا لما نعرف رأيها الأول!
همست له بحرص:
-أكيد يا بني، أومال يعني هاجيب لنفسي وجع الراس من غير لازمة
غمز لها قائلاً بمزاح:
-أموت فيكي وإنتي واعية كده يا ست الكل
مصمصت صفية شفتيها لتقول بثقة وغرور:
-أومال ايه..!
لوح مسعد بذراعه في الهواء وهو يغمغم بتوجس:
-أدينا خلصنا من أول بلوى!
انتبهت هي إلى ما قاله، وسألته بفضول:
-ها، والموضوع التاني؟

تنحنح بإرتباك ملحوظ، وأسبل عيناه قائلاً بتوتر:
-احم، ما بلاش
مسحت على كتفه بكفها الذي أسندته عليه، وأصرت قائلة:
-يا حبيبي اتكلم
فرك مسعد طرف ذقنه بإصبعيه، ورد عليها بحرص:
-والله يا أمي أنا كنت بأفكر كده آآ..
قطم حديثه، ونكس رأسه حرجاً، فصاحت فيه صفية بضيق:
-قول..!
رد عليها بتلعثم وهو يتحاشى النظر إليها:
-آآ، أتجوز
تهللت أساريرها بشدة، وانشرح صدرها، وعاتبته قائلة بحنو:.

-ودي محتاجة كل التهتهة دي، هو أنا في الديك الساعة لما أجوزك بنفسي لأحسن بنت في الدنيا!
هز رأسه متفهماً وهو يقول:
-الله يكرمك يا ماما!
هتفت صفية متضرعة وهي ترفع بصرها للسماء:
-ربنا يمد في عمري بس واشوفك ببدلة الفرح وأفرشلك بيتك باحسن حاجة!
-يا رب
انحنت برأسها عليه، وسألته بمكر:
-ها، أشوفلك حد كده تبعي ولا انت آآآ…
قاطعها مسعد قائلاً بغموض:
-ماهو أنا مكملتش بقية كلامي!
سألته بخبث وعيناها تمرحان بتسلية:.

-انت عندك عروسة حلوة، قولي وأنا أقوم أخطبهالك هوا!
ابتسم قائلاً وهو يرمش بعينيه:
-والله هي قمر!
زاد فضولها لمعرفة هوية تلك العروس التي أخرجت ابنته عن عزوبيته الجبرية، وسألته بحماس جلي:
-حد نعرفه؟ انطق يا غالي، ها، مين؟!
ابتلع ريقه بتوتر، ونظر لها بإرتباك وهو يجيبها بكلمات مبهمة:
-بصي، هو انتي شوفتيها قبل كده واتعاملتي معاها!
سألته بإهتمام أكبر:
-مين دي؟
استجمع مسعد شجاعته، وأخبرها قائلاً:.

-فاكرة البت الصاروخ اللي جت أعدت عندنا يومين هنا
قطبت جبينها بإستغراب وهي تسأله بحيرة ظهرت في نظراتها:
-بت! بت مين دي؟
عاتبها مسعد قائلاً بضيق وقد اكتسى وجهه بالعبوس:
-ايه يا حاجة صفية لحقتي تنسيها، هو احنا كل يوم بيجي عندنا بنات قمر يقعدوا معانا!
ردت عليه بإستياء مصطنع:
-مش فاكرة والله يا بني، هو أنا مخي دفتر!
أخذ مسعد شهيقاً عميقاً، وزفره على مهل، وأجابها بخفوت:
-البت صاحبة ايناس، سابين!
رددت بفتور:.

-س، سا آآ، سابين!
أضاف مسعد قائلاً بتأكيد:
-ايوه يا ماما، الخواجاية المزة اللي كانت إسراء بتظبطهالي!
تذكرتها صفية على الفور، فقد كانت تظن أنها تشكل تهديداً على زوجها بسبب جمالها وصغر سنها، فتجهم وجهها، وأجابته على مضض:
-ايوه، ايوه، افتكرتها، بس مش دي راحت لحال سبيلها من زمان، ايه اللي فكرك بيها دلوقتي؟
همست بتنهيدة عاشقة وقد شرد في تفاصيل وجهها:
-أنا مانستهاش أصلاً!

تعجبت صفية من حالة الهيام الظاهرة على ابنها، ولم تستطع أن تفهم ما قاله بوضوح، فسألته:
-بتقول ايه؟
انتبه لها، وتنحنح مجدداً وهو يجيبها بإبتسامة بلهاء:
-احم، ماهو أنا هاتجوزها!
ردت صفية مستنكرة وهي تنظر لها بقوة:
-تتجوزها، هو احنا نعرف أراضيها فين، ده موضوع بقاله سنين!
هتف مسعد بحماس وقد زادت ابتسامته:
-لأ ما أنا مقولتلكيش على اللي حصل!
سألته بإهتمام وقد ضاقت نظراتها:
-حصل ايه؟

رد عليها بجدية دون أن تنقص ابتسامته:
-مش أنا طلعت متجوزها، لأ وكمان مخلف منها!
اعتقدت صفية أن ابنها يمازحها في الحديث، فلكزته في كتفه قائلة بعتاب:
-يا واد بطل هزار!
هز رأسه نافياً مجيباً إياها بجدية:
-وربنا ما بأهزر، الورق بيقول انها مراتي من كام سنة!
كان وقع الكلمة عليها قوياً، فرددت بعدم تصديق:
-مرات مين
أجابها مسعد بثقة:
-المزة سابين تبقى مراتي!
شهقت صفية بصوت مسموع، ولطمت على صدرها بفزع وهي تردد:
-ايه!

أضاف مسعد قائلاً بمرح:
-لأ وخدي دي بقى، الناصحة سمت نفسها صابرين، وبقت مراتي، وجابتلي عيلة صغيرة وعملتها بنتي!
اكفهر وجه صفية بشدة، واسودت نظراتها، وسألته بحدة:
-انت بتكلم جد يا مسعد
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول:
-ايوه
هبت صفية واقفة من مكانها، وصاحت بنبرة أقرب للعويل وهي ترفع ذراعيها في الهواء:
-يا نصيبتي!
انتفض مسعد فزعاً من مكانه، وازدرد ريقه قائلاً بتخوف شديد:
-استر يا رب.

أكملت صفية قائلة بصوت متشنج وهي تهز جسدها مستنكرة ما صرح به ابنها:
-ضحكت عليك بنت الخواجات وبلفتك!
حاول مسعد وضع كفيه على كتفي والدته لتهدئتها بعد أن ثارت ثورتها، واهتاجت بطريقة مقلقة، وأردف قائلاً:
-اهدي كده يا ماما، هانتفضح!
دفعته والدته بكوعها، وتحركت بالقرب من النافذة، وأكملت صياحها الغاضب وهي تضرب صدرها بكفيها:
-تعالوا يا ناس، اتفرجوا على الفضايح!

ارتبك مسعد بشدة من ردة فعلها المبالغة، وتوسلها راجياً:
-أبوس ايدك يا ماما اهدي واسمعيني بس!
التفتت بجسدها نحوه، وهدرت بعصبية:
-أهدى، عاوزني أهدى وانت بتقولي اتجوزت وخلفت من غير ما أعرف!
ثم رمقته بنظرات مهينة، وتابعت بغلظة:
-اخص على دي تربية، بقى أهون عليك تعمل كده وتكسر بقلبي وأنا اللي عاوزة أفرحلك!
وضع مسعد يديه على رأسه ضاغطاً عليها، وهتف مستنكراً:
-يا دين النبي، يا حاجة اسمعي، أنا هافهمك كل حاجة!

صاحت فيه بتشنج:
-تفهمني ايه بالظبط!
رد عليه بعبوس:
-كل الليلة من أولها!
حدجته هي بنظرات نارية، وضربته في صدره بعنف وهي تردد بغضب:
-اوعى، جيل بايظ مالوش أهل ولا تربية، بيعمل اللي في دماغه ويرجع آآ…
قاطعها قائلاً بضيق:
-يا لهوي يا ماما، ده انتي مخك حجر!
ضربت بيدها على جانبها، وتابعت مهددة:
-بس يجي أبوك لأقوله على مصيبتك السودة دي
ثم تحركت مبتعدة عنه، فحاول هو اللحاق بها هاتفاً:
-يا حاجة استني!

أكملت صفية قائلة بتهديد شديد اللهجة:
-والله لأكلم أخواتك البنات واجوزاتهم وأقولهم على عمايلك دي، خليهم يجوا يشوفوا حل معاك!
ارتفع حاجباه للأعلى مندهشاً مما تنتوي والدته فعله بلا داعي، فهتف بإستهجان:
-هو أنا لحقت أعمل حاجة عشان تقلبي عليا الدنيا!
أضافت صفية قائلة بحزن ممزوج بالضيق:
-البت سحرتك، وإنت زي الأهبل مشيت وراها، وبعت أهلك عشانها، حسبي الله ونعم الوكيل!

حك مسعد فروة رأسه مصدوماً مما تقول، وهتف ساخراً:
-ايه يا ست صفية، انتي ضربتي كرسي في الكلوب ومش مدية حد فرصة آآ…
قاطعته قائلة بسخط وقد تحولت نظراتها للقسوة:
-اسكت خالص، اوعى من وشي، لازم أشوفلي صرفة مع أبوك!
رد عليها مسعد بإستنكار:
-يادي النيلة..!
انصرفت هي من أمامه وهي تتوعده بعقوبات وخيمة وكأنه اخترق هدنة سلام دولية، فضرب كفه بالأخر، وردد لنفسه بضجر:
-أهوو ده اللي كنت خايف منه، هاتطلع غلبها فيا!

سمع هو صوتها يأتي من الداخل قائلاً:
-محسود من يومك، وآآ…
لم يصغِ للبقية وردد بإمتعاض وهو يرفع بصره للأعلى:
-منك لله يا صابرين! انتي تتجوزيني ومن ورايا، وأنا ألبس في الحيطة!
ضرب مسعد كفاً بالأخر متعجباً من حالة العصبية والانفعال التي أصابت والدته، ولم ينتبه إلى عودة أخته من الخارج..
نظرت هي نحوه بإندهاش وهي تتساءل بفضول:
-هو في ايه؟ صوتكم جايب الشارع كله
رد عليها وهو يلوح بذراعه:
-تعالي يا نوسة، فاتك كتير!
أسندت كتبها ونزعت حقيبتها عنها، وهتفت متأكدة:
-ما أنا حاسة بكده، وتوقعت إن الصريخ ده من عندنا!
-مظبوط!

تساءلت بفضول دون أن تترك الفرصة لأخيها ليجيب عليها:
-مالها بقى ماما؟ بتزعق ليه؟ قولي بسرعة يا مسعد قبل ما أنزل الجيم وآآ…
قاطعها قائلاً بتذمر:
-بالراحة وواحدة واحدة!
جلست إيناس على مسند الأريكة، ومالت بجسدها للخلف، وحدقت فيه بثبات، ثم سألته بهدوء:
-ماشي، في ايه بالظبط؟
أشار بإصبعه وهو يجيبها:
-شوفي أنا عملت زي اللي داس على اللغم وجرى!
انفرجت شفتيها معلنة عن إندهاشة عجيبة وهي تردد:.

-أوبا، باين الموضوع كبير
وضع مسعد يده على فروة رأسه وفركها عدة مرات مجيباً إياها بسخرية:
-جدا! حبيت أنشر الإيجابيات، و قولتلها أنا عاوز أعمر الكون، فانفجرت في وشي!
شهقت إيناس مصدومة وهي تسأله متوجسة:
-لأحسن تكون كلمتها في موضوع سابين؟!
أجابها مبتسماً بتصنع:
-اه هو بعينه، وكمان آآآ…

قاطع حديثهما صوت رنين هاتف إيناس، فنهضت من على مسند الأريكة ومدت يدها نحو حقيبتها لتلتقطها، ثم أخرجت الهاتف منها، ونظرت لأخيها بجدية قائلة:
-ثواني يا مسعد أرد على صاحبتي
رمقها بنظرات شبه منزعجة وهو يقول على مضض:
-ماشي يا ست المهمة ردي عليها!
أولته ظهرها، ثم ضغطت على زر الإيجاب، وهتفت قائلة:
-ايوه يا أماني، بترني عليا من بدري وآآ…
توقفت عن الحديث للحظة لتصغي للطرف الأخر، ثم أردفت قائلة بجمود:.

-طيب حاضر!
استدارت مجدداً في اتجاه مسعد، ورمشت بعينيها وهي تقول بدلال مصطنع:
-معلش يا مسعودي هاروح أكلم صاحبتي جوا وبعد كده هاجيلك تحكيلي اللي حصل بالتفاصيل!
رد عليها ساخراً:
-ماشي، ده لو أمك محكيتش للحي كله ونزلته خبر عاجل في شريط الأخبار اللي تحت!
رفعت إبهامها أمام وجهها قائلة:
-أوكي!
نفخ مسعد بصوت مسموع، ثم ردد بتوجس ظاهر وهو يفرك طرف ذقنه بتوتر:
-استر ياللي بتستر.

أغلقت إيناس الباب خلفها، ثم أكملت مكالمتها الهاتفية قائلة بجدية:
-خير يا أماني؟
سألتها رفيقتها بغموض:
-انتي لوحدك؟
تعجبت إيناس من إصرار رفيقتها على أن تتأكد من بقائها بمفردها خلال تلك المكالمة تحديداً، وردت عليها بتبرم:
-أكيد يعني، ها في ايه بقى؟!
أجابتها أماني بحذر:
-طيب بصي في حاجة حصلت ولازم تعرفيها!
زاد فضولها لمعرفة ذلك السر، فصاحت بعصبية قليلة:
-حاجة ايه دي؟

سردت لها أماني بإيجاز ما حدث في الوحدة العسكرية من ذهاب وائل لأخيها من أجل التقدم لخطبتها، وتعرضه للانتقاد اللاذع والهجوم الشرس، فصاحت الأخيرة بغضب جم مقاطعة إياها:
-نعم؟ بتقولي عمل ايه؟ هو اتجنن؟ ازاي يعمل كده من نفسه!
ردت أماني مدافعة عنه:
-هو كان عاوز ياخد خطوة معاكي!
هتفت إيناس منفعلة وقد احتقنت عيناها:
-ده على أساس إني موافقة أرتبط بيه؟
أضافت أماني قائلة بحذر:
-المشكلة إنه عرف إنك مخطوبة.

شهقت إيناس مستنكرة ما سمعته تواً، وهتفت قائلة بتشنج:
-ايه؟ مخطوبة! مين المتخلف اللي قال كده
أجابتها أماني بغموض أكثر:
-خطيبك!
ارتفع حاجبي إيناس للأعلى بصدمة، ورددت صائحة:
-نعم، انتي فاقية يا بنتي؟
ردت عليها أماني بجدية:
-والله ما كلامي، ده واحد كان مع أخوكي عصبي ومش طايق نفسه
انكرت إيناس ذلك التصريح الزائف هاتفة بشراسة:
-كدب محصلش!
ردت عليها أماني متساءلة بغرابة:
-ووائل هيقول كده ليه؟
-معرفش.

أضافت أماني موضحة:
-يا بنتي ده منهار من اللي اتعمل فيه من خطيبك!
صاحت فيها إيناس بعصبية منكرة ما قالته:
-برضوه هتقولي خطيبي، قوليلي مين الكداب ده؟
أجابتها أماني بنبرة شبه حائرة:
-مممم، بصي هو تقريبا قال ان اسمه آآ، باين باسل أو باسم، يعني حاجة زي كده!
وكأن كلمات رفيقتها الأخيرة كالسهام المسمومة التي أصابتها في مقتل، فمجرد ذكر اسمه يصيبها بحالة مزاجية سيئة، فماذا عن تصريح خطير أهوج كهذا..

لذا صرخت مصدومة بلا وعي وقد اتسعت مقلتيها بشدة:
-ايييييييه؟ مين؟!

ولج مسعد إلى داخل غرفة والدته محاولاً تلطيف الأجواء معها، وإقناعها بأنها قد أساءت فهمه، فوجدها واضعة للهاتف على أذنها وتردد بعصبية:
-أنا عارفة مابيردش ليه؟
هتف مسعد محاولاً لفت انتباهها إليه فقال:
-يا ماما!
رفعت عيناها نحوه، ونظرت له بتأفف، ثم صاحت فيه مزمجرة:
-امشي من هنا، مش عاوزة أشوفك!

اقترب مسعد منها وهو يرسم على ثغره تلك الابتسامة العريضة ليمتص غضبها، ثم انحنى برأسه ليقبل كتفها، وهمس لها بنبرة دبلوماسية:
-اهدي بس واسمعيني!
عاتبته والدته قائلة:
-بقى أهون عليك تقهر قلبي
مسح على ظهرها برفق وهو يقول:
-يا حاجة ربنا ما يجيب قهر، اديني فرصة أحكيلك على كل حاجة!
هزت رأسها محتجة وهي تصيح بصوت هادر:
-أبداً، الشوية اللي بنت الخواجات عملتهم عليك وخدتك تحت باطها مايخلوش عليا!

نفخ مسعد قائلاً بإحباط:
-لا إله إلا الله! طب استني أما يجي بابا وهو يفهمك!
رفعت حاجبها للأعلى متفاجئة بما تفوه به، وتساءلت بعبوس:
-هو أبوك كمان عارف بنصيبتك؟
حرك مسعد رأسه نافياً:
-لا والله، بس هو كان آآ…
قاطعته قائلة بإندفاع وهي تربت على فخذيها:
-أتاريكم مطبخينها سوا!
استنكر مسعد سوء ظنها الدائم، وتخمينها الغير صائب، وهتف بضجر:
-ياني، لبستي اللوا مصيبة وهو برا الليلة كلها!
تابعت هي قائلة بسخط:.

-آه يا ميلة بختي، يا مرك يا صفية، يا شماتة الناس فيكي!
-يا لهوي على ندب الحظ
في نفس التوقيت ولج والده إلى الغرفة على إثر صوتهما المرتفع، واندهش من حالة الحزن والوجوم الظاهرة على وجهي كلاهما، وتساءل بفضول:
-خير يا جماعة بتزعقوا ليه؟
التفت مسعد برأسه نحوه، ورد بتلهف:
-كويس إنك جيت يا بابا عشان آآ…
قاطعته صفية قائلة بحدة وهي تتحرك في اتجاه زوجها:
-كنت عارف باللي ابنك عمله وساكت!

قطب جبينه متعجباً، وضاقت نظراته وهو يسألها بعدم فهم:
-في ايه يا صفية؟
ردت عليه معاتبة وقد احتدت نظراتها:
-ده أنا مراتك وآآ…
لم تكمل عبارتها للنهاية حيث اقتحمت إيناس الغرفة وهي تصيح بإنفعال:
-مسعد!
مال أخيها برأسه للجانب لينظر إليها، فوجد تجهماً مقلقاً يسكو جميع خلجات وجهها، فضغط على شفتيه للحظة، ثم سألها بإمتعاض:
-عاوزة ايه؟
لوحت بذراعها في الهواء بتشنج مجيبة إياه بصوت غاضب:.

-هو صاحبك اتجنن في مخه وعامل نفسه خطيبي! ازاي تسمحله يقول كده من غير ما تربيه وتقطع لسانه؟
حدق اللواء محمد في ابنته بغرابة متعجباً من تصريحها اللاذع، وتساءل بحنق بعد أن شعر بجهله بما يدور في منزله:
-هو في ايه؟ أنا مش فاهم حاجة، عرفوني باللي حاصل بدل ما أنا عامل زي الأطرش في الزفة!
تأمل مسعد أوجه عائلته ونظراتهم المتنوعة ما بين غضب وحيرة واستنكار، وهمس لنفسه:
-دي عيلة مجانين وربنا!

في الوحدة العسكرية،
حاول باسل إلهاء عقله لبرهة عن التفكير في تخمين رأي إيناس عقب معرفتها بعرض خطبته لها، وأفرغ معظم طاقته في التدريب المتواصل وممارسة التمارين العنيفة..
ومع ذلك لم ينجح، فصورة ذلك السمج الذي طلب خطبتها كانت تلاحقه بإستمرار فتزيد من حدة غضبه، وبالتالي يزداد شراسة في أفعاله..
-اه لو كان سابني مسعد عليه
هتف بتلك العبارة وهو يكز على أسنانه بشراسة..

حاول أن يضبط انفعالاته أكثر، وحدث نفسه بإصرار:
-مش هسيبك تضيعي تاني مني، انتي ليا وبس يا إيناس!
ثم تابع تدريباته بقوة أكبر…

في منزل مسعد غراب،
وقف مسعد حائراً بين أفراد عائلته يراقب ردة فعل كل شخص منهم على حدا، فوالدته حانقة وثائرة بسبب اعتقادها في زواجه بدون علمها، وأخته تكاد تطيح برؤوس من يقف أمامها لمجرد معرفتها بتقدم باسل لخطبتها، أما أبيه فيبدو مغيباً عما يدور من حوله ويحاول جاهداً استيعاب الموقف، و تهدئة الأوضاع وعقد هدنة مؤقتة ريثما يفهم كل شيء..

تأملهم بنظرات دقيقة ثم صاح فجأة بزمجرة شبه حادة بعد أن يأس من السيطرة على الموقف:
-طالما محدش عاوز يسمعني ولا يديني فرصة يبقى بناقص وجودي هنا!
ساد صمت مفاجيء والتفتوا جميعا نحوه، فتابع بغرابة:
-وقت ما تهدوا هتفاهم معاكو، سلام!
لم يضف المزيد وتحرك بخطوات أقرب للركض في اتجاه باب المنزل ليعود إلى وحدته العسكرية..
ركضت إيناس خلفه وهي تتساءل بصوت هادر:
-انت يا مسعد سايبنا ورايح فين.

لم يلتفت إليها، وأجابها بهدوء حذر:
-خارج، لكن بالمنظر ده هتبقى خناقة وهنقول كلام يزعلنا كلنا من بعض!
تابعت هي قائلة بتجهم شرس:
-ماتمشيش من غير ما آآ…
لم يصغِ إليها، فقد ظن أن تصرفه هذا هو انسحاب سلمي ليعطي الجميع الفرصة للهدوء والتريث قبل إصدار اﻷحكام النهائية…

في منزل سابين،
لم تهنأ سابين بنوم مستقر منذ تلك الليلة التي عرف فيها حبيبها كل شيء..
كانت تخشى عليه من اﻷذى، واﻵن باتت تخاف من خسارته للأبد..
تورمت عيناها من كثرة البكاء، حتى أن الصغيرة ببرائتها وضحكاتها المرحة لم تستطع إخراجها من حالتها الكئيبة تلك..
حدقت هي أمامها في الفراغ بأعين دامعة، وهمست لنفسها بندم:
-كنت مضطرة موسأد ابعد عنك زمان، بس اﻵن مش إقدر!
قفزت الصغيرة جينا أمامها وهي تتساءل بمرح:.

-مامي، دادي ( سيأتي مرة أخرى ) come again!
هزت سابين رأسها نافية وهي تجيبها بصوت منتحب:
-نو جينا، دادي فلاي away ( حلق بعيداً )
هتفت الصغيرة ببراءة:
-أنا love ( أحب ) دادي!
ثم عبس وجهها قليلاً وهي تتساءل بتوجس:
-دادي don t love me ( هو لا يحبني )؟
استشعرت سابين من حديث الصغيرة احساسها بكرهه لها، فخشيت أن يؤثر هذا على حالتها النفسية ويصبح هذا معتقداً راسخاً في عقلها، فهتفت مستنكرة وهي تضمها إليها:.

-نو نو، دادي بيحبك كتير، بس هو busy so much ( مشغول الفترة الحالية )
ابتسمت الصغيرة بسعادة:
-اوكي مامي!
مسحت سابين على وجنة الطفلة بنعومة ومالت عليها لتقبلها بحنان أمومي غريزي، ثم ضمتها إلى أحضانها ومسحت على شعرها برفق وهي تتنهد بإستياء عميق…

في الوحدة التدريبية العسكرية،
ما إن عرف باسل بعودة مسعد حتى ترك ما في يده وذهب إليه ليعرف منه أخر المستجدات، فقد كان يحترق شوقاً ويتوق بتلهف كبير ليعرف رأيها..
تفاجيء هو بحالته المتجهمة المسيطرة على تعابير وجهه، ونظرات الحزن التي تكسو عيناه، فانقبض قلبه بخوف كبير، وازدرد ريقه بتوتر، ثم سأله متوجساً:
-ايه الاخبار؟
لم يجبه اﻷخير وزفر بتنهيدة مطولة تعكس جزءاً ضئيلاً مما يضمره في صدره من آلم وضيق..

قفز قلب باسل في قدميه، وسأله بقلق واضح:
-ما ترد عليا يا مسعد حصل ايه؟
رد عليه مسعد بتساؤل فاتر:
-في ايه بالظبط؟
هتف باسل بحدة وهو يشير بعينيه:
-في موضوعي طبعاً!
رمقه مسعد بنظرات خاوية، وأجابه بتهكم:
-تفتكر انت هايكون ايه يعني؟
جف حلق باسل، وتهدل كتفيه للأسفل، وتساءل بنبرة شبه حزينة:
-يعني، آآ، إيناس عرفت وآآ رفضت؟
التوى ثغر مسعد بضحكة ساخرة، ورد عليه بعدها بسخط:.

-رفضت دي اخر كلمة قالتها بعد ما قلبت الدنيا وخربتها، ويمكن دلوقتي زمانها طايحة في كل اللي في الجيم، ده إن مكانتش عملتلهم عاهة!
عقد باسل ما بين حاجبيه مردداً بتعجب قليل:
-الجيم!
أوضح مسعد مقصده قائلاً:
-اه، ماهي بتدرب 3 أيام في الاسبوع في الجيم اللي ورانا بشارعين!

هز هو رأسه متفهماً إحساسها برغبتها في التنفيس عن مشاعرها المحتقنة ضده، ورغم ذلك لم يشبع هذا فضوله في معرفة سبب رفضها لعرضه، ولذلك تساءل بنبرة بائسة:
-طب مقالتش السبب؟
أجابه مسعد بتذمر:
-ما انا قايلك انها مش بتطيقك ولا بتقبلك وآآ…
قاطعه باسل بحدة ظناً منه أن سبب رفضها إياه لوجود شيء ما يربطها بذلك الثقيل زميلها في الكلية:
-طب هي بتحب الواد الملزق ال، آآ.

رد عليه مسعد مقاطعاً إياه قبل أن يتطاول بفظاظة ويسب وائل:
-ولا جابت سيرته أصلا، بس اللي هتيجنني هي عرفت ازاي وأمي مكانتش لحقت تقولها!
احتقن وجهه نوعاً ما، وضاقت نظراته وتحولت للشراسة وتمتم من بين أسنانه بغلظة:
-اكيد ال، ده كلمها وعرفها!
هز مسعد رأسه نافياً وهو يقول:
-لا معتقدش، هي صاحبتها طلبتها قدامي وشوية واتقلب حالها!
صاح فيه باسل بعصبية:
-اومال رفضتني ليه؟!
حرك مسعد كتفيه نافياً:
-معرفش!

بدا على وشك الإنفجار، وهدر بغضب زائد:
-يا مسعد ريحني بدل ما أنا بأهري في نفسي كده
رد عليه رفيقه بنفاذ صبر:
-مش اما ارتاح انا الاول
سأله باسل بإمتعاض:
-طب انت عملت ايه في موضوعك
حدق فيه مسعد بنظرات متأففة، ورد عليه مستنكراً تجاهله لوضعه المتأزم:
-لسه فاكر تسألني، صحي النوم يا باشا!

أغمض باسل عينيه، وأخذ نفساً عميقاً حبسه لثوانٍ قليلة داخله ليستعيد هدوئه، فهو يعلم أن الإنفعال لن يحل شيئاً، ثم زفره دفعة واحدة، وفتح عيناه، ووقف قبالة رفيقه،
ثم وضع يده على كتف رفيقه، وضغط عليه قليلاً وهو يقول:
-معلش يا صاحبي غصب عني!
أخفض مسعد عينيه، ورد بيأس:
-اهوو موضوعي أنأح من بتاعك بمراحل
أضاف باسل قائلاً بجدية:
-اكيد الحاجة صفية مسكتتش!
لوى مسعد فمه بسخط وهو يرد عليه:
-قول هي ماقالتش ايه!

