رواية لانه موسي واحدة من افضل الروايات الرومانسية المصرية حيث لم تكن تعرف أن رجلاً واحدًا قادرٌ على تغيير مسار حياتها، حتى جاء موسي… بحضوره المختلف، وصمته الذي يحمل حكاياتٍ لا تنتهي. لم يكن كغيره، ولهذا تحديدًا تسلّل إلى قلبها دون استئذان.بين خوفها من الماضي وإصراره على اختراق جدرانها، تبدأ حكاية تجمعهما لأنّ القدر أراد ذلك… لأنّه موسي
رواية لانه موسي كاملة جميع الفصول
رَأْس ٱلَسَنه
في كل رأس سنه ، نقف للحظات نلقي نظره على ما مضى
من السنين، وكأنها قطار يعبر بنا المحطات بسرعه لا تمنحنا وقتاً كافياً للتأمل. نحمل أمانينا للسنة القادمه، باحثين عن السعاده التي تبدو أحياناً كوجهه نهائيه ، لكنها في الحقيقه تكمن في تفاصيل الرحله نفسها.
❧❀❧
كان يجلس على المقعد يقلب حبات سبحته بين أصابعه يراقب زوجته تفتح الخزانه الخاصه بها
تستعد لأرتداء ملابسها الواسعه وقد طغى اللون الأسود على ردائها وقد بدا عليها وقار من هم في مثل عمرها ربما أوشكت على الواحد والخمسون تقريباً او ازيد عامًا
استدارت ترمق زوجها بنظرات ملامه فتجاهلها هو
ثم دست الأموال بداخل كيس النقود الخاص بها ، مدت يدها على الطاوله تلتقط تلك الصوره الفوتوغرافيه التي تجمع أعز ما تملك وهم ابناؤها
الخمسه وكان هبه الله الأولى لها " لقمان" الأبن الأكبر الحنون صاحب الثلاثون عاماً يقف بالمنتصف بين أشقائه بابتسامته الحانيه ونظرتهُ لهم تدل على حنانه الا متناهي أما عن البقيه يجتمعون من حوله وتبدو على وجوههم السعاده الغامره تنهدت بحرقه تهز رأسها في تأثر وانتقلت عيناها تراقب تعابير زوجها المتهكمه ودون أن تشعر تركت البكاء يعرف طريقه نحو وجنتيها ثم قالت بصوتٍ باكٍ مستنكرًا مختنقاً بسبب العبرات :
ـ مش ناوي تيجي معايا المره دي كمان يانصار
هز رأسه نافياً وترك المكان وتحرك منه بخطوات شبه راكضه يلقى على مسامعها :
ـ قولت لاء يانعيمه يعني لاء
تحدثت بألم :
ـ انتَ مابقيتش تنزل من البيت خالص يانصار
ادار ظهره وقال بصوتٍ يحمل في طياته مزيجًا من الحزن والحزم :
ـ عشان من وقت اللي حصل وانا مابقيتش أخرج من البيت ، بقيت كاره الخروج براه بتخنق بحس اني مش قادر اتنفس نظرات الناس ليا كل ما اطلع بحس انهم عايزين ياكلوني بعنيهم اسئلتهم بتنهش فيا وببقى مش عارف أرد اقولهم ايه
قطعت خيط كلماته فجأه، إذ لاح لها في عينيه بريق الإصرار الذي لا يُقاوَم بصوتٍ متزن ، وكأنها تحاول أن تخفف ثقل الكلمات التي تُوشك أن تنطق بها، قالت وهي تمرر ظهر يدها برفق على البرواز الصغير الذي استقر بين كفيها، وكأنها تلامس ذكريات حيه تسكن داخله:
ـ خلاص ، خلاص ياحج نصار اللي تشوفه هاروح لوحدي المره دي بس لازم المره الجايه تيجي معايا
أوشكت عيناها على اختراق الصوره الفوتوغرافيه، إذ اجتاحتها ذكريات كالطوفان، وقلب شارد لا يدري ما يصنع باضطرابه عادت بذلك القلب إلى الوراء قليلًا، ثم اتكأت بجسدها الهلامي على حافة باب غرفته، غارقه في طيات الماضي، حيث انتفضت ذاكرتها تحمل صورة ابنها الثاني، "نوح"، ذلك الشاب ذو العيون البندقية، حاملًا شقاوه تشيب الرؤوس رمقت الحاسوب في غرفته الخاصه، وشرَدت بهدوء تام في ما كان، حينما كان ينزع سماعات الأذن عن أذنيه، ويخبرها:
ـ رايحه فين يانعناعه قلبي في الوقت ده استني ماتنزليش ، شوفي أنتِ عايزه ايه من تحت وانا هجيبهولك ، بس أستني معايا كيكايه هخلص كلام معاها في المكالمه دي وافضالك ياجميل ، الا بالحق قوليلي أخبار ام عبير ايه لسه بطل ولا الزمن هد البطل
انتزعت الحذاء من قدميها ثم ألقته عليه وهي تقول :
ـ ماتلم نفسك ياولا ، أنتَ مش عاتق حد حتى أم عبير دي قد امك
فاقت من شرودها وهي مازالت تسمع بداخل أذنها تأوهاته من ضربتها بضحكات ساخره مسحت عبراتها من على وجنتيها تكمل طريقها للخارج بعدما عدلت من حجابها ، اغلقت "نعيمه " الباب خلفها بأحكام بعدما تأكدت من محتويات حقيبتها بعنايه ، نزلت إلى الحاره بخطى متثاقله، تحمل بين طياتها ثقل الذكريات لم يكن البيت الذي غادرته مجرد بناء من الحجاره والخشب
بل كان شاهداً على أحلامهم، أفراحهم، وأوجاعهم. ذاك البيت الذي كُتب على واجهته بخطٍ عربيٍ متقن "آل موسى" كان يُعرف بين أهل الحاره، ليس فقط لأنه الأكبر أو الأكثر تميزاً، بل لأنه يحمل بين جدرانه تاريخاً عريقاً، وحكاياتٍ لا تنسى.
وقفت على عتبة الطريق، ثم استدارت ببطءٍ لتلقي نظره أخيره على البيت وخاصهً اسم
"آل موسى" ارتسم أمامها وكأنه يهمس لها بأسرار الماضي امتلئت عينيها بحزنٍ عميق، لم يكن مجرد حزن فراق بيتٍ، بل فراق حياةٍ بأكملها وقفت تُحدّق في الطابق الأرضي، حيث النافذه ذات القضبان الحديديه التي كانت تشهد الكثير من الأحاديث بينها وبين تلك المرأه العجوز التي لطالما اعتبرتها كوالدتها كانت تعيش بداخله تطل من تلك النافذه شردت بذاكرتها حين أوقفتها "نجاح" بصرامه :
ـ بت يانعيمه ، نعيمه
تقدمت نعيمه نحو تلك النافذه ذات القضبان الحديديه بتهكم :
ـ انا مش قولتلك ميه مره ماتقوليش بت دي تاني ياما ، لقمان خلاص على وش جواز وكام شهر ويخلف وهبقى جده وانتِ لسه بتقوليلي يابت
في وسط الحاره
مالت على النافذه تقول بغيظ :
ـ ايوه بت وهتفضلي طول عمرك في نظري بت ومش هتكبري أبداً ، وبعدين فين مقصوف الرقبه يحي بعتاه يجيبلي تمن حلاوه من اول امبارح وواقفه مستنياه لحد دلوقتي ومجاش عايزه افطر ياللي منكم لله
ضحكت على قولها وهي تخبرها :
ـ من اول امبارح ولسه مستنياه أنتِ مابتتعلميش ابداً ، قولتلك يحي لاء ، يحي لاء ، ماتديش يحي فلوس ولا تبعتيه يجيب حاجه ابداً
كانت تقولها بنبرةٍ لا تخلو من مزاحٍ لطيفٍ تلك اللحظات البسيطه التي لم تكن تعيرها اهتماماً حينها، باتت الآن أثقل الذكريات في قلبها
عادت للواقع على يد جارتها المقربه لها تهزها ناطقه :
ـ نعيمه ، كل سنه وأنتِ طيبه ياحبيبتي ، انا مش ناسيه وعارفه أن عيد ميلادك النهارده مع يوم رأس السنه يجعل سنه 2025 سنه خير عليكي ، ماتيجي تقضي راس السنه معانا النهارده زي ما كنا بنعمل زمان ده الولا طه جايب تورتايه وحلويات كده على القد قولتي ايه
تخلت عن الصمت وتحدثت رافضه :
ـ لا معلش أنا بحب اقضيه مع العيال
ابتسمت بحسره وهي تسألها :
ـ أنتِ برضوا هاتروحيلهم بالليل كده
لم تتلقى رد هزت رأسها ببسمه حانيه ثم تأملت النافذه من جديد لتجد النافذه خاويةً، موحشةً كحال قلبها أخذت نفساً عميقاً، كأنها تحاول جمع شتات روحها، ثم استدارت مره أخرى لتكمل طريقها تاركه خلفها جارتها "وداد " تهمس بداخلها :
ـ ياعيني عليكي يانعيمه من وقت اللي حصل وانتِ مابقتيش نعيمه اللي اعرفها
كانت الحاره تموج بصخب الحياه ، الأطفال يركضون بفرح بمناسبه دخول عام جديد، والباعه ينادون على بضائعهم، لكن "نعيمه" شعرت وكأنها تسير في وادٍ منفصلٍ عن العالم خطواتها كانت تقودها بعيداً، لكن عقلها ظل معلقاً هناك، عند ذلك البيت، وعند تلك النافذه
خرجت من الحاره بخطوات مثقله، وقلبها يئن تحت وطأة الحزن كانت تمسح الدموع بصمت، وهي تمضي وسط الزحام تبحث عن أي وسيله تنقلها بعيداً عن هذا الضجيج الذي زاد وجعها. الليل كان مكتظاً بالناس، الحركة لا تهدأ، والأصوات تعلو من كل اتجاه.
وقفت طويلاً على حافة الطريق، تترقب سياره أجره لكن الزحام كان طاغياً، والانتظار أطول من احتمالاتها الناس يتدافعون، بعضهم يسرع الخطى، والبعض يصطدم بها عن غير قصد ومع كل اصطدام بسيط، كانت تلتفت دون وعي، وكأنها تنتظر شيئاً أو أحداً ، لم يكن الاصطدام يؤلمها، لكن كل لمسه عابره أعادت إلى ذهنها صورة وليدها " أدم " اصغر ابنائها وهو مصاب بمرض "هافييوفوبيا" الذي يجعل الشخص ينزعج أو يشعر بعدم الراحه الشديده عند لمسه ،هذا المرض يُعرف بـ "رهاب اللمس" ، اضطراب نفسي نادر يتسم بالخوف المفرط أو النفور من اللمس الجسدي، حتى لو كان من قِبَل أشخاص مقربين
تحدث "آدم" بصوت متقطع، كأنه يبحث عن الكلمات بين أنفاسه، وهو يعدل سماعة الرأس المثبته دائماً على رأسه كأنها جزء منه لم تكن تفارقه أبداً، وكأنها درعه الذي يحميه من العالم
يبقى حقيبته قريبه من جسده يضمها بيديه بحرص ، يتجنب بحذر أي اقتراب أو لمس من الآخرين، وكأن لمسه عابره قد تزلزل عالمه الصغير كانت حركاته مدروسه، وخطواته محسوبه، وعيناه تراقبان المسافه بينه وبين من حوله بحذر صامت يخبرها بقلق:
ـ أنا قولتلك ، قولتلك ما بحبش انزل انا في يوم راس السنه ده مابحبش الزحمه ، بكرهها
حاولت أن تمسك بيده بأبتسامه دافئه وهي تقول بلطف:
ـ بس إنت كنت بتحب نجيب الزينه بتاعت رأس السنه وإنت صغير فاكر يا آدم ، كل سنه وانتَ طيب ياحبيبي النهارده رأس السنه
سحب يده بسرعه يحتضن حقيبته من جديد وعيناه تملؤها القلق، يُعدّل نظارته بتوتر وهو يرد بصوت مضطرب:
ـ ما تلمسنيش... ما بحبش حد يلمسني
استفاقت فجأة من ذكرياتها على صدمه خفيفه
في كتفها التفتت لتجد شخصًا مارًا قد اصطدم بها دون قصد وعلى الرغم من ان الضربه لا تذكر ولكنها شعرت بذاك الشعور الذي يثقل الروح ويعيد الجراح القديمه وكأن كل وجه غريب يحمل بين ملامحه طيفه، وكل خطوه تعيدها إلى ذكرى أبعد مما تحتمل تلك الليله المزدحمه ، حاولت أن تستعيد توازنها لكنها سمعت صوت امرأة خلفها تقول بتذمر:
ـ بسرعة شويه يا حجه ، شايفه الزحمه عامله إزاي ، كلنا عايزين نروح بيوتنا.
التفتت إليها وأومأت برأسها اعتذارًا، ثم أعادت نظرها إلى الأمام وقبل أن تنتبه لما يحدث، وجدت نفسها وجهاً لوجه مع سياره سوداء فاخره، تسير نحوها بسرعه لم تستطع التحرك أو التفكير، وفجأه صدمتها السياره ، تجمّع الناس حولها بسرعه، أصواتهم تتداخل بين القلق والغضب نزل السائق من السياره ، شاب في منتصف العشرينات، يرتدي بدله سوداء وقميصًا أبيض، ملامحه تعكس الاحترام والارتباك ركض نحوها بسرعه وهو يقول بقلق:
ـ يا حجه... إنتِ بخير؟
أنا آسف جدًا، ما خدتش بالي، بس إنتِ كمان ما كنتيش باصه قدامك
تعالت الأصوات من بين الحشد؛ قال أحدهم بسخريه:
ـ أيوه، هطلع الغلط عليها دلوقتي
وردت امرأة أخرى بغضب:
ـ لما انتوا ما بتعرفوش تسوقوا، بتسوقوا ليه؟
نظر الشاب إليهم بحيره، ثم قال رجل آخر بنبره جاده:
ـ يا ابني سيبك من الكلام ده ، خدها بسرعه على اقرب مستشفى
أومأ الشاب برأسه وهو يقول بأرتباك :
ـ حاضر، حاضر ، أكيد.
اقترب منها وانحنى بجانبها ليسندها بحذر، ملامحه تنطق بالأسف وهو يقول:
ـ أنا آسف جدًا يا حجه... والله ما كنت عايز ده يحصل مش عارف إزاي حصل كده.
ساعدها على دخول السياره وأغلق الباب برفق، ثم أسرع إلى مقعد السائق وبينما يقود، التفت إليها وقال بقلق:
ـ طمنيني... إنتِ كويسه
لم يتلقى رد كانت جواره فأسرع يهتف بعيون راجيه :
ـ لا بلاش تسكتي كده، لو في أي حاجه قوليلي طمنيني الله يخليكي
وقبل أن تنطق رن هاتفه فجأه ، وظهر على الشاشه اسم "البيت". ضغط على زر الرد وفتح المكبر يضع الهاتف أمامه وصوته يحمل توترًا واضحًا:
ـ ألو، ايوه يارحمه ، الحقيني انا عملت حادثه
كانت "رحمه" زوجته منهمكه في إلباس طفلها ، استعدادًا للخروج، عندما سمعت صوت "عمر" عبر الهاتف يخبرها بأنه قد تعرض لحادثه ، سقطت الملابس التي كانت تحملها من يديها دون أن تشعر واتسعت عيناها بدهشه وصدمه، وملامحها التي كانت هادئه تحولت فجأه إلى مزيج من القلق والغضب هاتفه :
ـ يعني مش هنخرج
. .
. .
.
. . .
هنا في حي صغير بمحافظه "السويس" يدعى هذا الحي بـ "حي الكويت" وبشارع
"جامع بلال بن رباح " بالأخص ، توجد صيدليه تخدم الكثير والكثير من أصحاب ذلك الحي البسطاء ومالكها هو وليدهم " الطبيب طه " ابن ذلك الحي البسيط كان "طه" يقف خلف العداد، يتنقل بنظره بين الزبائن في صيدليته، وقد امتلأت نفسه بالضيق والملل فكل يوم كان يحمل له مفاجآت جديده، لكن ليس بالمعنى الجيد فكلما دخل زبون جديد، يزداد الأمر تعقيدًا البعض يطلب أدويه لم يسمع بها من قبل، وآخرون يصرون على وصفات لا تفهم من أين أتوا بها كان قلبه يكاد يتوقف من شدة الضغط، وهو يبتسم ابتسامه باهته محاولًا إرضاء الجميع رغم ما يعانيه في نفسه حتى أتت له والدته " وداد " تجلس على المقعد رأى " طه" الحزن بعينيها فسألها بأهتمام وهو يسير بجوارها يحضر طلب الزبائن :
ـ مالك يا امي حصل ايه
استدارت تطالعه وقالت بقهر :
ـ نعيمه برضوا عملت اللي في دماغها وراحت تحضر عيد ميلادها مع عيالها
استدار وهو يطالعها بخيبه :
ـ أنا مش قولتلك يا أمي قوليلها انها هتحضر اليوم ده معانا واني جايب تورته مخصوص عشانها
اخبرته وهي تبرر :
ـ قولتلها والله بس اعمل ايه مارضيتش وسابتني ومشيت دي حتى ما ردتش عليا
اردف بتهكم :
ـ طب والعمل هنسيبها كده برضوا
تنهدت قبل أن تضيف :
ـ العمل عمل ربنا يابني
بتر حديثهم دخول فتاه صغيره تطالبه مسرعه :
ـ دكتور طه ، دكتور طه
أخرج سبابته حين رأى الطفله أمامه وأخرج صوت متهكم حينما رأها :
ـ يختـــــاي عايز أيه ياميرو ، ما هي نقصاكي على المسا مافيش غيرك أنتِ عشان أختم بي 2024
طلبت منه بأهتمام وبصوت طفولى والبراءه بعينيها :
ـ عندك رنجه
نطق مستنكراً ما يقال :
أنتي جعانه ياميرو !
اعادت تكرر طلبها :
ـ جعانه ايه بس انا عيانه مش جعانه عايزه رنجه ، رنجه
إجابها "طه" وهو يشير لها :
ـ هتلاقيها عند الفسخاني في الشارع اللي ورانا ده
هزت رأسها نافيه وهي تصحح مسرعه:
ـ فسخاني ايه انا عايزه رنجه اللي بتتحط فيها الأبره دي عشان اخد الحقنه
قالتها بنبره عاليه هذه المره وفهم هو مقصدها :
ـ يختـــــاي ، حسبي الله ونعم الوكيل أنا قولت ما حد هيقصر عمري الا طلباتك دي اسمها سرنجه ، سرنجه يا أخرت صبري
بينما كان يحضر لها مطلبها أخرجت غطاءٍ ما من جيب بنطال لباس البيت المريح الذي ترتديه وبدت كأنها في عجله من أمرها تفاجأ طه من الغطاء سائلاً :
ـ ايه ده كمان
رفعت الغطاء بأتجاهه تمد ذراعيها أكثر ناحيته :
ـ عايزه بقى المرهم بتاع الغطا ده
التفت " طه" خلفه يطالع والدته بلوم وكأنه يلومها على دخوله هذه المهنه ، مالت " وداد" الى الأسفل تحاول أخفاء ضحكاتها التي أوشكت على الأنطلاق بصوتٍ عالى أما عنه فتابع بعدم فهم :
ـ أعمل ايه انا دلوقتي أدوق الغطا بطرف لساني ، حسبي الله ونعم الوكيل
أمرته " والدته " بغضب :
ـ ماتخلص ياطه ادي البت اللي عايزاه خليها تمشي
جذب " طه " الغطاء من الطفله بعنف ثم قام بشمه
مسترسلاً :
ـ خدي يا اخرة صبري ، طلع مرهم ڤولتارين
استرسلت "الطفله " في طلبها تخبره :
ـ وكمان عايزه
بتر حديثها بتهكم :
ـ اقسم بالله لو طلبتي حاجه تانيه لا اكون ضربك بالشبشب أمشي يا أميره
هرولت الطفله للخارج فقام بمناداتها كمن تذكر شيئاً :
ـ بت يا أميره الفلوس
أخبرته وهي تهرول للخارج :
ـ أمي بتقولك حطهم عالنوته
حرك " طه " رأسه بعدم رضا وهو يقول :
ـ شايفه اهوه نص الحاره على كده كل ما اكلم حد يقولي خليها على النوته لحد ما النوته اشتكت
تجاهلت " وداد حديثه بقول :
ـ سيبك من النوته دلوقتي وخليك معايا هنعمل ايه مع نعيمه دلوقتي
اخبرها "طه " مسرعاً بعد أن وجد حجته :
ـ ماتقلقيش انا هستناها ولو اتأخرت هاروحلها لحد عيالها
كانت والدته على وشك أن تُكمل حديثها معه، لكنها توقفت فجأة حينما دخلت امرأة إلى الصيدليه كانت تبدو في منتصف الخمسينات تقريبًا، تمسك بيد طفل صغير، وتجذب الآخر خلفها كان على وجهها تعبير يدل على العجله والارتباك. توجهت نحو ابنها بخطوات سريعه وقالت بصوت فيه رجاء:
ـ بالله عليك يا دكتره ، عايزه الدوا اللي باجي أخده منك كل مره ده لما الواد يبقى سخن وتعبان
سألها بحيره :
ـ أخمن انا بقى ، اسمه ايه
صمتت لثواني ثم انفرجت شفتيها بضحكه بلهاء كمن تذكر شيئاً للتو :
ـ افتكرت ، كان أسمه تقريباً قطفلي الملوخيه
وقفت والدته مذهوله للحظه، خطوط الدهشه ارتسمت على وجهها وهي تحاول استيعاب ما قيل للتو طالعت ابنها بعدم فهم سائله باستغراب شديد:
ـ وإيه اللي بيقطفوله الملوخيه ده كمان
رفع " طه " يدهُ ليسند بها رأسه على الڤاترينه الزجاجيه للأدويه ، وعيناه تضيقان ببسمه سمجه قبل أن يرد:
ـ قصدها كاتفلاي للسخونيه
.
. .
. .
.
. . .
. .
. .
- نزلني هنا يابني
قالتها "نعيمه" برجاء واعترض عمر عليها بقول :
ـ أنزلك فين ياحجه ، احنا لسه ماوصلناش للمستشفى
أشارت لهُ ناحيه قدميها تحركها بتمكن :
ـ بص كده الخبطه خفيفه أنا رجلي سليمه وزي الفل مش محتاجه مستشفى ولا حاجه
حدثها بهدوء منافي تماماً بما داخله :
ـ ايوه بس برضوا لازم اطمن عليكي
نطقت بنفاذ صبر :
ـ اسمع كلامي يابني انا لازم اروح اشوف عيالي عشان انا كده اتأخرت عليهم
فعرض عليها طالباً :
ـ طيب قوليلي فين عيالك وانا اوصلك لحد عندهم
طالعته " نعيمه " بامتنان :
ـ مش عايزه اتعبك معايا السكه من هنا طويله
هز رأسه موافقاً وهو يقول باسماً :
ـ تعب ايه بس ياحجه انا زي ابنك ، وبعدين أنا راضي بس المهم ماسبكيش الا اما اطمن عليكي واسيبك وسط ولادك هو أنتِ عيالك فين بالظبط
أشارت له برأسها للأمام تعلمه وجهتها وهي تقول :
ـ أطلع على قريه عارف
أوصلها " عمر" الى وجهتها وبهت وجهه وعاد بنظراته اليها :
ـ احنا بنعمل ايه في الترب هنا ياحجه بالليل كده
ابتسمت " نعيمه " تحمل حقيبتها بين يديها تهبط من السياره شاكره :
ـ تشكر يابني على توصيلتك ليا
لم يكن في المكان سوى صمت ثقيل يخترقه نباح الكلاب البعيد، وقبور متناثره تتحدى استواء الأرض، كأنها حكايات قديمه غاصت في الرمل ولم تجد من يقرأها وقف يتأمل المشهد، وقد انتفض قلبه بخوف غامض حين رأى "نعيمه " تتقدم بخطى مثقله نحو المدافن كانت خطواتها كمن يسير فوق حافة الألم، كأن الأرض نفسها تتآمر لتثقلها أكثر.