سأله باسل بإهتمام وهو محدق به:
-طب وإنت ناوي على ايه؟
رد عليه بتنهيدة مطولة:
-ربك يدبرها من عنده!
حاول مسعد الابتسام ليهون على نفسه المسألة، وأضاف متفائلاً:
-وعلى رأي المثل تبات نار تصبح رماد!
ابتسم رفيقه له وهو يرد:
-ايوه، مظبوط!
في الصالة الرياضية،
لم تستطع إيناس كبح نوبة غضبها الهائج، وبدت متشنجة على غير المعتاد وفاقدة للتركيز..
لاحظت مدربتها هذا اﻷمر، فاقتربت منها، ونظرت لها بدقة فرأتها ترتكب أخطاءاً جسيمة ربما تؤدي لإصابتها دون وعي، لذا حذرتها قائلة:
-إيناس كده مش ينفع خالص، انتي بتأذي نفسك!
انتبهت هي إلى صوتها، واعتذرت قائلة:
-سوري يا كوتش
تابعت المدربة قائلة بجدية وهي تشير بسبابتها:.

-ركزي وإلا كده انتي بترهقي عضلاتك وجسمك بدون فايدة حقيقية!
أومأت برأسها ايجاباً:
-حاضر
أكملت المدربة حديثها بإبتسامة رقيقة:
-في كورس يوجا بدأ من يومين ايه رأيك تشتركي فيه؟
اعترضت إيناس بجدية:
-ماليش في جو اليوجا وحركات الشلل والصمت دي!
انزعجت المدربة من تفسير إيناس الخاطيء لتلك الرياضة التأملية، وصححت لها مفهومها:
-انتي فهماه غلط، رياضة اليوجا مهمة جدا للاسترخاء وتصفية الذهن وآآآ…

شعرت إيناس بالملل من حديثها الغير مجدي، فهي بالطبع لن تشترك في تلك الرياضة، وحاولت أن تبدو لطيفة وهي تقول مجاملة:
-ان شاء الله، هابقى اشوف!
أصرت المدربة على رأيها قائلة:
-حاولي بس انتي تشتركي فيه!
زفرت إيناس بيأس من إلحاحها، وردت عليها بنبرة قاطعة:
-ماظنش، أنا مبسوطة كده
مطت المدربة شفتيها مستنكرة رفضها الغير مبرر، ثم أضافت:
-صدقني انتي محتاجاه وهيفرق معاكي جامد!

انتصبت إيناس في جلستها، ونظرت في الفراغ أمامها، ثم هتفت بنزق:
-اللي أنا محتاجة بجد هو إني اشترك في كورس رماية، وضرب نار!

بعد مرور يومين،
فكر باسل ملياً في طريقة يستطيع بها معرفة إن كانت إيناس تحب غيره أم ﻻ، فمجرد اعتقاد انها تشارك شخص أخر في حياته تصيبه بالجنون والعصبية..
عاد بذاكرته للحظات تهوره وإنفعاله المستفز لها، وندم أشد الندم لتصرفاته الطائشة والعنيفة مسبقاً معها، وبالطبع أتت النتائج بصورة سلبية للغاية، واليوم هو يحصدها…
زفر بإستياء كبير، وذرع غرفته جيئة وعودة حتى يأس من كل شيء..

بدا إلى حد كبير عاجزاً عن التفكير بذهن صافي، فجميع أفكاره تنتهي إلى حل ميئوس..
ضغط على رأسه بقوة بكفيه، وركل الأرضية بقدمه، وفجأة توقف في مكانه، فقد طرأ بباله شيء ما..
تهللت أساريره، وتنفس الصعداء، وهتف لنفسه بحماس عجيب:
-مافيش إلا كده!
زادت ابتسامته اشراقاً وهو يكمل بجدية:
-أرتب الخطة صح، وساعتها هاتعرفي يا إيناس أنا اقدر اعمل ايه بالظبط عشان تكوني ليا!

توجه اللواء محمد إلى الوحدة العسكرية لزيارة ابنه ومعرفة تفاصيل كل شيء على روية وبعيداً عن جو المنزل المشحون والمعقد لتضح الصورة بالكامل له..
هو تمكن من تهدئة زوجته، لكن رغم هذا لم يعرف بملابسات الأمور..
التقى بابنه، فسرد له الأخير ما جرى لاحقاً وما توصل إليه، فأدرك هو أن مسعد مجرد وسيلة لاتمام اﻹجراءات اﻷمنية الخاصة بتأمين الشاهدة وحمايتها..
هز هو رأسه متفهماً، وأضاف بنبرة رزينة:.

-اطمن يا مسعد أنا هاتصرف مع أمك وهافهمها بطريقتي!
تساءل مسعد بحزن ظاهر في نبرته بعد أن أصبحت نظراته يائسة:
-تفتكر هتوافق على جوازي منها؟
صمت والده ولم يجبه، وأخذ يتفرس تعابير وجهه بحنكة..
أيقن هو أن ابنه متيماً بتلك الفتاة رغم كل شيء، وينقصه فقد أن يتأكد من حدسه، لذلك سأله بنزق:
-انت بتحبها؟
لم يجد مسعد بداً من الهروب من الإجابة، فرد عليه بإستياء:
-اه
ابتسم والده دون تكلف وهو يضيف:.

-خلاص يا بني، سيبها على الله ثم عليا!
ارتفع حاجبي مسعد للأعلى، وارتخت تعابيره الحزينة ليحل محلها أخرى سعيدة، وهتف غير مصدق:
-بجد يا بابا!
أجابه والده بهدوء واثق:
-ايوه يا مسعد، طالما ده هيسعدك ايه المانع
نهض مسعد ليحتضن والده، ثم شكره ممتناً لوقوفه إلى جواره ودعمه له في تلك المسألة المصيرية..
ثم هتف بسعادة جلية وقد ظهرت نواجذه:
-اخيرا بسمة أمل في جو الاكتئاب اللي عايش فيه ده بقالي ياما!

رد عليه والده بثقة:
-بتيجي على اهون سبب يا بني!
وافقه مسعد الرأي، وردد قائلاً بفرحة عامرة:
-ونعم بالله فعلاً!
لاحقاً في منزل مسعد غراب،
تمكن اللواء محمد من اقناع زوجته أنها أساءت فهم كل شيء، وأوضح لها بدبلوماسية حكيمة كل الظروف..
مصمصت هي شفتيها غير مصدقة أن ابنها كان فردا في تلك العملية الخطيرة، وأنه تمكن بجدارة من حمايتها، ورددت بنبرة عادية:
-بقى الموضوع كده؟
أجابها بجدية:.

-اومال انتي مفكرة ايه يا صفية، المواضيع دي مافيهاش هزار!
ضاقت نظراتها واحتدت، وهتفت معاتبة:
-وانت كنت عارف وساكت؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يرد:
-أيوه، لأنها أسرار عسكرية!
تجهم وجهها قليلاً، وعنفته برقة:
-وأهون عليك تسيبني كل الفترة دي على عمايا!
رد عليها موضحاً موقفه:
-أنا نفسي معرفتش بالتطورات الا من ابنك!
ردت مستنكرة وهي تحرك رأسها للجانبين:
-صحيح يدي الحلق للي بلى ودانه!

تأكد اللواء محمد من استقرار الأمور وتفهم زوجته للوضع، فتابع قائلاً:
-طيب انتي رأيك ايه في موضوع جوازه منها؟
ردت عليه بإمتعاض:
-يعني مافيش الا هي!
تابع قائلاً بجدية:
-ابنك بيحبها وعاوزها
التوى فمها وهي ترد بسخط:
-بس دي معاها عيلة، هو ناقص هم، وعلى رأي المثل يا مربي في غير ولدك يا باني في غير ملكك..
عنفها زوجها على تفكيرها العقيم قائلاً بحدة:.

-يا صفية حرام عليكي، بلاش الكلام ده، دي يتيمة وطفلة، والرسول عليه الصلاة والسلام وصانا على اليتيم وقال أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة!
ردت بإقتضاب:
-عليه الصلاة والسلام، بس أنا امه وعاوزة افرح بعوضه من صلبه وآآ…
قاطعها قائلاً بتبرم:
-يا صفية بأقولك هي لسه متجوزتش وبنت بنوت!
نفخت هي بصوت مسموع، وردت عليه متذمرة:
-بس هانقول للناس ايه؟

استنكر هو تفكيرها المبني على رأي الأخرين وتدخلهم في مسائل حياتهم، وتشدق متسائلاً:
-انتي يهمك الناس ولا سعادة ابنك؟
أجابته بتنهيدة مطولة:
-ابني!
ابتسم لها قائلاً بثقة:
-يبقى توكلي على الله ووافقي..!
ظل العبوس محتلاً القسم الأكبر من وجهها، فتابع هو بحنو:
-عاوزين نشوف احفاد مسعد يا صفية، ها موافقة؟

فكرت هي في حديث زوجها لبعض الوقت، ووجدت أنه ربما يكون محقاً في بعض الأمور، إلا أنها لا تستطيع أن تحرم فلذة كبدها من فرحته..
أخفضت هي نظراتها، وردت مستسلمة:
-طيب!
أومأ اللواء محمد برأسه قائلاً:
-أما اتصل على مسعد افرحه!
-روح كلمه
قالتها صفية بإبتسامة باهتة وهي تتابعه بعينيها…

هلل مسعد مبتهجاً حينما أبلغه والده بموافقة أمه على زواجه من سابين، وصاح بسعادة غامرة:
-ما يجيبها الا رجالها، ربنا يخليك ليا يا بابا!
أضاف والده قائلاً بحماس مشجعاً إياه:
-شد حيلك انت يا بطل وشوف ايه الاجراءات المطلوبة عشان نعملك فرح وتتجوزها!
رد عليه مسعد بثقة والابتسامة لم تفارق محياه:
-يا بابا هي مراتي، صحيح على الورق بس برضوه مراتي
هتف والده بنبرة أكثر جدية:
-دي دواعي أمنية، لازم الاشهار!

رد عليه مسعد بحماسة مفرطة:
-دواعي دواعي وماله، أنا هاعمل كل حاجة!
أطلق تنهيدة عميقة تعبر عن إرتياح شديد، ثم أكمل بمرح:
-سلملي على ماما وبوسهالي
رد عليه والده بمزاح:
-لا انت اللي تيجي تعمل ده بنفسك!
هتف مسعد بنبرة عازمة:
-على طول، اخد بس التصاريح وهتلاقيني فوق دماغها!
في نفس التوقيت، اقترب باسل من رفيقه فوجده في حالة غريبة تختلف كلياً عما تركه عليها قبل لحظات، فسأله بفضول:
-في ايه يا مسعد؟

رد عليه بحماسة وقد أشرقت نظراته، ولمعت عيناه:
-باركلي خلاص هاتجوز صابرين!
ارتسمت علامات الصدمة على وجه باسل، وردد مذهولاً:
-هما وافقوا عندك؟
لكز مسعد رفيقه في كتفه بخفة، وهز رأسه قائلاً بتفاخر:
-ايوه، البركة في تكتيكات سيادة اللوا والهجوم المباغت اللي دخل بيه على الحاجة صفية، فضرب قواعدها، ورفعت رايات الاستسلام
ضحك باسل من دعابة رفيقه، واحتضنه قائلاً:
-مبروك يا صاحبي!
ربت مسعد على ظهره، ورد عليه بمكر:.

-الله يبارك فيك. وعقبالك مع اللي تستاهلك!
ابتسم باسل بغرور وهو يرد بنبرة واثقة:
-انا عارف عاوز مين ومش هيأس!
-اها..
ثم أضاف بنبرة عاشمة:
-ادعيلي بس!
هتف مسعد مازحاً:
-انا هاخلي الحاجة صفية بنفسها تدعيلك، وشوف انت بقى اللي بتدعيله هيحصله ايه!

في منزل مسعد غراب،
هاتفت الحاجة صفية ابنتها إسراء لتبلغها – كعادتها – بأخر ما حدث في العائلة، وبالطبع كانت الأخيرة حريصة على معرفة كل جديد، وعلمت بكل ما يخص سابين وقضيتها الشائكة، وما أتبعه من لجوئها إلى حيلة ارتباطها الوهمي بمسعد كزوج لها لتتمكن من الاختفاء نهائياً من المتربصين بها، ثم اعترافه بحبه لها، ورغبته في الزواج فعلياً منها..
رددت صفية بتذمر:
-ابوكي واخوكي بلفوني!

ردت عليها إسراء بتعجب:
-ياه كل ده حصل واحنا مش عارفين!
هتفت صفية مستنكرة:
-اه يا بنتي، ده ولا الروايات!
أضافت إسراء قائلة بإعجاب:
– ان جيتي للحق ياماما البت امورة وكويسة
تنهدت صفية بإستياء:
-انا مقولتش حاجة، بس كان نفسي افرح وانقي عروسة ابني بنفسي، تكون نقاوة عيني!
ردت عليها إسراء بجدية:
-يا ماما العروسة للعريس والجري للمتاعيس!

لم تقتنع صفية بما تردده ابنتها، واعتقدت في وجود من يضمر لها سوءاً ويحسد أبنائها، ويتمنى لهم الشر، فغمغم بتبرم:
-آآخ يا خواتي، محسودة في عيالي!
لم ترغب إسراء في مجادلة والدتها في ذلك الأمر، وتساءلت بإهتمام:
-طب والبت نوسة؟ مش ناوية توافق على باسل
ردت عليها بنبرة مستاءة:
-اهوو ده اللي قهرني، عريس لقطة وابن ناس وكويس!
هتفت إسراء مقترحة:
-طب ما تكلميها تاني، وأهوم بيقولوا الزن على الودان أمر من السحر!

تنهدت صفية بإنهاك وهي تقول:
-هاجرب مش هانخسر حاجة.

على مقربة من الصالة الرياضية،
حدق باسل في المدخل المؤدي للصالة بنظرات دقيقة مترقباً وصول إيناس بين لحظة وأخرى..
قرر ألا يبدل ثيابه العسكرية بأخرى عادية، فهو بحاجة ليبدو رسمياً لينفذ خطته..
تنفس بثبات، وتفحص المارة بجدية..
وما إن لمح حبيبته حتى تأهب في جلسته ووضع الهاتف على أذنه وتحدث بنبرة غامضة و شبه آمرة:
-اجهزوا!

أخفض نظارته الشمسية وجلس بإسترخاء وهو يطرق بأصابعه على المقود بحركة روتينية ثابتة بعد أن تأكد من ولوجها للداخل..
انتظر هو لبرهة بداخل سيارته ليتأكد من بدء تدريباتها المعتادة وانشغالها بها، ثم ترجل بعدها منها، وسار بخطوات جادة نحو المدخل…
توقف في مكانه وتلفت حوله بنظرات شمولية إلى أن سلط أنظاره في اتجاه ما، ثم هز رأسه بإيماءة خفيفة ليتجمع حوله في ثوان معدودة أقرانه في وحدته العسكرية…

شكل الجميع حوله دائرة قتالية بثيابهم العسكرية اللافتة للأنظار، فجاب ببصره عليهم واحداً تلو الأخر، وحدق فيهم بإعجاب جلي
التوى ثغره بإبتسامة مغترة، ثم أردف متساءلاً بهدوء مريب:
-جاهزين يا رجالة؟!
أجابوه بجدية وكأنهم على وشك الدخول في معركة حامية الوطيس:
-تمام يا باشا…!
في منزل سابين،
توجهت سابين ناحية باب منزلها لتفتحه بعد أن سمعت دقات خافتة عليه..
كانت تحاول تجاوز الصغيرة جينا لكنها ركضت مسرعة لتسبقها – كعادتها – لتفتح قبلها الباب..
أمسكت بالمقبض وأدارته ببطء لتتفاجيء بوجوده عند عتبتها..
هتفت الصغيرة بسعادة جلية وهي تقفز في مكانها:
-دادي!
وضع مسعد يده على رأس الصغيرة، وفرك فروة رأسها دون أن يبعد عيناه عن حبيبته..

بينما تسمرت هي في مكانها مصدومة و تعابير وجهها الرقيق تكسوه الدهشة..
ظلت كالصنم لبضعة دقائق تطالعه بنظرات متأملة ومطولة..
لم يتوقف هو عن التحديق بها، فقد اشتاق الوجود بقربها، ولما لا فهي حبيبته التي حافظ على حبها نابضاً في فؤاده لسنوات؟
قطع هو الصمت المليء بالأحاسيس قائلاً بنبرة مرحة:
-مش هاتقوليلي اتفضل ولا آآ…
هتفت مقاطعة بتوتر ملحوظ:
-اوه، تعالى موسأد!
ثم أفسحت المجال له ليمر..

ولكنه توقف لينحني بجسده للأمام ليحمل الصغيرة جينا بين ذراعيه..
عبثت الطفلة بوجهه بأناملها الصغيرة، فمال بفمه ليقبلهم بحنو أبوي..
راقبت سابين تصرفاته بغرابة شديدة..
لم تستطع انكار شعورها بالريبة مما يفعله، فهو يتصرف كأبيها بالفطرة، ناهيك عن الفضول الذي يكاد يقتلها لمعرفة سبب زيارته تلك..
أوصدت الباب وتحركت خلفه، ثم تبعته إلى الصالة..

أنزل مسعد الصغيرة، وداعبها قليلاً، ثم انتبه لصوت سابين وهي تتساءل بجمود:
-خير موسأد، إنت إمل ايه هنا؟
التفت برأسه نحوها ليتأملها..
لاتزال جميلة حينما تغضب وتعبس بوجهها..
ظهر شبح ابتسامة خفيفة على محياه وهو يتسلى برؤيتها حائرة شبه متلهفة لمعرفة أخر المستجدات، وسرعان ما أخفى بسمته ليستعيد ثابته، وأجابها بهدوء:
-كل خير يا صابرين!
لم تبدُ مقتنعة، وزاد انعقاد ما بين حاجبيها، فضيق نظراتها، وتابع بغموض:.

-مستغربة وجودي ليه، مش إنتي المفروض مراتي والمحروسة بنتي؟
ابتلعت ريقها بتوتر، وردت بهمس متلعثم:
-اوكي، بس آآ…
هتفت الصغيرة جينا مقاطعة حديثهما قائلة:
-مين ملحوسة!
رد عليها مسعد بضيق زائف:
-محروسة يا بنتي، انطقي صح!
ثم أخفض جسده وجثى على ركبته أمامها لينظر إليها عن قرب، وأكمل بجدية:
-انتي محتاجة تقعدي معايا أكتر من كده عشان أظبط المخارج والمداخل بتاعتك!

صاحت سابين بعصبية قليلة فقد نفذ صبرها من تخمين سبب زيارته:
-موسأد، بليز ركز معايا أنا، وسيب جينا الآن!
هز رأسه متفهماً وهو يردد:
-ماشي!
نهض عن الأرضية، واعتدل في وقفته، ثم كتف ذراعيه أمام صدره، ونظر لها بتفرس..
بدا هادئاً للغاية مما أثار أعصابها بشدة، فهتفت بنزق:
-انت جيت هنا ليه؟
أجابها بثبات واثق:
-وأنا جاوبت على سؤالك!

ثم أرخى ذراعيه وتحرك نحوها ليقف قبالتها وعلى بعد خطوتين منها، وحدق في عينيها مباشرة..
ارتبكت من نظراته التي تعرفها جيداً، وتوردت وجنتيها خجلاً منه..
أهذا هو تأثير الحب على عاشقيه؟
هكذا رددت في نفسها وهي تطالعه بنظرات ناعمة وساحرة..
تحرك خطوة أخرى ليقلص المسافة أكثر، فهي دوماً تجذبه إليها بطريقتها..
تراجعت عفوياً للخلف، وازدردت ريقها وهي تهمس بصوت خافت:
-أخر مرة إنت آآ…

مد يده فجأة ليمسك بها من كفيها، فقطمت عبارتها، وانتفض جسدها كلياً من لمساته، كما دبت فيها إرتعاشة قوية وهو يحرك ابهاميه على كفيها..
التوى فمه بابتسامة متحمسة لم يستطع مقاومة ظهورها فهو يشعر بها..
تتراقص دقات قلبه لأجلها..
همس لها بنبرة رومانسية وهو يرمقها بنظراته المتيمة:
-صابرين، العيلة وافقت إننا نتجوز!
انفرجت شفتاها بصدمة غير مصدقة ما قال، وارتفع حاجبيها للأعلى..
وهمست بصعوبة:
-هاه!

تابع هو قائلاً بحماسة مفرطة، والسعادة تبرز بوضوح من مقلتيه:
-يعني يدوب بس نشوف المطلوب ايه ونعلن الجواز قصاد الدنيا كلها!
ثم غمز لها ليضيف بمكر:
-ونعمر بقى الكون ونحسن السلالة بتاعتنا، مش انتي معايا في ده؟ خدي بالك ده مطلب جماهيري عريض!
قفز قلبها طرباً لجملته، هي ستجتمع أخيراً بمن أحبت تحت سقف واحد..
تحركت رأسها بإيماءات متتابعة تعبيراً عن صدمتها متساءلة بنبرة مضطربة:
-انت اتكلم جد؟

أجابها بثقة وهو يهز رأسه إيجاباً:
-هو في هزار في الحاجات دي!
تلاحقت أنفاسها، وزادت حمرة وجهها، وتساءلت مجدداً بتنهيدة متقطعة:
-يعني إنت وآآ، وأنا هنبقى couple ( زوجين )
لم يفهم مقصدها من كلمة ( زوجين ) التي لفظتها أمامه، وردد بحيرة بائنة:
-هو أنا مش فاهم انتي عاوزة كوباية ليه، بس اشطا هاجيبلك كل اللي نفسك فيه ونحطع في النيش!

تشكل على ثغرها ابتسامة راضية، وأخرجت تنهيدة تعبر عن فرحتها العامرة، كما تسارعت دقات قلبها، وتهدجت أنفاسها مما يحدث..
لقد انتهى الآلم..
انتهت لحظات الفراق والمعاناة والبقاء بداخل الذكريات الموجعة..
وآن الآوان لتمضي قدماً في حياتها…
لاحظ هو تلك الحالة الفريدة المسيطرة عليها، فقربها إليه بحذر، ومال برأسه على أذنها ليهمس لها بهمس العاشقين:
-بحبك يا مدوخاني! بحبك يا صابرين!

أغمضت عيناها لتستمتع بتلك الكلمات العذبة التي اخترقت آذانها، واقشعر بدنها لأنفاسه الحارة التي لفحت وجنتها وتعبر عن لهيب إشتياقه لها..
كما نهج صدرها توتراً من احساسه المرهف والصادق حينما تابع بعذوبة:
-محدش قدر يشقلب حالي كده غيرك، حبيتك بلسانك المعوج، بطريقتك العجيبة، حبيبتك زي ما انتي كده! حبيبتك وانتي سابين، حبيتك وانتي حتى صابرين!

أرادت أن تدوم حالة الهيام الباقية بها للأبج، فاستسلمت لخدر صوته، وتراخى جسدها منذراً بدخولها في حالة إغماء..
انتفض هو مذعوراً حينما رأها على وشك فقدان الوعي، وصاح بهلع:
-انتي هتموتي ولا ايه!
تمسك بها جيداً بذراعيه، وأبقاها بداخل أحضانه، فاستندت هي برأسها على صدره لتستمع إلى دقات قلبه الناطقة بحبه لتكتمل معزوفة الغرام الخاصة بها..
هتف مسعد بخوف وهو يحاول تحريكها:
-سابين سمعاني!

أومأت برأسها بحركة ملحوظة بصعوبة، فتنفس الصعداء لأنها مازالت في وعيها، وهتف بتلهف مرتعد:
-صابرين انتي كويسة؟
همست بصوت خفيض لتطمئنه:
-اها..
زفر بقوة وهو يردد بتبرم:
-بركاتك يا حاجة صفية! ملحقتش أقول كلمتين على بعض والبت هتروح مني!
توجست الصغيرة خيفة مما أصاب سابين، وهتفت بقلق وهي تضع كفيها الضئيلين على شفتيها:
-مامي
التفت مسعد برأسه نحوها، وابتسم قائلاً بمزاح:
-الظاهر أمك بتحب تشم بصل كتير!

سألته جينا بعدم فهم لحديثه:
-مامي sleep، دادي بلاي ( يلعب )
تذكر هو تكرار المشهد من قبل حينما فقدت سابين وعيها، وفهم ما تقصده الصغيرة، فرد عليها بمرح:
-اه هنلعب بالبصل تاني! روحي هاتي عروستك!
لف هو ذراعه حول خصر سابين، وانحنى قليلاً ليضع الأخر أسفل ركبتيها، ومن ثم حملها وضمها إليه، فطوقت هي عنقه بذراعيها، وغفت برأسها على كتفه..

أدركت الصغيرة أنهما يعيدان الكَرَة ويمارسان اللعبة التي لعبتها بدميتها من قبل، فصاحت بحماس وهي تصفق بيديها:
-ياي!
تمتم مسعد من بين أسنانه بسخرية وهو ينظر نحو سابين المتعلقة بعنقه:
-هبلة زي صابرين!

في الصالة الرياضية بالمركز الرياضي،
ولج باسل إلى الاستقبال الخارجي الملحق بالمركز، فانتبهت معظم المتواجدات لحضوره هو وأقرانه من ذوي الملابس العسكرية..
وبخطوات واثقة وجادة توجه ناحية مكتب الموظفة، ثم نزع نظارته الشمسية، وأردف قائلاً بصوت ثابت ورخيم:
-احنا عندنا موعد خاص بفوتو سيشن ( جلسة تصوير )
ارتبكت الموظفة من حضوره المثير، وردت بتعلثم وهي تعبث بالأوراق أمامها:
-آآ، أه يا فندم، أنا عندي خبر بده.

أضاق هو قائلاً بصلابة:
-المفروض جلسة التصوير خاصة، والشباب مستعدين، فيا ريت مانضيعش وقت!
هزت رأسها بإيماءة قوية وهي تقول:
-أها، أكيد!
تابع محذراً بضيق زائف ليزيد من إرباكها:
-مافيش وقت قدامنا!
أشارت بإصبعيها وهي تتحرك مبتعدة عن مكتبها:
-حضرتك اديني بس 5 دقايق هافضي بس الصالة لأن ده ميعاد تدريب السيدات!
-طيب.

كان باسل قد رتب مسبقاً مع مالكة المركز الرياضي موعداً لعقد جلسة تصوير فوتغرافية خاصة بخطبة عروسين وعلى قدر من الخصوصية وبعيدة عن الأضواء، وسيستعين فيها برفاقه في وحدته العسكرية ليضعوا اللمسات المميزة الخاصة بهم بناءاً على طلب المصور المحترف، وبالتالي كان يحتاج للصالة الواسعة لتنعقد فيها جلسة التصوير..

لاقي عرضه استحساناً من مالكته، ودعمت الفكرة كثيراً لأنه سيحمل دعاية لمركزها مستقبلاً، وكذلك لأن العروس من رواد هذا المكان..
اشترط هو عليها ألا يتم ابلاغ العروس حتى لا تفسد مفاجئته لها..
ونفذت هي طلبه برحابة صدر، فقد كانت من النوع المحب لتلك المناسبات السارة..

بدأت السيدات والفتيات يخرجن من الصالة التدريبية واحدة تلو الأخرى وعلامات الإعجاب مسيطرة على أوجههن بسبب هذا الكم من الأدرينالين الذكوري المتواجد بالمكان، ولما لا، فالأجواء حماسية وشيقة للغاية خاصة حينما تعمد الضباط إبراز عدد من مهاراتهم اليدوية القتالية ليتمكنوا من إلهائهن..
في نفس التوقيت كانت إيناس مشغولة بتدريب ذراعيها على رفع الأثقال..