تبعها دون أن يعي السبب، كأن ظله كان مشدودًا إليها بحبل من فضول وريبه ، حين اقترب من المدفن الحديدي، أضاء مصباح هاتفه، لتقع عيناه على لوحه عُلّقت على الباب، نُقش عليها بحروف داكنة "مدفن عائلة آل موسى". ازدادت حيرته، ففتح الباب بخفه ليجدها واقفة في الداخل، محاطة بخمسة قبور، كأنها جزء من تلك الوحده المخيفه
تقدم نحوها، محاولًا أن يفهم سر هذا اللقاء الغريب بين امرأة مسنه وبين صمت الموت ركز ضوء الهاتف على القبر الأكبر في المنتصف، فرأى رخامًا أبيض نقيًا، محفوفًا بعمودين، ومنقوشًا عليه اسم "موسى ظهران " بلون أسود شديد الوضوح كان القبر كأنه مركز الحكايه ، بينما تحيط به أربعة قبور أصغر حجمًا، لكنها لا تقل حضورًا ، قرأ الأسماء واحده تلو الأخرى:
"لقمان نصار "، ثم "يحيى نصار". قلبه صار يضرب كطبل أجوف، وكلما نقل الضوء إلى قبر جديد، كان شيء داخله ينكسر هناك على اليسار، قرأ أسماء القبرين الآخرين:
- "آدم نصار " و " أنس نصار "
أصابته قشعريره بارده حين تأمل التواريخ المنقوشه كان الموت قد جمعهم جميعًا في يوم واحد، 31 ديسمبر. أما أكبرهم، لقمان، فقد توقفت حياته عند ثلاثين عامًا فقط، بينما توزعت بقية الأعمار بين عشرون والثامن والعشرون عامًا.
ارتبك، كأن أنفاسه تتعثر في صدره، لكنه نظر نحو تلك المرأة التي بدت كأنها تقف على حدود عالمين، لا تنتمي إلى الحياة تمامًا، ولا يغمرها الموت كليًا. لم تقل كلمه ، لكن عيناها تحكيان قصة لا يستطيع فك شفرتها.
حينما اقترب منتصف الليل، أخرجت من حقيبتها قالب كعك، كأنه شيء مقدس حملته بعناية كأم تحمل جنينها وضعته برفق على قبر "موسى" ، ثم أشعلت شمعه صغيره وسط الظلام لم تكن الابتسامه التي ارتسمت على وجهها فرحه، بل كانت مزيجًا من الحنين الموجع والشوق الذي ينهش القلب نظرت إلى القبور بنظره مشبعه بالشجن، وهمست بصوت يشبه الأغنيات الحزينه:
ـ ماقدرتش اعدي يوم ميلادي من غيركم ياضي عيوني
وحين دقت الساعه منتصف الليل، اطفأت الشمعه، كما لو أنها سلبت آخر ما تبقى في قلبها من نور. انهمرت دموعها بصمت، وكأنها تُطفئ نارًا عاشت طويلاً في صدرها لم تكن تبكيهم فقط، بل تبكي نفسها، تبكي ذلك الجزء من حياتها الذي دفنته معهم
تراجع " عمر" بضع خطوات إلى الوراء تقرب الى التسحب ، عيناه مثبتتان على المشهد الذي أمامه، قلبه ينبض بقوه كأنما يريد أن يهرب من صدره لم يجرؤ حتى على التفكير في السؤال الذي يتردد في عقله
ـ ياترى دول أولادها
لم يكن هناك حاجة للسؤال، الإجابه كانت واضحه ، محفوره على ملامحها وهي تبتسم لهم برقه أم تحتفل مع أبنائها ، أبناؤها كانوا هم من اختارت أن تبدأ معهم عاماً جديداً، أن تفتح لهم صفحة أخرى من حياتها.
ابتلع ريقه بصعوبه ، وعيناه تهربان منها ومن الحقيقه التي طُرحت أمامه بلا رحمه استدار بأرتباك وسار نحو سيارته، خطواته متعثره كأن الأرض تهتز تحت قدميه فتح باب السياره بعصبيه ، يداه ترتجفان كأنهما عاجزتان عن تنفيذ أبسط الحركات أدخل المفتاح في المكان المخصص لهُ ، لكن اهتزازه العنيف جعله يسقط من بين أصابعه إلى الأرض انحنى بسرعه ليلتقطه، وصوت أنفاسه يعلو كأنه يحاول السيطره على عاصفة تشتعل داخله
وفي تلك اللحظه، كسر صوت هاتفه رتابة الليل. وقف متجمداً للحظه، ثم أخرج الهاتف من جيبه بيد مرتعشه ، ما إن رأى اسم زوجته "رحمه"، حتى شعر بنوع من الطمأنينه، أو ربما نوع من الهروب. تنفس بعمق وضغط على زر الإجابه بصوت متوتر، يكاد يخفي ارتجافه:
ـ رحمه ... أنتِ فين يا رحمه؟
جاء صوتها من الطرف الآخر، حاداً ممتزجاً بنبره من العتاب:
ـ أنا برضوا اللي فين ياسي عمر ؟ أنا اللي قاعده لوحدي؟ دي آخرها؟ تعدي رأس السنة وتسيبني؟ أنا هخرب بيتك لما أشوفك!"
حاول تهدئتها، رغم أنه بالكاد يستطيع تهدئة روحه ارتبكت كلماته وهو يقول:
ـ اهدي... اهدي يا رحمه، أنا جاي حالاً الطريق زحمه بس أنا في السكه
بينما كان يتحدث، لمح زاوية شاشة هاتفه. البطاريه كانت على وشك النفاد، 2% فقط تفصله عن الانقطاع التام صوته أصبح أكثر توتراً، وأكمل:
ـ التليفون ممكن يفصل في أي لحظه ، وانا مش معايا شاحن بس أنا خلاص قربت، دقيقه وهكون عندك
لكنه لم يكن يعرف أن "دقيقه" قد تتحول إلى أبدية فجأه، انقطع الاتصال ، الهاتف أطلق أنينه الأخير، ثم خفتت شاشته. حاول" عمر " أن يشغل الهاتف من جديد، لكن لا جدوى وضع الجهاز بعصبيه على لوحة القياده، بينما تنفلت منه تنهيده ثقيلة أشبه بصرخه مكتومه.
داس على دواسة البنزين بنية اللحاق بالوقت الذي يبدو أنه قرر معاقبته تلك الليله لكن القدر كان يحمل له مفاجأه أخرى ، صوت انفجار مدوٍ صدم أذنيه، واهتزت السياره بشده توقف على الفور، قلبه يخفق كأنه يحذر من شيء أسوأ نزل ليتفقد الأمر، ليجد أحد إطارات السياره وقد مزقته شظايا زجاج متناثره على الأرض انحنى على ركبتيه، يحدق في الضرر كأن عقله يرفض استيعاب ما يحدث وقف سانداً بظهره على باب السياره ينظر الى السماء التي لم يكن بها قمراً تلك الليله فقط نجوم متباعده ، وكأنها تشاهده من بعيد دون اقتراب زفر بتنهيده عميقه يتمتم من بين شفتيه :
ـ يارب ، ده اختبار ده ولا عقاب
صرخ بغضب مكتوم، وصوت أقدامه يركل الحطام بعصبيه توجه إلى صندوق السياره ليتفقد الإطار الاحتياطي، لكنه تذكر فجأه أنه أخرجه في وقت سابق ولم يعيده
وقف هناك، في ظلام المدافن، محاطاً بصمت ثقيل وبرودة تلتف حوله كحبل مشنقه لا هاتف، لا سياره، ولا حتى سبيل للخروج من هذا المكان الذي بدا وكأنه حُكم عليه بالبقاء فيه وحيداً، مع أفكاره التي تحاصره بلا رحمه قطع حبل افكاره صوت نعيمه التى تقف خلفه سائله بنبره مبطنه بالدهشه :
ـ أنتَ لسه ماروحتش
انتفض جسده والتف مسرعاً اليها زادت نبضات قلبه عند رؤيتها تكاد ان تسمعها من كثرة خفقانه تستقبل صمته ، اعادت سؤالها بحيره :
ـ انتَ كويس يابني مامشيتش ليه ، ايه اللي موقفك هنا لوحدك
اسئله سؤال تلو الأخر يستقبله بعينان تائهتان في ملامحها التي تحمل هدوءًا غريبًا وكأنها اعتادت على المكان وظروفه حاول أن يبدو طبيعيًا وهو يقول بصوت متردد:
ـ أنا كنت مروّح ، بس كاوتش العربية فرقع، والتليفون الشحن خلص منه مش عارف أتصل بحد ييجي ياخدني
رفعت حاجبها وهي تنظر إلى وجهه الذي صار شاحبًا، كأنه يحمل لون الموتى، وقالت بنبره شبه
مطمئنه :
"
ـ طيب ، ومالك بتعرق كده ليه؟
ابتسمت ابتسامه حانيه تسترسل :
ـ إحنا في ديسمبر، يعني الجو زي التلج
ولو على التليفون فانا معايا تليفون... سيباه هناك في الشنطه اتصل بحد ييجي ياخدك بدل ما انت واقف كده ، الدنيا ليل، زي ما انت شايف، والمقرئين والزوار مش هييجوا إلا الصبح
أومأ برأسه بالموافقة وهو عاجز عن الرد تحركت نحو المدفن الخاص بعائلتها، فتبِعها بخطوات ثقيله ، كأنه يسير إلى مصير مجهول دخلت هي إلى الداخل، لكنه ظل متجمداً عند عتبه الباب، لم يجرؤ على الاقتراب أكثر أخرجت الهاتف من حقيبتها، والتفتت لتنظر له لتجدهُ يقف خارج المدفن، عينيه معلقتان بها لكنه متجمد في مكانه. ابتسمت وقالت بنبرة تجمع بين الدعابة والحقيقه:
ـ أنا عارفة إنك خايف... بس يا ابني الخوف مش من الميتين... الخوف أكتر من الصاحيين
تجاهل تعليقها ولم يعلق، فقد كان عقله مشغولًا بالتخلص من هذا الوضع الغريب كل ما أراده هو الحصول على الهاتف والاتصال بشخص ينقذه. أمسك الهاتف واتصل بأحد أصدقائه، وبعد عدة محاولات اكتشف أن لا أحد يستطيع الوصول إليه قبل صباح الغد الجميع تحدث عن زحمة الطرق وصعوبة التحرك أغلق الهاتف وهو يتنهد بعمق، وكأن الأمل قد تبخر :
ـ مافيش فايده
التفتت نعيمه إليه وهي تبتسم ابتسامه هادئه، وكأنها تعرف مسبقًا ما حدث، وقالت:
"الظاهر إن لينا نصيب نقعد مع بعض كام ساعه كمان
لم يرد عليها، لكنه نظر حوله كمن يحاول الهروب بعينيه من الواقع بينما هي تحركت بهدوء نحو قبر "موسى" مدت كف يدها خلفه و أخرجت من جانبه "بابور" قديم و"بردا " معدني ، ومن حقيبتها الصغيره زجاجة ماء وكيسًا يحتوي على السكر والشاي بدا واضحًا أنها زائره معتاده لهذا المكان، وكأنها تعتبره بيتًا آخر شغلت الكانون ووضعته على الأرض، ثم ملأت البراد بالماء ووضعته فوق النار المشتعله
رفعت عينيها نحوه، وهي تمسك بالبراد تسأله بهدوء :
ـ أعملك معايا شاي ، عشان تبلع بي كيكه عيد ميلادي
بدت كلماتها عاديه ، لكنها حملت بين طياتها هدوءاً أربكه حدّق فيها لبرهه ، ملامحه كانت مرآة لخوفه، صامتاً كأنه يخشى أن يخطئ التقدير أدركت ما يجول في داخله، فهمت تردده، فابتسمت بخفه وهي تحتسي أول رشفه من كوب الشاي، ثم مدّت إليه كوباً آخر وقالت بلطافه:
ـ ما تقلقش... ما حطيتلكش في حاجه
تردد للحظه ، لكنه أخذ الكوب في النهايه ، وبمجرد أن لامست أصابعه دفء الكوب شعر بشيء من الطمأنينه أخذ رشفه صغيره وهو يراقبها بحذر
قطعت قطعه من الكيك بجانبها، قطعت منها لقمة وأكلتها أمامه بابتسامه عفويه ، ثم عرضت عليه:
ـ تاخد حتة كيك؟ ده أنا عملاها على طريقة أنَس، ابني... هتعجبك قوي.
تلك الابتسامه ، الهادئة كنسيم الفجر، جعلته يشعر بشيء مختلف مد يده وأخذ قطعه صغيره وحين تذوقها انطلق لسانه دون أن يدري:
ـ الله! حلوة قوي الكيكة دي... دي أول مرة أكل كيكه حلوه أوي بالشكل ده
ابتسمت مجدداً، لكن هذه المره كانت ابتسامتها مختلفه، مختلطه بحزن قديم سكن عينيها، وقالت بصوت يحمل الكثير من الذكريات:
" دي طريقة أنَس، ابني... الله يرحمه. كان بيحب الطبخ زي عينيه كان نفسه يبقى شيف مشهور، لكن الدنيا استكترت عليه فرحته وبقى زي ما انت شايف كده قدامك
تنهّدت بعمق، وكأن أنفاسها كانت تحمل معها ثقل الحكايه لم يستطع مقاومة فضوله، نظر إليها وقال بصوت حقيقي لأول مرة:
ـ إيه اللي حصل لأولادك
انقبض قلبها فجأة، وارتجفت يداها دمعت عيناها دون استئذان، لكنها لم تنظر إليه مباشرةً قالت بصوت متقطع:
دي حكاية طويله ، ما تتحكيش باختصار
أصرّ، بصوت هادئ يحمل مزيجاً من الاهتمام والشفقه :
ـ طب احكي الليل لسه طويل ، وإحنا قاعدين ما ورناش حاجة لحد الصبح
ترددها كان واضحاً، لكنها رأت في عينيه اهتماماً صادقاً ربما لأول مره شعرت أن أحدهم يريد أن يسمعها، لا مجرد سماع كلماتها، بل سماع قلبها. حدّقت في النار الهادئه ، ثم بدأت تحكي صوتها يحمل وجع السنوات، وطريقتها في تحضير الكيك، واحتفالها مع أولادها الخمسه الذين أصبحوا الآن مجرد ذكرى
كل تلك الصراعات كانت تثقل كاهلها، لكنها حملتها بصمتٍ غريب، كأنها تروي للعالم بصبرها:
أنا أقوى مما تظنون، وأضعف مما أظهر
كانت عيناها مليئتين بحكايات لم تخرج إلى النور، مشاعر مكبوته تناستها مع الوقت، أو هكذا تظاهرت وكأن كل دمعه لم تنزل كانت تعبر عن صرخه مكبوته في قلبها، وكل ابتسامه منكسره كانت تخبر الحياه: "لن تهزميني، مهما حاولتِ."
كانت تنظر إلى النار المتراقصه أمامها وكأنها ترى انعكاساً لوجعها، وكأن الشراره التي تشتعل وتخبو تمثل سنواتها التي احترقت ببطء دون أن ينطفئ وهج روحها رغم الحزن الذي يلف ملامحها، كان فيها ثبات غريب، ثبات الأم التي فقدت، المرأة التي جرّدت ، والإنسانه التي اختارت أن تبقى واقفه حتى حينما كان السقوط أسهل.
بكلماتها البسيطه ، بابتسامتها التي تحمل نقيضها، كانت كأنها تقول:
"الحياة أخذت مني أغلى ما أملك، لكنها لم تأخذ مني إيماني بأنني سأبقى، ولو للحظة أخرى."
↚
الرَضَا قَبل التَجديِد
في حضن العائله، تذوب كل المسافات، وتعود الروح طفله تلهو بين أحاديثهم وضحكاتهم هُناك فقط، تشعر أن العالم مهما ضاق، يتّسع بين دفء قلوبهم ، تجمعهم ليس وقتًا يمضي، بل وطن يُعيد إليك نفسك كلما ضعتها.
❧❀❧
لم يكن مجرد باب الذكريات يُفتح ، بل كان كبوابه الجحيم بالنسبه لها وكأنها المره الأولى بالنسبه لـ
" نعيمه " التي تروي بها ما حدث ، مشاهد سريعه مرت في رأسها ورافقتها دمعتها ، يدها تُمسك بطرف ثوبها وكأنها تحاول أن تُثبّت نفسها ، عيناها غارقتان في بئرٍ من الحزن، لكنهما ما زالتا تحملان ظلالاً باهته من الذكريات أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تستجمع شجاعتها من قلب الألم، ثم بدأت بصوتٍ مبحوح يكاد يُسمع:
ـ الحكايه بدأت يوم رأس السنه الصبح ٣١ ديسمبر
2023 ، مش فاكره الساعه الكام بالظبط بس كل اللي فكراه انه كان قبل الفجر
كانت كل كلمه تخرج من فمها ثقيله، وكأنها تجرّ وراءها جبالًا من الألم وجهها كان لوحه من التعب، لكنه في ذات الوقت كان يحكي عن أمٍ لم تتخلّ يومًا عن حبها، حتى بعد أن أطفأ القدر شموع أبنائُها واحدًا تلو الآخر ، رأى هو مقدار الألم في عيُنها فأوقفها عن تكملت حديثها بقول :
ـ لو مش فاكره الوقت أوي مش مهم الوقت المهم
بتر حديثه نظرة عيناها ، نظره بعثت بما داخلها من غيظ حين قاطعها، حثها على الهدوء طالباً منها أسفًا :
ـ اسف ، كملي ياحجه نعيمه
وما ان سمعته يهتف بأسمها طالعته بنظره جعلته يرتبك يبتعد بنظره عنها ثم هتفت بقهر مرارته في حلقها كالعلقم ولاحت بسمه على شفاهه غير متعمده تبحر في ذكرياتها حين أشرقت الشمس بخيوطها الذهبيه لتدفيء الأرواح المتعبه ، كانت " نعيمه " تقف بمنتصف غرفة "نوح "تستطيع أن ترى الغرفه صغيره وبسيطه ، سريران متجاوران؛ أحدهما له والآخر لأخيه "ادم " ، وبينهما مكتب خشبي يحمل حاسوباً قديمًا ، ودولاب متهالك يوجد بالزاويه أبوابه تميل الى الصرير عند فتحها ، وأعلى الغرفه مروحة سقف تدور بتثاقل تصدر صوتاً خفيفاً يغني عن الصمت ، الجدران سوداء تتخللها رسومات خضراء متناثره ، وشباك صغير يسمح لأشعه خافته بالتسلل، تمنح المكان حياه رغم عتمته طالعت " نعيمه " السقف ثم ضربت بكف يدها على صدرها صارخه :
ـ يــالهـــوي ، ايه اللي انا شيفاه ده ، ليه يابني مشغل المروحه ومتغطي بالبطانيه واحنا في عز ديسمبر
أخرج رأسه من تحت الغطاء يخبرها ساخراً بنبره ناعسه :
ـ عشان ابرد البطانيه ، اصلها سخنت من كتر ما بتغطيني
ـ وحياة امك !!
امتعض مما قالته سائلاً :
ـ ايه وحياة أمك دي في ست كبيره عدت الخمسين تقول وحياة امك برضوا
شهقت وهي ترد بنبره ساخره :
ـ اومال اسمها ايه ياعنيا
أخبرها يعيد الغطاء على وجهه مجدداً :
ـ اسمها وحياة الست والدتك هنفضل نعلم فيكم لحد أمتى بقى
وقفت هي تنظر إلى ابنها الذي يتكور تحت الغطاء يحتمي به من نداءاتها المتكرره هذا هو " نوح " الأبن الثالث لها شاب في السابع والعشرون من عمره كتله من الطاقه تتحرك هنا وهناك كانت ملامحهُ تشبه والدهُ كثيراً ، شعر بني كثيف وعين واسعه تسلبك كالمسحور مع لحيه ملساء ، وكعادته كعادة معظم الشباب المصريين أنهى دراسته في إدارة الأعمال، ورغم تفوقه الدائم على دفعته، إلا أن معيدًا آخر أخذ مكانه ومنذ تلك اللحظه ، أدرك أن هذه البلد تسير بالوساطات والمعارف، وأن الأبواب تفتح فقط لمن يملك المال فقرر أن يصبح غنيًا بأي وسيله ، مهما كلفه الأمر وبالرغم مما حدث لهُ لكنه لم يتخلى عن ابتسامته الرائعه التي تزيد وسامته
تكرر نداء "نعيمه" له دون جدوى فقررت أن تُنهي هذا الصراع الصباحي المعتاد بحيله قديمه ، فأخذت الوساده وألقتها عليه بخفه لكنها أصابت الهدف بدقه :
ـ يانوح اصحى الدنيا راحت وانا لسه بصحي فيك من قبل الفجر
أخرج رأسه من تحت الغطاء مجدداً يخبرها بنبره ساخره :
ـ هو الفجر كان محتاجني في حاجه؟ سبيني نايم، الدنيا ماشيه من غيري
اقتربت منه تحاول أن تزيل الغطاء من فوق رأسه هاتفه تقلد نبرته فيما قاله :
ـ لا ، وحياة الست والدتك ، النهارده بالذات الدنيا مش ماشيه من غيرك ، ما تنساش إن فرن العيش مستنيك مين هيعجن ، ومين هيخبز الدور عليك
نزع الغطاء من على رأسه يعتدل في نومته :
ـ يا ساتر يارب ، فرن العيش يعني لو ما قمتش دلوقتي، العيش هيشتكيني لمجلس الأمن ، لو معملتش العيش النهارده الدنيا هتنهار، الصحافه هتكتب عن الكارثه
فلتت ضحكه منها ولكنها أضافت بصوت يحمل مزيجًا من الإصرار :
ـ اهل الحاره هما اللي هيعلنوا المجاعه من غيرك ، وقوم بقى بدل والله
قبضت على خفها بكف يدها ، تتخذه سلاح قوي كحال جميع الأمهات ولكنهُ وقف وأستقام راكضًا الى الحمام يخبرها وهو يهرول :
ـ خلاص اهوه قومت ، قومت والله
ابتسمت ترتدي خفها من جديد تطالع الفراش المجاور لكنها وجدته خاوياً شهقت بصدمه وهي تقول :
ـ يانهار ابيض الواد ادم فين ، يا أدم
آدم، أصغر أولادها في الثانيه والعشرون من عمره جاء في لحظه لم تكن تتوقعها لم ترغب في الحمل مرة أخرى، ولكن شاءت الأقدار أن يأتي
وُلد مصابًا بمرض نقص " الميلانين" في البشره والشعر والعينين، مما جعل هيئته ذو بشره وشعر ورموش بيضاء، بالإضافة إلى معاناته من "اضطراب طيف التوحد "، وهو مرض يمنعه من التفاعل الاجتماعي ويجعله يتبع أنماطًا سلوكيه متكرره، مثل الامتناع عن لمس الآخرين أو استخدام حمام غير حمامه الخاص
رغم ذكائه الفائق، إلا أنه يقع بسهوله في فخ الاستغلال، ولا يستطيع التصرف بمفرده .. في عامه الأخير من دراسته بكلية الحقوق، يعشق المحاماه ولديه القدره على حل أصعب القضايا، لكن الجميع يستغله وينسب حلوله لأنفسهم، وهو ما يكشف عن ضعف شخصيته
هرولت "نعيمه" خارج الغرفه تصيح بأسمه تتنقل بين الغرفه والأخرى تفتح الواحد تلو الاخر ، رفعت الستائر كانت عينيها تنتقلان بذعر وقلبها يضج بالقلق ، بينما كانت تسير في الممر اصطدمت فجأه بأبنها الاكبر طالعها بابتسامته الواسعه يحاول بها أخفاء همه المتراكم أنه " لقمان" أو كما يقال كابتن "لقمان" مهنته هي التدريس ولكنه لم يكتفِ بذلك بعد انتهاء يومه الدراسي، يعمل ككابتن في " الصاله الرياضيه " ليتمكن من تأمين مستقبله وتوفير ما يلزم للزواج ، عينان سوداء تشبهان عيون والدته ، بشرته السمراء وجسده الرياضي يجسدان روح الشباب والطموح في الأشهر القليله القادمه ، سيتزوج من الفتاه التي لطالما تمناها بعد أن اجتهد ليحسن وضعه يعمل ليلًا ونهارًا، ويمنع نفسه عن الدروس الخصوصيه التي يعتبرها حرامًا، مُؤْمِنًا بأهمية كسب الرزق الحلال.
نشف "لقمان" رأسه بالمنشفه بعدما توضأ لأداء صلاة الفجر ابتسم ابتسامه هادئه تبعث عن حنيته التي يكمنها بداخله يلقي عليها الصباح بنبره هادئه :
ـ صباح الخير يا أمي
ردت عليه بنبره مبطنه بالقلق:
ـ يسعد صباحك ياعين أمك
هز رأسه سائلاً يتصنع عدم معرفه ما يقلقها :
ـ مالك يا أمي عينك رايحه جايه في الشقه ، بدوري على حاجه
أخبرته بنبره مرتجفه وقلق واضح :
ـ ادم ، الحق ادم يالقمان مش موجود في سريره
في تلك اللحظه خرج " انس " من غُرفته وترتيبه الرابع من بين ابنائها اتكىء على طرف الباب ، وجهه نصف نائم لكن شقاوته حاضره ، أقترب بهدوء وكزها بمرح أسفل خصرها بأصبعه وهو يصدر صوتًا مازحاً بقول :
ـ اوعى الفنكوش ، صباح الخير يانعناعه
انُه "انس" شاب في الخامسه والعشرين، قلبه معلق بالمطبخ أكثر من أي شيء آخر يخبز ويطبخ بأيديٍ محترفة، ويبتكر وصفات تأسر القلوب قبل الأذواق لديه صفحه على موقع " التيك توك "، يعرض فيها أشهى الأطباق، وكل وصفه يشاركها تحمل شغفًا حقيقيًا ، رغم ذلك لم يحقق الحظ ما حلم به أن يصبح شيفًا معروفًا، أن يفتح مطعمًا يرتاده الناس من كل أنحاء العالم، لكن الحياه كانت تأخذ مسارًا آخر وبينما ينتظر تلك اللحظه التي ستتغير فيها كل الأشياء ، يعمل حاليًا رجل إطفاء، وسط المغامرات التي طالما حلم بها، يساعد الناس ويعيش لحظات مليئه بالتحدي والمخاطره ، وفي قلبه لا يزال يحتفظ بأمل كبير، كل يوم يقترب من تحقيق حلمه، يطبخ فيه بصبر، ويعيش مغامراته كما لو أن الحياه نفسها هي طبق يسعى لإتقانه.
رفعت "نعيمه " حاجبيها بغيظ ناطقه :
ـ صباح ايه وزفت ايه على دماغك أخوكم فين
ابتسم " لقمان " وحاول تهدئتها :
ـ اهدي يانعيمه شويه ماتقلقيش عليه هتلاقي جوه نايم في أوضتنا انا وأنس
صحح " أنس " لهُ حديثه يشير بأصبعه على نفسه :
ـ قصدك في أوضــتـــي ، وحط تحت كلمة اوضتي دي عشروميت خط أنتَ خلاص كلها كام شهر وتتجوز انا سايبك تنام في الأوضه من كرم أخلاقي بس
رفع "لقمان" المنشفه ينشف بها ماتبقى من الماء على وجهه وتحرك للأمام يفرش سجاده الصلاه قائلاً :
ـ طب ياسيدي متشكرين ده كتير علينا والله
مرت "نعيمه" بجانب "أنس" بخطوات سريعه التفت لها يخبرها بلا مبالاه :
ـ اهوه نايم جوه ماتخافيش عليه اوي كده
تابعت "نعيمه" سيرها دون أن تلتفت إليه، وكأنها تعرف أن أي رد عليه سيكون بلا جدوى دخلت الغرفه بسرعه ووقفت للحظه تتأمل" آدم "النائم بهدوء على السرير تنهدت بارتياح وكأنها أخيرًا وجدت السلام بعد معركه طويله ، ثم اقتربت وجلست بجانبه، تنظر إلى ملامحه الهادئه والبريئه مدت كف يدها تأمل أن تمرر اصابعها بين خصلات شعره الأبيض برفق، وهي تهمس:
ـ أدم .. ادم اصحى ياحبيبي ، يلا بقى كل ده نوم
لم تتلقى رد ، فرد عليها " أنس" وهو مازال مستنداً على الباب :
ـ مش هيصحى، طول الليل قاعد يسهر على التليفون كأنه بيخطط لغزو القمر أنا لو منك
أشار برأسه نحو زجاجة ماء مثلجه موضوعه على الكومود بجانبها :
شوية ميه ساقعه متلجه هتفوقه أسرع من كلامك الطيب ده
التفتت إليه "نعيمه"، وهي تحاول كتم ضحكتها قائله:
ـ إنت مش بني آدم ، عايزني أصحي أخوك ولا أغرقه
رد أنس مبتسمًا بخبث:
ـ ما هو لما يفوق ويشوف البلل، هيقتنع إنه نام في البحر... وأنتِ عارفه هو بيحب البحر قد ايه ابقى انا كده غلطان ده انا حتى بعمل خير
ردت ساخره على حديثه :
ـ لا ، وانتَ في فعل الخير ماقولكش انتَ ونوح
سمعت صوت "نوح " يأتي من الخارج قائلاً :
ـ وانا مالي انا يانعناعه هو اي حاجه لازم اسمي ييجي فيها
هزت رأسها بيأس وأردفت بقول:
ـ مافيش فايده فيكم
أشارت برأسها لأنس قائلة بحزم:
ــ روح ادخل الحمام يلا واغسل وشك، يومنا النهارده طويل.
غادر "أنس" الغرفه دون أن يعترض، تاركًا خلفه هدوءًا مشوبًا بشيء من التوتر التفتت إلى آدم، الذي كان مستلقيًا على السرير، عينيه مغمضتين بتظاهرٍ مكشوف اقتربت منه بخطوات هادئه
وبصوتٍ هادئ، كأنها تخشى أن تزعج صمته:
ــ آدم... يا آدم، أنا عارفه إنك صاحي ياحبيبي مش نايم قولي بقى، إيه اللي منومك هنا؟ انا عارفه أنك ما بتعرفش تنام غير على سريرك.
لم تتلقى رد الهواء بينهما ثقيل، كما لو أن الكلمات قد تجمدت في حلقه غيّرت نبرة صوتها إلى شيء أكثر حده، محاوله أن تخترق جدار صمته:
ــ قولي... نوح ضايقك امبارح؟ قولي، وأنا أخلّص عليه.
تحرك آدم أخيرًا اعتدل في سريره، لكنه لم ينظر إليها أومأ برأسه في حركه صغيره، كأن الإجابه أثقل من أن تُقال ابتسمت بحنان ومدت يدها لتربت على كتفه، لكن عندما اقتربت، انتفض مبتعدًا، وكأن لمسها لهُ بمثابة قذيفه انفجرت داخله
توقفت يدها في منتصف الطريق، ثم سحبتها بحزن دون أن تظهره ، كان واضحًا أن كل محاوله لتقريبه تزداد صعوبه ، كما لو أنه يبتعد كلما اقتربت سألته بصوتٍ خافت، متحاشيه كسر الصمت مره أخرى:
ــ طب قولي، عملك إيه؟
ظل صامتًا للحظه، ثم قال بصوت منخفض، كأن الكلمات صعبه على قلبه:
ــ الدنيا كانت ساقعه أوي امبارح، ونوح كان مشغل المروحه قولتله يطفيها، مرديش كنت بردان أوي فضلت طول الليل قاعد بره وزهقان... مش بعرف أنام غير على سريري
توقف قليلاً كما لو أن الكلمات ترفض أن تخرج ثم أكمل بصعوبه:
ــ أنس شافني صاحي، ماسألنيش حتى أنتَ صاحي ليه؟ بعدها لقمان شافني قاعد على الموبايل، ماسبنيش الا اما نمت وراح نام هو على الكنبه بره خلاني أنام في سريره بس أنا... أنا مش بعرف أنام جنب حد
نظر إلى الأرض، كأن الكلمات تخرج بصعوبه ثم أضاف:
ــ أنا زعلان... عشان خليت لقمان ينام على الكنبه الدنيا كانت برد عليه أوي بس ، بس أنا مش بعرف أعمل حاجه
ارتعشت يديه وهو يقبض عليهما، كأن البرد لا يزال يلاحقه، كما لو أن المعركه مع النوم كانت لا تزال مستمره بقيت هي تنظر إليه بصمت، مدركه أن الكلمات ليست ما يحتاج إليها، بل فقط مساحه ليشعر بالأمان، ليُفرغ ما بداخله دون أن يشعر بالذنب فنطقت تهون عليه سائله :
ـ وليه ماقولتش للقمان ان نوح مشغل المروحه كان دخل طفاها وكل واحد نام في سريره
رد وهو ميقن ما سيحدث :
ـ علشان لقمان مكانش هيسيب نوح وهيتخانق معاه زي كل مره عشاني ، وهما لما بيتخانقوا بيقعدوا بالأيام مش بيكلموا بعض وببقى انا السبب في خناقهم ده
ابتسمت بتفهم تهز رأسها بالأجابه :
ـ عين العقل ياحبيبي ، اللي عملته هو الصح بس الغلط بقى انك مجيتش صحتني وقولتلي ، كنت انا هتصرف معاه
رد مسرعاً :
ـ ما أنتِ أول ما بتمشي ياماما بيقعد يزعقلي عشان صحيتك هو أصلاً مش بيعمل حساب لحد غير موسى
أكمل حديثه باهتمام سائلاً :
ـ هو موسى مابيكلمكيش
تنهدت " نعيمه " بسأم حين شردت في ذكرى مؤلمه تجمعها بينها وبين هذا الأبن الغائب تسترجع مشهداً طواه الزمن :
"ماتسبنيش يا ماما، ماتسبنيش، مش عايز أروح معاه، مش هقدر من غيرك ، أنا خايف "
قطع شرودها صوت "آدم" الذي رمقها بنظره قلقه قائلاً:
ـ ماما، سكتي ليه؟
انتفضت كمن استيقظ فجأه من حلم طويل، رفعت عينيها إليه وقالت بارتباك:
ـ إيه؟ كنت بتقول حاجه؟
ردّ بصوت خافت لكنه ممتلئ بالفضول:
ـ موسى ما اتصلش
تغيّرت ملامحها قليلًا، خليط من القلق والانزعاج بدا جليًا على وجهها، وقالت بلهجه تحمل في طياتها شيئًا من الأمل المتردد:
ـ لاء، ما اتصلش... بس قلبي بيقولي إنه ممكن ييجي النهارده
هزت رأسها بابتسامه مصطنعه تحثه على النهوض :
ـ يلا ، يلا قوم اغسل وشك كده ، عشان نفطر وتروح جامعتك وانا هاروح احضرلك حمامك حالاً وماتقلقش غيرت القفل بتاع الحمام والمفتاح معايا انا بس ، عشان الواد نوح ولا الواد انس مايعرفوش يستخدموه ويضايقوك زي المره اللي فاتت
هز رأسه مبتسمًا، راضيًا عن كلمات والدته، فهي تعلم جيدًا أن" آدم " لا يستطيع استخدام حمام شخص آخر غير حمامه الخاص حتى إذا اضطر لدخول حمام غيره، كان يعقمه بالمنظفات ويظل طوال اليوم يعاني من صعوبه في دخوله مره أخرى، خوفًا من أثر وجود شخص آخر فيه
. . . .
. . .
. . . .
في قلب الشتاء القاسي، حيث الرياح البارده ، كان بيت " ال موسى " يحتفظ بدفء خاص، ينساب في أركانه ببطء وكأن الزمن نفسه قد قرر أن يبطئ خطاه هنا في الصاله الصغيره ، تحيط بها الجدران التي شهدت سنين طويله ، كان الأثاث القديم يُشعِرك براحه غريبه ، لا تأتي فقط من مدفأه قديمه ، بل من الأشياء التي تحمل كل قطعه منها حكايه ، كل زاويه تحتفظ ببقايا أيام مضت الأرائك التي تأثرت بلون الزمن، والستائر الثقيله التي تحجب بعض من برودة الخارج، كانت تروي قصصًا من الهدوء ، الأرضيه الخشبيه التي تئن تحت القدم، أضفت على المكان سكونًا يريح الأعصاب ورغم أن البرد يملأ الأفق، كانت الشمس تخترق النوافذ العتيقه ، تُرسل أشعتها الذهبيه لتملأ المكان بدفٍء عابر، وكأنها تداعب الذاكره وتعيد إليك شعورًا بالأمان ، في الزاويه كان هناك تلفاز قديم مزود بأزرار ميكانيكيه ، بينما كانت الشرفه الواسعه تفتح على الخارج ، تضفي على المكان بعض السكينه
كان " لقمان " يمسك بهاتفه المحمول مبتسمًا، محادثاً خطيبته عبر تطبيق الواتس اب ، حتى فوجىء بجلوس " نوح" بجانبه، فانتفض لقمان وأسرع في إغلاق هاتفه نظر إليه "نوح" نظره غاضبه ، ثم قال بصوتٍ ساخر :
ـ ايه بتبعت لست الحسن والجمال التمام وبتعرفها انك صحيت
أجابه "لقمان" أثناء قيامه :
ـ وانتَ مالك شاغل نفسك ليه
رفع عينيه فجأة، فوجد "أنس" أمامه قائلاً :
ـ ماله ازاي بقى مش أخوك الصغير ولازم نسمع كلام الاصغر مننا
أشار للواقف امامه ناطقاً بأستنكار :
ـ خايف عليا من ايه ؟
تحدث " نوح " مجدداً وقد اكتسب صوته الحده :
ـ يابني شيماء دي ماتنفعكش ، شيماء دي اقسم بالله اجيبهالك بكارت فكه من اكونت fake ( مزيف)
انتبه يصحح كلماته :
ـ لاء ، ومش fake كمان انا اقدر اجيبهالك من الأكونت بتاعي عادي
ضرب " لقمان " على الطاوله جواره بحزم :
ـ ماتحترم نفسك بقى يانوح ، هو انا عشان ساكتلك
بدا عليه الضيق فنطق "انس" بجديه :
ـ ايه اللي انتَ بتقوله ده يانوح ، ماتقولش على شيماء فلتر كده يا اخي ، دي مهما كان هتبقى مرات اخوك
ضربه "لقمان" ضربه خفيفه على كتفه وهو ينطق بتذمر :
ـ ولا انتَ وهو أنا مش عايز امد ايدي على حد فيكم على الصبح واعرفه ان اللي بتتكلموا عليها دي هتبقى مراتي قريب واحترامها من احترامي انا شخصيًا واللي هيقل أدبه عليها هعمل
بتر حديثهم دخول " الحاج نصار "رجل تخطّى عتبة الستين بقليل، لكنه لا يزال يملك هيبةً تجبر الجميع على التقدير والاحترام وجهه مزيّن بخطوط السنين التي تحمل قصصاً لا تُحصى، وعيناه، وإن أرهقتهما الأيام، لا تزالان تلمعان بحكمة الأجداد ، يرتدي دائماً جلباباً صعيدياً نظيفاً ومهندماً، ويتكئ على عصا طويله من الخشب المتين، تُذكّر بعصي رجال الصعيد التي كانت رمزاً للقوة والوقار عصاه ليست مجرد وسيله للاتكاء، بل تحمل في تفاصيلها حكايات عن رجلٍ عاش مخلصاً لجذوره، يمتلك فرنًا كبيرًا للخبز ، يُعد من أقدم الأفران في المنطقه ، حيث يُخرج الخبز بنكهة الماضي التي تفتقدها الأفران الحديثه رغم أن التطور زحف إلى كل زاويه ، إلا أنه ظل متمسكاً بأساليب القدماء في العمل فهو كما يقولون رجل "دقة قديمة"، يرى أن الأصاله تكمن في البساطه وفي الحفاظ على إرث الأجداد
خيّم الصمت على المكان عند لحظه دخوله ، وتلاقى الجميع بنظرات متوتره تحمل من الحيره بقدر ما تحمل من الخشيه جلس الحاج "نصار" على الأريكه التي وُضعت خصيصاً له في صدر المجلس، وسند بكلتا يديه على عصاه الصعيديه المميزه ، تلك العصا التي لم تكن مجرد دعامه ، بل رمزاً لهيبته وسلطانه كان جلوسه وحده كفيلاً بأن يجعل القلوب ترتجف والأنفاس تضيق رفع عينيه، الحادتين كنصل سكين، ومرّر بصره على الوجوه جميعاً، ثم استقر بصره على" لقمان"أخبرهُ بصوت عميق يحمل في طياته نبرة لوم وعتاب يسأل :
ـ سكت ليه يالقمان كمل ، هتعمل ايه مع اخواتك اللي من ضهرك وأنا لسه عايش
اقترب" لقمان "بخطوات ثابته ، وبسمه بسيطه تعلو وجهه البشوش ، ثم انحنى ليُقبّل كف الحاج "نصار" بحنان واحترام قائلاً:
ـ ولا حاجه يا حاج، انت عارف نوح مش أكتر
تحولت نظرات الحاج "نصار" إلى "نوح "، نظره كانت كالسيف القاطع بمجرد أن تلقاها "نوح " ، شعر بجفاف حلقه، فهم من تلك النظره أنها تحمل عدم رضا، فتقدم على الفور، وانحنى ليُقبّل كف والده ، محاولاً أن يسترضيه بكلمات سريعه:
ـ صباح الخير يا حاج
لكنه تجاهل التحيه ، وسأله بنبره أكثر حده:
ـ إيه اللي يخلي لقمان يتنرفز على الصبح يا يحي ؟
ـ ياحج بلاش تناديني بيحي ده ، اسمي نوح ، نوح صعبه في اي دي
تجاهله" نصار " ثم وجه عينيه صوب" أنس" الذي كان يقف مرتبكاً على الجانب، وسأله بصوت ثابت:
ـ عملتوا إيه يخلي أخوكم الكبير يزعل بالشكل ده يا أنس
تملكت الحيره من" أنس " واقترب بخطوات متردده من كف والده ومال عليه هو الأخر يفعل كما فعل شقيقاه يتحدث بصوت خافت، بالكاد يُسمع، وعينيه تجول بين إخوته بحثاً عن دعم:
ـ أبداً يا حاج، وأنا أقدر برضه؟ حتى اسأله
صارحهما "نصار" بعينين لم تقبلا العذر:
ـ ياريته كان بيتكلم ويقول على مصايبكم وأفعالكم، لكن ولا مره رضي يعريكم قدامي
دخلت نعيمه حامله صينية الطعام ، ووضعتها على " الطبليه" التي اعتاد الجميع الجلوس حولها كانت الصينيه عامره بأشهى ما يُميز الإفطار المصري: فول مهروس مُغطى بزيت حار، طعميه ساخنه تفوح منها رائحة القلي، جبنه قريش بيضاء نقيه، وقطع من الخضروات الطازجه ، الجو كان يحمل عبق البساطه وألفة العائله
جلس " الحاج نصار" في منتصف " الطبليه "، مشيراً بعينيه لأولاده كي يقتربوا ويجلسوا معه نظر حوله، يبحث عن" آدم " ، لكن غيابه أشعل في داخله ضيقاً كعادته قطّب جبينه وقال بصوت يحمل نبرة الغضب:
ـ أنا مش قولت ألف مرّه آدم يبقى موجود قبل ما الفطار يتحط
ارتبكت نعيمه ، وصرخت مناديةً:
ـ آدم! تعالى بسرعه ، الحاج مستنيك
خرج "آدم " من الحمام على عجل ينشف وجهه بمنشفه صغيره يقترب بخطوات سريعه ، يأخذ مكانه بجوار " لقمان " أعطتهُ والدته الخبز فقال وهو يأخذهُ منها :
ـ أنا اسف يابابا
بدأ الجميع بتناول الإفطار الحاج "نصار " ، كعادته، كان يراقب كل شيء بعينيه الحادتين لاحظ" نوح" يأكل بلا شهيه ، فوجه إليه سؤالاً وهو يدس اللقمه في فمه:
ـ طبعاً أنتَ مش عجبك اني اناديك بأسمك الحقيقي ولا كمان عجباك قعادنا على الطبليه ، يا أستاذ يحي ؟ ولا عجباك عيشتنا من الاساس
رفع" نوح "رأسه ببطء، ومد يده يأخذ رغيفاً، ثم أجاب بهدوء:
وأنا قولت حاجة يا حج؟ أنا ما فتحتش بوقي
لم يترك "نصار " الأمر يمر، فرد بنبره ثابته تحمل شيئاً من العتاب:
ـ بوقك ما بيتفتحش، بس ملامحك بتقول اللي جواك
وضع" نوح " الرغيف مكانه واعترض بنبره هادئه لكنها تحمل في طياتها تمرداً مكبوتاً:
ـ يا حج، فين المشكله لما تناديني بالأسم اللي امي اختارتهولي وسمتني بي انا بحب اسم نوح انت بقى اللي روحت كتبتني يحي وانا لسه مولود معنديش قدره على الاعتراض
نطق والده رافضاً:
ـ وماله يحي ، اسم من اسماء الانبياء
ـ ياحج أذواق ، أذواق انا بحب نوح اكتر
ـ طيب واسمك ياسي يحي وقولنا أذواق ، سمعت بعدها ان عيشتنا مش عجباك
تنهد "نوح" يضيف ما لديه :
ما هو برضه مش عيشه دي ، ليه ناكل على الطبليه لما ممكن نقعد على سفره ونتلم عليها كلنا .. بص على الكنب، هو في حد لسه بيستعمل الكنب ده يا حج، الكنب ده دلوقتي بيترمي، في حاجة اسمها ركنه
ثم أشار بإصبعه نحو التلفاز العتيق وقال:
ـ وبص على التليفزيون بزراير ... موديل التمانينات مع إننا دلوقتي في الألفينات كله دلوقتي بيستخدم الشاشات ليه ما بنعيش زي ما الناس عايشين
في تلك اللحظه ، ساد صمت ثقيل في الغرفه نظرات الحاج " نصار" البارده والواثقه، كانت كافيه لتُعيد "نوح" إلى واقعه، بينما انكمشت "نعيمه" في مكانها، تحاول أن تتفادى أي صدام جديد وقالت مازحه :
ـ تليفزيون ايه وطبليه ايه اللي بتتكلم فيهم على الصبح دول دي كفايه لمتنا سوا يانوح
أشارت بعينيها تقطع رغيف العيش الى نصفين بيدها قائله :
ـ خد ، خد افطر يلا علشان تتكل على الله تنزل تشوف العمال في الفرن زمانهم بدأوا من بدري وشويه والزباين هتبدأ تهل
ابتسم " نصار " بسخريه، ناظرًا إلى ابنه الهارب بعينيه انزعج" لقمان "، وتوقفت" نعيمه" مترقبه لكن "نصار "خالف التوقعات، ورد بهدوء:
ـ يابني، الطبليه اللي مش عجباك دي عندي أغلى من مليون سفره، لأنها جمعتنا قريبين من بعض، رجل أخوك تلمس رجلك، وكتفك يسند على كتفي، واللقمه تلف بينا وإحنا بنضحك ونحكي مشكلتها إنها متواضعه في عينك، لكن قيمتها في الدفا والقرب اللي صنعتهم بينا ، السفره ممكن تبقى أفخم، لكن لو بعدت بينا، قيمتها تروح الغنى مش في العفش الجديد، الغنى في القلب اللي يحس بالنعمه قبل ما يدور على اللي ناقصه لما تيجي أيامك وتجيب اللي نفسك فيه، هتعرف إن مش كل جديد أغلى، ولا كل قديم رخيص
تحدث لقمان محاولًا تهدئة الموقف:
ـ سيبك منه يابابا ، نوح مايقصدش
لكن آدم، الذي كان يمسك " القُلّة " بجواره، قال قبل أن يشرب:
ـ بس هو يقصد
اعترض " أنس " سريعًا:
ـ وأنتَ كنت دخلت جواه ياعم أدم
لم يلتفت "ادم " لاعتراضه، بل ركّز نظره على نوح، يراقب كل تفصيله في حركاته، ثم بدأ يشرح بهدوء:
ـ دلوقتي نوح متوتر ، معنى كده ان كلام بابا معجبهوش
تأمل عينيه وأضاف:
ـ حركه عينيه بتقول انه كاتم كلام جواه ولسه ماطلعهوش
نظر إلى جلسته ولاحظ التغيير:
ـ كان قاعد على ركبه ، بس هو غير قعدته وربع رجليه عاوز يبين أنه ارتاح للكلام ، بس الحقيقه غير كده
ثم لمح ارتعاشه سريعه في شفتيه، فأردف:
ـ شفايفه اترعشت مره واحده كان هيتكلم بس ماما منعته
نظر " نوح "إلى آدم نظرة تحذير، لكن "نصار" ابتسم وقال بارتياح:
ـ اهوه ده الوحيد اللي لا يمكن يغيره الزمن راجل صادق بصحيح بيعرف يقرا اللي جوه قلوب البني ادمين
لم يترك " أنس" الفرصه تفوته، فمال نحو" آدم" مازحًا:
ـ يا سلام! طلعنا عايشين مع محلل نفسي وإحنا مش واخدين بالنا
ثم أشار بعينيه على والده يستردف :
ـ طب ماتقولنا يا ادم بابا بيفكر يعزمنا النهارده على العشا بمناسبه ان الليله راس السنه
ضحك "نصار" وهز رأسه قائلاً:
ـ عزومه مره واحده ، لو فكرتوا في العزومه اوبقوا اعزموني معاكم
تعالت الضحكات، وحتى "نوح" لم يستطع منع نفسه من الابتسام ، حول" الطبليه " ، كانت ضحكاتهم تملأ المكان، تذوب في قلبه الدفء الأيدى تتشابك، والنظرات تروي قصص الحب والطمأنينه لم تكن" الطبليه" مجرد قطعة أثاث للحاج" نصار "مثلما يعتقد "نوح" بل رمز للترابط، حيث كانت لحظات السعاده الحقيقيه تُبنى من أبسط الأشياء في تلك اللحظه، كان المكان كله يعني أكثر من أي شيء في الدنيا، مجرد لمه عائليه، أغلى من أي ثروه ولكن هذه الثروه لم تكتمل بالنسبه لـ "نصار" لأنه ينقصها واحد
. . . .