تمددت متأهبة على المقعد الجلدي الطويل، ثم رفعت ذراعيها للأعلى لتمسك بالمقبض المعدني لحاملة الأثقال..
لم تعبأ بإنسحاب من حولها ظناً منها أنهن يتوجهن لتدريب اليوجا، واستمرت في التدريب على رفع الأوزان الجديدة..
ولج باسل إلى داخل الصالة، وبحث بعينين شغوفتين عن حبيبته، فرأها في إحدى الزوايا..
ولأنها صعبة المراس وحادة الطباع فتوجس خيفة أن تفسد خطته..

لذا بحرص شديد أوصد الباب على كلاهما بعد أن طلب من رجاله الاستمرار في مهمة الإلهاء..
جاب بعينيه المكان بنظرات شمولية، والتوى ثغره بمكر حينما وقعت أنظاره على المشغل الموسيقي، فهو أراد رفع صوت الموسيقى الحماسية المنبعثة منه كخلفية محفزة للمتدربين ا ليضمن تغطية صوت شجارهما إن نشب..

استشعرت إيناس بقلبها وجود شيء مريب، وكأن حدسها الأنثوي ينذرها بوجوده حولها، فتوقفت عما تفعل، وأغمضت عيناها لتتجسد صورته في مخيلتها..
عطره المميز داعب أنفها فزاد من تأثيره عليها..
تشنجت قسمات وجهها وفتحت عيناها مسرعة، وبدت أقل تركيزاً..
حاولت أن تصرف عن ذهنها تلك الفكرة الطائشة، وعاتبت نفسها لتفكيرها فيه، ثم عادوت ممارسة التمرين..
تحرك هو بخفة نحوها، ودقق النظر في هيئتها الغير مهندمة..

ورغم حالة التعرق والإنهاك المسيطرة عليها إلا أن توقه إليها لم ينتقص من قدره شيئاً، فقد كان متيماً برؤيتها على طبيعتها..
هي دوماً كما عهدها بشعرها الثائر مستقلة الشخصية، قوية، صبيانية، تميل للرياضات الذكورية العنيفة، لا تتجمل لأجل غيرها، هي كما هي منذ نعومة أظافرها..
أشرقت ابتسامته، ولمعت نظراته حينما وقف خلفها..
احنى رأسه نحوها واستطرد حديثه قائلاً بهدوء:
-وحشتيني!

شهقت مصعوقة لسماع صوته، وحدقت في وجهه المقلوب بنظرات مصدومة..
لم تتخيل مطلقاً أن يأتي إليها هنا..
كادت تفلت المقبض المعدني وهي ترفعه بسبب وجوده المباغت، ولكنه كان الأسرع في الإمساك به..
اتسعت مقلتيها معلنة عن غضب محتد، وبالطبع صرخت بصوت هادر:
-انت اتجننت، ازاي تيجي هنا؟
حافظ على هدوء نبرته وهو يجيبها:
-جيت عشان أشوفك!

كزت على أسنانها بشراسة، وتحولت نظراتها للقتامة، وحلت قبضتيها عن حاملة الأثقال لتعتدل في جلستها، وتبدأ معركتها الكلامية معه، فهو قد ارتكب خطئاً شنيعاً بمجيئه إليها..
اعتقد هو أنها تنتوي تركه، فلم يرغب في هروبها منه، لذا تعمد تثبيت جسدها بثقل الأوزان الحديدية بعد أن أسند الحاملة عليها..
صاحت بعصبية مستنكرة حركته وهي تتلوى بجسدها بتشنج:
-شيل الزفتة دي من عليا.

هز رأسه نافياً وهو يتحرك نحوها ليقف قبالتها مردداً بعناد:
-لأ، مش قبل ما تسمعيني للأخر!
اغتاظت من تصرفه الفظ معها، وهددته قائلة:
-قسماً بالله أصوت وأعملك فضيحة وآآ…
قاطعها بثقة واضحة استثارت عصبيتها أكثر:
-محدش هيسمعك أصلاً في الدوشة دي!
ثم غمز لها قائلاً بغرور:
-ده غير إني قايلهم إني خطيبك!
احتدت نظراتها من تصريحه، واشتعل جسدها حنقاً منه..

راقبها بإهتمام شغوف، وكتف ساعديه أمام صدره وهو يقف مزهواً بنفسه..
جاهدت لتحافظ على ثباتها رغم حالة الفوران التي تعتريها، وصاحت بنبرة شبه متآلمة:
-شيل القرف ده من عليا، درعاتي وجعوني!
حدق في رافعة الأثقال، وتوجس خيفة من احتمالية تآلمها منها، فحل ساعديه، وأشار لها قائلاً بتحذير:
-هيشلهم بس بشرط!
صاحت بصوت متشنج:
-قول وخلصني
مال عليها بجسده لتلتقي أعينهما معاً، وابتسم لها قائلاً بخفوت:.

-تسمعي اللي هاقولهولك للأخر! اتفقنا؟
ضيقت نظراتها لتصبح أكثر شراسة، وبادلته ابتسامة غير مريحة وهي تجيبه بصوت خفيض يحمل الريبة:
-ماشي!
لكنها تعهدت في داخل نفسها وهي مسلطة أنظارها عليه ألا تتركه اليوم إلا بعد أن تلقنه درساً قاسياً لا ينساه أبداً كمحصلة لجميع تصرفاته الوقحة والفظة معها…!

في منزل سابين،
أفاقت سابين من إغماءتها المؤقتة دون مساعدة أحد..
وضعت يدها على جبينها تتحسسه برفق وهي تتأوه بصوت خفيض.
شعرت بثقل قليل في رأسها، ودوار شبه محدود وهي تحاول الاعتدال في جلستها على الأريكة.
انقبض قلبها نوعاً ما حينما لم تجد الصغيرة جينا أو مسعد بالقرب منها.
تلفتت حولها بذعر وهي جاحظة لمقلتيها، ثم هبت منتفضة من مكانها..

ترنحت للحظة وهي تتحرك في أرجاء المنزل باحثة عنهما لكنها استعادت اتزانها وأكملت خطاها…
تنفست الصعداء، وعاد لون بشرة وجهها إلى طبيعته حينما وقفت على عتبة غرفة الصغيرة لتجد مسعد يلاعبها الغميضة وهو معصوب العينين.
كانت الطفلة جينا مستمتعة للغاية وضحكاتها المرحة تعلو عنان السماء
تشكلت بسمة سعيدة على محياها، وتنهدت بإرتياح لكون الاثنين اندمجا سوياً..
نزع مسعد العصابة عن عينيه هاتفاً بإحتجاج طفولي:.

-لأ انتي كده بتخمي، مين علمك ألاعيب الحاوي دي؟
رددت الصغيرة جينا ببراءة وهي شبه عابسة بوجهها:
-هاوي؟!
-موسأد
التفت كلاهما نحو سابين التي هتفت باسمه.
ركضت جينا نحوها، واحتضنت ساقيها بذراعيها وهي تصرخ بحماس:
-مامي!
ربتت سابين على رأسها بحنو، وظلت أنظارها معلقة بمسعد الذي كان يطالعها بنظراته العميقة.
تقدم خطوة نحوها، وسألها بإهتمام:
-عاملة ايه دلوقتي؟
أجابته بصوت خفيض:
-فاين ( بخير ).

قطب مسعد جبينه، ورد عليها وهو يهز كتفيه نافياً:
-مش معايا!
لم تفهم مقصده، وتساءلت بغرابة:
-ايه؟
أوضح لها قائلاً:
-انتي مش عاوزة مناديل؟!
أومأت برأسها بحركة خفيفة، وضحكت بخجل وهي تعاتبه برقة:
-أوه موسأد، إنت دايماً كده حب هزر!
أسبل عيناه نحوها، وهمس لها بتنهيدة حارة:
-قوليها تاني!
سألته بدلال:
-هي ايه؟
قلد هو لكنتها الغريبة قائلاً:
-موسأد!
همست بحياء وقد زاد تورد وجنتيها بصورة مغرية:
-بليز!

وضه هو يده أعلى رأسه، وفركها عدة مرات وهو يردد بعبث:
-آآآخ، مش ناوية تزودي عدد السكان بقى؟
نظرت له بإندهاش، فأكمل مازحاً:
-هانت، نظبط كل حاجة، ونخش بعدها على زيادة المواليد!

في الصالة الرياضية،
أزاح باسل رافعة الأثقال عن إيناس لتتمكن الأخيرة من الحركة بحرية تامة، اعتدلت على المقعد، ورمقته بنظرات ساخطة، وظلت مكفهرة الملامح..
ابتسم هو لها بتسلية، فزاد هذا من حنقها..
قامت بفرك رسغيها لتخفيف حدة الآلم بهما جراء الضغط بالأوزان عليهما.
استطرد باسل حديثه قائلاً بهدوء:
-نقدر دلوقتي نتكلم من غير ما آآ..

لم يكمل جملته للنهاية حيث استغلت هي الفرصة وسحبت أحد الأوزان، وقذفته في وجهه بقوة فأصاب أعلى حاجبه بإصابة مباشرة لم تخطئه، وصرخ متأوهاً:
-ايه الغباء ده!
ردت عليه بتشفي وهي تكز على أسنانها:
-أحسن! تستاهل، عشان تعرف انت وجعتني أد ايه
تحسس شق حاجبه الذي بدأ خيط الدماء يتسرب منه، وعنفها قائلاً:
-انتي بهدلتيني، ارتحتي كده؟!
تمتمت من بين أسنانها بسعادة ولكن بصوت خافت:
-شوية من اللي بتعمله فيا!

نفخ بغيظ ناظراً نحوها بحنق، وأخرج منشفة ورقية ليكتم بها دمائه، بينما عقدت هي ساعديها أمام صدرها متأملة إياه بإستعلاء.
لم يرغب هو في الرد بقسوة عليها، ففي النهاية كلاهما سيخسران لغة الحوار المنطقي.
هي لديها عذرها في التعامل معه بعنف، ورد الصاع صاعين، وهو مضطر لاثبات أنه كان مخطيء في تصرفه معها بوضاعة.
-بيتهيألي كده هديتي؟

سألها باسل بصعوبة وهو يحاول السيطرة على انفعالاته، فأجابته بتنهيدة إرتياح وهي تحرك جسدها بإهتزازة خفيفة:
-يعني!
نظر لها بحدة، وسألها مجدداً بتهكم:
-لو تحبي تحدفي الباقي معنديش مانع، يالا طلعي الشحنة اللي جواكي!
اتسعت عيناها في تحمس، وأرخت ذراعيها فوراً، وهتفت بإبتسامة عريضة:
-بجد!
أشار بكفه الأخر أمام وجهها قائلاً بصرامة بعد أن رأى في عينيها حماسة رهيبة للفتك به:
-خلاص بقى يا إيناس، عاوزين نتكلم جد!

عبست تعابير وجهها، وردت بإقتضاب:
-خير
تصنع الابتسام وهو يقول:
-كل خير إن شاء الله
ثم دنا منها بخطوة، فنظرت له شزراً، وتراجعت مبتعدة للخلف، فسألها بهدوء:
-انتي خايفة مني؟
ردت عليه بإرتباك قليل والوجوم يكسو قسماتها:
-أنا هاخاف منك؟ ليه يعني؟
ثم ازدردت ريقها لتتابع بقوة زائفة وهي تشير بيدها للأجهزة الرياضية:
-انت مش شايف أنا بأعمل ايه أصلاً!
تلفت حوله بنظرات سريعة شاملة، وردد مازحاً:.

-اه شايف، ناقص بس تعملي كمال أجسام وتبقي خدتي الفورما
لوت ثغرها لترد عليه بسخط:
-هه هه خفة!
تحرك مجدداً خطوة نحوها، فعفوياً تراجعت مبتعدة، فنظر لها بتمعن، وسألها متسلياً:
-اتحركتي ليه دلوقتي؟
عضت على شفتها السفلى، وهزت كتفها في عدم اكتراث، ثم أجابته بضيق:
-كده، مزاجي!
رفع حاجبه للأعلى قائلاً باستغراب متعجب:
-مممم، مزاجك؟!
أجابته بلا تردد:
-أه!
ثم نفخت بضيق واضح وهي تسأله:
-جاي ليه؟

صمت للحظة ليجيبها باحساسه الصادق:
-عشانك
نظرت له من طرف عينها مرددة بعدم اقتناع:
-عشاني؟!
أومأ برأسه بإيماءة خفيفة، وأجابها بتنهيدة عميقة:
-ايوه، أنا بأحبك يا إيناس!
حدقت فيه بنظرات متهكمة، ففهم نظراتها المعبرة عن حالها، وتابع قائلاً:
-وعارف إني كنت غبي معاكي زمان وآآ..
قاطعته قائلة بصوت ساخط:
-كويس إنك عارف!
ضغط على شفتيه، وأخفض نظراته، ثم استأنف حديثه قائلاً بندم:
-ومكانش ينفع أمد ايدي عليكي وآآآ…

هتفت مقاطعة إياه بحدة ومحاولة تجاوز تلك الذكرى العصيبة من عقلها:
-انا نسيت الموضوع ده، مافيش داعي نفتحه من جديد!
تفهم موقفها، وابتسم قائلاً بإيجاز:
-ماشي!
دنا أكثر منها حتى بات على بعد خطوتين منها، وأردف قائلاً بنبرة رومانسية:
-أنا بأحبك وآآآ…
قاطعته ساخرة من مشاعره وهي تشير بيدها:
-بأقولك ايه، اسلوب السهوكة ده مش لايق عليك!
تشنجت قسمات وجهه، وأظلمت عيناه قليلاً، وردد بصدمة:
-سهوكة!

هزت رأسها قائلة بقسوة متعمدة التشديد على كلماتها:
-ايوه، انت مش بتعرف بس غير تضرب، تشتم، تعور تموت، لكن الطريقة دي مش راكبة خالص معاك!
انزعج من اتهاماتها الحادة، وصاح بها محذراً:
-ايناس، أنا مش بأهزر معاكي، أنا بأعبرلك عن اللي جوايا!
هتفت فيه بإنفعال وقد برزت عروقها من الغضب:
-وأنا مش بأطيقك! إنت أكتر حد جرحني وعرفني أد ايه كنت حقيرة مع إني معملتش حاجة، وكنت مظلومة!

أخفض رأسه ندماً، ورد عليها بنبرة أسفة:
-كان غرضي أحميكي!
صاحت فيه بتشنج:
-بالضرب، بقلة الأدب، بالإهانة؟ اوعى تفهمني إن دي حماية عندك!
أدرك باسل أنها مصيبة في غضبها المبرر منه، فهو استخدم الأسلوب الأقسى في التعامل مع مراهقة مثلها في أصعب أوقاتها، ولم يكن ليناً في عقابها، أو حتى متفهماً لدفاعها عن نفسها.

نظرت هي إليه مطولاً، ورأت ردة فعله النادمة نحوها فاستعادت كبريائها المهزوم، ورفعت رأسها في شموخ جديد.
نكس رأسه قليلاً، وهمس معتذراً:
-أنا أسف
ردت عليه بجمود:
-معدتش ينفع!
رفع بصره نحوها، وهتف مستعطفاً:
-إيناس اديني فرصة أوضحلك إن آآ…
هتفت مقاطعة بصلابة:
-مش هاينفع!
تساءل بنفاذ صبر:
-ليه؟
صمتت للحظات تفكر في إجابة تعذبه بها، فطرأ ببالها إكمال اللعبة، وبابتسامة مغترة وغير عابئة ردت عليه:
-لأني مخطوبة لغيرك!

صاح مصدوماً بصوت جهوري، وقد اشتعلت عيناه فجأة:
-نعم!
تعمدت ترقيق نبرة صوتها، وتغنجت بجسدها قائلة بتصنع:
-ايه ده، هو مسعد مقالكش إني اتخطبت لوائل؟
كور باسل قبضة يده، وكز على أسنانه قائلاً بشراسة:
-ابن ال آآآ…
وضعت إصبعها على فمها، وعاتبته برقة مصطنعة للغاية:
-ششش، عيب ما ينفعش تغلط فيه، ده خطيبي!
هدر بها منفعلاً وهو يلوح بذراعه مهدداً:
-بت انتي! متقوليش كلام يخليني أتجنن!

تنهدت بهيام، وأسبلت عيناها وهي تتابع مدعية بنبرة عاشقة وزائفة:
-دي الحقيقة، أنا ووائل مرتبطين ببعض من زمان وآآآ…
صرخ مقاطعاً إياها بنبرة عدائية بعد أن تحولت نظراته للقتامة:
-إيناس!
عادت لطبيعتها مجدداً، وردت عليه بجمود:
-انت مش عاوز تسمع ليه!
أجابها بلا تردد:
-لأنه كدب، وأنا عارفك كويس!
أولته ظهرها، ولوت شفتيها غير مكترثة به..
وقف خلفها وتابع بهدوء عصيب:.

-انتي مش كده يا إيناس، وتربيتك كويسة، وعمرك ماهترضي تعملي حاجة تزعل أهلك!
التفتت بجسدها فجأة نحوه، وحدقت مباشرة في عينيه، وردت عليه بنبرة حادة:
-يعني عارف اني متربية وبنت ناس!
تشنج وجهها أكثر، ولمعت عيناها، واختنق صوتها وهي تتابع قائلة:
-طب ليه افتكرني وحشة؟ ليه كسرتني؟ وخلتني احتقر نفسي!
أجابها بأسف واضح:
-كنت غبي ومتخلف ومش بأفهم!
نظر لها معمقاً نظراته، واستأنف جملته بجدية:
-بس صدقيني ليا لي أسبابي!

سألته بحدة وهي تلوح بيدها:
-ايه هي؟
أجابها بهدوء محاولاً امتصاص غضبها:
-مكنش ينفع وقتها أعاملك بشكل مختلف، ومايصحش أبداً!
نظرت له بسخط، وردت عليه متساءلة بتهكم:
-ودلوقتي الوضع اتغير؟
حافظ على ثباته الانفعالي، وأجابها بابتسامة صغيرة وهو ينظر إليها بشغف:
-يعني، في فرصة إننا نقرب من بعض وآآ..
ردت عليه مقاطعة بجمود:
-مفتكرش، ونصيحتي ليك ترجع لخطيبتك ناتالي!
ثم ابتسمت بتهكم لتضيف قائلة ومتعمدة اغاظته:.

-دي حتى كيوت ولايقة عليك أوي!
زفر بصوت مسموع مردداً:
-اللهم طولك يا روح!
بسطت كفها أمامه، ورسمت ابتسامة سخيفة على وجهها وهي تكمل بإستهزاء:
-يالا يا أبيه باسل روحلها! هي تستاهل واحد زيك!
نظرت لها بحدة، ورد عليها بصوت شبه محتد:
-ماشي، خلصتي الشويتين بتوعك!
هزت رأسها بعدم مبالاة وهي تجيبه:
-أها!

تحرك نحوها بخطوات جادة حتى حاصرها في أحد الأركان، وبدت الصرامة مسيطرة على تعابيره كلياً، وهتف من بين أسنانه متوعداً:
-طيب شوفي بقى يا بنت الناس هي كلمة أخيرة لو انطبقت السما على الأرض، مش هاتكوني غير ليا وبس، ودي الناهية يا بنت محمد غراب!
اضطربت بشدة من حصاره المباغت لها، ونظرت له بتوتر، وابتلعت ريقها قائلة بتلعثم:
-هاه آآ…
تابع هو مهدداً وغير مكترث بعواقب تهديده الخطير:.

-ولو حكمت هاجيب الكتيبة كلها وأخطفك من وسط أهلك ونكتب الكتاب!
انفرجت شفتاها مدهوشة من حديثه، واتسعت عيناها في ذهول..
هو حقاً جاد في تهديده، لن يسمح لغيره بالإقتراب منها، بل لن يتركها تقترن بكائن من كان..
ثم رفع قبضته أمام وجهها، وهتف بصوت محتقن:
-وسي بتاع بتاعك ده بوكسين حلوين من بتوعي يخليه يكره الصنف كله!
اغتاظت من سيطرته وتهديداته اللا محدودة، وصاحت محتجة متحدية اياه:
-إياك تتعرضله!

رد عليها بعدم اهتمام:
-هو ميفرقش معايا!
رفعت سبابتها أمام وجهه صارخة فيه بغضب:
-عارف لو فكرت تقرب منه!
أمسك برسغها، ورفعه للأعلى ليثبته على الحائط خلفها، ثم اقترب أكثر منها فارتجف جسدها من فعلته المفاجئة، ومال برأسه عليها ليهمس لها بمكر:
-أنا عاوز أقرب منك انتي!
توترت أكثر من اقترابه الخطير، وصاحت بصوت متلعثم مرتعش محاولة تحري قبضتها من حصاره:
-ابعد!

ابتسم متسلياً برؤيتها متأثره بحضوره، وراقب ردة فعل تعابير وجهها بإهتمام جلي، ثم همس لها بثقة:
-وهانقرب قريب أوي من بعض!
صاحت فيه بإرتباك ملحوظ محاولة اخافته وهي تتلوى برسغها:
-اوعى!
أرخى قبضته عنها، وأشار بعينيه قائلاً بهدوء:
-اوكي يا نوسة!
فركت رسغها بيدها الأخرى، وصرخت فيه بعصبية:
-متقوليش نوسة!
ابتسم ممازحاً إياها:
-خلاص نسناسة
ردت عليه بحنق من بين شفتيها:
-إنت آآ، بسلة!

تعجب مما قالته، وسألها مجدداً بفضول وهو يحاصرها في الزاوية:
-أنا ايه؟ سمعيني كده!
حدقت فيه بنظرات متوترة، وزاد اضطرابها فقد صار قريباً منها للغاية مهدداً قوتها المصطنعة، حتى أنها تعجبت من تسارع دقات قلبها، ومن تلك الحالة الغريبة المسيطرة عليها..
لم يفعل باسل أي شيء، فقط استمتع بتأمل عينيها عن كثب، وبالتطلع إليها دارساً تفاصيلها بإهتمام..

في نفس التوقيت ولجت مالكة المركز الرياضي للصالة، فتفاجئت بتلك الوضعية، فهتفت بحماس وهي تصفق بيديها:
-أوه، So cute ( ظريف للغاية )
تراجع باسل بجسده للخلف، وتنحنح بحرج زائف:
-احم..!
رمشت المالكة بعينيها، وتابعت بدلال:
-سوري إن كنت قطعت كلامكم، بس الظباط برا عاملين آآ..
قاطعها قائلاً بجدية:
-شكراً يا مدام على كرم أخلاقك، أنا اتفقت مع خطيبتي اننا نعمل الفوتوسيشن وقت تاني لأحسن هي مش حابة تطلع مبهدلة كده!

عبست إيناس بوجهها بشدة عقب جملته الأخيرة، بينما بادلها هو نظرات سعيدة..
هزت المالكة رأسها متفهمة، وحافظت على ابتسامتها السمجة وهي تقول:
-صح، عندك حق، شكلها مش هايكون ظريف!
وزعت إيناس أنظارها المشتعلة بينهما، وغمغمت بحنق:
-والله!
همس لها ساخراً:
-اه جو عرق وتلزيق، انتي عارفة بقى!
كزت على أسنانها هامسة بغيظ:
-غلس!

أمسك هو كف يدها عنوة، فحاولت سحبه منه، لكنه جذبه إلى فمه ليقبله في حركة رومانسية منه، ورفع أنظاره نحوها قائلاً بتنهيدة:
-تشاو يا روحي، هاشوفك تاني!
سحبت يدها بعنف من قبضته، فانتصب في وقفته، وتابع قائلاً بمرح:
-اه وخدي شاور لأحسن شعرك منكوش وعاوز يتسرح
وضعت يدها عفوياً على خصلات شعرها، ونظرت له بحنق، ورددت بضيق بائن:
-رخم!

خرج هو من الصالة معتداً بنفسه متفاخراً من نجاح أول معاركه، وأشار إلى رفاقه قائلاً بجدية:
-يالا يا رجالة، مهمتنا هنا خلصت…!
حاول مسعد إقناع والدته بإقامة حفل زفاف كبير يدعو فيه المقربين والأحباب ليكمل فرحته، لكنها احتجت على طلبه معللة:
-عاوزني أعزم الناس تتفرج على فضيحتنا، وأديهم فرصة يلسنوا علينا!
ثم ربتت على فخذها متابعة بنبرة مستاءة:
-دي خيبة الأمل راكبة جمل
انزعج مسعد من حديثها الغير مجدي، وهتف معترضاً بتذمر:
-ياني يا ماما، بأقولك فرح وطبلة وزفة، وانتي تقولي جمل وأمل، ما بلاش الكلام ده!

لوحت بيدها في الهواء قائلة بعناد:
-لأ، هي أعدة في دار القرآن وخلاص!
صاح محتجاً بسخط:
-هو عزا يا حاجة صفية، انتي رايحة تشربي قهوة على روحي ولا ايه
عبست بوجهها قائلة بإمتعاض:
-بعد الشر عنك، بس انت مش عارف نأرزة الناس، ولسانهم المدلل!
حافظ مسعد على هدوئه بعد ذلك الكم الهائل من اختلاق المبررات والحجج لإثناءه عن إقامة الحفل، ورد عليها بابتسامة مصطنعة:.

-معلش يا ماما، مالناش دعوة بيهم، هما مش هيريحوا نفسهم، فخلينا احنا بقى نكتب الكتاب ونعلي الجواب ونشهيص كده!
تجهمت تعابير وجهها، وردت بإقتضاب:
-ياباي عليك يا مسعد لما تبقى زنان، أنا مش موافقة، مش عاوزة حد يعيب علينا! وأنا مش هاخسر قرايبنا!
وضع هو يده على طرف ذقنه، وحكها بغيظ، فأمه لا تزال متشبثة برأيها، وتمتم مع نفسه بخفوت:
-طب أقنعها ازاي؟
اتسعت عيناه قليلاً وهو يكمل حديث نفسه:.

-ايوه، أنا أخش عليها بنغمة اللي باعنا خسر دلعنا! ولا أخليها نغمة الحرمان أحسن، يمكن تجيب نتيجة معاها!
حدقت فيه صفية بغرابة، فقد بدا عجيباً وهو يتمتم بكلمات مبهمة، فهتفت بصوت مرتفع مخرجة إياه من حالة الشرود المؤقتة:
-انت بتكلم نفسك؟
رد عليها بإحباط:
-هاعمل ايه بس!
ثم مال على كتفها، وقبلها منه، وألح قائلاً:
-وافقي بقى يا ماما، أمانة عليك ترضي، وحياة آآ، سيادة اللوا آآ…

لم يكمل عبارته، وبرر هذا قائلاً بتوجس:
-آآ، لأ بلاش لأحسن يطلع الحلفان باطل وتبوظ الليلة، وأنا مش ناقص
ابتسم مجدداً، وأمطرها بوابل من القبلات المزعجة على رأسها وكتفها، ويدها مضيفاً بإصرار:
-ها يا ماما، بالله عليكي توافقي، يا ست الكل يا غالية!
تنهدت بإنهاك من إلحاحه المستمر، واستسلمت قائلة:
-لو مكنش بس قلبي ضعيف
هتف بحماس يتناقض مع حالة الوجوم السابقة:
-هو ده الكلام! أحبك يا أم الدنيا!

لكزته في جانبه قائلة بضجر:
-يا واد بطل بكش
رد عليها بسعادة:
-حاضر
ثم نهض من جوارها، وتابع قائلاً بنبرة متحمسة:
-هاقوم أكلم أخواتي وأعزمهم على الفرح وآآ…
قاطعته قائلة بغموض:
-باقولك!
تجمدت تعابيره لوهلة وهو يسأله بقلق:
-في ايه؟
أجابته بعبوس بائن في وجهها:
-أختك أسماء مش هتعرف تنزل أجازة قبل شهرين، جوزها قالها كده!
هز رأسه متفهماً وهو يوضح قائلاً:
-اها، قصدك الكفيل بقى وقرفه
حركت رأسها بالإيجاب مرددة:
-ايوه!