. . . .
. . . . .
في أحد الشوارع المجاوره لبيت "لقمان" ، كان هناك منزل آخر يعرفه جيدًا، فهو بيت "شيماء" ، خطيبته التي أحبها بصدق استيقظت " شيماء" من نومها، متثاقله ، وعينها تتنقل بين شاشة هاتفها التي أضاءت برسائل من" لقمان" كان قد أرسل لها أكثر من مئة رساله ، فطالعت الشاشه بملل، ثم ألقت الهاتف جانبًا
دلفت شقيقتها" هناء" متعجله وهي تجهز نفسها للذهاب إلى العمل نظرت إلى " شيماء" التي كانت ما تزال في الفراش وقالت بلهجه غير متفهمه :
ـ صحي النوم ياكسل هانم كل ده نوم هتتأخري على شغلك
نهضت "شيماء" بتكاسل وقالت بمراره :
ـ خلاص قومت ، مش عارفه شغل ايه ده اللي بنصحى عشانه بدري كده وفي الاخر مابناخدش غير ملاليم
جذبت " هناء" حجابها واقفه أمام المرآة، ردت بعطف:
ـ أحمدي ربنا في ناس بدور على شغل ومستعدين ياخدوا اقل من اللي أنتِ بتاخديه
قالت شيماء بحزن مكتوم:
ـ وفي ناس برضوا مش عارفه تودي فلوسها فين
وفي تلك اللحظه ، بدأ هاتف" شيماء" يرن برسائل متتاليه، ثم جاءها اتصال من " لقمان" كتمت الصوت، وأعادته إلى مكانه، قائله بتململ:
ـ هيكون مين غيره لقمان طبعاً
سألتها " هناء " بقلق:
ـ مش هتردي عليه ، هو مزعلك
جلست " شيماء " على الفراش تخبرها بغضب مكبوت:
ـ هو بيديني فرصه حتى انه يزعلني تخيلي ، ده الاتصال العاشر في ساعه واحده بس ورسايله عدت المية رساله لحد دلوقتي وكل ده عشان بس قولتله اني تعبانه شويه
طالعتها شقيقتها بعدم تصديق :
ـ لقمان طيب وبيحبك وكفايه انه بيخاف عليكي وبيراعيكي
تنهدت "شيماء" تمد كف يدها بداخل الخزانه لتخرج منشفه نظيفه وأجابت بنبره مليئه بالإحباط:
ـ عارفه ليه البنات في الروايات بيحبوا البطل الشرير عن البطل الطيب في الروايات
هزت رأسها بأنها لاتعلم فاسترسلت "شيماء" حديثها بقول :
ـ عشان البطل الطيب هيضحي بيكي عشان خاطر العالم لكن البطل الشرير هيضحي بالعالم عشان خاطرك وده اللي انا عايزاه فهمتي
أشارت برأسها نافيه فأكملت تشرح لها :
يعني نفسي في مره يسيبني اتفلق من الزعل ، نفسي في مره ادور عليه ومالقهوش جنبي ، ياستي يشوفني حتى هعمل ايه لما يبعد عايزه احس اني معايا واحد اخاف اني اخسره مش كل اما اقوله حاجه يعملها ولو زعلت يبقى هيتجنن عشان يصالحني ، عايزه يبقى في اكشن في علاقتنا شد وجذب مش كل مره ابقى متأكده انه عمره ما هيبعني
ـ وطبعاً الشخص اللي في كل المواصفات دي يبقى موسى
قالتها " هناء " بغضب قد سكنها وهي تتفحص تقاسيم شقيقتها التي اتخذت من الأقتضاب وشاحاً :
ـ مش شرط موسى بس ، ان شالله حتى نوح انا موافقه بس ماتبقاش حياتي عاديه كده خاليه من اي ساسبنس ، اراهنك اني وانا بكلمك دلوقتي هتلاقي لقمان مخبط على الباب عشان مش قادر يشوفني زعلانه او حتى مخنوقه
وقبل ان تكمل حديثها سمعوا صوت طرقات على الباب من الخارج وصوت والدتها الذي يقول :
ـ يسعد صباحك يالقمان يابني اتفضل
تبادلت " شيماء " و "هناء " النظرات ولاحت بسمه منتصره بجانب شفاها وهي تخبرها بيقين :
ـ مش قولتلك ، اطلعي بقى يافالحه قوليله اني نايمه وتعبانه ومش هاروح الشغل النهارده
. . . .
. . .
. . . .
في الصباح الباكر، عندما بدأت الحاره تستفيق ببطء، وتفتح عيونها على ضوء النهار الجديد، كانت الحياه تبدأ في التسلل بين الأزقه الضيقه الناس بدأوا ينزلون، كل منهم يحمل همومه اليوميه وتفاصيله الصغيره، بينما الشمس بدأت تطل برفق، تغسل الأرض بأشعتها الذهبيه التي أضافت دفءً خاصًا على الوجوه المرهقه صوت الراديو كان ينساب بين الجدران، يملأ الأجواء بآيات من القرآن الكريم، لتهدأ الروح في خضم الضجيج الصباحي، كأن الصوت يربت على القلب في زحام الحياه، ويسكن المكان الذي يعج بالحركه
الوضع كالتالي وقف "نوح" أمام فرن الخبز، يجمع الأموال من الزبائن الذين يتوافدون عليه في هذا الوقت المبكر كانت فوضى الازدحام تملأ المكان كما هو الحال كل يوم، ومع كل صوت وصرخه يختلط فيهما الزحام والضجيج في وسط هذه الفوضى، رفع " نوح "صوته في محاولةً لتهدئة الوضع، وهو يشعر بالاختناق من الضوضاء التي تملأ الأجواء، وقال:
ياجماعه بالراحه شويه ده عيش مش جايزه اوسكار هو ، كل واحد هياخد نصيبه مش هنحطه في بيتنا ، بس بلـــــيز اقفوا طابور مش عافيه هي
سمع نوح صوت صديقه وصاحب عمره " بشر" يتخلل الزحام، وهو يناديه بصوت عالٍ:
ـ حبيب قلبي اللي بيقول بليز
رفع" نوح" رأسه، يبحث عن مصدر الصوت وسط الحشد المتراكم، عينيه تتنقلان بين الوجوه حتى وقع نظره على صديقه الذي رفع يده من بين الزحام ليشير إليه لم يتردد "نوح" لحظه ، وعيناه اتسعتا كمن وجد مخلصًا وسط المعركه اليوميه فتح " نوح "الباب مسرعاً ودخل بشر الذي اقترب منه مبتسمًا يريد احتضانه، لكن "نوح " كان الأسرع، بمد يده وأعطاها له ليضع فيها بطايق العيش والماكينه يخبره وعينه تنتقل على شاشه الهاتف الذي يرن :
ـ بشر خليك هنا مكاني شويه ، دقيقه هرد على التليفون ده وجاي لك حالًا
نظر له "بشر" بعينيه الضيقتين، يهز رأسه وقال بتعجب:
ـ طيب سلم عليا الأول حتى يا واطي
ربت "نوح " على كتفه قائلاً:
ـ بعدين، بعدين
. . . .
. . .
في تلك اللحظات التي كانت فيها الحياة تُكتب بحروف من لهب، كان "أنس " يقف في ساحة الحياه الكبيره ، حيث أنغامها تعزف على أوتار القلق والخوف كان يستعد مع زملائه في المطافي، يرتدون زيهم الرسمي بسرعه ، بينما يختلط صوت القلق بنبضات قلوبهم المتسارعه كل شيء كان يتحرك بسرعه، لكن الزمن كان يبدو وكأنه يركض خلفهم
هرولوا الى السياره المجهزه للحرائق الخاصه بالمطافي ، وانطلقت بهم في طريق لا يعرف التردد، يقود " أنس" بأقصى سرعه، دون أن يلتفت إلى شيء سوى هدفه ، وهو مكان الحريق قبل فوات الأوان عندما وصلوا إلى " حي الأربعين" ، كانت العيون تراقبهم من كل جانب الناس تجمعت أمام مبنى قديم ، والنيران تلتهمه من الداخل، ألسنة اللهب تخرج من النوافذ، والمبنى يتنفس نارًا
وسط الزحام، كان الصوت الوحيد الذي يقطع الأجواء هو صرخات امرأه ، تقف أمام المدخل، عيناها مليئتان بالدموع كانت تلك السيده عاجزه عن الوصول إلى ابنها الصغير ، الذي تركته في المنزل يشتعل بالنيران كان الطفل يقف قرب النافذه ، يُحدق في الخارج، وعيناه مليئه بالخوف، بينما كانت والدته تصرخ من الأسفل وتناشده أن يتحرك بعيدًا عن النار والجميع كان يقف في الشرفات ، يراقبون الوضع، غير قادرين على فعل شيء كانت اللحظات كالساعات، وكل دقيقة تمر كانت أشبه بعمرٍ كامل ، النيران تلتهم المبنى بلا رحمه ، ألسنتها تمتد في كل اتجاه، تُرسل ألسنتها باتجاه السماء، وكأنها تُعلن انتصارها على الحياه أصوات انفجارات متتابعه تُعكر الأجواء، وأزيز النار يملأ كل مكان، بينما كانت صرخات الطفل تتردد في كل زاويه من المبنى، تسارعت خطوات أنس وزملائه، وانطلقت خراطيم المياه من سيارات الإطفاء، تدفع الماء بشده نحو البناء، تحاول أن تخفف من وطأة الجحيم الذي يشتعل داخله كان قلب" أنس "ينبض بسرعه ، والعقل يركض وراء الوقت ، علم جيدًا أن الوقت لا يسمح بالانتظار، النار في ازدياد والطفل ما زال في الداخل، يتنفس الخوف في كل لحظه طالع رئيسه بعدما قرر :
ـ أنا هطلع أجيبه، النار هتاكله قبل ما نطفيها
قالها "أنس"، وهو يتحرك من مكانه لكن رئيسه، وقف بحزم، يعارضه:
ـ إحنا لسه بنحاول نطفيها من بعيد، لو مافيش أمل هنرفع السلم وننقذه، بس على الأقل نحاول في البدايه
اعترض " أنس" فلم يعد يطيق الانتظار، كانت الصورة في ذهنه واضحه :
ـ الطفل مش هيتحمل أكتر من كده والنار خلاص اكلت المكان
اخبره رئيسه بحزم :
ـ أنا عارف شغلي كويس يا أنس واللي بقوله يتنفذ
لم ينصت ، صعد إلى السياره، يضغط على زر السلم ، فبدأ السلم يرتفع تدريجيًا نحو المكان الذي يُحتجز فيه الطفل :
صعد الى السلم وكان قلب " أنس" في صراع مع كل ثانية تمر، كانت النيران تزداد قوه، وأصوات الصراخ تتزايد، وعيني" أنس" لم تبرح الطفل الذي كان يقف قرب النافذه، يصرخ طالبًا النجده، يمد يده إلى الفراغ الذي بينه وبين العالم
ـ مد إيدك ليا، ماتخافش، مش هسيبك
قالها أنس بصوت ملؤه الهمسات، ليشجع الطفل على الوصول إليه ، كان الطفل مترددًا، يحسب المسافه بينه وبين " أنس " ، عينيه تتنقل بين يده وبين المسافه التي تفصل بينه وبين الأرض :
ـ يلا ياحبيبي، مافيش وقت
كرر" أنس" كلماته بنبره حاسمه مد يده أكثر، حتى شعر بأطرف اصابع الطفل وهو يلمس أصابعه، وقلبه يخفق بسرعه لم يشعر بها من قبل
ـ قرب كمان ، ماما مستنياك تحت
قالها أنس بأمل، وهو يمسك بيد الطفل بقوه، يقاوم خوفه، بينما كانت قلوب الناس تحت تراقب، وأعينهم تكاد تدمع من شدة التوتر.
وأخيرًا، وبعد محاولات مضنية، نجح" أنس "في جذب الطفل إليه، وبالفعل، تم إنقاذه حمله بحذر، ونزل به في لحظة فرح لا توصف، لتسارع الأم نحو طفلها، وتضمه إلى قلبها في لحظة من البكاء والضحك معًا الناس من حولهم بدأوا في التصفيق، والفرحة تغمرهم جميعًا
اقترب رئيس العمل منه، بخطواته الثقيله ، تحمل معه كل معاني الفخر والاعتزاز وضع يده على كتف "أنس" في إيماءه تحمل أكثر من مجرد شكر، كانت محمله بمشاعر لم تُقَل بعد نظرة رئيسه كانت تعني أن اليوم قد اكتمل بنجاحه، وأن هناك شخصًا آخر قد أثبت أن التضحيه والشجاعه تترجم إلى أفعال لا كلمات ، بادله "أنس" الابتسامه ينتظر منه كلمات الشكر على ما فعله وبالفعل حرك رئيسه شفاهه مع بسمه واسعه بقول :
ـ مخصوم منك يومين يا انس
محيت البسمه من على وجهه و زملاؤه نظروا إليه بعيون مليئه بالدهشه ، وبينما بدأ البعض يتهامس، لم يستطع آخرون إخفاء ضحكاتهم صك على اسنانه يزيل القبعه الخاصه من على رأسه وهو يقول بغضب :
ـ طب وربنا ما انا غلطان
. . . .
. . .
. . . .
كان " بشر " يراقب الوقت بفارغ الصبر داخل الفرن، حتى لاحظ أخيرًا قدوم "نوح" طالعه
" بشر " بتذمر حين قال:
ـ كل ده تقولي دقيقة وجاي ، احنا بقينا العصر ، والعمال مشيوا والفرنه شطبت، أنا مش عارف إيه اللي جابني هنا بس ياربي
ابتسم "نوح" وهو يعد النقود في الدرج، وأغلق الفرن، رافضًا الرد، قائلاً بهيام:
ـ سيبني في حالي، يا بشر، أنا حاسس إن البت دي هتقع المره دي، والصناره هتغمز
رفع" بشر "حاجبيه بتساؤل قائلاً:
ـ ومين دي كمان؟ اسمها إيه المره دي؟ واتعرفت عليها فين؟ اكيد من على الانستجرام برضه
أجاب " نوح "داعماً حديثه :
ـ هو أنا هعرف ناس نضيفه منين غير من عليه؟ يا اهبل
أضاف "بشر" واثقاً :
ـ وطبعاً مفهمها انك ابن الناس الريش ، وساكن في الزمالك وابوك صاحب الشركات
دعم " نوح " حديثه بقول :
ـ بالظبط كده ، وطبعاً لما تقع في حبي وتعرف اني فقير انا متأكد
بتر "بشر" حديثه متوقعًا ما سيحدث:
ـ أنا متأكد انها هتعمل زي اللي قبلها، وهتديك على قفاك وتسيبك ، يابني افهم البيبول ( الناس ) اللى زي دول بيبول (الناس) ريش مش بيتجوزوا غير بيبول ريش زيهم
صحح "نوح " حديثه ساخراً :
ـ ريش؟ اسمها ريتش، يا جاهل ريتش يعني اغنيا
لوى "بشر" فمه غير مهتماً بقول :
"وييڤر، يا عم، وييڤر."
أجاب "نوح " بتذمر:
ـ وكمان ويڤر انتَ واقف مع باكو بسكوت ، اسمها وات ايڤر ، ياعديم اللغه ، اقولك .. أنتَ ماتتكلمش انجليزي تاني ولا تتكلم خالص اصلاً
أشاح "بشر" بكف يده :
يا عم، ماتمسكليش على الكلمه ، شايفني بكلم رئيس مراجيح مولد النبي ، خد و رد ماتخليش الكلام يصد
في حين كسا وجه " نوح " تعبير مستنكر توقفت سياره أمامه وبدا التعب على وجه من بداخلها
وقفت السيارة أمام" نوح " ، وبدا على من بداخلها الإرهاق من طول السفر حدّق فيهم مليًّا، وكأنّ وجوههم مألوفه لديه، كأنه رآهم من قبل وبحركه بطيئه ، فُتح الباب الأمامي ، هبط منه شاب تبدو عليه آثار التعب، أخرج بعض النقود من جيبه، وأعطاها للسائق قائلاً:
— ياه... أخيرًا يا أمي رجعنا لبيتنا من تاني
تحركت الأم من المقعد الخلفي، تترجل ببطء، وبجانبها فتاه شابه تمسك بحافة عباءتها كأنها تحتمي بها وقعت عين" نوح" على الفتاه، فتسمرت نظراته، واتسعت عيناه في دهشه ، ثم همس بصوت بالكاد يُسمع:
— معقول... هي
شعر" بشر" الواقف جواره باضطرابه، فوكزّه في ذراعه وهو يسأله مستنكرًا:
— شي (هي ) مين فهمني
لم يتلقى الا الصمت ظلّ "نوح" يحدق في الفتاه بنظره تحمل بين طياتها ألف حكايه، قبل أن يرسم على شفتيه ابتسامه غامضه وهو يقول:
— طب وربنا هي ، أنس لو عرف، هيتنطط من الفرحه
قطّب " بشر" حاجبيه بعدم فهم:
— إنت هتأندرستاند مي ولا مش هتفهمني
لم يلتفت "نوح " له واكتفى بإلقاء نظره أخيره نحو الفتاه، و استدار مبتعدًا باتجاه منزله قائلاً بصوت عالِ:
— هبقى أقولك بعدين... سلام
. . .
. .
. . .
. .
. . .
لم يكن يصدق ما يسمعه، وقف "أنس" بمنتصف الغرفة وعيناه تلمعان بدهشه ، كأنه يحاول استيعاب الخبر الذي ألقاه عليه "نوح" كان في داخله مزيج غريب من الفرح والذهول وعدم التصديق ، فسأل بصوت يملؤه الحماس والدهشه:
ـ معقول ! معقول سمر رجعت الحاره من تاني
اقترب نوح منه وجلس على طرف السرير، يؤكد حديثه بثقه ، وكأنه يود إقناعه بما رأى:
ـ بقولك لسه شايفها هي وأخوها طه نازلين من العربيه ، ومعاهم شنط سفر كبيره
لاء ، وكمان سمعت الواد طه وهو بيقول اخيراً رجعنا الحاره تاني أنا حتى ما سلمتش عليه، قولت أجي أقولك الأول لو مش مصدقني، بص عليهم من البلكونه ، هتلاقيهم واقفين تحت لسه بيطلعوا الشنط
اندفع أنس مسرعًا نحو الشرفه ، وكأن قلبه يسابقه، يطلّ من الأعلى بعينين تمتلئان باللهفه كان المشهد أمامه يؤكد كل ما قاله " نوح" والدته كانت تقف مع والدتها في الأسفل، تتحدث معهم بحفاوه ، بينما كان طه يرفع الحقائب إلى أعلى الدرج، وملامح الإرهاق والتعب واضحه عليهما بدا كل شيء حقيقيًا أكثر مما تخيل
شعر " أنس " بتوتر شديد، وكأن هذه اللحظه التي طال انتظارها جاءت فجأه ، دون أن يكون مستعدًا لها التفت إلى" نوح "، الذي كان لا يزال واقفًا بجواره، وقال بقلق واضح:
ـ الحق يا نوح ، باين على أمك هتطلعهم البيت عندنا
نظر " نوح " إليه باستغراب، وكأنه لا يرى سببًا لهذا التوتر، ثم قال ببرود:
ـ طيب وإيه المشكله ، ما يطلعوا، أكيد تعبانين من السفر، والشقه بتاعتهم لسه عايزه تتنضف
أعترض " أنس" على حديثه لم يكن يرى الأمر بهذه البساطه ، صرخ بأنفعالٍ وهو يحاول شرح وجهة نظره:
ـ إنت بتقول إيه ، لاء طبعًا ، أنا مش عايزها أول مرة تشوفني بعد عشر سنين تشوفني كده عادي عايزها تشوفني وأنا في قمة اناقتي ، حالق دقني ومظبط نفسي تشوفني تضرب نفسها ١٠٠ جزمه انها قطعت معايا كلام طول السنين اللي فاتت دي تشوفني في مكان مميز ، ما تتوقعش تشوفني فيه، عايز اللحظه مابينا تكون استثنائيه حاجه كده تعلق في الذاكره
فهم " نوح " مقصد شقيقه ، ابتسم ابتسامه خفيفه وقال ممازحًا:
ـ فهمتك... حاجة كده زي الأفلام الكوريه ، لما البطل والبطله بيتقابلوا بعد غياب
ارتسمت ابتسامه باهته على شفتي" أنس " ، لكنه سرعان ما شعر بتوتره يعود أقوى وضع يده على معدته وقال بنبره مضطربه:
ـ يا نهار أبيض، بطني كركبت اعمل ايه
وقبل أن يجيبهُ "نوح "، ظهرت "نعيمه" على رأس السلم وبجانبها" وداد "وابنتها " سمر" كانت والدته ترحب بهم بحراره ، بصوتها المليء بالشجن والعتاب:
ـ اتفضلي يا وداد، اتفضلي بقى كده برضوا عايزه تقفي في الشارع لحد ما طه يطلع الشنط وبيت اختك موجود
كان" أنس " يشعر بأنفاسه تتسارع، قلبه يخفق بعنف وهو يحدق في أعين شقيقه ، وكأنه يرجوه أن يتصرف، أن يفعل أي شيء لينقذه من هذه الورطه لم يحتج "نوح" إلى إشاره أخرى، جذبه من مرفقه بسرعه إلى داخل غرفته وأغلق الباب خلفه لكن التوتر كان قد بلغ" بأنس" حدًّا لم يعد يحتمله، شعر بمعدته تنقبض، واندفع نحو الحمام دون تفكير أغلق الباب خلفه لكنه في ارتباكه لم يحكم إغلاق القفل
في تلك الأثناء، استأذنت سمر " نعيمه " للدخول إلى الحمام وغسل يديها ووجهها من تعب السفر، فابتسمت لها بحراره وقالت:
ـ ادخلي يا حبيبتي، مافيش حد جوه، العيال كلهم بره أكيد لسه فاكرة مكانه ، مش كده
أومأت " سمر" برأسها وابتسمت، متيقنه من كلام "نعيمه "، ثم تقدمت نحو الباب ودخلت بثقه لكنها بمجرد أن خطت إلى الداخل تجمدت في مكانها
هناك، أمامها مباشرةٍ، كان" أنس" يجلس مصدومًا، يحدق بها بذهول، وكأنه غير قادر على استيعاب ما يحدث لم يستطع الحراك ، تحولت ملامحه في لحظه إلى خليط من الصدمه والحرج، عيناه اتسعتا، ونبضه تسارع بشكل مؤلم بدون تفكير، سحب المنشفه الموضوعه بجواره ووضعها على قدميه بسرعه ، ثم نظر إليها بعينين مذعورتين، وتمتم بصوت مبحوح بالكاد خرج منه:
ـ إزيك يا سمر
أطلقت "سمر" صرخة حاده ، تراجعت بسرعه وأغلقت الباب بعنف، ثم اندفعت تهبط على الدرج تهرول كان قلبها يخفق بجنون، ووجهها يشتعل خجلًا وذهولاً ، هرعت " نعيمه" ووالدتها "وداد" إليها بقلق، تتساءلان عما حدث ، وما إن وصلوا إلى الحمام حتى وجدوا أنس لا يزال جالسًا في مكانه، وجهه محمرٌّ من الخجل، وعيناه زائغتان لم يستطع النطق بحرف، فقط رفع يده المرتجفه قليلًا ولوّح بها قائلًا بصوت مضطرب:
ـ إزيك يا طنط
ضربت "نعيمه " بكف يدها على صدرها بذهول :
ـ يخـــيــبــك
. . . .
. . .
. . . .
كان صوت ضحكات "نوح" تملأ أرجاء المنزل ، لم يستطع التوقف عن الضحك بعدما حدث، وكأنه لا يصدق ما جرى كان يضحك من أعماقه بينما جلس "أنس" على فراشه محتضنًا وسادته بغيظ، يلقيها على" نوح" وهو يقول بامتعاض:
ـ ماكفايه بقي يانوح أنت بتضحك على أمي من الصبح ، حاسب على مشاعري يا أخي
حاول" نوح" أن يرد بين نوبات ضحكه المتقطعه :
ـ المشكله أنك كنت عايز أول لقاء بينكم يكون مميز ويبقى معلق في الذاكره ...اهوه ربنا نولهالك ومحرمكش من حاجه .. اهوه ده اللقاء اللي هيفضل معلق معاها عمرها كله
ازدادت ضحكاته ارتفاعًا، ولم يستطع السيطره على نفسه، بينما كان" أنس" يزداد غضبًا نهض واقفًا وقال بحنق:
ـ تصدق أني غلطان إني قاعد معاك، أنا سايب لك الاوضه كلها وماشي
كاد "أنس" أن يخرج عندما دخل آدم إلى الغرفه، ممسكًا بهديه بين يديه وكأنه يحاول إخفاءها لاحظ أنس ذلك، فسأله مستغربًا:
ـ إيه الهديه اللي معاك دي يا آدم؟
ضمّ " آدم " الهديه إليه أكثر، وأجاب بصوت خافت:
ـ النهارده عيد ميلاد نعيمه
ضرب "أنس" جبينه بكف يده ضربه خفيفه وقال متفاجئًا:
ـ أوبــــا ، أنا نسيت خالص أن النهارده عيد ميلاد نعناعه
التفت إلى "نوح "يسأله متوقعًا نسيانه أيضًا:
ـ وأنت، كنت فاكر يا نوح؟
هزّ نوح رأسه نافيًا، ورد ساخرًا:
ـ أنامش فاكرك انتَ شخصيًا
ابتسم " أنس "بمكر، وسحب الهديه من بين يدي آدم، وسط اعتراضه و قال "أنس" بإصرار:
ـ بص، ولا واحد فينا افتكر يجيب هديه ، فلازم كلنا نكون سواسيه ، ماينفعش تطلع أنت المميز فينا
صمت لحظه ، ثم عدّل جملته:
ـ ولا بلاش كلمة "المميز" دي عشان كرهتها ، ماينفعش تبقى "الفنكوش" اللي فينا وتديها الهديه لوحدك، عشان ما تزعلش مننا كلنا
تجهم وجه" آدم " وحاول استعادة هديته:
ـ بس أنا جبتها عشان اقولها كل سنه وأنتِ طيبه
في تلك اللحظه ، ألقى " أنس" بالهديه نحو" نوح" فالتقطها سريعًا ، اقترب "آدم " منه ليأخذها، لكن " نوح" حاول تهدئته قائلاً:
ـ يا عبيط! مش هنعدي اليوم كده،" لا تقلق "
أمك هتقضي اليوم عند الست وداد جارتنا، وأنا هخلي أنس يعمل لنا تورته ، وهنعلق الزينه ونضف البيت ونعملها مفاجأه لكن الأهم، ماتديهاش هديتها النهارده خليها بعدين، عشان ما تزعلش مننا
فكر آدم قليلًا، ثم اقتنع أخيرًا بكلامهم، بينما دون
" أنس " كل ما يحتاجه في ورقه لعمل كعكه عيد الميلاد ، وتبقى " نوح " ليساعده أستعداداً لحفله المساء
.
.
.
.
.
.
هبّت نسمات الليل البارده، فوقف " آدم" ناحيه الشباك يراقب الطريق في صمت، عينيه تتابعان أي حركه قادمه لا يريد أن تلمحه " نعيمه" إن وصلت ، فالمفاجأه يجب أن تبقى سرًا حتى اللحظه الأخيره وفي الداخل، كان" لقمان" منشغلًا بتعليق الزينه ، يرفع الأشرطه الملونه بحرص وكأنه يحيك فرحًا خفيًا بين الجدران
بينما في المطبخ، كان "نوح " يقف متحمسًا بجوار أنس، يراقب كل حركة بحماس وهو يناوله المكونات اعتدل في وقفته، وضع يديه على خصره، ثم قال بفخر شديد:
ـ بص انا جبتلك كل حاجه انت قولتلي عليها وريني بقى بتعمل التورته ازاي عايز اتعلم
نظر إليه أنس يطلب منه كامل تركيزه:
ـ بص ياسيدي مافيش اسهل من انك تعمل تورتايه المهم المكونات اول حاجه هنجيب اير فراير
طالعه " أنس " باستغراب، يضيّق مابين حاجبيه وهو يحاول استيعاب الكلمات التي سمعها للتو لم يكن الأمر منطقيًا بالنسبة له،
كرر "أنس " طلبه بدهشه ، غير مصدق ما يحدث:
ــ إيه ده؟ هو مفيش "إير فراير" في البيت؟
تنهّد نوح بضيق، وقد بدا عليه الملل من هذا النقاش العبثي، ثم قال بسخريه وهو يحدّق في أنس:
ــ اير فراير ، ايه يابو اير فراير ده أبوك لما حن علينا وجاب لنا تليفزيون ألوان، جريت عريان في الشارع يومين من الفرحه ، تقولي "إير فراير
زفر "انس" بضيق وهو يردّد كلماته بإصرار، محاولًا إيصال فكرته بأي شكل:
ــ بجد، بجد، البيت من غير "إير فراير" زي بالظبط كأن البيت مافيهوش "إير فراير
نظر إليه نوح نظره يائسه، ثم رفع السكين في وجهه محاولًا إنهاء هذا النقاش العقيم، وقال بنبره مليئة بالضجر:
ــ وحياة أمك، ماتنجز يا أنس، مش ناقصه خفّة دمك على المسا
لم يتأثر أنس بتهديده، بل أبعد السكين عن يده بهدوء، ثم واصل تحضير الكيك بحماس، وكأنه يقدّم برنامج طهي محترف بدأ يشرح طريقته بأسلوب مسرحي، وهو يجمع المكونات واحدًا تلو الآخر:
ــ بص يا سيدي، هنجيب كبايه لبن جاموسه ساقعانه ، وبيضتين من فرخه واحده، وهنحط عليهم سكر تموين أسمر، كباية كامله بس من ام ودن دقيق و هنضرب كله كله في الخلاط، وبعد كده هنضيف عليهم نص كباية زيت موتوسيكلات عشان الخلطه تكمل
توقف للحظة ليحرّك الخليط، ثم تابع بنبرة واثقة:
ــ قلب، قلب يا معلم! بعدين هنضيفهم على دقيق أبيض بالسوس ...
أنهى وصفته بابتسامة راضيه ، وكأنه قدّم تحفة فنية نادره، ثم أضاف بجديه مبالغ فيها:
ــ تبقى مظبوطه اوي مع كوبايه من أم ودن زيت عربيات بتبقى هشه اكتر من زيت الموتوسيكلات صب المكونات جميعها في قالب من الالمونيا يفتح الفرن قائلاً :
ـ ونسيبها بقى في الفرن من ساعتين لخمس ايام وهتبقى ظبطت على الأخر
صعدت" نعيمه" الدرج ببطء، وما إن اقتربت من باب المنزل حتى تسللت إلى أنفها رائحة الكعكه الساخنه، فامتلأ قلبها بدفء غامض فتحت الباب لتجد الزينه تتدلى في كل زاويه، تتراقص تحت ضوء المصابيح، كأن المكان يحتفل وحده رفعت حاجبيها بدهشه وقبل أن تنطق كان" لقمان" قد اقترب منها، ووجهه يشع بالسعاده.
تساءلت بلهفه، وهي تنظر إليه بريبه:
ــ أوعوا تكونوا بتحتفلوا برأس السنه... حرام يا ولاد
لم يمهلها " لقمان" لحظه للشك أكثر، بل اقترب منها، وطبع قبله دافئه على وجنتها وهو يقول بحب:
ــ كل سنه وأنتِ طيبن، يا نعناعه... النهارده عيد ميلادك.
تسمرت في مكانها للحظه، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامه دهشه لم تكن تتذكر هذا اليوم، لكنه لم ينسَ وقبل أن تستوعب الموقف تمامًا، اقترب " آدم "منها، أومأ برأسه احترامًا، وقال بصوته الهادئ:
ــ كل سنة وانتِ بخير يا أمي.
شعرت بحرارة دموعها تملأ عينيها، لكنها ابتلعتها، حتى لا تفسد تلك اللحظه الجميله فجأه ، انطلق " " نوح وآدم "من الغرفه المجاوره، يضعان أقنعه ملونه في وجهيهما، وبأيديهما أبواق الحفلات، يطلقان أصواتًا مرحه تعالت ضحكاتهم، وانضم إليهم" لقمان"، يلتفون حولها، يغنون بحماس، يصفقون بسعاده غامره أما" آدم" فوقف على مسافة، يشاركهم الغناء والتصفيق، وملامحه يكسوها دفء نادر.
وسط هذه اللحظات المضيئه، وبينما كانت تضحك بصدق، شعرت بشيء ناقص، بفراغ لا يملؤه أحد. تلاشت الأصوات تدريجيًا من حولها، وتغير المشهد أمام عينيها ، وكأنها لم تعد بين أبنائها، شردت بذاكرتها حين كانت في وسط صحراء سيناء الشاسعه، الرياح تعصف بالرمال، تحجب الرؤيه ، وهناك وسط العاصفه، يقف "موسى" ، كان في الثالثة عشرة من عمره، ينظر إليها بعينين تحملان أعباء أكبر من سنّه يخبرها بصوت ثابت، كأنما يلقي قدَره أمامها، قال:
ــ روحي مع عم نصار يما... أبوي ما راح يخليني بحالي، طول ما أنا معِك ما راح يرحم إخواتي. روحي معاهم، وأنا بجِي لك من وقت للتاني
تجمدت في مكانها، قلبها يعتصره الألم، كأن الزمن عاد بها إلى تلك اللحظة المشؤومه لكنها لم تلبث أن عادت إلى الواقع على صوت ضحكات أبنائها، تحيط بها السعاده من كل جانب... ورغم ذلك، ظل ذلك الفراغ القابع في صدرها يوجعها بصمت
استفاقت نعيمه على صوت" أنس" وهو يصرخ بحماسه، محاولاً إضفاء جو من البهجه في المكان:
ــ أنا بقى عاملك حتة تورتة، إنما إيه... هتاكلي صوابعك وراها!
كانت كلمات" أنس" تملأ الأجواء بنوع من المرح، لكن المفاجأة جاءت حين دخل وهو يحمل الكعكه بيديه بحذر، وكأنها كنز ثمين، ليفاجأ الجميع وقد تعثرت قدمه بالسجاده ، وحين حاول توازن نفسه، سقطت الكعكه ، فارتطم وجهها بالأرض وسقطت على السجاده
كان هناك صمت مطبق في المكان، وكأن الوقت قد توقف وقف الجميع في أماكنهم، ينظرون إلى ما حدث بعينين مليئتين بالدهشه، وكل واحد منهم يحمل في قلبه مزيجاً من الحيره والقلق.
لحظات ثقيله، حتى قطعت "نعيمه" هذا الصمت الرهيب، وهي تضرب كف يديها على صدرها بحزن عميق، وكأن قلبها قد تمزق في تلك اللحظه قائله:
ــ حسرتي عليكم يا عيالي، وعلى السجادة! تعالى يا حج نصار، شوف عيالك!
وقف الجميع في صمت عميق، بينما اقتربت نعيمة من الكعكة المقلوبة على السجادة، وعينيها تلمعان بحزن وأسى، وكأن ما حدث أكبر من مجرد كعكة سقطت. كانت لحظة مؤلمة، ثقيلة، كأنها تحمل في طياتها أكثر من مجرد سقوط تورتة، كأنها تحمل ذكرى ما غاب عنها.
تجمدت في مكانها، وكأن العالم كله قد اختفى من حولها لم تدرِ ماذا تقول، فكل شيء بدا في تلك اللحظه غير مكتمل، شعرت بأنفاس شخص يقترب منها من الخلف ، شعرت بهِ ، كان هو
ولدها "موسى " يقترب بهدوء، يدرك جيدًا أن الكلمات قد تكون عاجزه أمام ما تشعر بِه همس في أذنها بصوت منخفض وحانٍ، وكأن همسات قلبه كانت تحمل معها الراحه والطمأنينه، أخرج شعله من جيبه بحركه سريعه، وأشعل الشمعه برفق، ثم وضعها على الكعكه المقلوبه رفع رأسه نحوها وقال بصوت هادئ، لكنه مليء بالدفء:
ــ مش معنى ان التورته وقعت يبقى الفرحه تروح ، الفرحه بعيد ميلادك جوه قلوبنا يانعناعتنا
فوجئ الجميع بوجوده، فغمرتهم فرحة كبيرة لم يصدقوا أنها حقيقة. عيونهم امتلأت بالدموع، دموع الفرح التي لم يستطيعوا إخفاءها. نظرت نعيمة إليه وهي في حاله من عدم التصديق وكأن قلبها قد شعر منذ وقت طويل أنها ستراه اليوم، وها هو قد عاد بالفعل
اقترب منه الجميع، وأخذوه في أحضانهم بحراره، وكأن الزمن قد عاد بهم إلى لحظات أُلفت فيها القلوب العائله التي كانت قد تفرقت لفترة طويله، اجتمعت العائله من جديد بعد غياب دام سته أشهر كانت الفرحه مكتمله أخيرًا، فلا شيء يمكن أن يكملها إلا بعودته إليهم
نظر "نصار " إليه بعيون تغمرها مشاعر الشوق والحب، وعندما التقت عيناه بعينيه، شعر وكأن الزمن توقف للحظه كان اليوم بالنسبه له أكثر من مجرد لقاء، كان بمثابة عوده للحياه، لحظه لا تتكرر انطلق " موسى" نحوه بخطوات سريعه، وكأن قلبه يقوده قبل قدميه، وعندما اقترب منه، انحنى ليقبل يده لكن" نصار" لم يمنحه الفرصه ليكمل حركته، بل أمسكه برفق وأخذ يده، ثم سحبه إلى صدره، ضمه إليه كما لو كان يعيد إحياء لحظه فقدها طويلاً كان حضنه هو كل ما يحتاجه، وكأن الكلمات عاجزه عن التعبير عن عمق الحنين الذي كان يسكن قلبه
. .
.
.
.
.
استفاقت نعيمه على صوت القارئ وهو يقرأ آيات الله، وصوت خطوات الناس وهم يدخلون إلى المدافن لزيارة الموتى لم تكن تدرك كيف مر الوقت، وكأن الفجر قد جاء دون أن تشعر، والشروق قد ملأ المكان من حولها بينما كانت غارقه في أفكارها كان القارئ يقرأ بجانبها، لكن "عمر" لم يكن مهتمًا وقف أمامها وسألها سؤالًا كان يدور في ذهنه :
ــ اللاه ، هو موسى مايبقاش أخوهم شقيقهم؟
هزت نعيمه رأسها بالنفي، وعينيها مليئه بالدموع، لكن فضول "عمر" دفعه أن يسألها المزيد:
ــ أمال موسى يبقى ابن مين؟ وليه كان مبيتكلمش زيّنا وإحنا صغار؟ وليه سبتيه في سينا؟
ابتسمت نعيمه وسط دموعها على أسئلته الكثيره، ثم قالت بصوت هادئ:
ــ يـــاه، موسى ده حكايته حكايه لو فضلت أحكي فيها، هنقضي الليله دي كمان هنا والشمس طلعت علينا المواصلات دلوقتي بقت موجوده ، تقدر تطلع على الشارع وتوقف تاكسي
سألها مسرعاً :
ــ طب وبقيه الحكايه ، الفضول قاتلني، عايز أعرف ليه حصل كده، أسره سعيده زيكم، بيت مليان بالضحك والدفا، إيه اللي يخلي ده كله ينتهي بخمس شباب زي الورد يكونوا في مدفن واحد والتواريخ المكتوبه على مقابرهم بتقول إنهم ماتوا في ليله واحده
ابتسمت نعيمه ابتسامه مكسوره وهي تخبره:
ــ فضولك فعلاً قاتلك، بس أنا مش هقدر أكمل أنا لازم أروح
قالها دون تردد:
ــ يبقى هجيلك مطرح ما أخدتك عشان تكملي لي بقيت الحكايه
قامت نعيمه، وقفت واستقامت ، بينما ظل هو واقفًا وراءها، اخبرته وهي تتقدم الى الامام دون أن تنظر إلى الوراء:
ــ عارفة إنك هتلاقيني، ومش هتسكت إلا لما تعرف آخرها وآخرة ولادي إيه
. . .
وصلت نعيمة أخيرًا إلى منزلها ، وكان التعب ظاهرًا على وجهها وجسدها أغلقَت الباب خلفها، بأحكام وحين احكمت غلقه ، جاء الحج "نصار" بخطوات متلهفه قائلاً :
ــ هو ، هو نفس الشاب اللي بيراقبك كل مره ؟
ابتسمت نعيمه ابتسامه مكَر، ورفعت حاجبها قائله:
ــ اه ، بس المره دي كان هيدوسني وانا عملت فيها اني وقعت واتخبطت فعلا وركبت معاه العربيه
حاول "نصار" أن يدفعها للكشف عما في نفسها، فقال لها:
ــ حلو اوي المهم ، قوليلي، خلتيه يقتنع إن العيال ماتوا مش عايشين؟ أوعي يا نعيمه، أوعي يعرف إنهم لسه بخير وما ماتوش، وإنهم لسه هربانين خلينا ماشيين على الخطه اللي راسمها موسى بالظبط لازم يقتنع ان العيال ميتين
وضعت نعيمه المفتاح على الطاوله بجانبها، ثم جلست على الكرسي وأردفت :
ــ وانت فاكرني عبيطه ولا إيه؟ ماتقلقش يا نصار أنا هفضل أجيبه وأودّيه، وأقوله اللي عايز يعرفه، هثير فضوله وأحكيله حكايتهم بالتفصيل لحد ما العيال يعرفوا يهربوا خالص ويطلعوا بره البلد ويعيشوا في أمان.
جلس "نصار" على المقعد المجاور ، يلتقط أنفاسه بعمق و قال:
ــ أنتِ متأكدة إن هو؟
أجابته وهي متأكدة من كلامها:
ــ أكيد، واللي أكد لي أكتر إنه هو، إنه غلط وقال اسمي من غير ما أقوله له.
ربت نصار على كف يدها وقال:
ــ عفارم عليكِ يا نعيمه
↚
"وَدادُ" الآنَ أمامَ منزلِ "نعيمه"، تركتْ ولدَها "طهَ" في الصيدليّه بعد أن أتتْ إليها، الهواءُ كانَ باردًا قليلًا، وصوتُ زحامِ الشارعِ البعيدِ يملأُ الأجواءَ دقّتْ على البابِ الخارجيِّ بقلبٍ متسارعٍ، حتى فتحتْ "نعيمه"، والتي قالتْ بمجرّد أن رأتها، بينما تُطلُّ من خلفِ البابِ بوجهٍ مستغربٍ:
"وداد ، ايه اللي جايبك بدري كده "
لَم تُكمل حديِثها بِسبب " ودَاد " التي قَالت وهَي تشِير للدَاخل :
"هنتكلم على الباب كده مش هتقوليلي ادخلي "
أشَارت لَها بالدخُول ثم خِطت نحو الَداخل ، وقَبل أن تَقول اي شِىء ، بَدأت " نعَيمه" بالحَديث بِقولهَا :
- خير ياوداد
تَلوَّنَ وجهُ "وَدادُ" بالحَمره الخفَيفهِ ، لكنَّ قَلَقَها عَلَيها جَعَلَها تَسأَلُها بِلَهُفٍه:
" كل ده كنتِ فين يانعيمه ، انا فضلت طول الليل واقفه في البلكونه في عز البرد عشان اطمن رجعتي ولا لاء ، واتصلت بيكي طول الليل امبارح وانتِ مكنتيش بتردي قلقت عليكي أوي وأول ما شوفتك جايه على أول الشارع قلبي أرتاح
قولت هسيبك ترتاحي وهاجيلك على الضهريه كده بس اول ما شوفتك جايه بتعرجي ومشيتك مش مظبوطه ماقدرتش استني قلبي كلني عليكي ،
مالك ياختي طمنيني عليكي ، أنتِ كويسه "
سَأَلَتْها فَطَعَّمَتْ حَديثَها بِنَبْرَةٍ وَاثِقَةٍ مِمَّا تَقُولُ، وَكانَتْ بارِعَةً حَقًّا فِي الكَذِبِ. :
" أبداً ، ده انا وانا ماشيه رجلي اتلوت حاجه بسيطه كده من تحتي ، قعدت على الرصيف لحد ما لاقيت تاكسي روحني ، وده السبب أني اتأخر
أنتِ عارفه بقى أمبارح كان راس السنه والبلد كانت على رجل "
رَفَعَتْ حَاجِبَيْها بِعَدَمِ تَصْدِيقٍ، وَهِيَ تَتَصَنَّعُ الدَّهْشَه:
"فعلاً ..؟"
تابعتْ حديثَها دونَ أنْ تَخْلَلَ نَبْرَتُها الغَيرَ مُصَدَّقَه تَوازُنَها، حيثُ قالتْ:
"حساكي مش مصدقاني ياوداد "
تَرَكَتْ مَقْعَدَها وَاسْتَقامَتْ، هَبَّتْ واقِفَه هيَ الأُخْرى مُنْتَظِرَه أيَّ حَديثٍ مِنْها، لَكِنَّها سَمِعَتْ مِنْها ما جَعَلَ آمالَها تَهْوِي أَرْضًا، حَيْثُ قالتْ:
" اسمعي يا نعيمه، أنا مقدره اللي حصلك ، وعارفه إنك في حاجه جواكي مسمّراكي ، بس أنا هنا... هنا علشانك استنيت كتير ترجعيلي، ترجعي لحضني اللي كان دايماً بيسيعك ، بس من ساعة اللي حصل وانتِ بعدتي عني، عنّا كلنا "
"مش عايزه أقولك قد إيه حضنك واحشني، أكيد انتِ عارفه بس أنا عارفه كمان إنك جواكي نعيمه تانيه ، نعيمه محتاجه حد يمسك إيديها، حد يحضنها ويقولها أنتِ مش لوحدك، أنا معاكي
فاكراني يا نعيمه؟
فاكره لما كنتي بتقوليلي 'حضنك بيشيل همومي'؟ أنا هنا علشان أشيل همومك تاني، مش هضغط عليكي، بس متخليش الدنيا تكسرك وأنا واثقه إنك هترجعي... هترجعي نعيمه اللي أعرفها، اللي كانت بتقف قدام الدنيا وبتقول "أنا هنا"
تَنَهَّدَتْ بِكَلامٍ صادقٍ خرجَ مِن أعماقِ قلبِها، ثم فتحتِ البابَ وخرجتْ إلى الخارجِ، وهَي تَسترَسل :
"حضني ليكي موجود يا خَتي، موجود مهما حصل ومش هسيبك، لأنك أختي وجزء من قلبي ، متخليش الدنيا تخدعك، أنتِ أقوى من كده بكتير وأنا هنا... هنا علشانك"
ابتسمت " نعيمه" لودادَ ابتسامه مكسوره، تحمل في طياتها ألف حكايهً لم تُحكَ ، عيناها تلمعان بَحديثً لو تستطع نطقه لقالته، لَكنَّ حاجزًا خفيًّا منَعها احِترمت "ودادُ " سرِّها، وأغلَقت البَاب بِلطفٍ وراَءها وحِين رحَلت ، خَرج "الحجُّ نصارُ" مِن غُرفتُه، وفي صَوته لفَحةُ قلقٍ، سَألها:
"ايه مشيت "
قَال كِلمتُه وهُو يتَجه الى الحَمام ، هَزت "نعيمه" رأسَها بِغضَب تتَبع خطٌواته سَائِله :
"أنا بس بدي افهم ، ليه مش عايزني اقول لوداد ان الولاد عايشين وامثل عليها انهم ميتين ، ما انتوا عارفين ان وداد دي عشرة العمر من سنين ومش قادره امثل عليها اكتر من كده
وضَع المنَشفه علَى كِتفُه يُشمَر سَاعديِه يُخبِرهَا وهُو يَستعد للوضُوء :
"وانا ايه اللي عرفني يانعيمه ، عندك "موسى" ابنك ابقي اسأليه لما يتصل ، لو قالك قوللها ، يبقى قوللها ، عشان أنا خـــلاص حطيت أيدي في الشق منهم كلهم "
❧☘️❧
جَلسَ "عُمر " بِجسُده المّتخَدر عَلى أحدِ المقاعِد في الرُدهه الخَاصه بِمَنزله وصَدى كَلاَم " نَعيمه"
يَختلط مع صوت "زوجته" الوَاقفه مُقابله وهي تَسأله بلَهفه :
"هــا ، قولي عملت أيه مع نعيمه ، أدتك الأمان واتكلمت معاك "
لَيس لدِيه الطّاقه والرَغبه ليُخبرهَا أي شِىء ،إذ أسَتقام متوجهًا نحَو البَاب لَكِنها أستوقَفَتُه بِحديثَها:
" رايح فين ياعمر ، أنا مش بكلمك "
اسَتدارَ نحوها ليُجيب بِتَنهيده حَارقه تخَرج مِن جَسده :
"حاسس انها شكت فيا "
لَم تَنبس بِكلمه بل أسَتمرت بالتَحديِق بهِ ليَشرع بِفتح البَاب ، وقَال وهو يقّبض على المَقبض :
" مش عارف ازاي لساني نطق اسمها قبل ماتقولوا ، من غبائي قولتلها كملي ياحجه نعيمه بصتلي بصه حسيت كأنها بتقولي أنتَ حد زقك عليا ، بس اللي مستغربله أنها كملت وعملت نفسها مش واخده بالها "
بَينما هي لم تَتزَحزح مِن مَكانها ، بّل تَنهدت تطّالع الأرجَاء في احَباط حِين قَالت :
" يعني ايه ، يعني كل اللي عملناه وخططناله خلاص راح ومبقاش لي قيمه "
تَجاهل حَديِثها وسَارع بِخطواتهُ خَارج المنَزل يَهبط طَابقًا تلو الأَخر ، لاَ يَحتَمل حَديث زوجَته حَتى لو كَانت على صواب ، جَريت نَحوه رافَعه بصَوتها كِي يَسمعها :
" عــمــر .. "
توقّف عَند مُنتصف الدَرج، التَفت إليِها ونَظر إلى الأَعلى، حيُث وقَفت تَلهث ، تلاقٌت أعُيِنهما، ثٌم قَالت بصـوت مُتقطع:
"مش هنسبها صح ، هنكمل اللي بدأناه مش كده "
تمَتم مِن بَين شَفتاه وكأنُه يَنوي على فَعل هذا دَون رجَعه مهَما كلّف الأَمر يُردد ما يَنوي فِعله يَخرج كلِماته بُبطىء:
" مش هســيبها ، يا انا يا أنتِ يانعيمه "
رَأت الأصَرار في عيِنيه ولاحَت بَسمه علّى شفَاهه وكأنِها تَقول هَذا هو رجُلي ٭
٭
٭
٭
٭
٭
خَطَفَت "نَعِيمَة" نظرةً مِن "نِصَار" قبل أن تبتعد عنه، سارت قدمَاها نحو النافذه في غرفة "مُوسَى" بجانب السرير لتُرْفِعَها قليلاً وتُجَدِّدُ هواءَ صدرها جالت ببصرها في أرجاءِ الغرفه حيثُ كادَ الغبار أن يلتهم أسقفها ، اتكأتْ على طرفِ الفِراشِ ووقعَ بصرُها على عُلبه زُجاجيّه ذاتِ حوافٍ منقوشه بخُطوطٍ دقِيقه نُقش عليَها أسَمُه { مۘــﯣڛۣــۍۧ} تعكسُ الضَّوءَ كأنّها تحتفظُ بهِ داخلَها، مستقِرَّه فوقَ طاولتِهِ المميّزه، تحتضِنُ مجموعه منَ المفاتيحِ، لكلٍّ منها شَكلٌ مُختلِفٌ، كأنّها أبوابٌ لحكاياتٍ لم تُرَوَ بعدُ ، مدّتْ يدَها نحوَ العلبه ببطءٍ وأحسَّتْ بأنّ أنفاسَ الماضي تملأُ الغرفه من جديدٍ، تارِكه الحاضرَ يتلاشى عند أطرافِ التفكيرِ، شردت بذاكرتها نحو الماضي يتردَّدَ في ذهنِها صَوتُ رنينِ مفتاحِهِ وهو يضعهُ داخلَ تلكَ العُلبه، لينضمَّ إلى مفاتيحه الأخرى استدارتْ ببطءٍ، تسألهُ وهي تخطو خلفهُ سائِلةً بودٍ:"
"ياترى ده أخر مفتاح تحطه ياموسى "
استَدار مُسنِدًا جسدَه على طرفِ الطَّاوله، رَابِعًا ذرَاعيِه وهو يُبادِلُها نظراتٍ دافئه، تسبقُها ابتسَامه هادئه تُخفي في طيّاتِها كلماتٍ لم تُنطَقْ بعد :
" والله ما انا عارف يا "ام موسى " محدش عارف دماغ الشيخ ظهران فيها ايه "
ورَدت علِيه بِضجر :
" ليه ، هو هيفضل يستعبدك كده لحد أمتى ، كل شويه في بلد شكل ، عامل زي الطير اللي كل ما يرسى على مرسى يلاقي نفسه هيتقلع تاني ، لا لي أهل ولا عزوه في البلد اللي بيروحها ، بعيد عن وطنه ، كل مايلقى مكان يحس أنه غريب فيه
ارتفع صوتها تستكمل :
"وانتَ السبب في كل ده وماتلومش غير نفسك أنت اللي .."