ابتسم قائلاً بنبرة عادية:
-مش مشكلة، هنبقى نبعتلها فيديو الفرح بلوتوث!
حاولت صفية لفظ ما قاله، فبدا صعباً عليها، ورددت بتلعثم:
-بلو بؤ، آآ، بؤ ايه ده يا مسعد؟
زادت ابتسامته اتساعاً وهو يجيبها مازحاً:
-بلو بؤ! هو انتي هتاخدي غطس في الصالة؟ الله يحظك يا حاجة!
قطبت جبينها مستفهمة بعصبية قليلة:
-تقصد ايه يعني؟
أشار لها بيده وهو يتابع بمرح:
-أقصد هاذيع الفرح مباشر من قلب الحدث! مرضية كده؟

نظرت له بضيق، فهو دائم المزاح في الأمور الجادة، ولم يرد هو افساد فرحته، فأضاف بجدية:
-هاروح أشوف ناقصني ايه وانجزه، سلام يا مزة!
وبخته قائلة بحدة:
-يا واد عيب، اتلم!
رد عليها مبتسماً بسعادة:
-ماشي يا مؤدب…!

بداخل غرفة إيناس،
عاتبت إيناس نفسها بحدة لتراخيها في أسلوب الشدة مع باسل، واستطاعته استمالة عقلها للين معه بالإضافة إلى ارتباكها الغير مفهوم في حضوره..
جابت غرفتها ذهاباً وإياباً وهي تضرب كفها بالأخر مرددة بضيق:
-كان مخي فين؟ إزاي مش اديته بوكس في وشه وكنت ضعيفة وزي الهبلة قصاده!
رفعت كفيها على رأسها، ودفنتهما في خصلات شعرها، وتابعت حديث نفسها بغيظ:.

-أووف منك يا بسلة، مش هاخليك تفتكر إنك كسبتني! لسه المعارك بينا كتير!
لم تلاحظ هي تفكيرها المستمر فيه حتى وإن كان بصورة غاضبة، ولكن في الآونة الأخيرة استحوذ على حيز كبير من عقلها.
انتبهت إلى صوت والدتها التي كانت تصيح بإنزعاج:
-ايه يا بنتي، ساعة عشان تردي عليا
نظرت نحوها، وردت بجمود:
-في ايه يا ماما؟
أجابتها صفية بجدية:
-اختك وعيالها جايين أخر الاسبوع!
-اسراء؟!
ردت عليها وهي تهز رأسها:.

-ايوه، وأسماء كلمتني من شوية، وباركت لأخوكي!
سألتها إيناس مستفهمة، فقد كان بادياً أنها غفت عن بعض المستجدات الأخيرة بشأن موضوع زواج أخيها:
-هو انتي قولتليهم؟
ردت عليها بإمتعاض وهي قاطبة لجبينها:
-اومال يعني هانخبي الخبر، لازم أخواتك وإجوازتهم والناس كلها تعرف إن أخوكي هيتجوز!
تساءلت بفضول أكبر وهي محدقة بها:
-طب وموضوع بنت صاحبة سابين، قصدي جينا وآآ…
قاطعتها والدتها قائلة بحنق:.

-بلاش تفكريني الله يكرمك، أنا ملصمة نفسي بالعافية!
لم ترغب إيناس في استفزاز والدتها في تلك المسألة تحديداً، فاقتضبت ردها:
-طيب!
أضافت صفية قائللة بجدية:
-شوفي انتي هاتعملي ايه، لأن أخوكي هيجيب التصاريح والحاجة وعلى أخر الإسبوع هيعقد ويخش!
ارتفع حاجبي إيناس للأعلى في اندهاش، وهتفت متعجبة:
-ايه ده! بسرعة كده!
ردت عليها صفية على مضض:
-أبوكي وأخوكي الله يسامحهم مسربعني، وهو هايقعد مع المحروسة في شقتها!

ابتسمت إيناس لوالدتها لتمتص ضيقها، ثم قالت:
-ربنا يفرحه يا ماما، هو صبر كتير واستحمل، وطالما ده هيسعده فبراحته
ردت صفية بسخط:
-ايوه، يصوم يصوم ويفطر على بصلة!
استنكرت إيناس ما قالته والدتها، وهتفت معترضة:
-لا حول ولا قوة إلا بالله! هو اختار الانسانة اللي بيحبها!
أرادت صفية أن تستغل الفرصة وتعيد مفاتحة ابنتها في مسألة خطبتها لباسل، لذلك تعمدت الحديث بنبرة حزينة:
-طب وانتي مش ناوية تفرحيني بجد؟!

فهمت إيناس مقصدها على الفور، واشتدت تعابير وجهها، وردت عليها بصلابة:
-لأ انسيني خالص!
ألحت عليها أمها قائلة بجدية وهي تشير بكفها محذرة إياها:
-يا نوسة ده باسل عريس كويس وابن ناس وشاريكي، مش أحسن مانسيبه للبومة السودة تاخده تاني ولا أي واحدة تانية تخطفه منك!
ردت عليها إيناس بنبرة عنيدة وقد ضاقت نظراتها:
-إن شاء الله يتجوز بعبع، أنا مش عاوزاه!

ضربت صفية كفها على فخذها تعبيراً عن استياءها من اضاعة ابنتها لتلك الفرصة، وهتفت قائلة:
-ربنا يهديكي ويلين مخك الحجر ده
زادت صلابة وجمود نظراتها، وردت عليها بجدية مفرطة:
-مش هايحصل، أبداً!

في منزل باسل سليم،
سرد باسل على أخيه الأكبر خالد خطته التي نفذها لإرباك إيناس واستثارة مشاعرها نحوه من خلال الاستعانة برفاقه في وحدته العسكرية في يوم إجازتهم والتخطيط لمفاجئتها في المركز الرياضي مدعياً أنه خطيبها ليضعها في موقف حرج وليؤكد أيضاً على وجود علاقة رسمية شبه معلنة للجميع حتى يمنع أي شخص من التفكير في الإرتباط بها..
نظر له خالد باستخفاف، وردد مستهزئاً:.

-طب بذمتك دي طريقة تتعامل بيها معاها؟
أجابه باسل بفتور:
-والله ده اللي جه في بالي يا خالد!
تابع خالد قائلاً بتوبيخ خفي:
-فين الدبلوماسية والكلام الرومانسي وآآ…
قاطعه باسل قائلاً بنبرة شبه حادة:
-أنا مش واخد على ده، أنا بتاع اقتحامات وهجوم مباغت!
استنكر خالد تفكير أخيه العنيف، وحذره قائلاً:
-الاسلوب ده مش هايجي معاها، هي محتاجة تحس إنك فعلاً اتغيرت، وإنك شخص عاطفي ورومانسي مش مجرد تجسيد للعنف والضرب!

رد عليه باسل بنفاذ صبر:
-ماهو انا قولتلها أسف وكان ناقص أوطي وأبوس دماغها!
هتف خالد ساخراً من رده:
-أه ده بعد ما تفتحهالها!
اغتاظ هو من برود أخيه وردوده المزعجة، فصاح بحدة:
-في ايه يا خالد، انت هتعمل شغل السفراء عليا؟
أجابه خالد بنبرة رزينة:
-أنا بأنصحك، البنات بيحبوا الراجل اللي يقدرهم، مش اللي يهينهم أو آآ…
قاطعه باسل قائلاً بثقة:
-أنا عارف هتعامل معاها ازاي!
رد عليه أخيه بتوجس:.

-مش مطمنلك، عندي يقين إنكم هتجوزوا في الانعاش، ده إذا ماخلصش واحد فيكم على التاني!
ابتسم باسل له، وغمز له قائلاً بثقة:
-اطمن، أنا جاهز للمعارك معاها، دي متعتي!
أشار له خالد بعينيه نحو جرحه البارز أعلى حاجبه، وأردف قائلاً بجدية:
-طيب قوم ادهن حاجبك، بدل ما هي معلمة عليك!

تذكر باسل ما فعلته إيناس معه من قذيفتها المباغتة، والتي أصابته في مقتل، وكانت موضوعاً للسخرية لبعض الوقت من رفاقه بعد خروجه من الصالة الرياضية، فضغط على شفتيه بقوة، وردد مستنكراً:
-اها، خدتني على خوانة!
جاهد خالد ليكتم ضحكاته قبل أن ينفجر فيه أخيه غضباً، وهمس ساخراً:
-واضح فعلاً!

في منزل سابين،
اعترضت سابين على إقامة حفل زفاف لهما مثلما خطط مسعد، ولكن أصر الأخير على المضي قدماً فيه من أجل سعادتهما، ورغم ما قاله من مبررات كثيرة إلا أنها رفضت قائلة:
-نو موسأد!
رد عليها بضيق بعد أن ضاق خلقه:
-يا صابرين انتي تعباني معاكي، أنا مش فاهم انتي مش عاوزة ايه بالظبط؟
أجابته بجدية:
-أنا مش إلبس wedding dress ( ثوب زفاف )
رد عليها مستنكراً بعد أن تجهم وجهه:.

-ليه إن شاء الله؟ هتحضري بالعباية مثلاً؟!
هزت رأسها نافية وهي تجيبه:
-نو ( لأ )، بس أنا أحب حاجة سيمبل ( بسيطة )!
لاحظ هو حالة الخوف الممزوجة بالتردد والمسيطرة عليها، فمازحها قائلاً كمحاولة منه لتخفيف حدة الضغوط:
-سومبل مين ده اللي بتحبيه؟ انطقي!
زفرت قائلة باستياء:
-بليز نتكلم جد!
مد هو يده ليمسك بكفيها، ثم فركهما بإبهاميه، واستطرد حديثه بمرح بعد أن سلط أنظاره العاشقة عليها:.

-يا صابرين دي ليلة العمر، وأنا بصراحة منمر على الزفة الميري، ولقطة التورتة أم شوكة واحدة، مش معقول يعني أضيع كل ده عليا، فكي بقى كده وافرحي زيي!

بدت تائهة نوعاً ما، فالموقف غريب عليها، هي هنا بمفردها بعيدة كلياً عن أحبائها وعائلتها، اعتادت البقاء في الخفاء وعدم الظهور في العلن لفترة ليست بقليلة، وفجأة تتحول إلى محط أنظار الجميع في ليلة يتم الاعتاد لها مسبقاً بفترة طويلة، ناهيك عن مسألة ابنة رفيقتها جينا، فهي ستعطي الناس فرصة للقيل والقال، وهي لا ترغب في هذا..
لذلك الأسلم أن تتنازل عن كل شيء، وتكتفي بأقل الأمور ضرراً..

ولهذا رفضت أن توضع في موقف حرج، أو تتعرض للسخرية، وهتفت مصرة:
-موسأد، أنا هاف ( أخاف ) من ناس، هما اتكلموا عليا، و specially ( خصوصا ) لما شوفوا جينا، ممكن آآ…
قاطعها قائلاً بنبرة معاندة:
-سيبك من عواجيز الفرح، وركزي معايا بس!
حاولت هي اللجوء إلى عذر أخر، فهتفت بنبرة بائسة:
-مامتك موسأد هتبقى حزين
سألها مندهشاً من حجتها الجديدة:
-حزينة ليه؟
أبعدت نظراتها عنه، وأجابته بضيق:
-مش ده فرح تحبه ليك.

وضع يده أسفل ذقنها، ورفع وجهه إليه، ثم أجابها مبتسماً:
-هي أمي مش هايعجبها العجب ولا الصيام في رجب، فكبري ومشي أمورك!
عقدت ما بين حاجبيها، وسألته بغموض:
-موسأد انت اكلم غريب!
رد عليها بإبتسامة بلهاء:
-ما غريب إلا الشيطان!
ثم قرب رأسه منها، وسلط أنظاره على شفتيها، وهمس لها بخبث:
-ماتيجي بقى آآ…
وضعت سابين إصبعيها على فمه، وحذرته بنعومة:
-موسأد!

قبلهما قبلة خاطفة، وتراجع للخلف بعد أن رمقته بنظرات محذرة من التمادي، ورد عليها بعبوس قليل:
-خلاص هتلم وأقعد بأدبي، واهوو كلها كام يوم ونصرف الشيطان ونكمل مسيرة انتاجنا القومي!

بعد مرور يومين،
في إحدى قاعات الدراسة بكلية السياسة والعلوم الإقتصادية،
مالت أماني على رفيقتها إيناس لتهمس لها بصوت خفيض وهي تراقب نظرات الأستاذ المحاضر بحذر:
-من ساعتها مجاش الكلية، وقافل تليفونه
نفخت إيناس بخفوت وهي ترد عليها:
-أنا مش عاوزة أعرف أخباره!
تساءلت أماني بإلحاح عجيب:
-يعني مش قلقانة عليه؟
ردت عليها إيناس بجدية وهي تتحاشى افتضاح أمر حديثها الجانبي:
-وائل أصلاً مش في دماغي!

استندت أماني بوجهها على راحة يدها، ورددت بضجر:
-بجد مافيش طريقة نوصله خالص!
حدجت إيناس رفيقتها بنظرات غامضة، فقد كانت دائمة الحديث عن وائل، بل تهتم بكل صغيرة وكبيرة تخصه فبات مزعجاً لها، لذلك سألتها قائلة:
-أماني مش ملاحظة انك مهتمة أوي بوائل
انتبهت الأخيرة لحديثها، واعتدلت في جلستها، ونظرت لها بتوتر وهي تردد بإرتباك:
-هه، أنا؟
أضافت ايناس قائلة بجدية:
-انتي بتكلمي عنه 24 ساعة في اليوم!

وضعت أماني يدها على فمها مصدومة من تصريح صديقتها، واستنكرت تصرفها المبالغ فيه قائلة بعدم تصديق:
-ايه ده بجد، جايز أنا أفورت حبتين!
هزت إيناس رأسها نافية:
-لأ أفورتي جامد، على فكرة ممكن يكون ده اهتمام منك بيه!
حركت أماني كتفيها في عدم مبالاة، ومطت فمها قائلة:
-لأ مش عارفة!
انتبهت كلتاهما إلى صوت الأستاذ المحاضر حينما صاح بصوت مرتفع:
-ركزوا يا شباب، الجزئية اللي جاية دي مهمة!

وقبل أن يكمل حديثه، فتح باب القاعة على مصراعيه فجأة، وولج منه باسل مرتدياً ثيابه العسكرية، وواضعاً لنظارته القاتمة على عينيه، وأردف قائلاً بصرامة:
-بعد اذنك يا دكتور
اتسعت حدقتي إيناس بصدمة كبيرة، وشهقت مدهوشة حينما رأته متواجداً بالقاعة، بل وانفرجت شفتاها في ذهول مرددة بعدم تصديق:
-يالهوي، ايه اللي جابه ده!
صاح فيه الأستاذ الجامعي بغضب بسبب تجاوزه آداب الاستئذان:.

-انت مين؟ وازاي تقتحم علينا القاعة بالشكل ده؟!
نزع باسل نظارته، ورمقه بنظرات قوية، ثم أجابه بنبرة واثقة:
-أنا الرائد باسل سليم، ومعايا أمر باصطحاب الآنسة إيناس محمد غراب!
وضعت إيناس كفيها على فمها لتكتم شهقة صادرة منها، ونهج صدرها من فرط التوتر الذي أصابها، فما يفعله الآن يتخطى حدود المنطق، وغمغمت بقلق كبير مما قد يبدر منه:
-ده مجنون رسمي، مختل عقلياً!
تساءلت أماني بفضول وهي تراقب ردة فعل رفيقتها:.

-مين ده يا نوسة؟
أجابتها الأخيرة بضيق:
-الزفت باسل!
همست أماني بإعجاب بعد أن ارتفع حاجبيها بإنبهار بائن من هيئته المثيرة:
-أوبا هو ده، ليكي حق مش تفكري في وائل خالص
نهرتها إيناس قائلة بحدة:
-اسكتي دلوقتي!
تساءل الأستاذ الجامعي بجدية وهو يتفرسه بنظرات شمولية:
-عاوزها ليه؟
أجابه باسل بغموض واثق بعد أن التفت برأسه بعيداً عنه ليبحث بعينيه عن حبيبته المختبأة بين جموع الطلبة:
-دواعي أمنية يا دكتور.

نظر له الأستاذ الجامعي قائلاً بإستغراب:
-نعم؟
تابع باسل قائلاً بتأكيد وقد التقطت عيناه مكانها:
-( دواعي أمنية، مشددة )، ومقدرش أقول أكتر من كده!
صدرت همهمات عالية بين الطلبة، ونظر الجميع إلى بعضهم البعض بحيرة، فمن تلك المحظوظة التي يأتي ضابطاً وسيماً من أجلها
بالطبع غبطتها، بل حسدتها غالبية الفتيات المتواجدات بالقاعة..
هتف باسل بصوت جهوري صارم:
-ممكن تتفضلي معايا يا آنسة!

انقبض قلب إيناس بشدة، فقد خشيت من تهوره الأهوج إن رفضت الإنصات له، وهمست متوجسة:
-ده ناوي يفضحني!
ردت عليها أماني مشجعة إياها على الذهاب معه والاستمتاع بمغامرة لن تتكرر أبداً في الجامعة ومادحة إياه:
-روحي معاه، ده شكله جان وكيوت وجذاب على الأخر!
عنفتها إيناس بخفوت:
-اسكتي، انتي مش عارفة حاجة
صاح باسل قائلاً بنبرة ذات مغزى:
-يالا يا آنسة!
بينما أضاف الأستاذ الجامعي بجدية محفزاً إياها:.

-روحي يا آنسة إيناس مع حضرت الظابط، وربنا يسترها علينا!
نفخت بحنق، فلم يكن أمامها بداً من الإعتراض، لقد أحكم خطته تلك المرة، وحاصرها مرة أخرى، فعجزت عن الفرار منه..
لملمت أشيائها، وعلقت حقيبتها على كتفها، واخترقت جموع الطلبة الجالسين إلى جوارها لتتمكن من ترك المدرج، ثم نزلت على الدرج بخطوات شبه متعثرة، ونظراتها المستشاطة غضباً مسلطة عليه..

ابتسم لها بمكر، وغمز لها قبل أن يعيد وضع نظارته، ثم أشار بكفه لتتبعه إلى خارج القاعة..
وما إن تأكدت هي من ابتعادها عن أعين المحيطين بهما حتى هتفت فيه بنبرة محتدة:
-انت اتجننت عشان تيجي لحد كليتي وتعمل الفيلم ده!
أجابها بإبتسامة مغترة وهو يدس يديه في جيبيه:
-وأكتر من كده كمان!
هتفت مستنكرة تفكيره الأهوج قائلة باستهزاء:
-بجد انت هربت منك!
رد عليها ببرود محاولاً استفزازها:
-ماهو حبك جنني يا نوسة.

نظرت له شزراً من طرف عينها، وتابعت بتهكم:
-باين كده، مخك لسع، وعلى رأي ماما اللي يشوفه يفتكره فارس في ساحته، ومايعرفش إنه حتى الشراب شاحته!
اغتاظ من أسلوبها الفج في الحديث، وعنفها بحذر:
-ألفاظك رهيبة فحت! فلمي لسانك!
ردت عليه بوقاحة:
-بأنزل لمستواك اللي تستاهله!
تهكم من طريقتها الغير لائقة قائلاً بسخط:
-لا بجد! ده مستوى الشِلت! فعيب على طالبة سياسة تكلم كده!

احتقن وجهها من رده القاسي عليها، واستشعرت أنها تجاوزت أدب الحوار، وربما بهذا أعطته فرصة لإهانتها والتطاول عليها بسبب زلة لسانها، فهتفت بضيق:
-مالكش دعوة
أكملا سيرهما سوياً في صمت حتى وصلا إلى خارج المبني، فاستطرد باسل حديثه قائلاً بهدوء:
-تعرفي، عاجبني فيكي إننا بنكمل بعض!
ردت عليه ساخرة:
-احنا هنموت بعض في الأخر عشان ترتاح!

ضحك من ردها، فاستفزها أكثر، وضيقت أعينها لتنظر له بنظرات حادة، فبادلها هو بنظرات حانية، وتشدق مبرراً سبب ضحكه:
-نفس الكلام اللي قاله خالد بالظبط! بس مع فرق المصطلحات!
سألته بغرابة وقد زاد تجهم تعابيرها:
-خالد مين ده؟
أجابها بإيجاز:
-أخويا الكبير!
أرادت استفزازه، فتعمدت رسم ابتسامة غريبة على محياها، وهمست بنعومة:
-اها الكيوت الجان ال، آآ…
قاطعها مهدداً بنبرة عدائية:.

-زودي حرف كمان وهتروحي زيارة لمستشفى أبو الريش!
عادت إلى طبيعتها، ونفخت قائلة:
-اوف بجد منك!
تلفتت هي حولها حينما رأته يتجه بها نحو مرآب السيارات، وسألته بتوجس قليل:
-احنا رايحين فين كده؟
أجابها بغموض وهو يغمز لها:
-دواعي أمنية!
ردت عليه بحدة وهي تركل الأرضية بقدمها بعصبية:
-بلاش الكلمة دي، مستفزة!
رد عليها مبتسماً بهدوء:
-ماشي!

ضغط على زر القفل الالكتروني الخاص بسيارته، ثم أشار لها بيده لتستقلها وتجلس في المقعد الأمامي، فخشيت أن تركبها، وتسمرت في مكانها، ثم التفتت نحوه، وسألته بجمود:
-اخدني على فين؟
أجابها بنبرة متريثة:
-مش هاخطفك، متقلقيش!
رفعت أعينها نحوه وهي تسأله بإقتضاب:
-اومال؟
رد عليها بأريحية:
-أنا استأذنت أخوكي أخدك مشوار!
استنكرت رده الغريب قائلة بتهكم:
-ومسعد بقى open mind ( متفتح العقل ) ووافق عادي!

فهم المغزى من عبارتها الأخيرة، والتي تحمل معناً ضمنياً مسيئاً إليه، ودافع عنه قائلاً:
-اه، هو واثق فيا، وأنا مش هاخذل صاحبي!
ردت بسخط قليل:
-ونعم الصحوبية!
صحح لها كلمتها قائلاً بنبرة متعمدة:
-دي أخوية يا حبيبتي!
اكتشفت حيلته المنطوية على استخدام كلمات متوارية للتغزل بها، وعنفته قائلة بغلظة:
-أنا مش حبيبتك، أنا إيناس أخت صاحبك! افتكر ده كويس!
ضغط على شفتيه بقوة مردداً بإستياء:
-خليكي كده احبطيني!

ردت عليه بعدم اكتراث:
-هو ده اللي عندي وإن كان عاجبك!
دنا منها فتوترت، وأردف قائلاً بصوت رخيم:
-اي حاجة منك حلوة!
ثم أخفض نبرته ليتغزل بها:
-ماهو كلك على بعضك حلو!
اضطربت نبضاتها، وتوردت وجنتيها خجلاً منه طريقته الغير معتادة معها، واستشعرت تلك السخونية التي تتسرب إلى وجهها، فحاولت أن تبدو طبيعية أمامه، ورددت بإمتعاض هامس:
-غتت.

راقب باسل تأثير كلماته الناعمة عليها – حتى وإن كانت موجزة – لكنها أتت بثمارها، ورأى بوضوح ارتباكها المثير لمشاعره، فردد بين جنبات نفسه بسعادة متأججة:
-الظاهر إن عندك حق يا خالد، كله بالحنية بيفك…!
بإمتعاض ظاهر على قسمات وجهها ونظراتها الحادة اضطرت إيناس أن تستقل سيارة باسل..
لم تنظر نحوه، وحدقت في الطريق أمامها، وأحيانا كانت تشيح بوجهها للجانب لتنظر من النافذة الملاصقة لها..
أراد هو معاتبتها على أسلوبها الفظ في الحديث، فبحث بتروي على طريقة للاسترسال معها، لذلك استطرد قائلاً بصوت هاديء:
-إيناس!
لم تعقب عليه رغم وجود ارتباك خفيف، وتنفست بصوت مسموع..
أعاد تكرار ندائه لها قائلاً وهو ينظر نحوها:.

-إيناس، أنا بأكلمك، بصلي!
ضغطت على شفتيها على مضض، والتفتت نحوه بتثاقل، ثم أجابته بفتور:
-خير
تابع قائلاً بهدوء حذر وهو يرمقها بنظرات جادة:
-يا ريت بعد كده لو هنتكلم سوا يكون في أسلوب أحسن شوية
ارتفع حاجبها للأعلى مستنكرة عبارته هاتفة:
-افندم
أوضح لها مقصده قائلاً:.

-المفروض انتي طالبة في سياسة واقتصاد، وجو الشلت وقعدات المصطبة مايلقش على جو الدبلوماسية والكلام الراقي، أي حد لو سمعك بتكلمي بالشكل ده هيرد عليكي إما بكلام يزعلك، أو هيبصلك بصة مش حلوة، وأنا في الحالتين مرضاش بده ليكي!
اغتاظت هي من توبيخه المهذب لها، هي لم تقصد أن تكون لاذعة في سخريتها منه، لكنه دوماً يقلل من شأنها، فأرادت أن تكيل له بنفس المكيال..

ولكن كان رده عليها تلك المرة مختلفاً، فجعلها تشعر بالضيق وبكونه محقاً في عتابه، وتساءلت بين جنبات نفسها لماذا لم يكن رقيقاً هكذا حينما كانت في أمس الحاجة إلى كلمات طيبة محفزة لها، وليس إلى وقاحة شرسة محبطة ومدمرة لشخصها؟
أغمضت عيناها حزناً، واكتفت بإخراج تنهيدة عميقة من صدرها..
سألها باسل بصوت رخيم قاطعاً حبل أفكارها بعد أن طال صمتها:
-ها، اتفقنا؟
ردت بإيجاز دون أن تلتفت نحوه:
-ربنا يسهل.

راقب هو تبدل تعابير وجهها للحمرة الخفيفة، مع تحوله للعبوس والإنزعاج، فأيقن أنها تفهمت غرضه واستشعرت خطئها..
تمنى لو كان قد تعامل مسبقاً معها بنفس الأسلوب المعاتب دون تطاول أو إساءة، بالطبع لكان هذا شكل فارقاً في العلاقة بينهما الآن، فدوماً هما بين شد وجذب، بين كره وعِناد..
تنهد مطولاً، واستدار بالسيارة في اتجاه مغاير، قطبت هي جبينها مندهشة، وسألته بجدية:
-انت واخدني على فين؟
رد عليها بغموض:
-مشوار.

زادت ريبتها من كلمته المقتضبة، وسألته بقلق قليل:
-يعني فين ده؟
ابتسم قائلاً لها وهو يغمز بطرف عينه:
-والله مش خاطفك، مع إن في مقدوري، بس أنا ملتزم مع أخوكي بكلمته!
شعرت بزهو طفيف في نبرته، فهتفت متحدية إياه:
-متقدرش أصلاً تعمل ده، أنا مش هاسكتلك!
مازحها قائلاً بإبتسامة عريضة:
-عارف، ما أنا معايا بطلة العالم في النكد!
ضيقت نظراتها لتصيح مستنكرة:
-نعم!

جاهد لكتم ضحكاته بعد أن رأى احتقان نظراتها وتعابيرها، وصحح بهدوء:
-قصدي في رفع الأثقال!
-اوف
تمتمت مع نفسها بكلمات مبهمة، وأشاحت بوجهها بعيداً عنه، بينما راقبها هو بإستمتاع عجيب مكملاً قيادة السيارة نحو وجهتهما الغامضة..

في منزل سابين،
استعان مسعد بخبراء في الديكور لترتيب أثاث المنزل الجديد بعد أن أصر على شراء غرفة نوم جديدة، وأيضاً غرفة معيشة، لتتناسب مع كون المنزل ( شقة للزوجية ) بعد إجراء تلك التعديلات.
فرحت جينا كثيراً بالإضافة الطفولية لغرفتها التي زادتها براءة وجمالاً، ولم تقل سعادة سابين عنها.
رأت في أفعال مسعد نحوها –وكذلك الصغيرة – حب حقيقي نابع من قلب طيب لا يعرف البغض أو الحقد.