لَم تُكاد تَنهي جُملتَها حَتى سَمعت صُوت
"الحَج نصَار " يُناديها من الخَارج بنِبره حَازمه :
"نعـــيمه"
شَعرت بالتَوتر علَى ما كَاد أن يَخرج مِنها أطبقت شفَتاها لِيرتفع حَاجبي "موسى" نحُوها يِنتظر تَتمةً الجُمله لَكنها أخَفت ارتِباكها بقُول :
" انا ، انا رايحه اشوف "نصار" عايز ايه "
ابتعَدت بناظِريها عُنه ثُم اكمَلت بُحزن :
" ارتاح أنتَ دلوقتي ياموسى والصباح رباح "
خَطت نحَو البَاب وقبَل أن تَطأ قدميِها العَتبه نَاداها "موسى" بصوتً حانِي :
" أمــي"
لفَت وجُهها لتجُده مُبتسماً بأبتسَامه هَادئه ، تَحمل في طيِاتها من سكِينه وتَرقب قَائلاً :
"أنا مش زعلان منك "
ابتسمتْ له ابتسامةَ رضا دون أن تنطق بحرف، تتجهُ إلى الخارج، نحوَ غرفتها لتجد "الحجَّ نصار" جالسًا على الأريكه الخاصه بغرفتهِ، يُقلبُ بينَ حباته بهدوء، ينظرُ إلى النافذه بجوارهِ وقالَ:
"ناوليني الجلابيه السودا من جنبك، يا نعيمه"
التفتتْ لتحضرَ له مطلبه، وبينما كانت تعدلُ جلبابه، فاجأها بقوله، وهو ما زال يراقبُ النافذه:
"بلاش كل مره لما الواد ييجي، تسمعيه الكلمتين اللي هو حافظهم ، موسى زي الفلاح اللي كل ما يعزق الأرض ويفلحها، يلاقي التربه معطوبه ، لكن بيفضل يحاول ويزرع فيها تاني لو كان اتوقف من أول مره كانت الأرض فضلت كالحه ، موسى مش زي الباقي، هو شايف قدامه درب طويل عايش فيه مش باختياره ، وحد تاني فرضه عليه ما تبقيش زي الريح اللي لما تهب تروح مع أي اتجاه، خليكي ثابته في مكانك، عارفه إنك في الأرض دي من البدايه وطول ما انتِ زارعه جوه موسى من صغره الخير مش هتلاقيه بيطرح غير كل الخير "
قطعتْ كلامه بِلهجه متَملمِله :
"أيوه، لكن هيفضل لحد إمتى كده يا نصار؟"
ردَّ عليها بثقهٍ تامهً في كلماته، وكأنَّ الزمنَ نفسه يتكلمُ من فمه:
"لحد ما ييجي الوقت اللي هو شايفه مناسب ، طول ما الوقت ما جاش، خليكي واثقه فيه يا "نعيمه" كل شجره تلاقيها في الأرض محتاجه وقت عشان تثمر، وإن كانت جذورها ثابته ، ما تظنيش إن الساق اللي طال ينكسر او حتى في يوم يعوج كل شيء بوقته، ما دام القلب ثابت والنيه صافيه "
"جلستْ بجانبه على الأريكه، وكلما نظرتْ من خلالِ النافذهِ، تأملتْ ما قاله" الحجُّ نصار" ، كانت كلماته كالعطرِ، انتشرتْ في عقلها وروحها، لتستقرَّ أخيرًا في قلبها تركتْ أفكارها تتجولُ، عائدةً إلى مكانها الصحيح، ثم تنهدتْ بعمقٍ، وأغمضتْ عينيها للحظهٍ، وكأنها تقبلتْ كلَّ شيءٍ كما هو"
░M░o░u░s░A░
انتهَتِ الليلةُ بالنِّسبةِ "لنصارٍ وزوجتِه" ، ولكنَّها بدأَتْ عندَ الشبابِ بالفعلِ حينَ سمِعَ "موسى" دقّاتٍ على بابِ غرفتِه، انكمشَ حاجباهُ باستغرابٍ فتحَ ليجدَ أمامَهُ شخصًا توقَّعَه وجَدَ "آدم " لم ينبِسْ بكلمةٍ، لكنَّهُ تراجَعَ ليُعطيه الفُرصه للدُّخولِ ، ولم يَنتظِرْ، بل دخلَ بالفعلِ
وقبلَ أنْ يتفوَّهَ بأيِّ شيءٍ، سألهُ "موسى" رغمَ علمِه بالإجابه:
"إيه اللي مصحيك لحد دلوقتي يا آدم؟"
أومأَ، يسيرُ للأمامِ لكنَّهُ توقَّفَ يستديرُ نحوَهُ، ينظرُ يسارَهُ دونَ النظرِ إليهِ، قائلاً:
"كلهم مستنيينك على السطوح فوق، وقالولي إني أناديك."
تمتمَ، متقدِّمًا نحوَهُ، داسًا يديهِ في جيوبِ بنطالِه كانتْ ملابسُهُ ما زالتْ تحتضِنُ رائحةَ الرحله، ولم يتخلَّ عنها بدلَ التغييرِ وبهمسةٍ هادئةٍ، قالَ:
"معلش يا آدم، قولْهم خليها بكره ولا بعده... جاي تعبان من السفر وهموت وأنام."
ردَّ "آدم "بصوتٍ منخفضٍ، ناقلًا حقيقةَ اللحظةِ بثقةٍ هادئةٍ:
"ماينفعش."
فهمَ "موسى" أنَّ" آدم "مُجبَرٌ على قولِ ذلك امتزجَ الصمتُ بالمشاعرِ، فأومأَ برأسِه إيماءةً صغيرةً، كأنَّهُ يستسلِمُ للأمرِ جلسَ على طرفِ الفراشِ، ومدَّ يدَهُ نحوَ الزجاجه على الطاوله، التي نَقش عليها حُروف اسمُه المُزخرف "مـْـْْـْوُڛـ,ـى" فتحَها، ثمَّ رفعَ رأسَهُ ليشربَ
انسابَ الماءُ في عروقِه، وخرجَ ليُبلِّلَ رقبتَهُ بقطراتٍ بسيطه، وما إنْ تذوَّقَ رشفةً من الماءِ، حتَّى تحرَّكت تفاحةُ آدم على رقبتِه بانسيابيَّه، تصعدُ وتهبطُ بإيقاعٍ ثابتٍ، تبرزُ بوضوحٍ تحتَ الضوءِ الخافتِ، وكأنَّها توقِّعُ حضورَها في ملامحِه القويَّه لم تكنْ تلكَ التفاحةُ مجرَّدَ بروزٍ جسديٍّ، بل كانتْ رمزًا للجمالِ المُفعَمِ بالحياه، تزيدُ من وسامتِه، وتُبرزُ تفاصيلَ وجهِه بنفحاتٍ من السِّحرِ والتميُّزِ ، ضغطَ "موسى" بكفِّه على السريرِ برفقٍ، مشيرًا "لآدمَ "بابتسامةٍ هادئةٍ:
"تعالى اقعد جنبي يا آدم."
رفعَ " آدمُ "نظرَه للحظاتٍ، تأملَ المسافةَ بينهما، ثم أشارَ برأسِه بالرفضِ، لا يحبِّذُ التلامسَ بينهما ابتسمَ "موسى" بتفهُّمٍ، واتجهَ نحوَ الأريكه، محافظًا على المسافةِ التي يعرفُ أنها تُريحُ أخاه:
"أنا بعيد عنك اهوه دلوقتي، تقدر تقعد على السرير براحتك."
تحرّكَ" آدمُ" بخطواتٍ ثابتةٍ نحوَ السريرِ، جلسَ على طرفِه، وأصابعهُ تعبثُ بحافةِ الغطاءِ، نظراتُه كانت شاردةً، تتفحّصُ تفاصيلَ الغرفه، يحاولُ أن يتجنّبَ التواصلَ البصريَّ المباشرَ مع "موسى"، ليسَ خوفًا، بل لأنها عادتُه لاحظَ "موسى" ذلكَ، فقرّرَ أن يخفّفَ الأجواءَ بسؤالِه بلطفٍ:
"طمني عليك يا آدم، أخبارك إيه؟ قولي، نوح كان بيضايقك وقت غيابي هو ولا أنس؟"
حرّكَ "آدمُ" عينَيه في الغرفةِ ببطءٍ، ثم رفعَ أصابعَه مشيرًا بالنفيِ، قبلَ أن يجيبَ بصوتٍ هادئٍ:
"لاء، مش هقولك."
تسلّلَ الفضولُ إلى ملامحِ "موسى"، فسألَه:
"ومش هتقولي ليه؟"
قالَ بصراحةٍ مجرّدةٍ:
"عشان أنا مش عايز أكذب."
نهضَ "موسى" واقتربَ منه خطوةً، لاحظَ "آدمُ" اقترابَه، فمالَ بجسدِه قليلًا، ليستْ خطوةً دفاعيةً، بل ردّةَ فعلٍ طبيعيةً لشخصٍ لا يرتاحُ كثيرًا بالقربِ الجسديِّ ، فهمَ موسى ذلكَ، وتراجعَ للخلفِ فورًا، مشيرًا بيديهِ عندَ صدرِه في إشارةٍ ضمنيّةٍ أنه لن يتجاوزَ المساحةَ التي تُريحه، لكنه لم يستطعْ كبحَ فضولِه فسألَه برفقٍ:
"وتكذب عليا ليه؟"
أطرقَ آدمُ رأسَه قليلًا، ثم بدأَ يفركُ أصابعَه وهو يقولُ:
"علشان لو قولتلك نوح كان بيولّع عليّا المروحةَ واحنا نايمين وبيضايقني هو وأنس ، هتضايق منهم وهتزعل معاهم، وأنا مش عايزك تزعل معاهم خالص، وخصوصًا النهارده."
راقبَه" موسى" وهو يتحدّثُ، تلكَ البراءةُ الصافيه في صوتِه، البساطةُ التي لم يكنْ يدركُ كم هي عميقه استرسلَ" آدمُ "ولمعتْ عيناهُ موضّحًا:
"عشان النهارده رأس السنه... وأنا مبسوط أوي أوي يا موسى، عشان أنت رجعت لينا تاني، ومش عايزك تزعل من نوح ولا أنس عشان أنا برضه بحبهم"
فلتت منه ضحكه صغيره، متأثرًا ببراءةِ "آدم"، لا يعرفُ كيفَ يكذبُ، ولا كيفَ يخفي مشاعرَه الحقيقيه، كانَ دائمًا كتابًا مفتوحًا، يرفضُ أن يُثقلَ العالمَ بمشاعرِه، حتى لو كانَ الثمنُ أن يتحمّلَ وحدَه فقالَ بصوتٍ دافئٍ:
"وأنا كمان مبسوط أوي إني رجعتلكم يا آدم، وعارف كمان إنك بتحبهم ، وماتخافش يا سيدي مش هزعل منهم ، عشان ده طلبك ، عارف يا آدم..."
اقتربَ قليلًا، وجلسَ على ركبتيهِ ليكونَ في مستوى نظرِه، لكنه لم يحاولْ لمسه، يعلمُ أن "آدمَ" سيشيحُ بوجهِه فورًا، وحقًا، ما إن فعلَ ذلك، حتى أدارَ رأسَه للناحيه الأخرى تابعَ " موسى" بابتسامه خفيفه:
"السفريه المره دي كانت في العراق وانا هناك كنت دايمًا بفتكرك، وجبتلك حاجه بتحبها أوي، تحب تشوفها؟"
أومأ" آدمُ" بحماسٍ، لكنْ فجأه تذكّرَ شيئًا، فتوقّفَ، وأعادَ التفكيرَ قبلَ أن يقولَ:
"لاء، مش دلوقتي، عشان نوح ولقمان وأنس مستنينا فوق، وأنا مش بحبّ أتأخرَ على حد هما قالولي خمس دقايق، وكده عدّى ست دقايق أقولك، حطّها في أوضتي، وأنا هبقى أشوفها."
أُعجبَ "موسى" بردِّه، أومأ برضا وقالَ:
"تمام، وأنا موافق، يلا بينا عشان ما نتأخرش عليهم."
نهضَ الإثنانِ، وسارَ آدمُ أمامَه، كما اعتادَ، يحافظُ على مسافتِه لكنه لا يبتعدُ تمامًا
٭
٭ ٭
٭
٭
"الرابعه فجراً " كانت السّماءُ قد بدأت تتّشحُ بوَهَجِ الشّروقِ، مُلقيةً بأشِعّتِها الدّافئةِ على السّطحِ، حيثُ تحوَّلَ ذلك الفضاءُ الضّيّقُ إلى ساحةِ معركه محتَدِمَه، لا تَقِلُّ شراسه عن نِهائيِّ بطوله عالميّه صَعِدَ "موسى" إلى السّطحِ برفقةِ "آدم"، ليجِدَ الجميعَ في انتظارهِ، وقد أصبحت كلُّ الأمورِ جَاهزه
ألقى نظره حولَهُ بعَينَيْهِ، فرأى "بَشَر"، صديقَ "نوح"، واقفًا في المرمى، بينما المرمى المُقابلُ لا يزال فارغًا على الجانبِ الآخرِ، كان" لقمان" مُنكفِئًا على الأرضِ، يَنثُرُ الجِبْسَ الأبيضَ في المُنتصفِ ليخطَّ به الحدَّ الفاصِلَ بين طرفي السطوح
أمّا "أنس"، فكان يَقِفُ على مَقربةٍ، يَقفِزُ في مكانِهِ لتسخينِ جَسدِهِ قبلَ بدءِ اللّعبِ، بينما كان "نوح" مُنشغِلًا بربطِ شبكه قديمه، كانت في الأصلِ مِلْكًا للحاجِّ "نَصّار"، الذي كان يَستخدِمُها في الصّيدِ، لكنها الآنَ أصبحت شبكةَ مَرْمًى لهذا المَلعبِ المُرتَجَلِ
ابتسمَ "موسى" وهو يُراقِبُ الاستعداداتِ، ثم أخرجَ يدَهُ من جَيبِ بِنطالِهِ وهو يَقولُ:
"طيب كده كل حاجه جاهزه ، ناقصلنا واحد يقف جول الناحيه التانيه ولا هندخل جول في نفسنا؟"
وفي تلكَ اللحظه، ظهرَ "طه" عندَ عتبةِ السّطحِ، فوجدَ "موسى" أمامَهُ، يُحدّقُ فيهِ غيرَ مُصدِّقٍ لما تراهُ عيناهُ كانَ يَرَى صَديقَ عُمرِه، الذي غادرَهُ منذُ سنَواتٍ، يقفُ أمامَهُ، وقد اشتدَّ عُودُهُ
رفعَ "طه" يَدَهُ بابتسامه دافئه وهو يقولُ مازحًا :
"وأنا رحت فين يا فرنسا"
ابتسمَ "موسى"، قبلَ أن يقولَ بمزاحٍ:
"انتَ لسه ليك فيها؟ أنا قولت هربت وسِبتنا زمان، عشان ماندخلش فيك أجوان "
اقتربَ "طه"، وضربَ كفَّهُ في كفِّ "موسى" وقالَ بثقه:
"انتَ اللي مالكش فيها، أنا حارس مرمى بالفطره، ولا نسيت يوم ما صدّيت بلنتي نوح"
رد "نوح" الذي كانَ يَربِطُ الشّبكه، رَفعَ رَأسَهُ وقالَ بِتهكُّمٍ:
"بلنتي إيه يلا ياخايب ؟ ده أنا كنت سايبهالك عشان صعبت عليا، مش أكتر!"
تعالتِ الضّحكاتُ فَوقَ السّطُوحِ، واحتَضَنَ "موسى" صَديقَهُ العائِدَ بعد غياب ،ورُغمَ بُرودةِ اللّيلِ، كَانَ فِي الهَوَاءِ دَفءٌ غَيرُ مَفهُومٍ فِي تِلكَ الأثناءِ، كَانَ "لقمان" لا يَزالُ يَرسُمُ خَطَّ الوَسطِ بِالجبسِ، فَرَفعَ رَأسَهُ قائِلًا بمَزاحٍ:
"يلا يا رجاله، نلعب قبل ما أمكم تطلع تلم الغسيل وتنشر غيره"
قَفَزَ "ادم" من مَكانِه بحَمَاسٍ وَقَالَ:
"اللي هيكسب لي بسبوسه"
ابتسمَ "بشر" ببَلاهَه وَقَالَ:
"لا، أنا عايز كوارع وفتّة ممبار"
كَانَ "نوح" يَقِفُ فِي المُنتَصَفِ وَيَضَعُ الكُره تَحتَ قَدمِيه، وقَالَ بانفِعَالٍ:
"بالله يا رجاله، أحلام الفجريه دي نخلّيها بعد الماتش، الفجر هيأذّن، والشمس هتطلع، والنور في السما هينور ، والديك خلاص هيدن والحياه هتبدأ، والحاج للصلاه هيعبر ، والشارع بالحياه هيعمر ، والحاجه على السطوح هتنشر ، واحنا لسه واقفين نتعذر ، هنلعب أمتى بقى ، انجزوا "
أَشَارَ "طه" بِرَأسِه وَقَالَ:
"أنا هقف جول وهبقى مع موسى ولقمان."
جَاءَ "أنس" مِن الخَلف ، وَوَقَفَ بجَانِبَ "نوح " وَهُو يَلهَثُ قَائِلًا:
"طبيعي جدًا يا حيلتها، طول عمرك في ديل موسى ولقمان، مش جديده يعني "
طَالعهُ "نوح "وَهُو يَلهَثُ، فَقَالَ بِسُخرِيَه:
"يعمر بيتك، إنت بتنهج من دلوقتي ، ده إحنا لسه مالعبناش "
اقتَرَبَ "بشر" مِنَهُم وَسَأَلَ بِحَيرَه :
"إحنا هنلعب إيه؟"
تمَالَكت الَجديِه مِن مَلامَح "مُوسى" وَرد :
"يعني.. زي ما انت شايف، كوره، وبنرسم خط النص، وفي شبكه وراك، والكوره في رجلينا وانتَ كنت واقف عند الشبكه هنكون بنلعب إيه؟ طاوله طبعًا"
تعَالَتِ الضَّحِكَاتُ فيِما بينهم ، وأوقَف ضَحكَاتِهم صَوت "نوح" المُتهكم :
"يالهوي اصوت ربنا ابتلاني بواحد بينهج قبل ما يلعب والتاني غبي مش عارف هنلعب ايه من مع اننا ما بنلعبش غير كوره "
قَطعه "انس" باعِتراض :
" ياعم انا كنت بسخن جسمي ، عشان انزل الملعب جاهز "
ردَ "لُقمان" بِتَحذيِر :
"خللي بالكم الخسران هيشيل الليله كلها "
تحدّثَ "نوح" بكلِّ ثِقَةٍ:
"عيب عليك يا زميلي، ده أنا مجهزلكم أحلى شيله"
ردّ "لقمان" ممازحًا:
"ماتفردش نفسك أوي كده، وبلاش الثقه اللي مودياك في داهيه دي يا نوح، عشان في الآخر زي كل مره بتاخد على قفاك"
تحدّثَ "نوح"بثِقَةٍ أكَبر :
"لا، أفرد وأتني كمان ، المره دي أنا مستعدلكم كويس أوي"
تدخّل "موسى" قائلًا:
"براحتك، افرد زي ما انت عايز، بس ماتزعلش لما تلاقي نفسك في الآخر متساب على الرف زي العيش البايت، لا حد طايق يسخنك ولا حتى يرميك"
نظرَ إليهِ باشْمِئْزازٍ:
"صحيح، فران ابن فران..."
أكملَ "موسى" الجمله بِجديه :
"وأفتخر يابني "
انْقَسَمُوا إلى فريقينِ، الأوّلُ يضمُّ "طه، وموسى، ولقمان" ، والفريق الثاني "أنس، وبشر، ونوح" أَخَذَ كلُّ فريقٍ يُكَوِّنُ دَائِرَتَهُ الخَاصَّه، وَبَدَأُوا يَتَشَاوَرُونَ، حَتَّى قَالَ" موسى" لِفَرِيقِهِ:
"إيه رأيك يا طه تقف انت جول، وأنا ولقمان نبقى في وسط الملعب"
وعَلى النَّاحِيَه الثَّانِيَه، وَالرُّؤُوسُ الثَّلَاثَه مُلْتَصِقَه بِبَعْضِهَا فِي دَائِرَه، قَالَ" أنس" بِحَمَاسٍ:
"أنا هفضل لازق لـموسى، مش هسيبه وأول ما الكوره تيجي بين رجليه، هاخدها وأحدفها لك يا نوح، تمام"
وَافَقَهُ ، وَبَعْدَهَا الْتَفَتَ إلى "بشر" مُحَذِّرًا:
"تمام، وانت يابشر هتقف حارس، خليك واخد بالك، وانت شبه الحيطه كده، إوعى تخلّي الكوره تدخل الشبكه مهما حصل"
كَرر كَلمتهُ كَأَنَّهُ تَذكَر شَيْئًا وَقَالَ:
"زي الحيطه ، طيب ما صحيح، الواد بشر زي الحيطه، نوقفه ورا موسى مش هيعرف يخليه يفلفص منه، إيه رأيك يا بشر "
أشارَ "بشر" بِرَأْسِهِ بِحَرَكَةٍ بَلْهَاءَ:
"آه، أقف ورا موسى "
تَردد" نوح" فِي قَرارُه، يهَزَّ أَصبَعُه بِالنَّفْيِ:
"لا لا، خلاص خليك جول أحسن عشان تسد الشبكه كلها، إيه رأيك"
أشارَ"بشر" بِرَأْسِهِ بِنَفْسِ الضِحكه البَلْهَاءِ:
"آه، أنا أقف جول أحسن عشان أسد الشبكه كلها"
اعْتَرَضَ" أنس" وَقَالَ:
"هيسد الشبكه كلها بس لقمان سريع، ممكن يعمله حركه كده ولا كده، هيتحرك ويدخل الكوره بين رجليه، إحنا نخليه يقف ورا لقمان أحسن، مش هيعرف يتصرف، وموسى هيبقى لوحده، إيه رأيك يا بشر"
أشارَ "بشر" بِرَأْسِهِ بِنفَس حَرَكَتهُ البَلْهَاءَ:
"آه، أنا أقف ورا لقمان أحسن عشان موسى مش هيعرف يتصرف"
اعْتَرَضَ "نوح " عَلَى كَلَامِ "أنس" وَهُوَ يَقُولُ:
"انتَ ناسي إن موسى ممكن يرقصنا كلنا حتى من غير لقمان ، أنا بقول نوقفه أحسن حارس عشان يسد الشبكه كلها، ويقعد على الكوره يبططها لو قربت منه، إيه رأيك يابشر "
أشارَ "بشر" بِالمُوَافَقَةِ بِنَفْسِ الحَرَكَه البَلْهَاءِ:
"آه، أنا أقعد على الكوره عشان أبططها"
صَرَخَ " أنس " وَعَلا صَوْتُهُ:
" يالـــهوي ، اصوت منك واقلب حرمه انت مافيش حاجه ليك رأي فيها كده ، وَلا ، بقولك ايه انتَ هتقف جون "
رَدَّ "بشر" موافقَا :
"آه، أنا هقف جون"
أتى صَوْتُ "طه" بِقول:
"إيه كل ده ، بتتشاوروا "
رَدَّ عَلِيهِ "أنس":
" ماسمهاش مشوره ده تكتيك يامغفل "
اِتَّخَذَ كُلٌّ مِنهُم مَكانَهُ فِي المَلعَبِ، فَاتَّجَهَ " بشر " نَحوَ الشَّبَكَه بِخُطى واثِقَه، وَهُوَ يُردد بِحَماسٍ :
"آه، أنا هقف في الشبكه عشان أجيب جون"
كانَ المشهدُ متكاملًا، ففي المُنتصف وقفَ " ادم " يُمسكُ عُملةً معدنيةً، والكرةُ تنتظرُ القرارَ تحتَ قدميهِ، وفي ظلِّ تلكَ اللحظه الحاسمه، اقتربَ منهُ
" أنس "، وهمسَ في أذنِهِ بصوتٍ خفيفٍ، لكنهُ مشحونٌ بالتهديدِ المُغلفِ بالمزاحِ:
"لو جت على الكتابه هنفخك"
أَطلقَ " آدم " العُمله في الهواءِ، فاستدارت في الهَواء لحظاتٍ متباطئه قبلَ أن تهبطَ على راحةِ يدهِ، وقدْ استقرَّت على جهة الكتابه دونَ ترددٍ، رَمى الُكره أرضًا وانطلقَ راكضًا، بينما انتفضَ الجميعُ من أماكنِهم كما لو كانوا في نهائيٍّ حقيقيٍّ وحدَهُ " آدم " اختارَ أن يكونَ المشجعَ والمعلقَ، فجلسَ على الطوبه الكبيرةِ في زاويةِ السطحِ، ناظرًا إلى اللاعبينَ بعينِ الخبيرِ، قبلَ أن يلمحَ إلى جانبهِ قطعةَ خشبٍ، أمسكَ بها متخيلًا أنها ميكروفونٌ، ثمَّ قالَ بصوتٍ مزيجٍ من الحمَاسه والهدوءِ:
"هنا السطوح ، أحدثكم من فوق سطوح عم الحج نصار وأولاده الخمسه، وأحب أنوه وأقول إن الماتش ابتدى ومعانا هتشوفوا العجب "
بدأتِ المُباراه بحماسٍ مُشتعِلٍ، كأنهم في نهائيِّ كأسِ العالم، رغم أنَّ الكُره لم تكن إلَّا كُره بلاستيكيَّه شِبهَ مُفرَغه من الهواء، لكنَّ ذلكَ لم يَمنعْهُم من الرَّكضِ والصِّراخِ كالمُحترفين
مَرَّرَ " لُقمان " الكُره إِلى " موسى " بِسُرعه، لَكِنَّ " أنس " اِنقَضَّ عَلَيهِ كَالبَرقِ وَخَطَفَها بِحَرَكه مَهارِيَّه فاجَأَت الجَمِيعَ فقال:
"إيه يا عم موسى، إنت ناوي تلعب ولا تعمل لنا عرض بالكوره"
رَفَعَ " موسى " يَدَيهِ مُعتَرِضًا، وَكَأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُ مَا حَدَثَ:
"ده أنا لسه مستلمها يا بني آدم ، إنتَ كنت مستخبي ورايا ولا ايه "
لَم يُمْهِلْهُ " أنس " فُرصَه، فَانطَلَقَ بِالكُرَه نَحوَ المَرمَى، وَلكِنَّ " لقمان " لَم يَكُن لِيَدَعَهُ يَعبُرُ بِسُهُولَه قَفَزَ عَلَيهِ بِطَرِيقَه كُومِيدِيَّه، حَتَّى كَادَ يُسقِطُهُ أَرضًا:
"هات الكوره ده أنا ضهري اتقطم وأنا برسم الخط الأبيض"
وَفِي زَاوِيَةِ المَلْعَبِ، كَانَ " نوح " يُشَاهِدُ المَشهَدَ ضَاحِكًا وَهُوَ يَهتِفُ بِمَرَحٍ:
"دي مش مصارعة تيران يا حبيبي"
كَادَ " أنس " يَفقِدُ تَوَازنه، لَكِنهُ نَجَحَ فِي تَمرِيرِ الكُرَه إِلَى " نوح "، الَّذِي رَاوغَ " موسى " بِخِفَّه وَصَاحَ بِحَمَاسٍ:
"عــــدي... عـــــــــدي"
وَلَكِنَّ " موسى " رَدِّ بفِعل مُبَاغِتٍ، مَدَّ قَدَمَهُ بِسُرعَه خَاطِفَه، وَخَطَفَ الكُرَه مِن بَينِ قَدَمَيه ، ثُمَّ أَسرَعَ نَحوَ المَرمَى
كَانَ " بشر "، الحَارِسُ، وَاثِقًا فِي نَفسِهِ وَقَد فَتَحَ ذِرَاعَيهِ، مُحَاوِلًا إغلَاقَ الطَّرِيقِ أَمَامَ "مُوسَى"، وَهُوَ يَصِيحُ بِتَحَدٍّ:
"هات اللي عندك يا لعيب زمانك"
لم يَتَرَدَّد " موسى" ، فأدْرَكَ أن الفُرصه أمـامُه، فانْطَلَقَ بالكُره، مُتجَاوزًا " نوح " ، الذي حاوَلَ وَقْفَهُ بِحركات مُرْبِكه كَساحِر يُلْقي تَعويِذه ، لَكن ذَلك لَم يُؤَثِّر فِيه وعندما وَصَلَ أمام " بشر" لاحَظَ فتحه ضَيقه بِين قَدميِه ، فَأرسل الكُره مِن خِلالهَا مُسجلًا هَدفًا رَائعًا.
صَرَخَ " موسى " فرحًا، وانْطَلَقَ في كُل الاتِجَاهات كأنُه أحَرز هَدف الفُوز فِي نِهائي العَالم، وكَان
" طه " يِحتَفل معُه وهَو يَهتف بِحماسٍ:
"هـــــوووه ، احترموا الموهبة بقى"
طالع " نوح و أنس " بَعضهم الَبعض والغِيظ كَاد ان يَلتهمهُم ، صَاح " نوح " فِي " بشر " غَاضباً :
" طول ما أنت فاتح رجليك كده ربنا مش هيكرمنا أبداً ، يابني اقفل رجليك شويه"
تَوقف " موسى " ومَن معُه عَن الِأحِتفَال فَغمز " لُقمان " بِطرف عِينيه لـ " أنس " قَائلاً :
" ايه كفايه كده ، ولا لسه عايزين تتلسوعوا زياده "
مَر " أنس " بِجانبُه وهَو يَلهث مِن كَثره الركَض :
"كفايه ايه ده احنا لسه بنسخن "
مرّر " لُقمان " الكره لـ " موسى " ، " موسى" لمَسها بِمهاره ، لَكن فَجأة... انِقضّ " أنس" عليِه مِن الخَلف وخَطفها فِي لَمح البَصر
انِفَجر " موسى " أِعتراضًا:
"إيه ده ، إنتَ ملازمني في كل حركه انت كنت مستخبي تحت البلاط "
تَدحرجتِ الكُره سَريعًا فوقَ سطحِ المنزلِ، بينَ أقدامِهم في مَعركه بَدتْ كأنها الأهمُ في التاريخِ ارتفعتِ الضحكاتُ والهتافاتُ، وصَوتُ الأقدامِ يُطرقُ الأرضيه العَتيقه بِحماسٍ طفُوليٍّ لا يَعرفُ الهِدوءَ
كانَ " أنس " أوَّلَ من استحوذَ علَى الكُره ، ركضَ بِها كَأنما يُحاولُ الفِرارَ مِن شيءٍ ما، لكنَّ" لقمانَ" لم يكنْ ليتركَهُ وشأنَهُ تحرَّكَ أمامَهُ فجأه، ولوَّحَ بيديهِ بِطريقه غَريبه، كَأنما يُحاولُ تشتيتَهُ بِخدعه بَصريه
صرخَ " أنسُ "، متراجعًا قليلًا وهُو يحاولُ الحفاظَ علَى الكُره :
"ابعد يالقمان أنتَ بتلعب كوره ولا بتعملي تعويذه"
لكنْ قبلَ أن يجدَ فرصةً للمُناوره، انقضَّ " نوحُ " مِن الخلفِ، وخَطفَ الكُره في غَفله مِن الجميعِ، وانطلقَ بِها بِسُرعه وهَو يَهتفُ مُتحديًا:
" الدكر ياخد مني الكوره فيكم "
اِقتربَ " طهُ " ليوقفَهُ، لكنهُ لم يكنْ يعرفُ كيفَ يتَصرفُ، فقررَ حلًا غيرَ متوقعٍ على الإطلاقِ...
قفزَ نحوَ " نوحٍ " واحتضنَهُ فجأه
تجمَّدَ " نوحُ " في مكانِهِ، ثمَّ نظرَ إليهِ بذهولٍ وهو يهتفُ:
" ده سطوح بيتنا اللي بنلعب عليه مش حضانه ياطه "
لكنْ الكره سقطتْ أثناءَ العناقِ الإجباريِّ، ليقتنصَها لقمانُ " سريعًا ويمررَها لـ " موسى " ، الذي قررَ أن يستعرضَ مهاراتِهِ، فقذفَها للأعلى برشاقه ، ثم تركَها تهبطُ تحتَ قدميهِ، مستعدًا للمراوغه كانَ الجميعُ يتحركُ بسرعه ، والسطحُ يهتزُّ تحتَ وقعِ أقدامِهم، كأنهُ جزءٌ من اللُعبه ، يتفاعلُ معهم، يشاركُهم ضحكاتِهم وانفعالاتِهم
لكنَّ نوحً لم يكنْ ليتركَ " موسى " يتفاخرُ طويلًا بعدَ عدةِ محاولاتٍ، استطاعَ خطفَ الكره منهُ، ثم اندفعَ بها نحوَ المَرمى، عازمًا على إنهاءِ المباراه بهدفٍ حاسمٍ ، إلا أنَّ الحظَّ لم يكنْ في صفِّهِ...
تعثرتْ قدمُهُ في حفرةٍ صغِيره علَى السطحِ، فقدَ توازنَهُ تمامًا، وبدلًا من أنْ يسددَ الكره ... هوى بجسدِهِ بالكاملِ داخلَ المرمى
سادَ صمتٌ لثوانٍ، قبلَ أنْ ينفجرَ " آدمُ "، الذي كانَ يراقبُ المباراه من بعيدٍ، ضاحكًا بأعلى صوتِهِ:
"جـــــــــــول ، بس نوحُ اللي دخلَ مش الكوره "
في لحظه ، انهارَ الجميعُ من الضحكِ، حتى
" أنسُ " كانَ يمسحُ دموعَهُ وهو يهتفُ:
" أنا اه عايزك تجيب جول بس مش بنفسك ياحبيبي ، هي الكوره كانت أثرت معاك في حاجه"
وقفَ " نوحُ " أخيرًا، ينفضُ الغبارَ عنْ ملابسِهِ، محاولًا التظاهرَ بالتماسكِ، ثم قالَ بثقه مصطنعه:
" ده بس عشان احنا نختلف عن الأخرين "
لكنْ " لقمانُ " لم يتركِ الفرصةَ تمرُّ دونَ تعليقٍ، اقتربَ منهُ وهو يضحكُ قائلًا:
" حصل لدرجة أنك بقيت جزء من المرمى "
وضعَ " موسى " يدَهُ على كتفِ " نوحٍ " وربَّتَ عليهِ وهو يبتسمُ بخبثٍ:
" لا بس الحق يتقال ادائك أتحسن كتير المره دي "
رفعَ " نوحُ " حاجبَهُ مستنكرًا وقالَ بتهكمٍ:
"أتريق ، أتريق "
وفي اللحظةِ التاليةِ، انفجرَ الجميعُ من جديدٍ، جلسوا على الأرضِ، غيرَ قادرينَ على التوقفِ عن الضحكِ كانَ السطحُ قد صارَ عالمَهم الصغيرَ، حيثُ لا قوانينَ سوى المتعه ، ولا همومَ سوى منْ سيكسبُ ومنْ سينفذُ العقابَ، ولا ذكرياتٍ سوى ضحكاتِهم التي ظلَّتْ تترددُ في الهواءِ، كأنها جزءٌ منَ المكانِ لنْ يُمحى أبدًا
. . . .
كَان الفجر يَنسِج خُيوطَه الأولى، يَغمُر الأرضَ بهُدوءٍ يُشبِه أنفاسَ النائمين، نَسائِمُه البارِده تُرَبِّتُ على الأرواحِ المُتعَبَه، كيدٍ خَفِيّه تَمسَحُ عن القُلوبِ أَثقالَها في هذا السُّكونِ، لم يَكُنْ يَسمَعُ سِوى هَمَساتِ الريحِ ونِداءٍ بَعيدٍ مِن مِئذَنةٍ تُرَدِّدُ ذِكرَ الله
دخل " نصار " الى المَسجِدِ بخُطواتٍ بَطيئه ، وقد خَفَّت وَطأَةُ الهَمِّ في صَدرِه لم يَكُنْ على عَجَلٍ، وكأنَّ الزَّمنَ تَوَقَّفَ قَليلًا لِيَمنَحَهُ لَحظَةَ صَفاء جَلَسَ في زاوِيه بَعيده يَنتَظر أقِامة الصَلاه ، أَسنَدَ ظَهرَه إلى الجِدارِ، وأَطلَقَ بَصَرَه إلى السَّماءِ الداكِنَه التي بَدَأَت تُخَفِّفُ مِن سَوادِها فَتَحَ المُصحَفَ، وأَخَذَ يَقرَأُ بتمَهُّلٍ، يَترُكُ كُلَّ آيَةٍ تَتَسَلَّلُ إلى قَلبِه كَنَسمَه بارِدَه وعِندَما أَنهى ما شاءَ قِراءَتَه، أَغمَضَ عَينَيه بِهدوء لِيَستشعِرَ الطّمَأنِينَه التي بَدَأَت تَنسابُ داخِلَه
لم يَدُم صَمتُه طَويلًا، حتَى شَعر بِأحدهم يَجلس جِوارِه، فَتَحَ عَينَيه على مَهلٍ ليِجد الحاجُّ " رَحيم" بِابتِسامَتِهِ الهادِئَه التي تَحمِلُ بَينَ تَجاعيدِها حِكاياتِ العُمر رَفَعَ بَصَرَه إليه، وكأنَّهُما يَتَبادَلانِ التَّحيَّه بلا كَلِمات كانَ في حُضورِهِ سَكينَه تُشبِهُ هذا الوَقتَ مِن اللَّيلِ، حينَ يَكونُ العالَمُ أَقرَبَ ما يَكونُ إلى السُّكونِ، وأَقرَبَ ما يَكونُ إلى الله
أخَذ " رحيم " يُقلب بيِن حَباته سائلاً بصوتً هَادىء :
" عامل ايه ياراجل ياطيب "
اتَسعت ضِحكَة " نصار " وكَأنُه يُريد طَمأنة نَفسهُ قبَل طَمأنة غَيُره :
" انا بخير طول ما أنتَ بخير ياحج رحيم ، طمني أنتَ عليك وعلى أحوالك "
تَنهد قَبل أن يَرد وكأنُه يُفرغ ما بِصدره في تنهِيدتُه الطوَيِله :
" اهوه ، نحمد الله على كل حال ، الا قولي عملت ايه في الدين اللي على الفرن يانصار "
تَنهد بِحزن قَبل أن يِرد :
" العمل عمل ربنا يارحيم "
خَطف نَظره مِنهُ سَائلاً :
"ونعم بالله محدش قال حاجه يانصار ، بس انا بدي اعرف هتسده ازاي الأيام بتقرب وكل ما الأيام بتعدي الديون بتكتر ، قولتهالك الف مره وهفضل اقولهالك تاني ، لازم تقول لولادك يانصار وتشرك مراتك معاك عشان يشيلوا المسؤوليه وماتبقاش لوحدك ، لازم يلاقوا حل "
رَفض " نصار " اقِتراحه بقول :
" لاء ، كله الا نعيمه ، نعيمه لو عرفت مش هينوبها غير شيلت الهم في القلب ، والعيال مش حِمل همّ تقيل زي ده يا رحيم كفايه عليهم همهم ، كُلّ واحد فيهم شايل همّه وعارف إنّي مش هكون معاه يوم جوازه ، الشِّيله بقت تقيله في زمن ما يعلم بيه إلا ربنا، زمن بقى الواحد فيه يحسب اللقمه قبل ما ياكلها، ويتعوّذ من الفاتوره قبل ما تِجي، زمن الخير فيه بقى محسوب، والراحه بقت غنيمه
رَأى " رحيم " الضِيق في عِينَيه ، فاقتَرح عليِه لأيِجاد مَخرج :
"طب ما تفكر تبيع الفرن وتخلص من الدين، يمكن ترتاح من الهم اللي شايله على كتافك لوحدك "
هَز " نصار " رأْسُه دليَل على رفُضه بِأصَرار :
" أبيع الفرن .. الفرن ده مش مجرد طوب ونار وعجين، ده عمري اللي اتحسب برغيف طالع من النار، ده اللي كنت بوقد ناره من الفجر وأقول رزقي عليك يارب ،الفرن ده اللي شِلت همّه أكتر ما شِلت همّ نفسي
أبتَسم بِمرار، يُردد كلَامه وكأنُه غيِر مُصدِّق لمَا سمَع يَستردف :
" أبيع الفرن !! اللي أبويا كان بيقف فيه، ده أنا كنت أشوفه وهو بيعجن بإيده، كنت صغير وأتفرج عليه وهو بيحط العيش في النار، ولما يطلعه، ريحته تملى الدنيا بركه كان يقولي الرغيف ده مش مجرد دقيق ومَيّه، ده تعبك، وعرقك، وصبرك.. لو صبرت عليه، هيشبعك، ولو استعجلت عليه، هيتحرق في النار
ثُم نَظر إلى " رُحيم "نَظره طَويله وقَال بِصوتٍ خَافت لَكن ثَابت:
"لو بعت الفرن يعني أرمي نفسي في بحر
مالهوش آخر الدين هيتسدد، والهمّ هينزاح، بس الفرن لو خرج من إيدي، عمري كله هيخرج معاه "
حَاول " رُحِيم " تَهدئتُه، لَكنه سَأله بِقلَق:
" طيب لو مابعتش الفرن هتسدد ازاي ، ازاي بس يانصار ، ما انا وانت عارفين اللي فيها ومن غير زعل انا بحاول الاقى معاك اي حل عشان تخرج من اللي انتَ فيه كل كلمه قولتها عندك حق فيها وللأسف الزمن اتغير مابقاش زي زمان ومابقاش فيه حد بيقف فيه جنب التاني زي الاول "
رَمَقُه بِعيِنين أقرب للحنِين الى المَاضى قَائلاً :
" ماتلومش حد يارحيم عشان زمان غير دلوقت ،زمان الدنيا كانت أبسط، والناس كانت عايشه على القليل بس قلبها مليان كانت البيوت مفتوحه ، واللقمه لو قليله كانت بتكفي وتزيد، لأن البركه كانت في كل حاجه الجار كان أخ، والصاحب كان سند، والناس كانت بتساعد بعض كنا بنشتغل من طلعة الشمس لغروبها، بس كنا بنرجع بعيشه مستوره ، وأهم حاجه كنا راجعين ببال مرتاح، مش بديون وهمّ .. دلوقتي ، تشتغل العمر كله وما تضمنش قوت يومِك، وتاخد القرش النهارده، تخاف ينقص نصّه بُكره
أجَابه " رحيم " بِنبره تَحمل خَليِطًا مِن الحِيره والأَسى َ :
"وعلشان الزمان مابقاش زي زمان لازم تعرف ولادك كل شىء قبل فوات الأوان ، هتفضل شايل همك لوحدك لحد ما تقع ، ولادك أولى بيك من الغريب ،،
أجَابُه بِصوتٍ مَغموسٍ بالحُزن :
" الكلام ده لو كانوا مرتاحين، لو عايشين من غير وجع، كنت قلت ماشي.. بس تطلب من الغريق إنه ينقذك ده حتى يبقى قسوه مش طلب مساعده"
تُم أردَف بِأسَى :
"على ايامنا الشاب كان بيبني بيته بالطوب والطين، بس كان قلبه مليان دفا، كنا بنشيل بعض، دلوقتي كل واحد شايل نفسه بالعافيه لقمان كسر التلاتين ولسه بيحفر في الصخر بضوافِره، بيحارب علشان يمهِّد لحياته الجديده بيشتغل شغلانتين ومش كافي ، والزمن مش سامحله يبدأ من غير ما يكون شايل جبل على كتافه وموسى كل شويه في بلد، مش عارف يرسى على برّ، زي اللي بيجري ورا السراب ، وإخواته نفس الحال، عايشين في دوامة الأسعار والشغل اللي بيسندهم بالعافيه "
ارتَفعت نَبرة صَوتِه وهَو يُكمل :
" أجي أنا بقى وأزود همّهم ، أشيلهم حمل مش حملهم ، لا ده حتى يبقى حرام عليا ، زمان الأب كان يسند ولاده، دلوقتي الولد هو اللي بيشيل أبوه الدنيا تغيّرت، بس مش للأحسن، كانت ضلمه وبقت أضلَم، وكأن الخير بيتسرسب من بين إيدينا وإحنا مش قادرين نمسكه
طالعُه بِِحيِره وعَاد لِسؤالُه مِن جَديد :
" كل اللي قولته أنا عارفه و معاك كل الحق فيه ، بس هنرجع ونقول الحل اييه وهتعمل ايه فـ
بتَر " نصار " حديِثه بِقول :
"يا رحيم، الراجل مننا طول ما فيه نفس لازم يفضل واقف على رجله ، ويوم ما أمد إيدي لعيالي يبقى خلاص، انتهى اسم نصار، وأنا مش مستعد أوصل لليوم ده "
سَاد الصَمت للِحظات، ثُم أكمل بِلهجه أقَرب للتَحذيِر:
" العيال ولا نعيمه مش عايزهم يعرفوا حاجه عن اللي بيحصل يارحيم ، ماتخلنيش أندم اني حكيتلك في وقت القلب كان ضاق ومحتاج يفك ضيقته معاك "
هَز رأْسُه خاضِعًا لِطلبُه :
" اللي تشوفه يانصار "
. . . .