وتمنت أن تدوم فرحتها للأبد.
اتفقت معه على عدم دعوة عائلتها لحضور حفل الزفاف لتجنب تعرضهم للخطر حال استمرار أحدهم بمراقبتها مع إبلاغهما سراً – وبترتيبات أمنية خاصة – بمسألة زواجها الفعلي.
لاحظ مسعد شرودها، فاقترب منها، وهمس بمرح:
-الجميل سرحان في ايه؟
هزت كتفيها وهي تجيبه بإبتسامة رقيقة:
-ولا حاجة؟
غمز لها هو قائلاً بمكر:
-هانت كلها حبة أد كده ونقفل علينا الباب، وهتشوفي العجب معايا.

نظرت له بجدية متساءلة بعدم فهم من عبارته الغير واضحة:
-تقصد ايه؟
أومأ بعينيه قائلاً بعبث وقد زاد بريق عيناه:
-الحاجات دي متتقالش، دي بتتعمل يا قمر!
خجلت من كلماته المتوارية، وردت عليه بجمود محذرة إياه:
-موسأد!
همس لها بتنهيدة عاشقة وهو مسبل عيناه:
-عيون مسعد!
ردت عليه بعتاب ناعم:
-انت قليل الأدب!
هتف مازحاً وراسماً ابتسامة بلهاء على وجهه:
-عيب عليكي، أنا مش متربي يا حبيبتي!
نكست رأسها حياءاً منه، وهمست بخجل:.

-أوه
ازداد حماسة من حرجها وتورد وجهها، ثم هتف بمرح:
-هو في كده؟!
وضعت سبابتها على طرف أنفها، وتحاشت النظر إليه، وهمست برجاء:
-بليز، أنا اتكسف!
هز هو رأسه بالنفي قائلاً بثقة:
-أنا لأ!
أدركت أن أسلوبها الغير حازم معه سيجعله يتمادى في طريقته، لذا بدلت نبرتها للجدية، وتعابير وجهها للصرامة، ثم هتفت محذرة:
-موسأد، ها؟!
أومأ برأسه إيجاباً موحياً لها بخنوعه لطلبها، وردد قائلاً:
-حاضر يا حبي!

على مقربة من أحد المولات الشهيرة،
أوقف باسل سيارته في الجراج الخاص بالمول الشهير، فتلفتت إيناس حولها بإندهاش وتساءلت بجدية وعلامات الإنبهار واضحة عليها:
-هو انت جايبنا هنا ليه؟
أجابها مبتسماً:
-مانفكسيش تشوفي البطريق؟
قطبت جبينها بحيرة، ورددت باستغراب:
-بطريق؟!
أومأ برأسه بإشارة خفيفة، وأجابها بحماس قليل:
-أها، أنا سمعت انهم فتحوا هنا سكاي إيجيبت، وفيه بطاريق وحاجات عجيبة كده فقولت أخدك تشوفيه.

انفرجت شفتاها بذهول وهي تردد بحماس ظاهر في تعابير وجهها ونظراتها:
-ايه ده بجد؟
ابتسم قائلاً بود:
-طبعاً، اومال احنا جايين هنا ليه!
هللت قائلة بعدم تصديق وقد اتسعت عيناها بفرحة كبيرة:
-ياه، أنا مش مصدقة، أنا هاشوف البطاريق وهاتزحلق على الجليد، ده أنا هاغيظ أصحابي وزمايلي وهاتصور معاهم سليفي وآآ…
قاطعها قائلاً بجدية مصطنعة:
-واحدة واحدة، ندخل بس الأول ونقطع التذاكر وبعدها تعملي اللي انتي عاوزاه!

أومأت برأسها إيجاباً قائلة:
-اوكي!
حدق باسل فيها متفرساً تلك الفرحة والسعادة البارزة في تصرفاتها، وتمتم مع نفسه قائلاً:
-لو كنت أعرف ان الحاجات دي بتبسط البنات أوي كنت عملتها من زمان!
لوحت هي بيدها قائلة بجدية وهي تسرع في خطواتها:
-يالا بسرعة
-ماشي
قالها وهو يسير خلفها مستمتعاً برؤيتها في تلك الحالة..

وقف باسل أمام الموظف المسئول عن حجز تذاكر الدخول للباحة المليئة بالثلوج الاصطناعية ليقطع تذكرتين لكليهما، فصعق حينما عرف الأسعار الخاصة بذلك المكان، وصاح مدهوشاً:
-نعم، بتقول كام؟
أجابه الموظف ببرود:
-زي ما حضرتك شايف، دي أسعار الدخول والألعاب المصاحبة لكل نوع!
تساءل باسل بإمتعاض واضح على محياه وهو يرمقه بنظرات منزعجة:
-ودي فردي ولا عائلي؟
رد عليه الموظف بنفس النبرة الجافة:
-للفرد الواحد يا فندم!

هتف باسل بصوت مرتفع وقد انعقد حاجبيه باستنكار:
-ليه إن شاء الله!
أوضح له الموظف سبب غلو الأسعار قائلاً ببرود:
-يا فندم حضرتك هاتشوف كمان البطريق وتتصور معاه لمدة دقيقتين!
هتف بتأفف بعد ان اشتعلت عيناه غيظاً:
-بس!
عادت إيناس وهي تحمل في يدها قفازاً، ثم تساءلت بإهتمام:
-ها حجزت؟
نظر لها قائلاً بتأفف:
-لسه، انتي مش شايفة الأسعار عاملة إزاي، أنا مكونتش مفكر الموضوع غالي كده!
ردت عليه بجدية وهي تشير بعينيها:.

-أومال ايه؟ ده بطريق يا باسل بطريق!
همس قائلاً بغيظ:
-ده بيقبض اكتر مني!
قاطع حديثهما الموظف قائلاً بهدوء مستفز:
-يا فندم البطريق عنده ساعة واحدة في اليوم يشوف فيها الناس!
التفت باسل ناحيته، وسأله بتهكم:
-ليه يعني؟ وراه الديوان واحنا مش عارفين؟!
عبست إيناس بوجهها بعد أن رأت الجدال الدائر بينهما، وتنهدت قائلة بإستياء:
-شكلك مش فرحان؟ على فكرة إنت ممكن تكنسل الموضوع
رد عليها متمتماً بصوت خفيض:.

-هو مش شكلي، ده جيبي!
ثم زفر بصوت مسموع، وهتف قائلاً باستسلام وهو يدس يده في جيبه ليخرج حافظة نقوده:
-أمري لله، خد يا سيدي إياكش يطمر في سيادته!
تناول الموظف النقود منه، وابتسم مجاملاً بابتسامة صفراء:
-تمام، لحظة أجيب لحضراتكم البدل والأدوات!
استدار باسل ناحية حبيبته، وسألها بجدية:
-مبسوطة يا إيناس
اتسعت ابتسامتها وهي تجيبه بنبرة مرحة:
-إنت مش متخيل فرحتي، أخيراً!

حافظ هو على شكل بسمته الزائفة أمامها وهو يحدث نفسه قائلاً بغيظ:
-على الله تيجي بفايدة، مايبقاش موت وخراب ديار!

قضت إيناس وقتاً طيباً حماسياً للغاية مستمتعة فيه بكل لحظة وهي بداخل ذلك المكان الثلجي..
كانت تلهو كالأطفال تتقاذف كرات الثلج في الهواء، كما ألقت بجسدها على بعض الأكوام المتراصة لتطبع شكل جسدها عليه..
راقبها باسل بتعجب ظاهر على ملامحه..
نعم فهي كانت مختلفة تماماً عن ذي قبل، طفلة، مرحة، لا تحمل ضغينة نحوه، تضحك بعفوية وبراءة من قلبها
وفجأة هتفت بحماس مثير وهي تشير بيدها:
-البطريق أهوو.

ثم ركضت في اتجاهه، فلحق هو بها قائلاً بجدية:
-طب بالراحة وانتي ماشية!
ردت قائلة بتلهف:
-عاوزة ألحقه
ردد هو على مضض وهو يركض خلفها:
-على رأيك ده أنا صارف ومكلف، كمان مش هاشوف جنابه!
وقفت إيناي على مقربة شديدة من طائر البطريق، وهتفت بحماس وهي تخرج هاتفها المحمول لتعطيه إلى باسل:
-صورني يا باسل معاه، على أد ما تقدر مش هوصيك!

أشار لها بيده رافضاً أخذه، فتعجبت منه، وبدت على وشك الغضب، فأسرع بالتلويح بهاتفه المحمول ففهمت أنه يريد استخدامه..
هو بالفعل قرر استغلال الفرصة لالتقاط صورة تذكارية معها، ولما لا، فهو يستحق تلك المكافأة بعد مجهوده لاستمالتها.
وبمكر واضح رد عليها قائلاً:
-ماشي، بس مش قبل ما ناخد صورة سوا
هزت رأسها بالإيجاب وهي تهتف بتلهف:
-طيب بسرعة يالا!

وقف باسل إلى جوارها، ورمقها بنظرات شغوفة، ثم ابتسم قائلاً بصوت حنون بعد أن مال بكتفه ناحيتها ليكون قريباً منها:
-اضحكي!
رسمت هي بسمة عريضة على ثغرها، وهتفت بحماس وهي محدقة في انعكاس صورتها:
-ها، كده حلو
بادلها نفس الابتسامة السعيدة ونظراته لم تفارق وجهها، وردد بتنهيدة مشتاقة:
-تمام!

ثم ضغط على زر الالتقاط ليسجل هاتفه لقطات مميزة لكليهما معاً مطالعاً إياها فيهم بنظرات المتيم الغارق شوقاً في أنهر العاشقين..
ورغم التكلفة الباهظة التي تكبدها اليوم إلا أنه كان مسروراً أنها في النهاية قد أتت بثمارها مع حبيبته..
ولعل القادم أفضل له إن استمر معها على هذا المنوال..

في أحد محال ثياب الزفاف،
زفر مسعد بإرهاق واضح، فقد مضى وقتاً وسابين تجرب ثوباً تلو الأخر محاولة انتقاء الأقرب إلى تصورها..
كانت الصغيرة جينا تعبث ببراءة في أثواب الزفاف وجميع من في المحل يداعبها بلطف وود..
بعد برهة خرجت سابين من غرفة القياس وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة، فهب مسعد واقفاً من مكانه، وسألها بجدية:
-ها يا صابرين، اختارتي حاجة؟
هزت رأسها بإيماءة خفيفة وهي تجيبه بصوت خفيض:
-ييس ( نعم )!

هتف وهو ينفخ عالياً:
-أخيراً، يا صبر أيوب!
شعرت هي بالحرج من طول المدة التي استغرقتها في تجربة كل ثوب على حدا، لذلك أردفت قائلة بحياء وقد توردت وجنتيها نوعاً ما:
-سوري موسأد، بس أنا بأدور على حاجة سيمبل!
سألها بفضول وهو يغمز لها بعينه:
-طب هي فين؟ وريهاني!
هزت رأسها معترضة بشدة مرددة:
-نو ( لأ )، دي bad omen ( فأل سيء )!

لم يفهم هو معنى تلك الكلمات الموجزة بوضوح واعتقد أنها تطلب منه الذهاب، فتساءل بتعجب وهو يتلفت حوله:
-أقوم أروح فين؟
ابتسمت لأسلوبه المرح، وردت عليه بنبرة ناعمة:
-نو ( لأ ) موسأد، إنت مش لازم شوف dress ( ثوب )!
في نفس اللحظة انضمت السيدة صفية إليهما لتقول بنبرة متأففة وعلامات الإنزعاج والنفور جلية على قسماتها:
-ها يا حلوة اختارتي حاجة ولا هنلف لسه على كعوب رجلينا!
ردت عليها سابين بهدوء رقيق:
-خلاص أنطي!

لوت صفية ثغرها لتقول بإقتضاب متهكم:
-أنطك! اعوجي لسانك عليا كمان!
مال مسعد على والدته، وأسند كفه على كتفها، ثم همس لها بضجر:
-يا ماما دي أجنبية، مش عاوجة بؤها ولا حاجة!
نظرت هي له شزراً، وردت بعبوس:
-دافع عنها دافع!
توسل مسعد لها قائلاً باستعطاف خفي:
-بلاش الله يكرمك شغل الحموات من دلوقتي، اديها فرصة تخش عندنا الأول وتتمرمغ معانا، وبعدها دوسي براحتك!
عنفته قائلة بعد أن رأت تلهفه الواضح نحوها:.

-يا مسعد اتقل كده، بلاش تبقى مدلوق عليها، هتسوق فيها وتتعوج عليك!
رد عليها غير مكترث:
-واتقل ليه وأنا بأحبها وهي بتحبني
زادت نظراتها حدة، واغتاظت من رده، ثم هتفت بتبرم:
-هتفضل طول عمرك كده على نياتك!
ابتسم قائلاً بسعادة:
-إنما الأعمال بالنيات، وأنا نيتي حلوة على الأخر!
أضافت صفية قائلة بتجهم:
-بكرة تلعن اليوم اللي اتجوزتها فيه، اسمع مني!
رد عليها بعدم مبالاة:
-ماشي، بس برضوه هاجرب الأول معاها!

يئست هي من محاولاتها الفاشلة في اثناءه عن زواجه منها، وردت باستياء جلي:
-مافيش فايدة منك!
وثبت الصغيرة جينا بمرح وهي تقترب من مسعد، ثم التفتت برأسها نحو صفية، ونظرت لها بتفحص، وهتفت ببراءة وهي تشير بسبابتها نحوها:
-نانا!
نظرت لها صفية بضيق، ولكزت ابنها في كتفه وهي تقول بضجر:
-حوش ياخويا
جذبت الصغيرة جينا مسعد من بنطاله، وتابعت الهتاف المرح:
-دادي، نانا!

وزع هو نظراته بين والدته وبين الصغيرة، ورسم ابتسامة بلهاء على فمه وهو يردد بحذر:
-اه، هي ستك صفية!
هتفت صفية بنبرة قاتمة وهي تضرب كفها بالأخر مستنكرة الأمر برمته:
-أل كنت ناقصة دلاديل!
ضغط مسعد على شفتيه قائلاً بتذمر:
-خفي يا ماما، البنت واقفة!
ردت هي عليه بحدة:
-طب انجز بقى، أنا تعبت من اللف والدوران!
هتف مستنكراً تعجلها الغير مبرر:
-هو احنا لحقنا!
ردت عليه بنفاذ صبر وهي تشير بيدها:.

-بأقولك ايه، الشمس طول النهار عندي في البيت وضاربة في دماغي!
مازحها مسعد قائلاً بسخرية:
-ليه هو البيت من غير سقف؟
ردت عليه بسخط محذرة إياه من التمادي معها بتلك الطريقة:
-بطل هزارك الرخم!
حرك رأسه بحركة خفيفة وهو يردد:
-ماشي يا ست الكل، هي عامة خلصت وهانروح كلنا!
هتفت وهي تزفر بنفور:
-أوف، الحمدلله!

لاحقاً في سيارة باسل،
انهت إيناس جولتها في المول الشهير بعد لعبها المرح في الباحة الثلجية، ثم عاودت الجلوس في السيارة، وانطلق بها باسل في طريق العودة للمنزل..
تنهدت بسعادة مرددة:
-انت مش متخيل أنا اتبسطت أد ايه النهاردة!
استدار برأسه قليلاً نحوها، ورد عليها بثقة مغترة:
-عشان تعرفي
أضافت هي قائلة بإعجاب:
-لأ، أبهرتني بصراحة!
هز رأسه قائلاً بتفاخر:
-طب الحمدلله
ثم ساد الصمت بينهما..

لم تلتفت هي نحوه مجدداً، وظلت محدقة في الطريق أمامها
اختلس هو النظرت إليها، وتطلع لها بتمعن بين الحين والأخر..
تردد في سؤالها عن إحساسها نحوه، لكن لا طاقة به للصبر وتخمين شعورها، لذلك حسم أمره، وهتف بصوت ثقيل:
-إيناس!
التفتت برأسها نصف التفاتة، ونظرت نحوه بحذر قائلة:
-ايوه
حدق فيها بنظرات ثابتة، ثم سألها بهدوء مريب:
-انتي لسه شايلة مني؟
اضطربت قليلاً من سؤاله، وردت بإيجاز:
-معرفش!

هي لم تكن تعرف حقاً شعورها الحالي نحوه، لكنه لم يعد ذلك النفور التام أو حتى البغض الكلي، فشعورها الحانق منه تناقص تدريجياً إلى حد ما..
أخرجها هو من حيرتها المؤقتة قائلاً بجدية:
-أنا مش عاوزك تكرهيني، اديني فرصة آآ…
لم ترد إيناس اظهار ارتباك تفكيرها أمامه، فقاطعته قائلة بجمود:
-معلش أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم!
استشعر هو رغبتها في عدم الحديث، فهز رأسه بتفهم، وأخفض نبرة صوته قائلاً:.

-براحتك، أنا مش هاضغط عليكي
ظهر شبح ابتسامة على ثغرها من أسلوبه اللطيف في الحوار والتعامل معها..
لم يعد باسل القديم – ذو الطبائع الحادة والعصبية – من يتواجد معها حالياً، وإنما شخصية مهذبة تدفعك لاحترامها بطريقتها..
لوهلة شردت تفكر فيه وتقارن بين حالة بين الماضي والحاضر، ولكنها انتبهت لصوته وهو يردد بسعادة:
-بس تعرفي أنا مبسوط إنك مقولتيش أبيه النهاردة.

اكتسى وجهها بحمرة سريعة وهي تنظر نحوه، وازدردت ريقها بتوتر قليل، ثم أشاحت بوجهها بعيداً محاولة اخفاء اضطرابها الحسي..
تابع هو قائلاً بإعجاب:
-ده انجاز في حد ذاته!
توجس هو خيفة من أن يكون قد أزعجها بكلماته المتوارية، فسألها بخوف:
-اوعى تكوني مضايقة مني
هزت كتفيها قائلة بعدم اهتمام:
-عادي، مافيش حاجة
تنفس بعمق، ثم أخرج زفيراً مطولاً مردداً بإصرار:
-تمام يا نوسة، أنا راضي بالقليل بتاعك.

ثم رمقها بنظراته المتأملة لها، وتابع في نفسه قائلاً بتمني:
-وعقبال يا رب ما تفتحي قلبك ليا وتحني عليا…!

في منزل باسل سليم،
أوصل باسل إيناس إلى منزلها، ثم عاد هو إلى بيته ليلج إلى غرفته، ويلقي بثقل جسده على الفراش..
أغمض عيناه تعباً، وزفر نفساً عميقاً من صدره، ثم ابتسم لنفسه بسعادة..
ولما لا فقد قضى يوماً مميزاً مع من يحب، وتذكر هو تلك الصور الفوتغرافية التي التقطها بهاتفه، فاعتدل في نومته، وأخرجه من جيبه، ثم تأملهم بنظرات ممعنة ودقيقة..
كانت ابتسامة إيناس واضحة خالية من الزيف والاصطناع..

بالطبع كانت انعكاساً ظاهراً عن سعادة حقيقية، وكأن ما بينهما من خلافات قد تبخرت لتحل محلها فرحة من نوع مختلف.
لم يدرِ كم مر عليه من الوقت وهو محدق بصورتها، ممتعاً عيناه بالنظر إليها وكأنه يخاطبها في صمت.
تنهد بحرارة وردد بشتياق:
-والله العظيم بأحبك، نفسي تحسي بده!

ليلاً في منزل مسعد غراب،
حدقت إيناس في سقفية الغرفة وهي تتلاعب بخصلات شعرها شاردة فيما حدث خلال يومها المثير والغير متوقع مع باسل.
فكرت هي فيما فعله معها بطريقة مختلفة كلياً عما مضى، وعقدت تلك المقارنة مرة أخرى بين تصرفاته السابقة وأفعاله الحالية..
فكانت في صالحه هذه المرة..
شعرت بالاضطراب والتخبط نتيجة اهتزاز وتخلخل الحواجز الوهمية التي وضعتها لنفسها لتحكم علاقتها به.

وبررت لنفسها موقفها المتغير نحوه قائلة بتردد:
-يمكن مش وحش زي ما أنا مفكرة، بس، بس ده آآ…
ثم أسرعت مستنكرة خنوعها وتراجعها عن رأيها العنيد قائلة:
-لالالا، أنا مش لازم أفكر فيه، خليني أركز في مذاكرتي أحسن
ثم استدارت بجسدها لتنام على جانبها، حاولت إجبار عقلها على عدم التفكير فيه والنوم جبراً، لكن تكررت مشاهد اليوم بصورة أكثر تركيزاً وعمقاً، فاستسلمت لها، وغفت وهي تبتسم لنفسها بإرتياح..

في منزل باسل سليم،
اقترح خالد على أخيه أن يذهب هو بنفسه لمقابلة إيناس في كليتها في محاولة جادة منه للحديث معها وإزالة الأثار السيئة التي تركها في نفسها سابقاً، واقناعها بإعطاء أخيه فرصة للتقرب منها..
لم يصدق باسل أذنيه، وهتف بحماس عجيب:
-هاتعمل ده عشاني؟
رد عليه أخيه بهدوء جاد:
-انت أخويا، ومقدرش أشوفك كده متبهدل!
تهدجت أنفاسه بسعادة وهو يردد:
-أنا مش عارف أقولك ايه!
رد قائلاً بجدية:.

-ادعيلي أتوفق معاها
ربت باسل على كتف أخيه، وهتف بثقة:
-انت أدها وأدود يا سعادت السفير!
رفع خالد حاجبيه للعائلة قائلاً بإندهاش مصطنع:
-سفير مرة واحدة!
رد عليه باسل بمرح:
-طبعاً، سفير ورئيس الأمم المتحدة كمان، بس اظبطني مع مرات أخوك!
أومأ خالد برأسه قائلاً:
-حاضر، هاعمل اللي أقدر عليه، وهأشوفها بكرة في الكلية!

عقد باسل كفيه خلف رأسه، وتطلع أمامه بنظرات متفائلة وهو يتمدد بإسترخاء على الأريكة، فالبدايات كلها مبشرة بالخير..

في منزل مسعد غراب،
وصلت إسراء إلى منزل العائلة لتشارك أخيها فرحته، وبعد تناولها الطعام مع أفراد أسرتها تركت ابنيها يلهوان أسفل البناية لتتمكن من الحديث مع مسعد على انفراد..
رأت هي في أعين أخيها نظرات الفرحة وبريق الحب، فأيقنت أنه لم يخطيء الإختيار، وسألته مؤكدة لكي يطمئن قلبها:
-أهم حاجة إنك تكون فرحان معاها
أجابها بثقة مفرطة:
-إسراء، دي حبي الأول والأخير!
حركت رأسها قائلة بإعجاب:.

-ده انت بقيت شاعر، سيدي يا سيدي على الحب!
تابع هو قائلاً بجدية:
-المهم عندي تميلي دماغ أمك من ناحيتها لأحسن مدياها الوش الجبس وهاتخش موسوعة جينس في الإحباط!
ردت عليه بإمتعاض قليل:
-ما انت عارف ماما، طالما الحاجة مش عجباها ب آآ…
قاطعها مسعد قائلاً:
-يا بنتي انتي عندك قدرات خارقة، وهتعرفي تدخليلها من ثغراتها، اعملي فيا معروف واخدميني!
مطت فمها لتفكر ملياً فيما قاله، فأكمل بتوسل:
-عشان خاطر أخوكي، ماشي!

ردت عليه بإختصار:
-طيب!
ثم حذرها قائلاً بتوجس وقد عبس وجهه:
-وبلاش جوز المعيز يكونوا أعدين معاكي، دول بيفسدوا أي حاجة!
ضاقت نظراتها وأصبحت أكثر حدة، وعاتبته قائلة بتجهم:
-بقى عيالي جوز معيز يا مسعد!
ابتسم ببلاهة وهو يقول:
-بأهزر يا حبيبتي، ماتبقيش كشرية كده!
-طيب!
ثم تابع بجدية أكثر وهو يشير بحاجبيه:
-اتكلموا بس لوحدكم أهم حاجة
وافقته الرأي قائلة:
-حاضر
زادت ابتسامته اتساعاً وهو يشكرها ممتناً:.

-حبيبتي يا إسراء! تسلمي يا رب.

وبالفعل امتثلت إسراء لطلب أخيها، وتوجهت للحديث مع والدتها لتقنعها بإستخدام أسلوب الرفق واللين مع سابين..
اعترضت الأخيرة على تدخل ابنتها في الأمر، ونفخت بغيظ..
وضعت إسراء يدها على كتف والدتها، ثم انحنت لتقبلها من جبينها، وأردفت قائلة:
-ده مسعد حبيبك، بلاش كده معاه!
ردت عليها بسخط:
-كل ما أشوفها قصادي بأضايق، كان نفسي أفرحله بجد!
دافعت إسراء عن أخيها قائلة بجدية:.

-ماهو مبسوط يا ماما، انتي مش شايفاه بعينك!
ردت عليها والدتها بتبرم:
-الناس هايكلوا وشنا، وهو عاوز يقصر رقبتي ويخليها أد السمسمة قصادهم!
تنهدت إسراء بإرهاق من تفكير والدتها العقيم، وتابعت بهدوء جاد:
-محدش بيريح حاله، خلينا نعمل اللي عاوزينه وخلاص!
نظرت صفية إلى ابنتها بنظرات منزعجة، وعاتبتها قائلة:
-بقيتي بتكلمي زي اخوكي!
ابتسمت هي لها بود، وبررت موقفها:.

-ما هو صعبان عليا، عاوز يرضيكي وفي نفس الوقت مش عاوز يحرم نفسه من حب حياته!
هتفت صفية محتجة:
-وهو أنا معترضة، بس غصب عني، قلبي مش مرتاح، فرحتي بيه ناقصة!
أضافت إسراء قائلة بابتسامة مطمئنة:
-ابعدي وساوس الشياطين عن دماغك وإن شاء الله خير!
ردت عليها بإقتضاب وهي قاطبة لجبينها:
-ربنا يسهل
قبلت إسراء والدتها مجدداً من رأسها، ومسحت على ظهرها برفق، وردت بصوت متفائل:
-هيسهل إن شاء الله بس انتي انوي!

في صباح اليوم التالي،
في كافيتريا الكلية،
جلست إيناس مع خالد على إحدى الطاولات الشاغرة – وبعيداً عن الزحام – بعد أن رأته منتظراً إياها على باب قاعتها الدراسية..
تعجبت من حضوره المفاجيء، لكنها رضخت لطلبه الحديث معها.
استطرد هو حديثه قائلاً بنبرة دبلوماسية معتادة:
-أنا طلبت أتكلم معاكي، وأتمنى مكونش معطلك عن حاجة!
ردت عليه بهدوء:
-لأ أنا عندي وقت فاضي، لسه ساعة على المحاضرة التانية.

ابتسم بتصنع وهو يتابع:
-كويس، وأنا مش هاخد من وقتك كتير!
سألته بفضول وهي محدقة فيه:
-خير يا أستاذ خالد!
صمت للحظة قبل أن يجيبها بغموض:
-باسل!
انعقد ما بين حاجبيها، وسألته بنبرة مرتابة:
-ماله؟
أجابها بهدوء عجيب:
-بيحبك!
ارتبكت من رده الصريح، واشتعلت وجنتيها بتلك السخونية الغير متوقعة..
جاهدت لتحافظ على ثباتها الانفعالي، لكن تعابير وجهها المرتبكة تفضح أمرها..
تلعثمت وهي تجيبه:
-أنا مش عاوزة آآ…

قاطعها قائلاً بجدية:
-اسمعيني للأخر من فضلك يا إيناس!
ازدردت ريقها قائلة بتوتر:
-اتفضل!
أخذ هو نفساً عميقاً، ثم زفره على مهل، واستأنف حديثه الجدي:
-باسل بيحبك من زمان، وكان بيكابر، بس احساسه ناحيتك واضح من أول لحظة اتعلق فيها بيكي!
شعرت بالحرج لكون أخيه الأكبر يتحدث عن تلك المسألة الحساسة بأريحية تامة، وكأنه على دراية بكل ما يدور، فارتبكت أكثر، وحاولت الحديث، فخرج صوتها متقطعاً:
-انا آآ…

تابع مقاطعاً إياها بنبرة متريثة لكنها صارمة:
-بلاش تقاطعي من فضلك!
هزت رأسها مستسلمة:
-طيب!
أكمل خالد حديثه الجدي قائلاً بهدوء:
-هو كان غبي لما اتصرف بطريقته دي معاكي زمان، بس يمكن كان عنده مبرراته تخليه آآ…
انفعلت إيناس من تحويل مسألة إهانتها والتطاول عليها باللفظ والفعل إلى مجرد تصرفات هوجاء طائشة، فهتفت بحنق وقد تحولت نظراتها للحدة:
-ده أهاني ومد ايده عليا، وحسسني أد ايه كنت حقيرة، وآآ…

رد عليها بصوت هاديء مقاطعاً إياها:
-هو ندم انه عمل كده! صدقيني ندم بجد مش مجرد كلام
وكأن حديثه الرزين قد امتص نوبة غضبها قبل أن تثور في وجهه، فتنفس بإرتياح لنجاحه في هذا، وتابع بهدوء:
-أنا مش عارف أوصفلك بالظبط هو بيحاول يعمل ايه عشان يصلح غلطته دي ويثبتلك انه بيحبك أوي!
نكست رأسها للأسفل، وتحاشت النظر نحو خالد، وظلت تفرك في أصابع يدها المسنودة على حرجها بتوتر كبير..

تفرس خالد في ردود فعلها الطبيعي، وأدرك أن حديثه يُحدث تأثيراً بها، فتوسم خيراً أن يأتي بنتائج مبشرة..
لذلك أضاف بنبرة رخيمة:
-هو نفسه يعرف مشاعرك ناحيته دلوقتي!
ظلت هي مبعدة لعينيها عن أخيه، وردت بصوت شبه متحشرج ومختنق نسبياً:
-آآ، أنا متلخبطة، أوقات كتير بأحس إني عاوزة أخنقه لما بأفتكر اسلوبه معايا، بأكرهه جايز، ببقى مضايقة منه، نفسي أخليه يدوق شوية من إحساسي بالقهر وآآ..
قاطعها قائلاً بجدية:.

-بس هل انتي بتحبيه؟
رفعت رأسها لتنظر نحوه بعد سؤاله المباغت، فأوضح معللاً الغرض من سؤاله:
-أقصد في مشاعر جواكي ناحيته؟!
ردت بحذر وهي تبتلع ريقها:
-مش عارفة!
ابتسم لارتباكها، وسألها بفضول:
-طيب لو حذفنا اللي حصل زمان، وكلامه البايخ، هل في فرصة إنكم يعني، آآ، نقول مثلاً تنسوا اللي فات، وتدوا نفسكم فرصة تتعرفوا على بعض من أول وجديد
صمتت إيناس ولم تجبه، وأخذت تفكر بعقلانية في حديثه الأخير..

مال خالد نحوها بجسده للأمام، واستأنف حديثه:
-فكري بقلبك، واسمحيله ياخد فرصة معاكي، مش هاتخسري حاجة!
ردت بفتور:
-هاشوف!
حصل خالد على مراده من حديثه مع إيناس، ولم يكن لديه المزيد ليضيفه لذلك نهض واقفاً من مكانه، وتشدق قائلاً:
-طيب، هاسيبك تشوفي اللي وراكي، وهاروح أشوف شغلي أنا كمان!
هبت هي الأخرى واقفة، وردت عليه باستغراب:
-لسه بدري!
ابتسم قائلاً بتهذيب:
-يدوب ألحق وقتي، وأتمنى أسمع أخبار حلوة قريب!

ابتسمت قائلة برقة:
-إن شاء الله
ثم مد يده ليصافحها وهو يقول:
-عن اذنك
صافحته بحذر قائلة:
-اتفضل يا أستاذ خالد!
ألقت هي بجسدها على المقعد بعد انصراف خالد، وتمتمت مع نفسها قائلة:
-عاملي زي عفريت العلبة يا باسل، بتطلعلي في كل حتة!

في الوحدة التدريبية،
أعد مسعد حقيبته واضعاً فيها ما يحتاج إليه من متعلقاته الخاصة، وعاونه باسل في ترتيب حاجاته، ثم مازحه قائلاً:
-ايوه يا عم مين أدك، أجازة جواز وهتهيص!
نظر له رفيقه بإنزعاج، وردد بضيق:
-الله أكبر، ومن شر حاسد إذا حسد!
رد عليه باسل مبتسماً بمرح:
-متخافش أنا مش بأحسدك!
هتف مسعد قائلاً بسخرية وهو يشير بحاجبيه:
-ايوه، انت عينك صفرا بس
رد عليه باسل بجدية:.

-لا صفرا ولا ألوان، المهم، مافيش أخبار عن رأي إيناس؟!
أجابه مسعد بفتور:
-لا أخبار ولا أهرام، أنا رأيي تكبر دماغك منها، وتشوفلك واحدة تانية!
انزعج هو من رده الجاف، فهو يختزل مشاعره في كونها شيء عابر، ودافع عن رغبته بها قائلاً بحدة:
-يا سيدي أنا بأحبها، وآآ، وهي أكيد بتحبني!
التوى ثغر مسعد ليرد بتهكم:
-واضح فعلاً، ده حتى أنتو من شهداء الغرام!
زفر باسل قائلاً باستياء:.

-بلاش تريقة علينا، هي بس اللي بتكابر معايا!
لم يقتنع مسعد بما يقوله، وهتف بإصرار:
-ده أنا شايفها وعارفها بنفسي، انت واقف في زورها، خد مني واشتري!
نفخ باسل بصوت مسموع، ورد بنبرة محبطة وقد تهدل كتفيه:
-هي لو تفكر كويس وتنسى اللي فات!
انتبه مسعد لجملته الأخيرة والتي بدت غامضة للغاية، لذا سأله مستفهماً:
-تنسى ايه بالظبط؟

ارتبك باسل من سؤاله المباغت، وفكر سريعاً في رد موجز ومقنع ليقوله له، فطرأ بباله أن يتفوه بحذر:
-آآ، أقصد يعني، ماتعتبرنيش زي أخوها
حرك مسعد رأسه بإيماءة خفيفة قائلاً:
-اها، فهمتك!
ربت باسل على ظهره، وألح قائلاً برجاء خفي:
-طب ما تخدم أخوك وتقول كلمتين طيبين في حقي
رد عليه مسعد بتبرم:
-هو أنا فاضيلك! ماتخلي عندك دم!
ابتسم له باسل بتصنع، وتابع بنبرة متعشمة:
-معلش، ده أنا حبيبك، وبكرة تحتاجني في وقت زنقة!

رد عليه مسعد بقلق وهو يغلق سحاب حقيبته:
-كفاية الزنقة اللي أنا فيها!
أصر باسل على طلبه قائلاً بود:
-يا عم هاخدمك، واحدة بواحدة!
استسلم مسعد لإلحاح رفيقه المستمر، ورد بنبرة منهكة:
-ماشي، هاجرب!
تهللت أسارير باسل، وهتف بحماس جلي:
-ايوه بقى يا مسعد! عاوز أحصلك وأتجوز!
وقف مسعد قبالته، ثم وضع يده على كتفه، وحدق فيه بنظرات مباشرة وثابتة، وأردف قائلاً بجدية:
-يا باسل خدها مني نصيحة!

تعجب هو من حالة التبدل السريع التي سيطرت عليه، وسأله بتوجس:
-نصيحة ايه دي؟
أجابه بابتسامة مراوغة:
-الراجل مننا قبل الجواز هيموت ويتجوز ويقضي يومين عسل!
هز باسل رأسه مقتنعاً، فتابع الأخير حديثه ولكن بعبوس وضجر:
-إنما بعد الجواز هايكون عاوز ايه غير انه لما يرجع من الشغل يلاقي مراته ماتت!
ارتفع حاجبي باسل للأعلى مستنكراً عبارته:
-يا ساتر يا رب، ده انت نظرتك سودة للحياة!

ضرب كتفه بقبضته، ورد عليه بنبرة يشوبها اللامبالاة:
-ده الواقع يا حبيبي، شر ولابد منه!
أمال باسل رأسه للجانب وحركها بإيماءة ظاهرة ليضيف بمكر:
-طب ما تيالا مع أخوك! وأهوو يجرب زيك!
-حاضر، أما أشوف أخرتها ايه معاك ومعاها
قالها مسعد وهو يعلق حقيبته على كتفه لينصرف بعدها إلى الخارج، في حين تبعه صديقه وهو مستمر في الحديث عن رغبته في الاستقرار والارتباط بإيناس حتى مل هو من ثرثرته الزائدة…

في منزل مسعد غراب،
لم يتوقف مسعد عن محاولة إقناع أخته الصغرى بالعدول عن رأيها بشأن مسألة خطبتها لباسل، ولاحقها حتى في غرفتها ليكمل محاولته الأخيرة وهتف بإندفاع:
-يا نوسة الواد باسل هايموت عليكي! اديله فرصة!
ردت هي عليه بضجر وهي تكتف ساعديها:
-بأقولك أنا مش بأحبه
مازحها قائلاً بسخرية:
-ومين بيحبه أصلاً!
أرخت ذراعيها، ونظرت نحوه هاتفة بنزق:
-اهوو انت بنفسك بتقول آآ…

قاطعها سريعاً قبل أن تتمادى في ظنها الخاطيء به:
-بس والله طيب وأخلاق وابن حلال!
تنهدت بإحباط، ومطت شفتيها للأمام ولم تعقب..
اقترب مسعد من أخته، وطوق كتفيها بذراعه، وأضاف بمرح:
-يا بنتي ده مسمينوه أيقونة الجدعنة، رمز الشهامة!
أدارت رأسها للجانب لتنظر إليه باستغراب مرددة:
-بسلة؟!
رد عليها مبتسماً ببلاهة:
-تخيلي! بسلة!

أشاحت بوجهها بعيداً، وأطلقت تنهيدة عميقة من صدرها، وتحركت عدة خطوات للأمام ليسود الصمت بينهما للحظات..
لا يعرف أحد ما الذي يجول في عقلها من صراعات كبيرة..
هي تحاول تجاوز المسألة والتفكير بذهن صافٍ في كونه شخص يصلح للزواج، ولكن تقف ذكريات قسوته حائلاً بين موافقتها عليه..
لا تنكر تغيره وتحسنه للأفضل في أسلوب تعامله معها، لكنها في ذات الوقت تخشى أن يكون مجرد قناع للإيقاع بها..

لاحظ مسعد صمتها الذي طال، فقطعه مجدداً قائلاً بإنبهار:
-انتي لو تشوفيه يا نوسة وهو ماسك الآلي وبيحارب، مش هاتسيبه أبدا ً، ده كمان عليه بوكسات إنما ايه يتعمل عليها قصايد
التوى فمها بإبتسامة متهكمة وهي تغمغم بخفوت بعد أن تذكرت لكماته القاسية:
-أها، مجرباها، إنت هتقولي!
سألها مسعد بلؤم:
-ها موافقة عليه؟
ردت عليه بجدية:
-بلاش تزن عليا!

لم يرغب هو في الضغط عليها أكثر من هذا حتى لا يقابل طلبه بالرفض القاطع، وتشدق قائلاً بحذر:
-طيب مش هازن، بس فكري، وعندك وقتك!
-ربنا ييسر
سألها هو بفضول وهو يحك فروة رأسه:
-سيبك انتي بقى وقوليلي رأيك في البدلة؟
أجابته بإعجاب وقد تشكلت بسمة صغيرة على محياها:
-شياكة الصراحة!
هتف قائلاً بتلهف:
-يا مسهل يا رب، مش مصدق إن بكرة الدخلة، نفسي أفرح بقى وأخش دنيا!
ردت عليه بسعادة:.

-إن شاء الله يا مسعد، إنت طيب وتستاهل كل خير!
اقتحمت والدتهما الغرفة متساءلة بفضول وهي تتفرس وجهيهما:
-بترغوا في ايه من بدري؟!
ردت إيناس باقتضاب:
-مافيش يا ماما!
تساءلت هي بنبرة أكثر فضولية وقد التمعت عيناها بشدة:
-اومال ايه حكاية باسل؟
رد عليها مسعد ساخراً:
-هو انتي بتلمعي أوكر ( مقابض ) يا حاجة
أجابته بجمود متصنع وهي تتعمد العبوس بوجهها:
-ده بالصدفة وداني لقطت اسمه!
هتف ساخراً من ردها الساذج:.

-دي قرون استشعار مش ودان!
تجاهلته عمداً، واتجهت نحو ابنتها، ثم هتفت قائلة بإلحاح:
-ما تدي للواد فرصة يا نوسة!
ردت عليها إيناس بعصبية قليلة وهي تلوح بكفيها بضيق:
-يا ماما هو مافيش سيرة غير باسل بتاعكم ده!
أضافت والدتها بجدية:
-اه، بصراحة أنا عيني هاتطلع عليه، انسان محترم ومركز ومجتهد ومحبوب، وألف مين تتمناه!
لوت شفتيها لترد عليها بتأفف:
-ده على اعتبار إنه العريس الوحيد في البلد!

عنفتها والدتها بحدة وهي ترمقها بنظرات ساخطة:
-افضلي كده اتأمري عليه لحد ما تيجي واحدة نص لبة تخطفه منك زي البت السودة إياها، وبعدها تيجيلي تعيطي وتقولي يا ريت اللي جرى ما كان!
لم تعبأ بدفاعها المستميت عنه، وردت بنبرة غير مبالية:
-إن شاء الله مش هايحصل!
مصمصت صفية شفتيها، وأضافت بتهكم ساخط:
-وأل على رأي المثل الحلوة بختها مال، والمعفنة بتدلع يمين وشمال!

شهق مسعد مصدوماً من أمثال والدته المأثورة، وهتف غير مصدق:
-يالهوي يا حاجة صفية، إنتي رهيبة! أنا بأخاف تبهتي عليا بأمثالك!
عاتبته قائلة بتجهم:
-اتلم يا مسعد، وركز انت في اللي عاوجة بؤها علينا
أشار بكفه أمام وجهها، ورد عليها بجدية:
-أه، لأ شكل الدفة قلبت ناحيتي، أحسن حاجة أخلع وانتوا اصطفلوا مع بعض
ثم أولاهما ظهره، واتجه ناحية باب الغرفة فهتفت إيناس متساءلة بتلهف:
-استنى يا مسعد، رايح فين؟

التفت برأسه نصف التفاتة، وأجابها مبتسماً بسعادة:
-عريس بقى ومحتاج اجهز، سلام يا حلوين!
كور هو قبضة يده في الهواء، وأضاف لنفسه مدندناً بحماس بائن في نبرته و كذلك في تصرفاته بعد أن ارتفعت نسبة الأدرينالين في دمائه لتزيد من شوقه:
-وأخيراً هاتجوز، هاتجوز…!
زفرت إيناس بضجر بعد الإلحاح المستمر من عائلتها للضغط عليها للموافقة على خطبتها من باسل.
وكالعادة لم تترك إسراء المسألة تمر مرور الكرام دون أن تضع لمستها الخاصة.
جلست مع أختها في غرفتها، ودافعت عنه قائلة:
-يا نوسة هتندمي، ده فرصة حلوة!
ردت عليها إيناس بنبرة منفعلة:
-ما تدوني أنا فرصة أختار عاوزة ايه بنفسي، بلاش الكماشة اللي عملينها عليا!
تابعت إسراء قائلة بجدية:.

-ماهو لو انتي بتفكري بعقلك هتلاقيه مناسب جداً ليكي، بس انتي كرهاه من غير سبب مقنع بصراحة!
لوت ثغرها، وكتفت ذراعيها أمام صدرها، ثم ردت عليها بنبرة شبه محتدة:
-أنا حرة!
اعترضت إسراء على ردها، وهتفت قائلة:
-لأ مش حرة لو رأيك ده غلط
نفخت إيناس بنفاذ صبر، وحلت ذراعيها، ثم صاحت بضيق:
-إسراء لو سمحتي آآ…
قاطعتها أختها قائلة بنبرة رزينة:.

-اسمعي يا نوسة كلنا بنحبك، واحنا أهلك وعاوزين مصلحتك، ولو في شيء معين مخليكي مش طايقة باسل قوليه دلوقتي!
ارتبكت من حصارها اللامتناهي من المبررات والدفاعات عن موقف باسل، وردت عليها بتعلثم:
-أنا، آآ، أوف، بجد تعبت!
لاحظت إسراء اضطرابها، وذلك التوتر الظاهر في نبرتها فأنبئها حدسها أنها تخفي شيئاً ما عنها، أو ربما لديها ما يمنعها من الحديث.
حافظت هي على هدوء نبرتها، وتابعت بحنو:
– أنا سمعاكي!

وكأن طاقتها على التحمل قد نفذت، فهتفت منفجرة بحدة:
-بصي انتي مش عارفة ده كان بيتريق عليا زمان إزاي وكان اسلوبه قليل الذوق، وفيه إهانة وآآ..
قاطعتها إسراء متساءلة بجدية:
-قصدك جلنف ( فظ )؟
ردت عليها إيناس بحنق متذكرة قسوته:
-دي أقل كلمة توصفيها بيه، إنتي مش متخيلة طريقته كانت إيه!

أصغت إسراء لما قالته بإنتباه، وفكرت للحظات فيما تفوهت به، وتركت لها العنان لتكمل بأريحية تامة دون أن تقاطعها، وما إن انتهت حتى سألتها بجمود:
-بس اتغير، صح؟
توترت وهي تجيبها:
-هه، آآ، شوية بس
ردت عليها إسراء بصوت جاد:
-ماتقدريش تنكري ده، شكلك بيقول كده، واللي أنا شايفاه بعيني إنه بيحبك!
صمتت ولم تعقب، فتابعت إسراء بحماس محاولة إقناعها:.

-نصيحة من أختك الكبيرة، ماتضيعش حد كويس وبيحبك بجد لمجرد مواقف بايخة حصلت زمان بينكم، وافتكري إن محدش بيفضل على حاله!
جلست إيناس مستسلمة على طرف فراشها، وحدقت أمامها في الفراغ بشرود..
أضافت إسراء بمزاح وهي تلف ذراعها حول كتفي أختها الصغرى:
-وبعدين يا هبلة مش يمكن كان بيرخم عليكي عشان بيغير
التفتت إيناس ناظرة نحوها بنظرات مصدومة، وشهقت بإندهاش
-نعم بيغير؟!
حركت إسراء رأسها بالإيجاب قائلة:.

-ايوه، الراجل مش بيتحمأ أوي إلا لما بيغير، وهو شكله واقع لشوشته
تحولت نظرات إيناس للين بعد الحدة، وارتخت تعابير وجهها المشدودة لتفكر في كلمات أختها التي راقبتها بنظرات الخبيرة، فهي ببساطة أزالت – بحديثها العقلاني – تلك الغشاوة عن ذهنها، ربما هي محقة في هذا، وتصرفاته المبالغة وقتها قد تكون دليلاً على غيرته عليها.

بدأت تستعيد في ذاكرتها بعض من كلماته الخاصة بأن الوقت غير ملائم، وأن تحتفظ بقالبها الذكوري المظهر حتى تنضج وكلمات مشابهة من هذا القبيل في وقت عجزت عن تفسير معناه العميق..
نعم كان التفسير المنطقي المقنع والموضح لشدته وقسوته معها وقتها هو الغيرة…

في اليوم التالي،
تأمل مسعد انعكاس هيئته في المرآة بداخل صالون الحلاقة الرجالي بإعجاب واضح بعد أن ارتدى بدلة عرسه، رمش بعينيه عدة مرات ليتأكد أنه لا يحلم، وأنه بالفعل يوم زفافه المنشود..
تساءل بإهتمام كبير وهو يمسح برفق على خصلات شعره المثبتة:
-ها إيه رأيك؟
ابتسم باسل له، فقد لازمه منذ الصباح الباكر، ولم يتركه للحظة حتى تأكد من انتهاء كل شيء حسب رغباته.

ربت هو على ظهره برفق مردداً بنفس الابتسامة المطمئنة:
-أحلى عريس!
تنفس مسعد بعمق، وأخرج تنهيدة حارة من صدره، والتفت كلياً بجسده نحو رفيقه، ثم هتف بنبرة شبه مرتبكة:
-ادعيلي الليلة تعدي على خير، لأحسن قلقان أوي!
رد عليه باسل بنبرة عابثة وهو يوميء بعينيه:
-دي زي شكة الدبوس، هو أنا اللي هاقولك ولا ايه؟
هتف مسعد بحدة خفيفة:
-يا عم انت دماغك راحت فين، أنا خايف من اللي ممكن يحصل في الفرح!

حافظ رفيقه على ابتسامته الواثقة وهو يضيف:
-كل خير، اطمن، أنا في ضهرك!
رد عليه مسعد بتوجس قليل:
-يا خوفي تخلع وتكشف ضهري!
ضحك باسل من ارتباكه البائن وردوده المرحة، ثم رد عليه بثقة:
-مش أنا يا مسعد!
-ماشي يا باشا
تساءل بعدها بجدية:
-ها، مش هانروح للعروسة، زمانتها خلصت!
نظر مسعد في ساعة يده التي إرتداها، ورد عليه بنبرة جادة:
-اه، يدوب نلحق وقتنا!
أضاف باسل بهدوء:
-تمام، العريبة متزوءة برا وجاهزة.

رفع مسعد كفيه للأعلى، وهتف بتضرع وعلامات التوتر تكسو وجهه:
-يا ميسر يا رب، كملها بالستر معانا!

في مركز التجميل النسائي،
أمسكت سابين بجزء من ثوب زفافها بعد أن نهضت عن المقعد لتعتدل في وقفتها، وعاونتها إيناس في ضبط طرحتها لتنسدل على الثوب الجميل الذي بدا كأنه صمم خصيصاً لأجلها فقط.
تأملتها إيناس بإنبهار واضح، وجابت بعينيها تفاصيل الثوب بنظرات دقيقة لتتأكد من خلوه من أي عيوب.
امتاز الفستان ببساطته مع أناقته، كان يغطي جانباً كبيراً من كتفيها، كاشفاً لعنقها، ومبرزاً لرشاقتها.

خصره كان ضيقاً، ومعلناً عن نحافتها، وتنسدل البقية في صورة تموجات متراصة كطبقات فوق بعضها البعض لتشبه الجزء السفلي من ثوب السندريلا في تصميمه.
ظهر الارتباك والاضطراب على وجه سابين وهي تلتفت لترى صورتها الكلية في المرآة، وتساءلت بتردد:
-أنا شكلي good ( جيد )؟
أجابتها إيناس بإعجاب وهي تشير بإبهامها:
-رووووعة!
وثبت الصغيرة جينا في مكانها بمرح، ورددت ببراءة:
-مامي!

التفتت سابين نحوها لتتأمل ثوبها الذي كان مماثلاً لها بدرجة كبيرة فيما عدا أنشوطة حمراء كبيرة تزين منتصفه، وردت عليها بنعومة:
-جينا! ماي جيرل ( ابنتي )!
هتفت إيناس معجبة لمظهرهما الأنيق:
-ماشاء الله عليكم، قمرات بجد!
عضت سابين على شفتها السفلى، ونهجت أنفاسها وهي تهمس بتوتر:
-أنا هايف ( خايف ) كتير!
ردت عليها إيناس بعبث:
-ده العادي، كل عروسة بتكون خايفة ليلة فرحها!

مدت سابين يدها لتمسك بكف إيناس، وضغطت بأصابعها عليه، وتابعت هامسة برجاء:
-بليز إيناس، خليكي معايا!
بادلتها إيناس بابتسامة مطمئنة، ورددت بهدوء:
-مش هاسيبك، اهدي بس وماتفكريش في حاجة!
أومأت برأسها بحركة خفيفة قائلة:
-أوكي
ثم تعالت فجأة أبواق السيارات بالخارج معلنة عن وصول سيارة العريس، فهتفت إيناس بنزق:
-باينهم جوم برا
ارتبكت سابين أكثر، وتسارعت أنفاسها، فهي عروس اليوم، ومحط الأنظار للجميع..

هتفت إيناس بحماس كبير موجهة حديثها للفتيات المتواجدات بمركز التجميل:
-هو مافيش زغروطة، دي عروسة يا بنات
تعالت الزغاريد بالداخل، وكذلك الصيحات المهنئة، كنوع من المجاملة للعروس، ثم أعقبها دخول مسعد للمركز..
أمسك هو بباقة الورد في يده، واتجه نحو حبيبته التي كانت في انتظاره في منتصف الصالة الخارجية للمركز..
انفرجت شفتاه بإنبهار جلي حينما وقعت عيناه عليها.

كانت كالأميرات المتوجات، جميلة الجميلات، حورية من الجنة هبطت على الأرض.
لم يجد من العبارات ما يستطيع بها وصف جمالها الآخاذ، لكن يكفيه أنه قد ظفر بحبها في النهاية..
هتف متنهداً بعشق كبير:
-اللهم صلي على النبي، هو في كده؟
تساءلت إيناس بدلال وهي تسرع في خطواتها لتقف إلى جوار أخيها:
-ايه رأيك يا مسعد!
أجابها دون تردد بكلمات متغزلة في حبيبته دون أن يحيد بعينيه بعيداً عنها:
-ده أنا جار القمر!

لم تنتبه إيناس إلى وجود باسل خلف مسعد، فشهقت بتوتر حينما رأته يتأملها بنظرات متفرسة..
واكتسى وجهها سريعاً بحمرة بائنة، فأبعدت أنظارها عنه، وحافظت على هدوئها الزائف.
التوى ثغره بإبتسامة شبه متباهية، فقد بات شبه متأكداً من أحداثه لتأثير عليها، ومع ذلك فتأثيرها عليه لا يضاهيه أي شيء..

كانت ترتدي إيناس ثوباً ملائماً لتلك المناسبة من اللون الذهبي، يلامس ذيله الأرضية، وكتفيه يغطيان ذراعيها بقماش شفاف من طبقتين، وفتحة صدره تشبه ياقة القميص وبالطبع كان خالياً من أي فتحات مثيرة أو لافتة للأنظار بطريقة مبالغ فيها.
أما شعرها فحافظت على تموجاته ولم تفردها، واكتفت بتزينه وعقصه بطريقة تناسب الليلة، وعمدت إلى تثبيته بالرش الخاص بالشعر..
تحرك هو للأمام، ووقف قبالتها.

تأملها بنظرات مباشرة أحرجتها نوعاً ما، ثم التفت برأسه ناحية سابين، وأردف قائلاً بابتسامة مهذبة:
-مبروك يا سابين، ربنا يتمم بخير
شكرته مجاملة، وبعدها استدار ليحدق بإيناس مرة أخرى، وأكمل بثقة:
-وعقبالك يا إيناس
ردت هي عليه بإقتضاب:
-إن شاء الله!
هتفت الصغيرة جينا بمرح وهي تجذب بنطال مسعد:
-دادي!
التفت برأسه نحوها، وأخفض نظراته إليها، وردد بضجر هامس:
-مش وقتك خالص!
هتف باسل بجدية ومشيراً بيده:.

-يالا يا جماعة، الناس زمانهم منتظرينا في القاعة!
تحرك بعدها الجميع في اتجاه الباب الخاص بالمركز مصحوبين بالزغاريد والتهنئات، وتأبط مسعد في ذراع حبيبته، وتأملها بعشق قائلاً ومسبلاً عيناه نحوها:
-مبروك يا صابرين قلبي!
ردت عليه برقة خجلة وهي تتحاشى النظر إليه:
-موسأد!
أخرج تنهيدة مشتاقة وهو يتابع بتلهف متحمس:
-آآآخ، يا مهون يا رب!
أمسكت إيناس بكف الصغيرة جينا ولم تفلتها منها، وتحركت خلف العروسين..

سار باسل بجوارها متعمداً التغزل بها:
-على فكرة إنتي حلوة النهاردة!
نظرت نحوه بطرف عينها، وأجابته بنبرة متغطرسة:
-طول عمري كده!
رفع حاجبه للأعلى معجباً بثقتها بنفسها، وأضاف بحنكة:
-بس انتي النهاردة حلوة بزيادة، الصراحة تتخطفي!
شعرت بإنبعاث سخونية حارة من وجنتيها، فجاهدت لتبدو صلبة، جامدة، غير متأثرة بوهج كلماته المتغزلة بها، وردت عليه بحدة قليلة:
-هو مسموحلك تعاكسني كده عادي!

ضم قبضة يده، ورفعها بالقرب من فمه ليتنحنح قائلاً بخفوت:
-احم، لأ، بس آآ…
قاطعته قائلة بجدية دون أن تتبدل تعابير وجهها رغم احتفاظه بحمرته الخجلة:
-يبقى مشيها ميري أحسن!
مط فمه ليرد عليها بهدوء:
-ميري! مممم، حاضر!
ثم أكملوا سيرهم نحو الخارج..
وقف مسعد في مكانه ليلتقط مع زوجته صوراً تذكارية، بينما بقيت إيناس مع جينا في الخلف تتابعهما بنظرات حانية..

رغب باسل ألا تضيع عليه الفرصة للحديث معها، فهتف بصوت جامد:
-على فكرة ليكي عندي حاجة
تملكها الفضول لمعرفة ما الذي بحوزته، فسأله بنبرة يشوبها عدم الاكتراث:
-حاجة ايه؟
نظر نحوها مطولاً، وأجابها بغموض:
-هي كذا حاجة بس محطوطة في علبة في العربية، هتاخديها قبل ما تمشي
ردت عليه بتهكم ساخر:
-ايه حاططلي قنابل ولا أسلحة؟
ابتسم قائلاً بجدية:
-مش للدرجادي، أتمنى بس إنها تعجبك!

زاد فضولها أكثر لمعرفة ما الذي أحضره لها، وقبل أن تنطق بالمزيد هتف مسعد بنبرة عالية:
-نوسة خلي جينا تركب قدام معاكي!
حدقت في أخيها، وردت عليه على مضض:
-طيب!
سلط مسعد أنظاره على سابين، وفتح لها الباب الخلفي للسيارة لتجلس بداخلها قائلاً بسعادة:
-اتفضلي يا عروسة!

اكتفت بالإبتسام وركبت في السيارة، وأزاح ما تبقى بالخارج من ثوب زفافها ليضعه بالداخل، وصفق الباب برفق، ثم استدار مسرعاً ليركب إلى جوارها، وهتف في رفيقه بحماس:
-يالا يا باسل، طير بينا يا بني!
نظر هو إلى كلاهما في انعكاس صورتهما في المرآة الأمامية، وردد بجدية:
-على طول!

في قاعة الأفراح،
رفضت السيدة صفية التواجد بصحبة العروس في مركز التجميل وتوجهت للقاعة فوراً لإستقبال الأقارب والمعارف.
وبالطبع كان وجهها يعكس رأيها في تلك الزيجة.
حضرت معها إسراء وولديها وزوجها، وأشرفت هي على كل شيء لتتأكد من وجود كل شيء.
انطلق سيف وفارس في القاعة يلهوان بعبث، وجاهد والدهما خلفهما لمنعهما من تخريب أي شيء.

صافحت صفية المدعوين بفتور ممزوج بالعبوس على عكس زوجها الذي كان يستقبل الجميع بفرحة أبوية ظاهرة على محياه وتصرفاته..
مالت هي عليه، وهتفت بتبرم:
-شايف ابنك وعمايله، بقالنا ساعة مستنين جنابه!
رد عليها غير مكترث بغضبها الغير مبرر:
-هو متأخرش أوي، وبعدين انتي عارفة الزحمة!
أضافت قائلة بسخط وهي قاطبة لجبينها:
-كان لازمتها ايه التكلفة دي، ما احنا عارفين اللي فيها!
نظر لها مستنكراً تجهمها، وأكمل بعتاب:.

-ما تفرحي يا صفية وتسبيه يفرح، هو حد يكره إنه ولاده يكونوا مبسوطين؟!
-بس آآ…
وقبل أن ترد عليه زوجته قاطعها صوت حفيدها سيف مهللاً:
-خالو جه، خالو جه!
رد عليها اللواء محمد بجدية:
-اهو ابنك وصل، افردي وشك شوية
مطت فمها للجانبين، وهتفت من بين أسنانها بتذمر:
-مش لما يخلص الزفة الأول!

انضمت إسراء إلى أخيها بالخارج لتشاركه فرحته، وتم الترحيب بالعروسين باستقبال عسكري رسمي، أعقبه زفة مرحة تشارك فيها الجميع الحركات الراقصة بالأذرع مع كليهما.
ورغم انشغال المدعوين بالعروسين إلا أن عقل إيناس لم يتوقف للحظة عن تخمين تلك الهدية التي أحضرها لها.

انتهى الاستقبال الخارجي لهما، وولجا بعدها لداخل القاعة مصحوبين بالزغاريد والتصفيقات والموسيقى المميزة، ثم انخفضت الأضواء تدريجياً حتى اعتلى كلاهما المكان المخصص لجلوس العرائس، وبعدها أضيئت القاعة بأسرها وسلطت الأضواء البراقة عليهما.
هتف منظم الحفل بصوت جهوري عبر الميكروفون الداخلي:
-بنرحب بالعروسين ونتمنى ليهم حياة زوجية سعيدة!

صفق الجميع مجدداً، وبدأت فقرات الحفل كما هو معتاد في حفلات الزفاف المصرية..
استدار مسعد برأسه للجانب، ومال على سابين ليهمس لها في أذنها متساءلاً:
-ايه رأيك؟
أجابته بخجل واضح وهي ترمق القاعة بنظرات شمولية سريعة:
-نايس ( جميل )
استأنف مسعد حديثه بحماس:
-عشان تعرفي الأفراح المصرية عاملة ازاي، لسه أما الدي جي يشتغل وهنصهلل على الأخر، بس نكتب الكتاب رسمي وبعدها هنولعها!
ابتسمت بحياء ورمشت بعينيها في خجل..

أكمل مسعد حديثه قائلاً بمرح:
-ده أنا عازملك القائد ورؤوساء الأركان، مش عاوز أقولك الفرح مرشأ جهات عليا أد ايه!
بدا الاعجاب واضحاً على تعابير وجهها، وتمتمت بخفوت:
-واو.

انتهى المأذون من عقد القران فعلياً أمام الشهود الحاضرين ليصبح زواجه رسمياً منها وتكتمل أركانه..
تلقى هو التهنئات والتبريكات من رفاقه وقادته وزملائه، ونالت سابين حظها من المباركات..
ثم جلس هو بعد ذلك ليريح قدميه قليلاً..
تبادلا حديثاً خافتاً بينهما تخلله ضحكات متسلية وتلميحات عابثة..
رفع مسعد رأسه للأعلى ليجد الصغيرة جينا قادمة نحوه وبصحبتها إيناس فابتسم لها..

أرخت أخته أصابعها عن كفها الرقيق لتركض الصغيرة في اتجاهه مرددة:
-دادي!
نهض مسعد من مقعده لينحني بجسدها للأمام ليحملها، ثم أجلسها على حجره قائلاً بسعادة:
-تعالي يا جينا!
لمح فارس تلك الشقراء الصغيرة الجالسة فيأحضان خاله فتملكه الفضول لمعرفة هويتها وظل يرمقها بنظرات غريبة..
وبلا تردد سار نحوه، وسأله بنزق وقد ضاقت نظراته:
-مين دي آخالو؟
أجابه مسعد بنبرة عادية:
-دي جينا!

سأله فارس بإهتمام ونظراته لم تفارق الصغيرة:
-دي بنتك؟
امتعض وجهه وهو يجيبه بإنزعاج قليل من أسئلته:
-اها، حاجة زي كده!
انضم سيف إلى أخيه بعد أن وقعت عيناه هو الأخر على الصغيرة، وتساءل بفظاظة:
-مين البت الحلوة دي؟
رد عليه أخيه فارس بخبث:
-هي حلوة أوي بصراحة!
بينما أضاف سيف بلؤم وهو يتفرسها بنظرات دقيقة للغاية:
-أه، بيضا وشعرها أصفر وعينيها ملونة!
ثم تساءل بفضول وهو يشير بيده نحو خصلات شعرها الشقراء الناعمة:.

-هي صبغاه؟
بدا مسعد منزعجاً من تصرفات ابني أخته، وأجابه بنزق:
-لأ طبيعي!
تحولت نظرات الصبيين إلى نظرات غريبة، وهمس أحدهما للأخر بخبث:
-الله، وله واخد بالك!
فرد عليه الثاني بغموض:
-اه!
تفرس مسعد في نظراتهما الغير بريئة نحو الصغيرة جينا، وتمسك بها جيداً، ثم ردد مع نفسه بتوجس:
-البصات دي عارفها كويس!
تبادل الصبيان كلمات خافتة ومبهمة لم يستطع خالهما سماعها جيداً، فأكمل حديث نفسه بخوف:.

-شكلها كارف ( مدي ) على حمدي الوزير، مش مريحاني خالص!
هتف فارس قائلاً فجأة بنبرة مريبة:
-ماتجيب شينا شوية آخالو
جحظت عيناه مصدوماً، ورد عليه بحدة:
-نعم يا حبيبي
تابع فارس قائلاً بإصرار وهو يشير بعينيه:
-شينا، البت دي!
تجمدت تعابير وجه مسعد، وسأله بغلظة:
-عاوزها ليه!
أجابه بإبتسامة غير مريحة على الإطلاق:
-تلعب معايا آخالو!
وأضاف سيف قائلاً بعبث وهو يحاول اخفاء ابتسامته:
-اه عريس وعروسة يا عم!

صاح مسعد فيهما بصرامة وقد تشنج وجهه وتحولت نظراته للشراسة:
-وله احترم نفسك!
اقترب فارس من جينا، ومد يده ليمسك بها من كفها، وهتف قائلاً:
-تعالي يا مزة معايا
زاد اتساع حدقتي مسعد، وتمتم مع نفسه مذهولاً من تصرفاتهما:
-دول بيتحرشوا بيها عيني عينك كده!
وقبل أن تستجيب الصغيرة ليد ابن أخته وتذهب معه، أبعد كفه عنها، وحدجها بنظرات مشتعلة للغاية..
استغرب فارس من تشبث خاله بالصغيرة، فهتف بإنزعاج:
-هاتها آخالو بقى!

صاح فيه مسعد بعصبية وقد أحكم قبضتيه على الصغيرة:
-على جثتي، جينا مش هاتقوم من جمبي النهاردة خالص!
التفتت جينا برأسها نحو مسعد، وهتفت ببراءة وهي ترمقه بنظراتها السعيدة:
-دادي، بلاي ( ألعب )!
رد عليها بصرامة:
-شششش، انتي متمسمرة هنا!
تعجبت سابين من رفض زوجها لطلب ابني أخته بإصطحاب الصغيرة للهو معهما في القاعة، وهتفت برقة:
-سيبها موسأد!
رمقها هي الأخرى بنظرات محذرة، ورد عليه بصلابة:.

-بس انتي مش فاهمة حاجة، دول ممكن يغتصبوها، دول ولاد ****!
وضعت سابين يدها على فمها لتكتم شهقة مصدومة صدرت رغماً عنها عقب سبابه اللاذع، وعاتبته قائلة:
-أوه! موسأد!
لم يعبأ باستنكارها، ورد بعبوس كبير:
-اسكتي اسكتي!
ثم التفت برأسه ناحية الاثنين، وصاح بهما بغلظة:
-يالا يا بابا من هنا، اتمشوا!
حرك فارس رأسه بإنزعاج، ورد على خاله قائلاً بصوت يحمل الوعيد
-كده آخالو، ماشي، لينا يوم!

وقبل أن يثور فيهما بحدة محدثاً فضيحة ما خلال الحفل تمالك أعصابه في أخر لحظة، وتابع هاتفاً بصوت متعصب:
-امشي ياله انت وهو، أل أنا ناقصهم!
ثم راقبهما وهما يبتعدان عنه، فتنفس الصعداء ومسح على وجه الصغيرة برفق، وقبلها من وجنتها، ورفض تركها تذهب من جواره…
-مبروك يا باشا، فرحتلك والله، تستاهل!
هتف بالعبارة السابقة فادي وهو يمد يده لمصافحة مسعد، فالتفت الأخير له، وصافحه قائلاً بفتور:.

-شكراً يا فادي، مع إني معزمتكش يا جدع!
رد عليه فادي غير مكترث:
-وهو أنا محتاج عزومة، ده أنا صاحب فرح!
التوى ثغر مسعد بتأفف، وردد بإقتضاب:
-ايوه
تابع فادي قائلاً بتهكم خفي:
-كمان انت عارفني فاهم في الأصول كويس!
رد عليه مسعد على مضض وقد ضاقت نظراته:
-متشكر يا سيدي!
وجه فادي حديثه تلك المرة إلى سابين، وابتسم لها بتصنع وهو يردد:
-مبروك يا عروسة!
ولكنها لم تجبه، واكتفت ببسمة مجاملة كتعبير رمزي عن شكرها لتهنئته..

هتف مسعد فجأة بنزق:
-مش كفاية سلامات وتحيات وتروح تلحق الأكل قبل ما يخلص
فهم فادي أن وجوده غير مرحب به، فرد بهدوء:
-ماشي، ربنا يهنيكم!
حدجه مسعد بنظرات شرسة تحمل الإنزعاج، وأردف قائلاً:
-يا رب!
تابعه بعينين حادتين حتى اختفى عن أنظاره، فمال بجسده ناحية سابين، وهتف ساخراً:
-عارفة يا حبيبتي في ناس كده تشوفيها لازم تستغفري ربنا بعدها، وده واحد منهم!

ضحكت سابين من دعابته الطريفة، فابتسم لها بود وهمس لها بكلمات متغزلة في حسنها البهي..
اقترب باسل من رفيقه، ووقف إلى جواره، ثم انحنى عليه وسأله بجدية:
-ها يا عريس، ايه الأخبار معاك؟
رد عليه مسعد بإيجاز:
-كله تمام!
أضاف باسل قائلاً بمرح:
-احنا هنوصلك بعد الفرح ونقعد شوية معاك، مش هانسيبك الليلادي
رد عليه مسعد بتهكم:
-انت ماسمعتش عن المثل اللي بيقول يا بخت من زار وغار!
-نعم!
وأكمل محذراً:.

-فيا ريت تخف الزيارة، أو أقولك ماتجيش خالص!
ضحك باسل قائلاً:
-ههههههه، حاضر!
ثم تركه بصحبة عروسه وجاب بأنظاره المكان باحثاً عن إيناس التي كانت تتنقل بين الطاولات..
وبالطبع فرح كثيراً لعدم حضور وائل للحفل، فقد كان ينتوي شراً له إن رأه هنا..

كذلك لم تعلم هي بتحرياته الخفية عن ذلك السمج الذي ادعت ارتباطها به، وتأكده يقيناً من عدم وجود أي صلات أو ارتباطات بينهما، وأنها كانت مجرد أكذوبة حمقاء منها تفوهت بها فقط لإغاظته وإشعال نيران الغيرة به، وهو لم يتوارَ للحظة عن التحقق من صحة إدعائها.

تخلل إليه شعوراً عظيماً بالإرتياح لكون المسألة مجرد كذبة عابرة، وبات شبه متأكداً من أن الطريق أمامه ممهداً للوصول إلى قلبها وتحطيم الحصون الموضوعة حوله ليقتحم فؤادها ويسكن وحده بداخله…!
استمرت الأجواء الحماسية واللطيفة في حفل الزفاف، وتوالت الفقرات تباعاً، واستمتع الجميع بما يقدم فيها.
رفضت سابين القيام بالحركة الشهيرة من تبادل لقيمات قالب الحلوى لخجلها من الحاضرين، واكتفت بإطعام مسعد في فمه.
ولم يرغب هو في اجبارها على فعل ما تخجل أو تتحرج منه، ونفذ ما تريده بصدر رحب، بل على العكس تناول لقيمة كبيرة من قالب الحلوى ليضيف جو من المرح والخفة.

وبالطبع كان العبوس وعدم الرضا رفيقان للسيدة صفية وهي تراقب المشاهد الدائرة بنظرات محبطة..
فهي من جهة غير متقبلة لزيجة ابنها الغريبة، ومن ناحية أخرى حانقة على ابنتها لرفضها الزواج من باسل ؛ ذلك العريس المناسب.
لم تفارق مقعدها، ومررت أنظارها على أوجه الحاضرين بفتور وعدم تركيز..
راقبها زوجها متعجباً من تصرفاتها المبالغة، ولم يعقب، فهو لا يريد إفساد فرحة ابنه..
هتفت هي فجأة باستياء:.

-مش خسارة باسل يضيع مننا!
رد عليها بإقتضاب:
-النصيب يا صفية، وبنتك حرة تختار اللي عاوزاه!
ألحت عليه قائلة بضجر:
-ما تكلمها انت، وتحاول تقنعها!
رد عليها بنبرة دبلوماسية:
-مافيش غصب في الجواز، وأنا عودت ولادي على كده، ولو هي مش موافقة بيه خلاص!
رمقته بنظرات ساخطة، وتمتمت بإمتعاض:
-هو أنا هلاقيها منك ولا من بنتك أم دماغ ناشفة!

على الجانب الأخر، خرجت إيناس من المرحاض بعد أن تأكدت من ضبط ثوبها، وتعديل الناقص في زينتها..
سارت في الرواق بخطوات شبه سريعة، كادت تتعثر في مشيتها حينما ظهر أمامها باسل فجأة في طريقها قائلاً:
-إيناس!
حافظت على اتزانها، ونظرت إليه بجمود مرددة:
-افندم
ابتسم لها قائلاً برجاء:
-مش ناوية تحني عليا وتديني فرصة؟
ارتبكت من سؤاله هذا، وأظهرت انزعاجها من طريقته، وتحركت للجانب قائلة بعبوس:.

-ماينفعش اللي بتعمله ده!
تحرك ليقف قبالتها ويسد عليها الطريق محاصراً إياها في أحد الأركان، و هاتفاً بيأس:
-هاعمل ايه؟ ماهو أنا هاموت وأعرف ردك!
زفرت منزعجة منه، وحاولت الابتعاد عنه، فلاحقها مكملاً حصاره، وهمس قائلاً:
-باحبك يا إيناس، والله العظيم باحبك ومن زمان!
اضطربت أنفاسها، وتوترت من اعترافه الصريح بحبه لها، نظرت في عينيه مباشرة عقب جملته الأخيرة، ورأت لمعانهما الصادق..

بادلها هو نظرات عميقة، وهمس بصوت رخيم:
-ردي عليا وآآ..
أربكها صوته وأنفاسه الحارة التي تلفح جبينها،
، فردت بإضطراب:
-أنا نفسي مش عارفة عاوزة ايه!
ضيق عيناه، وسألها مستفهماً:
-بمعنى؟
أخفضت نظراتها عنه، وهمست بتلعثم:
-متلخبطة، مش عارفة أكرهك ولا آآ…
لم تستطع أن تكمل عبارتها، فمشاعرها نحوه في صراع كبير، وإحساسها المتناقض يربكها أكثر..
سألها بفضول بعد أن طال صمتها:
-ولا ايه؟

رمشت بعينيها بتوتر، واضطربت دقات قلبها نوعاً ما..
توسلها قائلاً باستعطاف محاولاً استجداء قلبها ليرق نحوه:
-ايناس، بلي ريقي بكلمة، طمنيني بس!
ردت عليه بصوت خفيض محاولة الهروب من حصاره:
-اديني وقتي!
بدا مهتماً بكلماتها الموجزة، وحدق فيها بجدية..
ابتلعت ريقها، وأكملت بحذر:
-أنا مش هاخد قرار من غير ما أفكر كويس!
سألها بإلحاح بعد أن فشل في الحصول على اجابة واضحة منها:
-وهاعرف ردك امتى؟

هزت كتفيها نافية مجيبة إياه:
-مش عارفة!
سألها مجدداً بنبرة محبطة:
-طب يعني في أمل ولا لأ؟
أجابته بغموض وهي تتحاشى النظر إليه لكي لا يكتشف ضعفها:
-جايز
اقترب أكثر ليحاصرها، وحدق فيها بنظرات أكثر قوة، وهتف بإصرار:
-ريحيني لو سمحتي، قوليلي إن في أمل وأنا هستناكي إن شاء الله 100 سنة، بس اطمن!
خجلت من اقترابه المهلك لكل شيء، وردت عليه بتوتر شديد:
-ربنا يسهل!
سألها بتهكم قليل:
-ده رد، ولا وعد، ولا ايه بالظبط؟!

ردت عليه بحذر:
-كل اللي أقدر أقولهولك إنه جايز يكون خير!
لم يقنعه ردها، وبدا شبه متعصباً وهو يكمل:
-وجايز لأ!
ردت عليه برقة
-تفاءل بالخير!
ورغم غموض عبارتها الموجزة إلا أنه أعطته بصيصاً من الأمل، فهتف بنزق وقد لمعت عيناه بعشم واضح:
-بجد؟ قصدك آآ..
قاطعته قائلة بجدية قبل أن يكمل جملته:
-واصبر عليا، وزي ما جرحتني زمان أكيد هاتعرف تراضيني و توصل لقلبي ازاي!
هتف بحماس وقد تهللت أساريره:.

-ده أنا هاعمل المستحيل عشان ترضي عني ومش هافارقك للحظة!
ردت عليه ساخرة:
-هتلزقلي يعني
أومأ بعينيه قائلاً بثقة:
-مش بعيد! ممكن تلاقيني البودي جارد بتاعك
مطت فمها لترد بنعومة:
-مممم، دواعي أمنية برضوه؟
غمز قائلاً بمرح:
-لأ ومشددة كمان!
بات اقترابهما وحديثهما الهامس غير لطيف للأنظار، وربما مثيراً للقيل والقال، لذا برفق دفعت إيناس باسل من صدره بكفها متنحنحة بخجل:
-احم، طيب عن اذنك!

استجاب لدفعتها الرقيقة وتراجع للخلف، وسألها مهتماً:
-استني بس، مش عاوزة تعرفي جايبلك ايه؟
تسمرت في مكانها، والتفتت للجانب لتنظر إليه، وردت بتلعثم:
-آآ، ده، ده أنا نسيت الموضوع!
ابتسم قائلاً بغرور:
-عموماً أنا حطيت العلبة في عربيتكم، شوفيها ومستني رأيك!
رغم الفضول الذي يقتلها لمعرفة ما الذي أحضره لها إلا أنها جاهدت لتبدو غير عابئة بهديته، وردت عليه بعدم اكتراث:
-آآ، بعدين، عن اذنك!

سد عليها الطريق مجدداً ليسألها بجدية:
-ثانية، أومال انتي عزمتي البتاع اللي اسمه وائل؟
رمقته بحدة وهي تجيبه بعبوس:
-لو سمحت متقولش عليه كده!
اغتاظ من ردها عليه، وهتف بإنفعال قليل:
-بتدافعي عنه!
ردت عليه بنبرة حادة وقد اشتدت تعابير وجهها:
-لأ مش بأدافع، بس مأحبكش تهين حد أعرفه!
سألها بعبث خفي وهو يدنو منها:
-طب تحبيني أعمل ايه؟

ارتبكت من نظراته الوالهة ونبرته الغير معتادة عليها، ووجدت صعوبة نوعاً ما في إيجاد الكلمات المناسبة للرد عليه، فتابع بتنهيدة تحمل الأشواق نحوها:
-نفسي أقرب منك أكتر وآآآ…
أدركت أنه يتعمد التأثير عليها وتوتيرها، فابتلعت ريقها، وهتفت بصوت شبه مضطرب:
-هه، آآ، عن اذنك، هما بيسألوا عليا برا!
تنحى للجانب مشيراً بيده لها
-اتفضلي!
ثم لاحقها بنظراته حتى اختفت من أمامه.
حدث نفسه بارتياح واضح في نبرته:.

-أخيراً، في بصيص أمل في الخطوبة دي، الحمدلله!

أوشك حفل الزفاف على الانتهاء والجميع في غاية السعادة..
حتى أن السيدة صفية قد بدأت تتخلى عن تجهمها قليلاً، واندمجت للحظات مع ابنها مسعد حينما دعاها للغناء معه.
طلب هو مسبقاً من منسق الحفل إضافة أغنية ( ست الحبايب ) للاحتفاء بها، وغير في كلمة ( حبيبة ) لتصبح ( صفية ) وأدى الأغنية بعد تعديلها بصوته.
لم تتخيل أن يفعل لها هذا، ويعطيها مساحة من الإهتمام في حفله.

أدمعت عيناها تأثراً، فانحنى ليقبلها من جبينها مدندناً:
-يا رب يخليكي يا أمي يا ست الحبايب يا صفية
ردت عليه بصوت شبه باكي:
-حبيبي يا مسعد!
توقف عن الغناء ليحدثها بحنو:
-عاوز أشوفك فرحانة بيا! متحرمنيش من اللحظة دي وخصوصاً النهاردة
ردت عليه وهي تمسح عبراتها:
-والله فرحانة يا حبيبي!
سألها بهدوء:
-طب وآآ، وسابين؟
ردت عليه بتنهيدة متريثة:
-ربنا يهنيك مع عروستك
-حبيبتي يا صفية!

قالها مسعد وهو يحتضنها بسعادة لتكتمل باقي فرحته..
صفق الحضور لهما، وتعالت الصافرات والزغاريد مجدداً، وأكمل منسق الحفل باقي الفقرات..

في سيارة باسل،
انتهى الحفل على خير، وركب مسعد سيارة باسل إلى جوار عروسه، وأوكل إلى أخته الصغرى مهمة مراقبة ورعاية الصغيرة جينا
هتف قائلاً من نافذة السيارة مشيراً بكف يده:
-مش هوصيكي يا نوسة!
أومأت إيناس برأسها متفهمة:
-اطمن جينا هتبات معايا في الأوضة!
أضاف قائلاً بجدية:
-اقفلوا الباب عليكوا بالمفتاح، جوز المتحرشين دول ما يقربوش منها!
كتمت ضحكتها بصعوبة وهي ترد:
-قصدك سيف وفارس؟
أجابها بضيق:.

-ايوه، أنا مقلق منهم، دماغهم مش مريحاني، والبت هبلة وبتروح مع أي حد يقولها اجيبلك شيكولاته وأوديكي لبابا!
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترد عليه:
-حاضر، اطمن!
شدد عليها مؤكداً:
-أمانة عليكي، مش عاوز كوارث، حافظي عليها دي أمانة!
طمأنته إيناس بهدوء:
-حاضر والله، ركز انت مع عروستك، وإن شاء الله خير!
لوحت بيده مودعة إياه، وقبضت على الصغيرة جينا بكفها جيداً..

رأها باسل وهي تتحرك مبتعدة عن السيارة، فأسرع خلفها سائلاً إياها:
-مش هتركبي معانا؟
التفت برأسها نصف التفاتة، وردت نافية:
-لأ، أنا هاركب مع بابا وماما!
حرك رأسه قائلاً بإيماءة خفيفة:
-طيب!
أولاها ظهره ليتحرك، ولكنه تذكر شيئاً، فاستدار برأسه نحوها قائلاً بابتسامة:
-ماتنسيش العلبة!
لم ترد عليه واكتفت بالإبتسام، ثم تركته وتحركت نحو سيارة عائلتها..
وقف باسل إلى جوار سيارته، وهنأ العروس قائلاً:.

-مبروك يا سابين، ربنا يسعدك!
ردت عليه برقة:
-ثانكس!
هتف مسعد بتلهف:
-اطلع يا باسل مش هنقف طول الليل هنا، يالا يا بني!
رد باسل ضاحكاً وهو يدور حول سيارته:
-حاضر
ثم أقل العروسين إلى منزل الزوجية ليحظيا معاً بأول ليلة خاصة بهما…

لم تمكث إسراء بالمنزل بسبب انشغال زوجها بأعماله وودعت والديها قبل رحيلها.
تذمر ولديها من انصرافهم، فقد فسدت سهرتهما مع الصغيرة جينا.
هتف فارس بضجر:
-أنا عاوز أنام عند تيتة! ودوني عندها
ردت عليه إسراء بهدوء:
-وقت تاني يا حبيبي، بابا مش فاضي!
عبس سيف بوجهه، وهمس لأخيه بإمتعاض:
-مش هانشوف المزة ولا نلعب معاها!
رد عليه فارس بتبرم:
-خالك آر فيها
وافقه أخيه الرأي قائلاً:
-اه..

تساءلت إسراء عن حديثهما الهامس قائلة بفضول:
-بتقولوا ايه؟
رد فارس بتجهم:
-مافيش
أشارت بعينيها قائلة بصوت آمر:
-طب اقفل الشباك عشان أبوك هيشغل التكييف!
رد عليها بتبرم:
-طيب.

في منزل مسعد غراب،
صعدت إيناس أولاً للمنزل وهي تحمل الصغيرة جينا على كتفها بعد أن غفت في الطريق خلال رحلة العودة للمنزل، وكذلك العلبة، ثم أسندتها برفق على فراشها، ودثرتها جيداً، وأخفضت الإضاءة بالغرفة.
بدلت ثوبها بمنامتها، وجلست على طرف الفراش الأخر، و تفقدت بتلهف كبير محتويات العلبة.
فتحتها بحذر، ونظرت إلى ما بداخلها بدقة.

وجدت فيها ثوبا صيفيا جميلا من اللون الأصفر يصلح للسهرات المسائية الخفيفة، مطبوعا عليه نقوشات طفولية بسيطة ومبهجة فأعطته مظهرا أنيقا..
ابتسمت بسعادة وهي تتحسس ملمسه الناعم، ثم تفاجئت بوجود حقيبة يد صغيرة تلائمه موضوعة أسفله.
شهقت مصدومة، وتابعت افراغ محتويات العلبة..
وجدت أيضاً حلياً تتماشى مع الثوب، وحذائاً مفتوحاً من الخلف مقاسه مناسباً لقدميها..

لم تتوقع أن يهاديها باسل أشياءاً باهظة كتلك. هو برع تلك المرة في انتقاء ما تعشقه الفتيات.
سيطر عليها إحساساً غامراً بالسعادة لكونه فكر فيها كأنثى، ودت لو كانت في مكان مفتوح فتهلل بصوت مرتفع وتصرخ بفرح، لكنها حافظت على هدوئها حتى لا ينفضح أمرها.
ثم وجدت في قاع العلبة ألبوماً صغيراً يضم صورهما التذكارية التي التقطاها سوياً مع البطريق فضحكت عفوياً وهي تستعيد في ذاكرتها ذكرى هذا اليوم.
حدثت نفسها بفرح:.

-مجنون! مافيش أجن منك!

في منزل سابين،
أوصل باسل العروسين إلى منزل الزوجية، وانتظر خارج البناية حتى ولجا للداخل، ثم انصرف بعدها.
أصر مسعد على حمل زوجته بين ذراعيه وهو خارج من المصعد، ورفض اعتراضها على فعلته قائلاً بمرح:
-ده انتي خف الريشة يا حبيبتي!
عضت على شفتها السفلى قائلة بخجل رقيق:
-بليز موسأد!
-والله ما هايحصل!

وبالفعل دخل منزلهما وهو ضاماً إياها إلى صدره، ثم صفق الباب بقدمه، وتحرك بها نحو الصالة، وانزلها برفق لتقف على قدميها، ولكنه لم يحررها، وظل مطوقاً خصرها بذراعه.
تأمل وجهها بنظرات ممعنة، ورفع كفه للأعلى ليتلمس وجنتها الناعمة بإشتياق..
همس لها بتنهيدة حارة تعبر عما بداخله من مشاعر فياضة:
-أخيرا اتقفل علينا باب واحد!
تورد وجهها بالكامل، وزاد لهيب بشرتها، وردت عليه بصوت خفيض للغاية:
-أوه!

هتف مازحاً مبتسماً لها:
-لأ مش وقت أهات وتصاعيد، احنا عاوزين نخاوي البت جينا!
أطرقت رأسها حياءاً، وردت بخجل جلي:
-موسأد!
زادت الحماسة به، وارتفعت نسبة الأدرينالين بدمائه، كم اشتاق لتلك اللحظة، كم انتظرها طويلاً، والليلة تتحقق..
هتف مقلداً نبرتها الرقيقة:
-موسأد، قوليها تاني وتالت وعاشر
ارتبكت أكثر، وحاولت التحرر منه، لكنه ظل متمسكاً بها، محدقاً في جمالها، وهمس من بين أسنانه بنبرة رومانسية:.

-بأحبك يا صابرين!
وضع يده أسفل ذقنها ليرفع وجهها إليه ليتمكن من النظر في عينيها..
أسبلت سابين عينيها نحوه، وردت برقة مغرية:
-وأنا آآ..
سألها بصوت خافت دون أن يبعد نظراته العاشقة عنها:
-انتي ايه؟
ردت عليه بهمس مثير:
-آآ، Me loves you!
همس مازحاً:
-النبي عربي يا صابرين
ابتسمت بخجل، وردت – بلكنتها الغريبة، وبنعومة أججت مشاعره المشتاقة أكثر:
-أنا حبك موسأد.

شهق غير مصدق ما لفظته تواً، لقد اعترفت بحبها، وحظى أخيراً بحبيبه فؤاده.
هتف بإنفعال متحمس وهو يضمها إليه:
-الله، قوليها كمان يا شيخة!
ردت بهمس مغري:
-حبك موسأد
مال برأسه عليها ليقبلها قائلاً:
-وأنا بأموت فيكي يا صابرين!
وقبل أن يحصل على قبلته الأولى منها، قرع الجرس بقوة، فتجمد في مكانه، والتفت ببطء برأسه ناحيته صائحاً بغضب:
-وده مين الرزل الغتيت ابن ال *** اللي جاي السعادي!

تمكنت سابين من التحرر من قبضتيه، واتجهت نحو غرفة نومهما..
اكفهر وجهه بشدة، واكتسى بعلامات الإنزعاج والعصبية، ثم تحرك صوب باب المنزل متساءلاً بحنق:
-انتي مستنية حد؟!
ردت عليه سابين بنبرة عالية من داخل غرفتهما:
-نو ( لأ )، أنا مش إعرف حد موسأد!
تمتمت من بين أسنانه متوعداً بشراسة ومهدداً وهو يضع يده على مقبض الباب:
-اومال هايكون مين، وقعة أهله سودة إن شاء الله!

فتح الباب وكان على وشك الاشتباك مع من يقف بالخارج، لكن تصلبت ملامحه، وتجمدت يداه وهو ينظر بصدمة إليهم..
وجد أمامه رجالاً يرتدون ثياباً عسكرية ومنتصبين الجسد..
ازدرد ريقه بتوتر، ووزع أنظاره بينهم..
هتف أحدهم بنبرة رسمية:
-المقدم مسعد محمد غراب
هز رأسه بالإيجاب وهو يرد:
-ايوه!
تابع الضابط العسكري قائلاً بجدية:
-في استدعاء لسيادتك
اتسعت حدقتيه مصدوماً، وهتف بعدم استيعاب وهو يشير إلى نفسه:
-أنا.

رد عليه الضابط بنفس النبرة الجادة:
-ايوه، ولازم ترافقنا حالاً، المسألة مهمة وسرية!
استشعر مسعد خطورة الأمر، فالضباط هيئتهم توحي بالجدية التامة، وحاول الاعتراض على ما قاله أحدهم مردداً بإرتباك:
-بس، بس النهاردة ليلة فرحي وآآ…
قاطعه الضابط بصوت جاد وصارم:
-يا فندم دي دواعي أمنية، وماينفعش نتأخر، القائد منتظر سيادتك!
ضغط على شفتيه قائلاً بإحباط:
-قولتلي بقى دواعي أمنية!

هز رأسه مستنكراً فساد ليلته، وغمغم مع نفسه بتحسر:
-يا ميلة بختي، متشكر يا حاجة صفية، دعواتك وصلتني!
حاول أن يضبط انفعالاته، ويمنع نفسه من البكاء أسفاً على ضياع ليلته هباءاً، وردد بصوت شبه مختنق:
-طيب هاستأذنك هابلغ المدام وأغير هدومي وأحصلك!
أشار الضابط له بهدوء:
-اتفضل يا باشا!
ولج مرة أخرى لداخل غرفة النوم، فوجد سابين تجلس على طرف الفراش بثوبها.

لاحظت هي العبوس وحالة الشحوب المسيطرة عليه، فانتفض قلبها فزعاً، وهبت من مكانها واقفة لتسأله بخوف:
-في ايه موسأد؟
رد عليه بحزن واضح وهو يسحب ثيابه العسكرية من خزانة الملابس:
-خدي بالك من نفسك يا صابرين!
تسارعت دقات قلبها أكثر، ووقفت خلفه لتسأله بصوت شبه لاهث:
-انت رايح فين؟
رد عليها بغموض وهو يرمقها بنظرات أسفة:
-بيقولك دواعي أمنية!
لم تفهم ما الذي يقصده، فسألته مستفهمة أكثر:
-هاه، ايه؟

وضع هو يده على كتفها ليضيف قائلاً بسخرية مريرة:
-وقبل ما أنسى يا ريت تبقي تحكي لأحفادنا عني، ده إن لحقت أشوفهم!
انحنى ليقبلها من وجنتيها قبلتين سريعتين، وهتف مودعاً إياها:
-سلام يا صابرين
انفرجت شفتاها مصدومة مما يحدث، واستغرقها الأمر لحظة لتستوعب أنه سيرحل ليلة عرسهما بالفعل..
ركضت خلفه بثوب زفافها قائلة بعدم تصديق:
-موسأد wait ( انتظر )!
تمتم هو بحسرة وهو يتجه نحو باب المنزل:.

-أل جت الحزينة تفرح فخدوها في دواعي أمنية…!

لاحقاً، قضت سابين أول شهر عقب ليلة زفافها بصحبة الصغيرة جينا بعد أن تغيب زوجها مسعد في مهمة سرية وطارئة..
أشفقت صفية عليها لكونها عروس لم تحظَ بالسعادة مع زوجها، وظنت أنها حسدت ابنها وتمنت له الشر خاصة بعد ابتعاده مجبراً عن زوجته، فحاولت تعويضها مؤقتاً عن غيابه بمعاملتها بالحسنى، واكتشفت أنها كانت مجحفة بحقها، فهي شابة طيبة وخلوقة، لا تحمل في قلبها ضغينة لأي أحد.

شعرت سابين خلال تلك الفترة بالجو الأسري الحقيقي، وبالدفء العائلي واستطاعت أن تتأقلم بسهولة وسط عائلتها الجديدة. وانتظرت بتلهف عودة زوجها إلى أحضانها.
وبالطبع لم يختلف حاله عنها، لقد كان يحترق شوقاً للعودة إليها..
نداء الوطن منعه، ومع ذلك تعهد لها بتعويضها عما فات بأجازة مميزة لن يقاطعهما فيها أي أحد.

تعلمت سابين قواعد الطهي من السيدة صفية، وعاونتها في إعداد الكثير من الوجبات الشرقية الأصيلة.
انتهت هي من تجهيز ( الملوخية )، وأخرجت شهقة رقيقة وهي تلقي بباقي وصفتها بداخل الوعاء، فنظرت لها صفية بتعجب، وهتفت قائلة:
-زعقي شوية وانتي بتشهقي عشان تطلع حلوة وتربط!
ردت عليها سابين بنعومة:
-اوكي
استمعت كلتاهما لصوت قرع الجرس، فلكزت صفية زوجة ابنها في ذراعها آمرة إياها بجدية:.

-روحي شوفي مين على الباب، ولو بتاع الزبالة قوليله يستنى!
أومأت سابين برأسها بإيماءة خفيفة، ثم ولجت خارج المطبخ وهي تجفف يديها في المنشفة القطنية الصغيرة.
فتحت الباب غير متوقعة وجود زوجها الغائب أمامها.
اتسعت مقلتياها بصدمة، وانفرجت شفتاها بسعادة ظاهرة..
هتف مسعد قائلاً:
-وحشتيني يا غالية!
تهدجت أنفاسها، ونهج صدرها صعودهاً وهبوطاً، وألقت بنفسها سريعاً في أحضانه قائلة بتلهف:.

-موسأد، miss you so much ( افتقدتك كثيراً )، وهشتني ( وحشتني )
ضمها بقوة إليه، ورد عليها بإشتياق:
-مش أكتر مني يا صابرين!
صاحت صفية متساءلة بصوت عالٍ وهي تتجه للصالة:
-مين يا سوسو؟
تنحت سابين للجانب لتكشف عن وجود مسعد، فارتخت أسارير والدته، وصاحت بصدمة وهي تسرع في خطواتها نحوه:
-مسعد، ابني!
ولج لداخل المنزل، وضمها إلى أحضانه وقبلها بإشتياق من وجهها وأعلى رأسها قائلاً:
-ماما.

بادلته الأحضان والقبلات الأمومية قائلة:
-يا حبيبي يا غالي، حمدلله على سلامتك!
انحنى ليقبلها من كتفيها، وهتف بإبتسامة عريضة:
-الله يسلمك يا أمي، أخباركم ايه طمنوني عليكم؟
أجابته بنبرة دافئة:
-احنا كويسين يا حبيبي!
ثم سألته باهتمام:
-ها، جيت امتى؟
رد عليها بمرح وهو يوزع أنظاره بينها وبين زوجته:
-لسه جاي طازة!
هتفت صفية بحماس وهي تغمز له:
-والله انت ابن حلال، وحماتك بتحبك، مراتك هي اللي طابخة بنفسها!

ارتفع حاجباه للأعلى غير مصدق ما قالته أمه تواً، وسلط أنظاره على سابين متساءلاً بإندهاش:
-ايه ده، انتي بتطبخي؟!
ردت بخجل وهي ترمش بعينيها:
-يعني شوية!
هتف مهللاً وهو يتجه نحوها:
-مش مصدق والله!
انكمشت على نفسها في حرج من نظراته المشتاقة لها، لم يختلف إحساسها عنه، ولكنها كانت خجولة من وجود والدته معهما، فأطرقت رأسها للأسفل، وأبعدت نظراتها عنه..

دقق مسعد عينيه فيها، كم يتوق شوقاً لضمها إلى صدره، والإرتشاف من شهد الحب معها..
قطعت صفية حبل أفكاره العابث قائلة:
-اه دي بقت لهلوبة وست بيت شاطرة، وعلمتها إزاي تلف المحشي وتسلق البط وتحمره وآآ…
لم يدعها تكمل جملتها للنهاية حيث صاح بجدية عجيبة:
-طب يا ماما عقبال ما تعبي إنتي الأكل هاخد مراتي في مشوار!

شهقت سابين بخجل شديد حينما وجدت مسعد يجذبها من كف يدها نحو باب المنزل، ونظرت له مصدومة من فعلته المباغتة..
تساءلت صفية بذهول وقد ارتفع حاجبها للأعلى:
-مشوار ايه السعادي؟
التفت برأسه نحوها ليجيبها بمرح وهو يغمز لها:
-جرى ايه يا حاجة؟ ده أنا بأقول عليكي أم المفهومية كلها، هانروح خمسة سياحة!
فهمت هي ما يرمي إليه، ورغبته في الانفراد بزوجته، ومع ذلك عنفته برفق قائلة:
-يا واد اتلم!

حاولت سابين سحب يدها منه، فقد كانت ترتدي ثيابها المنزلية بالإضافة إلى ( مريلة ) الطهي، وهتفت بتوتر وهي ممسكة ببنطالها القطني:
-موسأد استنى my clothes ( ملابسي )!
حدق في ثيابها بنظرات خاطفة، ورد غير مكترث:
-مافيش وقت، انا عاوزك كده!
اعترضت قائلة بقلق وهي تسير مجبرة خلفه:
-بس آآ…
رد عليها مقاطعاً إياها بمزاح ساخر:
-يالا يا صابرين، بدل ما نلاقي الحرس الجمهوري طابب علينا!

استمال باسل عقل إيناس بمداومته على اثبات تغير تصرفاته للأفضل، وأصبحت هي شبه متيقنة أن ما فعله معها منذ سنوات كان بدافع الغيرة العمياء وليس كما ظنت وأوهمت نفسها أنه تحقير لشأنها.
وبدأ التقارب الفعلي بينهما، وكانت تنتظر بشغف مفاجأته الغير متوقعة لها..
تأكدت من تعلقها به رويداً رويداً، وأجلت إعترافها بحبها له حتى تحين اللحظة المناسبة..

وفضلت أن تكون في ليلة زفافهما حينما تصبح زوجته، فيدرك وقتها أنه حصل على مراده بمثابرته معها.

بعد مرور عام،
أنجب كلاً من مسعد وسابين طفلة صغيرة تشبه والدتها كثيراً في ملامحها الجميلة، واقترحت هي أن يتم تسميتها ( صافي ) تيمناً بوالدة زوجها، وكطريقة دبلوماسية منها للتقرب منها خاصة حينما عاملتها بكل ود وألفة بعد اتمام زواجها من ابنها وتأكدها من صدق مشاعرها نحوه..
فرحت صفية بالتسمية، وحازت الرضيعة منها على كل الإهتمام والحب، ولم تختلف معاملة جينا عنها، بل نالت كل العاطفة الطيبة من الجميع..

كما اتفق الاثنان على إبلاغ جينا بحقيقة نسبها وإخبارها عن عائلتها الأصلية حينما تبلغ من العمر سناً مناسباً ليمكنها من تفهم واستيعاب الأمر لتعي دور أمها الهام كصديقة وفية لرفيقتها في أحلك أوقاتها العصيبة…

تقدم وائل لخطبة أماني بعد اعتراف الأخيرة بحبها له وتعلقها الشديد به..
لم يتخيل أنه يبادلها نفس الشعور دون وعي منه خاصة أنه كان مهتماً بها هو الأخر، ولكن لإصراره على الارتباط بإيناس فلم يكن يرى غيرها، وما إن أعطى نفسه الفرصة للتقرب من أماني حتى تأكد من وجود إحساس نحوها، بالإضافة للتفاهم الكبير بينهما فيسر إرتباطهما سريعاً.

وأخيراً استطاع باسل بعد صبر طويل ومحاولات مضنية أن يكتسب ثقة إيناس من جديد وينال موافقتها على الزواج منه خلال هذا العام المنصرم..
لم يتورع في الحصول على قلبها، فهو يستحق تكبد العناء للظفر به..
كما دعمها في دراستها. وأعاد ثقتها بنفسها، ودوماً يُطري عليها بالمديح والكلمات المحفزة الداعمة لها.
أشعرها بأنوثتها، وبكونها مختلفة عن بقية النساء فهي تتربع بحبه لها في عرش قلبه.

أهداها متعلقات نسائية محببة كالعطور وأدوات التجميل والمفكرات والأقلام المميزة، ففرحت بإهتمامه بالتفاصيل الصغيرة.
لم يترك شيئاً تذكر اعجابها به إلا وسعى لإحضاره لها حتى لو كلفه الكثير، فكل ما يهمه هو أن يراها سعيدة وابتسامتها مطبوعة على ثغرها.

شجعها على الاجتهاد أكثر في دراستها الجامعية، وكان يبحث بنفسه عما تحتاجه من برامج تدريبية ومهارية لتنميتها عقلياً وفكرياً فاستطاعت أن تحصد ثمار تعبها، وحصلت على نتائج عالية في الامتحانات.
وبالطبع كانت فرحة السيدة صفية تصل لعنان السماء لتحقق المراد وارتباط ابنتها به في النهاية.

في إحدى قاعات الأفراح،
انحنى باسل برأسه على إيناس ليقبلها من جبينها بعد أن عُقد قرانهما، ونظر لها مطولاً بنظرات شغوفة متلهفة، ثم طوقها بذراعيه من خصرها، وتمايل معها بحركات خفيفة وثابتة خلال رقصتهما الهادئة..
همس لها قائلاً بعذوبة ممتعاً عيناه بالتحديق في قسمات وجهها:
-خلاص بقيتي مراتي واتجوزنا
ردت عليه بنعومة رقيقة:
-أها!
همس لها بتنهيدة تحمل الحب والرغبة في تذوق طعم السعادة معها:
-بأحبك يا نوسة!

شعرت بالحرج من أسلوبه المتغزل علناً أمام معارفها، وهمست له بخجل:
-عيب يا باسل، الناس بتبص علينا!
رد عليها غير مكترث:
-كبري منهم، سيبني أعبر براحتي عن اللي جوايا!
تلفتت حولها بحذر وهي تهمس:
-مش وقته!
نظر مباشرة في عينيها، وهتف بإصرار:
-ده هو ده وقته!
بادلته نظرات متعمقة، فأكمل بنبرة متيمة ممرراً عيناه على تفاصيلها:
-أنا بأعشقك بكل تفاصيلك! بشعرك المنكوش، بلاوية بوزك لما حد يعصبك!

ارتفع حاجبيها للأعلى مستنكرة ما قاله:
-نعم!
ابتسم مكملاً بمرح
-حتى بحواجبك ال 88 دول!
حذرته قائلة بجمود جاد:
-انت بتغلط على فكرة!
رد عليها مطلقاً تنهيدة متعبة:
-دوختيني وراكي السبع دوخات يا بنت الناس!
أسبلت عيناها، وردت بثقة:
-بس أستاهل صح؟
أجابها بهدوء وهو يعمق نظراته فيها
-اه!
ساد الصمت بينهما ولكنه كان صاخباً تتحدث فيه الأعين والقلوب والمشاعر وكل ذرة في خلايا جسدهما..
قطع تواصلهما صوت باسل متساءلاً بمكر:.

-مش ناوية تقوليلي حاجة؟
قطبت جبينها وهي تطالعه بنظراتها متساءلة:
-ايه؟
أجابها بصوت رخيم:
-أنا اعترفتلك بحبي مليون مرة، مش ناوية تقوليها مرة، بلي ريقي بكلمة واحدة بس!
أطرقت رأسها قليلاً، وضغطت على شفتيها محرجة..
تابع هو قائلاً بمزاح:
-ها، أبو الهول نطق وانتي لسه!
جابت بأنظارها أرجاء القاعة من فوق كتفه الأيمن، وابتلعت ريقها بتوتر كبير..

هي تحبه حقاً، وخططت لإعترافها له بهذا مسبقاً. لكن تنفيذ الأمر على أرض الواقع مربكاً بشكل كبير.
ضغط عليها قائلاً بإلحاح:
-قولي بقى!
همست بتلعثم وهي ترمش بعينيها:
-باحبك
هتف فجأة بصوت متحمس أحرجها:
-ياه
اضطرب جسدها، وتوترت، وهمست بحرج بائن وهي تنظر في أوجه المتطلعين فيهما:
-ششش، الناس هتاخد بالها!
لم يهتم بما يقوله الحضور عنهما، وهتف بسعادة:
-أخيراً قولتيها!
توسلته بحرج:
-باسل، اركز، الكل بيبص علينا.

ضمها أكثر إليه، وقرب رأسه إليها ليقول بتلهف:
-مش قادر، هاتجنن ويتقفل علينا باب واحد وناخد راحتنا سوا!
اشتعل صدغيها بحمرة طاغية من مجرد التفكير في تلك الليلة، وهمست متوترة:
-الله! انت آآ..
لم تكمل جملتها للنهاية فقد انضم إليهما مسعد، والذي وضع يده على ظهر رفيقه محدثاً إياه بمزاحه المعتاد:
-ها يا عريسنا، خلاص دخلت القفص برجليك، ومش مع أي حد!
استدار باسل برأسه نحوه، ورد عليه مبتسماً إبتسامة عريضة:
-ايوه!

غمز له مسعد قائلاً:
-مش هوصيك، انت أخد توأمي الصغير
التفت باسل نحو إيناس ليرمقها بنظراته الرومانسية، ورد عليه بنبرة والهة:
-مش محتاج توصيني على قلبي!
ربت مسعد على ظهره بقوة أكبر قائلاً بعبث:
-ماشي يا عمنا، الله يسهله!
غمز له باسل قائلاً بنبرة ذات مغزى:
-ويسهلك!
وجه مسعد حديثه إلى أخته الصغرى مهنئاً إياها:
-مبروك يا نوسة!
ردت عليه مبتسمة:
-الله يبارك فيك يا مسعد!
أضاف قائلاً بتسلية:
-عاوزك تطلعي عين أخينا ده.

ضحكت قائلة بمرح:
-حاضر
عاتبه باسل قائلاً بعبوس زائف:
-بقى كده!
رد عليه مسعد قائلاً:
-يا سيدي بأناغشكم شوية!

في إحدى الطاولات القريبات من مقعد العروسين..
-مبروك يا صفية، بنتنا اتجوزت
قالها اللواء محمد لزوجته وهو يلف ذراعه حول كتفها
منعت نفسها من النحيب قائلة:
-الحمدلله، مش مصدقة إني شايفاها بفستان الفرح
أكمل قائلاً بهدوء وهو يهز رأسه بحركة خفيفة ثابتة:
-صبرتي ونلتي يا ستي!
حركت رأسها موافقة إياه:
-ايوه، عقبال ما نجوز عيالهم!
رد قائلاً بنبرة شبه متعبة:
-يا مين يعيش!
التفتت لتنظر إليه قائلة بود ودفء:.

-ربنا يديك الصحة ويخليك لينا
ابتسم لها مردداً بصوت حاني:
-ويديمك في حياتي يا أم العيال!
تبادلا نظرات تشير إلى عمق الحب والمودة من خلال الرابط الزمني الذي جمعهما منذ عقود.

عاد مسعد إلى زوجته التي كانت تقف في الخلف مصفقة بيديها على أنغام الموسيقى.
تأملها للحظات، هي كما رأها أول مرة، جميلة رقيقة مميزة، تخطف الألباب، وتسرق القلوب..
كانت متألقة بثوبها الأسود، محافظة على رشاقتها، وتورد وجنتيها..
هي كفينوس تغلفها هالة من الجمال والبراءة.
تنهد بحرارة تذيب الجليد..
نعم هو يعشقها حتى النخاع، مازال متيماً بها، غارقاً في حبها الفطري.

وقف إلى جوارها بعد أن أشارت إليه ليقترب منها، ومال عليها ليحدثها بمزاح:
-نسناسة وبسلة اتحطوا في قفص واحد، تفتكري هايخلفوا ايه؟
نظرت إليه بعتاب قائلة برقة:
-موسأد، إيب ( عيب )! دي سيستر ( أختك )
أثارت نبرتها رغبته فيها، وألهبت مشاعره للتمتع بحب عاصف معها، لذا بلا تردد قبض على كف يدها، وجذبها بعيداً عن الزحام هامساً بلؤم:
-بلا سيستر بلا عيب، تعالي احنا نشوف اللي ورانا!

حاولت مجاراته في حركته السريعة قائلة بإرتباك بعد أن فهمت ما يريد:
-موسأد، مش ينفع نسيب فرح ونمشي
رد عليها بثقة وهو يجذبها إلى خارج القاعة:
-لأ ينفع!
تساءلت بتوتر وهي تسير خلفه:
-نو ( لأ )، وال kids ( الأطفال )؟!
رد عليها غير مهتم سوى بوجودهما معاً:
-العيال مع أمي، هي ملهية بيهم!
هتفت متسائلة بقلق وقد انعقد ما بين حاجبيها:
-طب هانقول ايه للفاميلي؟

توقف في مكانه، والتفت نحوها ليطالعها بنظرات عابثة ومغترة، ثم أجابها بنبرة واثقة للغاية وقد زادت ابتسامته اتساعاً لتبرز نواجذه:
-الرد موجود يا حبيبتي، ( دواعي أمنية، ومشددة )…!

تمت..