. . .
على سَطحِ المنزلِ، مازَالَ الشبابُ يَجلسُون معًا ، يتبادلونَ الأحاديثَ وسطَ هواءِ الليلِ البارِد، جلسوا مُتقاربينَ، يُشكّلونَ دائرةً مُغلقةً، بينما كانَ " أنس "، مُنشغِلًا بإشعالِ الفَحمِ، يَنفُخُ فيهِ بصَبرٍ
يَقِفُ" لُقمان " قريبًا منه يُراَقبَهُ بِطَرف عَينُه، فْرُكُ گفيِه بِبَعضُهمَا مُحَاولاً أن يَسرق بَعضِ الدِّفءِ، قَائلاً بِأبتسَامه جَانِبيه :
"اخلص بقى يا أنس، كأنك بتشوي العمر مش كوزين درة دول ، ده انت لو كنت بتزرعهم كنت زمانك حصدتهم يا أخي "
لَم يَرفع " أنس " عَينَيهِ فَقط لَوح بِيده فِي الهَواء وكَأنهُ يَطرُد كَلِماته ، ثم عادَ يُهَوِّي على الشَّوايه، قائلًا دونَ أن يَفقِدَ هُدوءَهُ:
"حاجات كتير تستاهل الصبر ومنهم الدره كل ما تصبر على شَويه ، كل ما يبقى طعمه أحلى
يا أهوج ، أنتَ فاكر شوي الدره ده بالساهل "
عَلى الجانِبِ الآخَرِ، كانَ " طه " يُدس كَفيه دَاخل جَيبِه ليُطْرِدَ عنهما البَردَ، ثم التفتَ إلى " موسى " وسألَهُ بِصوتٍ خَافت ، لَكن فِيه مِن الفِضول مَا يَكفي لإشعَال حَديث جَديِد :
"كنت فين المرة دي يا موسى"
ابتَسَمَ " موسى " ابتِسامةً دافِئةً، وبصَوتٍ هادئٍ يَحملُ في طيّاتِهِ شيئًا من الحَنينِ، أجابَ وكأنَّ الاسمَ نَفسَهُ يَملِكُ وَقعًا خاصًّا في قلبِهِ:
"كنت في العــــراق"
مَرر " نوح " نَظُره سَريعِه بَيِن رفَاقه ، ثُم مَال قليلًا نَحو " موسى "، قَائلًا بِنَبره شِبه مَازحه :
" مالك بتقول العراق كده وأكنك سايب حته منك هناك "
أطَرق " موسى " لِلحظه ، ابِتسِامه صَغيِره مَرت علَى طَرف شفَتِيه قَبل أن يَجيِب بِصوتٍ دافِئ:
"يمكن… بس القلب لسه صايم، مستني اللي ترويه"
كَان لِكلماتُه وَقع جَعل الجَميَع يَصمُت لِثوانٍ، كَأنهُم يَتركونَها تَستَقر في أمَاكِنها، ثَم كَان " أنس " أول من كَسر الصَمت، بِنبرةً غَير مُصَدقه تمامًا:
"كل البلاد اللي روحتها، ومفيش حد خطف قلبك؟ مستحيل"
ولَم يَنكَر هو :
"قابلت جمال يخطف العين، لكن اللي يخطف القلب لسه مظهرش ، كل واحده فيهم كان فيها حاجة تشدّ ، بس لما القلب يتشدّ، لما يحس إنه وصل، ساعتها هعرف… ساعتها مش هتردد، هخطفها وأخبّيها عن عيون الناس، زي ما سرقت قلبي بنت اللذينَ "
تَنهد " بشر" و قَال بِنبره حَملت في طيَاتها أُمنيِه قَديِمه لَم تَتحقَق:
"يا بختك… على الأقل شوفت بلاد غير اللي اتولدت فيها أنا عمري ما سافرت، ولا حتى عديت حدود السويس، واللي زيي عمره ما هيسيب مكانه، دايمًا مربوط بالمسؤوليات"
لَم يُفوّت "نوح " الفُرصَه ، فَأردف مُبتسمًا:
" من السويس بس .. أنتَ عمرك ما طلعت من حي الكويت اصلاً ، أنتَ اخرك الاربعين يابني وبعد كده بتوه في شبر مايه "
ضَحكَات خَفيِفه تَسربت، لَكن " بشر " لَم يَرُد، فَقط نَظر " لموسى" وسَأله بِعفويه صَادقه:
"بما إنك الوحيد اللي شاف الدنيا… إيه أكتر بلد حسيت إن بناتها مميزين؟"
رَفع "موسى " نَظُره إلَى السَماء لِلحظه، كَأنهُ يَبحث عن إِجَابة وَسط النجُوم، و قال بِنبره تَأمُليه:
"كل بلد فيها جمالها… كل واحده شفتها كانت كأنها لوحة، مليانه تفاصيل تحكي قصصها."
صَمت قِليلًا، وبدأ يُعدد، وصَوته يَأخذ لَون الذكريَات:
"عيون بنات الكويت فيها سحر يخلّيك تسرح وماترجعش "
"ولا ضحكة بنات الأمارات زي نسمة الصبح، خفيفة بس تسيب أثر"
"وهدوء بنات الأردن وقار وجمال، كأنها بتتكلم من غير ما تنطق "
"رقة بنات لبنان زي أغنيه حلوه تسمعها وتفضل فودانك مش عايزها تخلص "
"سحر بنات العراق لغز جميل، كل ما تفُكّه تكتشف سرّ أجمل "
"نعومة بنات تونس زي وردة يدوبك تلمسها تخاف عليها"
كل بنت عربية عندها حاجه تخليك تفتكرها حتى لو شُفت ألف غيرها"
إِنتَهى " أنس " أَخيرًا مِن شَوي الذره ، فَأخذ يُقسمها الَى نِصفين ، ألقى النصف منها إلى
"لقمان "، ثُم رمَى الآخر إلى " موسى " وقَال وَهو يَبتَسم:
" قول ياسيدي قول ، مش زي الغفر اللي عندنا في مصر "
هَز " موسى " رَأسُه، وَنَظر للذره بَين يَديه قَبل أن يَرفع عيَنيه إلَيهم، قَائلًا بِصوتٍ يِكسُوه يَقين هَادئ:
"مين قال كده ، بنات مصر فيهم كل ده وزياده عليهم قوه وشموخ، وحياء ، مزيج مش سهل حد تفهمه، بس اللي يفهمه، يعرف إنه قدام حاجه نادره
الجدعنه تلاقيها في بنات مصر ، والضحكه تفتح لك ألف باب، والحنيه تكفي مدينه ، تحسها أم حتى لو كانت صغيره ، صادقة زي مية النيل، ما تعرفش تزيف."
طَالعهُ " لُقمان " ثُم جَلس بِجانِبه يُربِت عَلى كِتفه، يَقول بِمرح دافِئ، لَكن عيِنيه تَحمِلان تسَاؤلًا حقيقيًا:
"ولما كل ده في بنات مصر… مفيش ولا واحده دخلت قلبك لحد دلوقتي ليه"
تَلاقى نَظر " موسى "مع أعُينهم جَميعًا، كَانوا في انِتظاره أن يَجيِب، لَكنهُ فَقط اِكتَفى بِأبتَسامه بَسيطه، ناظرًا إلى الَنار التِي كَانت تَتراقص أمَامهَم، وكَأنُه يَرى فِيها إِجابتُه قَائلاً:
" يمكن عشان مستني حاجه... أو حد، يشد قلبي من نظرة عين، مش أكتر نظره واحده تخلي الدنيا تسكت، والزحمه تهدى، وألاقي قلبي سبقني قبل حتى ما أفهم ساعتها، ممكن ألاقي نفسي بعمل حاجات ما كنتش أتخيل إني أعملها، بقول كلام عمري ما فكرت أقوله، وبمشي في طرق ما كنتش حتى شايفها يمكن وقتها أدرك إن في حاجات وجودها لوحده يغيّر قوانين الحياه... وإن في عيون، مجرد ما تقابلها، تاخد منك كل شيء، ومع ذلك تحس إنك لأول مره... لقيت نفسك ، وكل ده من نظرة عين "
تبادَلوا النظراتِ سريعًا، وكأنَّ كُلَّ واحدٍ منهم ينتظرُ الآخرَ ليبدأ، لكنَّ " نوح " لم يحتَجْ إلى دَعوه ابتسَمَ ابتسامه ساخره قَبل أن يقولَ بصوتٍ يحملُ سُخريةً واضحه:
" يعني من الأخر كده عايز تبقي عبيط زي لقمان وواحده تمشيك وراها ومن كتر حبك فيها ماتشوفش عيوبها"
اعَترض " طه " فورًا، محَاولًا تَهدئة الأجَواء:
"ايه اللي بتقولوا ده يانوح مش كده"
طَالعه " لُقمان " وهَو يَردف بِنبره شِبه مَختَنقه :
"سيبه ياطه انا ما بقيتش ازعل من كلامه خلاص"
أطَلق " آدم " زفيرًا مُنهكًا يُدحرِج مِقلتَاه بِينَهم لَيَنبس بِنَبره صُعِقت مِن كَونِها خَافِته وَمُهتَزه للِغايه :
" بس .. بس أنتَ زعلت يالقمان "
لم يَجِب " لُقمان "، لكنه طَرَفَ بعينيه للحظةٍ، حركةٌ صغيرةٌ، غيرُ ملحوظةٍ إلَّا لمن كان يُراقب عن كثب...و" آدم " كان يُراقب لم يحتجْ إلى تردُّد، بل أكمل، نبرته تحمل يقينًا يتسلَّل إلى المسامِ ببطء:
"عينك بتلف في المكان، مش بتثبت على حدٍّ فينا مش عايز تواجه"
صَمت " لُقمان "، أنفاسُه تكاد تكونُ هادئةً أكثرَ ممَّا ينبغي، وهذا وحدَه كان كافيًا ليعرفَ " آدم " أنَّه يحاول التماسُك... يحاول أن يبدو بلا مبالاةٍ، لكنه يفشل ابتلع ريقَه ببطءٍ، إلَّا أنَّ " آدم " لم يمنحْه هدنةً، لم يتراجع:
"وهرشت ورا راسك ، محاوله تبعد بيها التوتر، كأنك بتحاول تشتِّت دماغك عشان ما تفكرش في اللي قاله نوح "
تحرَّك " لُقمان " في مَكانه، جَسدُه يتَململ وكأنَّه فقد راحته المعتاده، لَكن حَتى هَذه الحَركه لم تمرَّ على " آدم "، فابتسم ابِتسَامه بِالكاد تُرى، ثُم قَال بِنبرةٍ أكثرَ ثباتًا، وكأنَّه يُلقي بالمرآة أمام "لقمان" ليجعله يرى نفسه بوضوح:
"حاولت تحافظ على نبرتك، تبقى هادي، كأن الكلام ما فرقش معاك... بس المشكله إن الهدوء ده زايد عن الطبيعي، مش شبهك، وده اللي بيعرفني إنك بتجبر نفسك عليه "
تحرَّك "لقمان" مجددًا، غيَّر وضعيةَ جلوسه، رفع رجله وسند على القدم اليُسرى ، وعندها فقط، تَلاشت الِابِتسامه عَن وجه " آدم "، لتحلَّ محلَّها نظرةٌ أكثرُ عمقًا، أكثرُ اختراقًا، قبل أن يهمس بصوتٍ منخفضٍ لكنه مُحمَّل بثقل الحقيقه:
"وبعدين غيرت قعدتك... رفعت رجلك وسندت على الشمال ده معناه إنك بتحاول تحمي نفسك... مش مننا، الوضعيه دي مش راحه ، دي درع أخير بتحاول تخفي وراه اللي جواك المشكله مش إنك مش حاسس... المشكله إنك مش عايز تحس"
سقط الصمتُ كالسيفِ، قاطعًا كلَّ محاولةِ إنكار، كلَّ سبيلٍ للهروب الجميعُ كان يُراقب " لُقمان "، لكنه وحدَه من شعر بأنَّ عيني " آدم " كانت مرآةً تكشف كلَّ ما لم ينطقْ به، وكلَّ ما لم يجرؤ حتى على الاعترافِ به لنفسه "
نَبسَ " آدم " دون شُعوراً مِنهُ وَهو يُطَالع الفَرَاغ فِي شُرود :
" انا مش عارف أذا كنت اللي هقولوا ده هيزعلك ، بس نوح عنده حق في اللي قاله "
حَالَما تَفوه " أدم " بِذَلك الكَلاَم حَتى تَركَ " نوح " كُل شَىءِ وصَاح :
" شوفت .. جالك كلامي حتى أدم ، أدم اللي مابيفهمش في الدنيا حاجه بربع جنيه شايف اللي أنا شايفه "
فَزفر " لُقمان " بقول :
" حتى أنتَ يا أدم ، أنا مش فاهم شيماء مضايقاكم في ايه "
وَلَم يَكُن لـ " آدم " سِوا السُكوت بِفمٍ مُطبَق إثَر كَلاَمهُ البَارد الذيِ هُطِل عَليِه فَتحدث " نوح " مُبتسِمًا:
" ماتسيب الراجل يبعبر عن اللي جواه بطريقته ده أول مره ينصفني في حاجه في حياته "
حَاول "طه " تهدئة الأجَواء:
"نوح، مش كل الناس زيك... يعني مش لازم يكون غلط، يمكن شيماء تكون كويسه لي"
أَصدر " بشر " ضِحكه جَامده جَعلتَهُ يَردِف :
" وأنتَ مين قالك أنها ممكن تكون كويسه اكيد موسى "
وكَأنها تُهمه ونفاها عنَهُ:
"لا والله، بس واضح إنكم هتشيلوني الذنب، مع إني ماشفتهوش من سنين "
التفَتَ الجميعُ إلى " موسى " ، الذي كان ينظُرُ إلى النّارِ المُتراقِصَةِ أمامَهُ، عاقِدًا حاجِبَيهِ قليلًا، كأنَّهُ يُفَكِّرُ بِعُمقٍ تَرَكَهُم يَنتَظِرونَ لَحظَةً، ثُمَّ قالَ بِصَوتِهِ الهَادِئِ:
"الغريب في الإنسان إنه ممكن يكون شايف الطريق اللي ماشي فيه غلط، بس بيكمل فيه لأنه خايف يعترف إنه اختار غلط من البدايه... ساعات القرار مش بيكون عن قناعه ، قد ما بيكون عن خوف، خوف من إنك لو تراجعت الناس تقول عليك ضعيف، أو حتى خوف من إنك لو بصيت جوا نفسك، تكتشف إنك كنت عارف الحقيقه من الأول وبتكذبها "
يَسودُ الصَّمتُ لِثَوانٍ، ثمَّ تَحَدَّثَ " لُقمان " وكأنَّ الكَلِماتِ تَرَكَت أَثَرَها:
"بتحاول تقول إني مش مقتنع "
أصَدر ضِحكه وهَو يَقول :
"أنا مش بحاول أقول حاجه ، أنا بس بتكلم عن فكرة عامه... بس خليني أسألك، انت سعيد "
تجمَّدَ لُقمانُ للحظةٍ، وكأنَّهُ لم يَكُن يَتوقَّعُ هذا السُّؤال، لكنْ قبلَ أنْ يُجيبَ، يَتدخَّلُ نُوحٌ سريعًا، كعادَتِهِ، دونَ أنْ يُدرِكَ أنَّهُ يُلقِي قُنبلةً جديدةً
" اراهنك انه هيكذب وهيقولك اه "
نظرَ لُقمانُ إليهِ بدهشةٍ، قبلَ أنْ يقولَ بحدَّةٍ:
ــ "كنتَ دخلت جوايا أنتَ، وعامل نفسك فيلسوف وفاهمني ، طب كنتَ من باب أولى تفهم نفسك على الأقل أنا فاهم أنا عايز إيه وعارف كويس إمكانياتي، مش زيَّك بتحاول تهرب من عيشتك بعيشة كلها كذب في كذب، تتصوَّر جنب عربيات مش عربياتك، وتلبس لبس مش لبسك، وتعمل فيها ابن وزير الخارجيه على الإنستا ، مش ابن الحج نصار الراجل المكافح ، وكل ده ليه وعشان إيه ، مش فاهم"
ردَّ عليهِ بثقةٍ، دونَ أنْ يَهتزَّ لهُ جَفنٌ:
ــ "علشان أنا عارف كويس أنا عايز إيه، أنا عايز أخرج من هنا بأي طريقه ، مهما كانت ، بالغش بقى بالنصب، مش فارقة في الآخر، لازم أخرج، ومش هيخرجني من هنا غير بنت شيك، أبوها من فوق أوي، واللي زَيِّي ماحيلتوش غير الإنترنت والإنستجرام عشان يعرف الطبقة دي"
اعترضَ بَشَرُ مُستهجنًا:
ــ "ما أنتَ بقالك سنتين بتحاول، وكل بنت ابوها اول ما يكتشف الحقيقه ويعرف أنك عدمان ومصدي بيرفضك "
نهضَ فجأةً، واقتربَ من أنسِ، الذي كانَ يُكملُ أكلَ الذُّرَةِ بهدوءٍ، فقطعَ لقمةً من كُوزِ الذُّرَةِ، وقالَ بينما يمضغُ الطعامَ:
ــ "وماله إن شالله يبقوا عشر سنين وهييجي اليوم اللي البت تقف قصاد أبوها عشاني وتتحداه وتقوله بحـــبُّــهُ يا بـابـا "
أشارَ برأسهِ نحو " أنس " ، وكأنهُ يُطالبهُ برأيٍ:
"ولا إنتَ إيه رأيك يا أنس ، مالك ساكت ليه من أول القعده ، بتفكر في إيه"
تحدَّثَ " أنس " بصوتٍ شاردٍ، وكأنَّ فكرَهُ مُنشغلٌ بأمرٍ بعيدٍ تمامًا عن حديثِهم:
ــ "معلش يا جماعه، أنا عارف إن الموضوع ده مش وقته خالص بس هو السِّفِندي مطلعش ليه"
شقتِ الابتسامةُ وجوهَهُم، وبينما هُم كذلكَ، شقَّ صوتُ أذانِ الفجرِ سكونَ الليلِ، فانبعثتِ الكلماتُ العذبةُ من المآذنِ، تخترقُ الصمتَ المُخيمَ على الشوارعِ، وتلامسُ القلوبَ بندائِها العذبِ.
قَالَ " موسى" ، بَصوتٍ تملؤهُ الرهبةُ:
ــ "اللهُ أكبر، اللهُ أعظم ، أذانُ الفجر... يلا، كله على الجامع، أكيد الحج نصار هناك من قبل الفجر"
هبَّ الجميعُ واقفينَ، يستعدونَ للنزولِ من سطحِ الدارِ، وبينما هُم يخرجونَ، تلقى " نوح " اتصالًا، نظرَ إلى هاتفِه وقال وهو يتجهُ نحوَ بابِ السطوح:
"طيب ياجماعه روحوا انتوا وانا هحصلكم "
لم يُمهلهُ " موسى " بل أمسكَهُ مِن "سُترته وسحبَهُ للخارجِ قائلًا بحزمٍ:
" صلاة الفجر اهم من اي حاجه ياروح الحجه نعيمه ، يلا قدامي"
هبطوا الدرجَ، وأغلقَ " نوح " هاتفَهُ، بينما تبعَه
" طه " ، ثم توقفَ فجأةً عندَ بابِ السطحِ، والتفتَ إلى " موسى " قائلًا بامتنانٍ شديدٍ:
" أنا مش عارف اقولك ايه ياموسى على اللي عملته معايا ، انا عرفت ان انت اللي كنت بتبعت مصاريف الجامعه بتاعتي لأمي بعد ابويا الله يرحمه ما مات ، ليه ماقولتليش ياصحبي "
نظرَ إليهِ " موسى " يصطنع تأثرِه:
" ايه يابني الاڤوره اللي أنتَ فيها دي واقولك ليه اساسًا حسيت اني لازم اعمل حاجه وعملتها ، بس انا بقى ليا كلام تاني مع الحاجه وداد عشان انا نبهت عليها انها ماتقولكش ، ويلا بقى عشان ما نتأخرش على الصلاه "
ابتسمَ " طه " ابتسامةً بسيطةً، ثم واصلوا النزولَ، وبينما هُم يعبرونَ الدرجَ الضيقَ، التقطَ " أنس " عبقَ رائحةِ الرزِّ بلبنٍ المنبعثةِ من شقةِ والدتِه، فهتفَ بحبٍّ:
" الله ، ريحه الرز بلبن تشرح القلب اكيد امك دلوقتي في المطبخ ومزوده اللبن والقشطه على الرز وبتقلب فيهم على النار بس يارب اللبن يبقى من جاموسه سقعانه غير كده هيبوظ "
ضحكَ " لُقمان " ونظرَ إليهِ قائلًا:
"همك على بطنك انت وبس وعلى فكره مش هتخليك تقرب منه الا بعد صلاه الجمعه ما انت عارف دي طقوس عندها"
وصلوا إلى الدورِ الأرضيِّ، وما إن وطئتْ أقدامُهم البلاطَ الباردَ حتى بدأوا يتحركونَ بحذرٍ، يتسللونَ بخفَّةٍ. رفعَ " أنس " إصبعَهُ إلى شفتيهِ مشيرًا لهم بالصمتِ، وهمسَ قائلًا:
" هــــُوش ، لا نجاح تصحى وتسمعنا واحنا نازلين مش هتسيبنا قبل ما نفضلها الشقه "
ردَّ " لُقمان " بضحكةٍ مكتومةٍ:
"وماله دي حتى ست كبيره وبناخد ثواب عليها "
علَّق " نوح " وهو يلوحُ بيدِه مستنكرًا:
" سيبتلك أنتَ الثواب ياخويا "
وكأنَّ " موسى " قد تذكَّر أمرًا هامًّا، فابتسمَ بمكرٍ وقالَ:
" أنت صح يالقمان وبعدين في واحد خسر في ماتش الكوره ومانفذش عقابه وانا بقى بقترح ان طول اليوم هيطبق عند نجاح النهارده "
وقبلَ أن يردَّ أحدٌ، انفتحَ بابُ الشقةِ فجأةً، وظهرتْ " نجاح " مستندةً إلى عصاهَا، وهي تبتسمُ بمكرٍ:
" شالله يخليك ليا ياموسى ياللي دايماً ناصفني "
انتفضَ الجميعُ فورَ رؤيتِها، وردَّ " انس " منزعجًا:
" أنتِ مابتناميش يانجاح ابداً "
ضحكتْ وهي تزيحُهُ بعصاها قائلةً:
" وهو العمر في قد ايه عشان انام الحبه اللي فاضلين "
حَركت عَيناها نَحو " نوح " طَالبه :
" تعالى يايحي ، تعالى هاتلي بنص جنيه فول وبربع جنيه طعميه عايزه افطر "
نظرَ " نوح" إلى " موسى " بغيظٍ قائلًا:
اتفضل بتقولك عايزه بربع جنيه طعميه ، حقها ما هي عايشه من ايام الملك فاروق ، عارفه طول ما انتِ بتناديني بيحي قلبي وربي هيفضلوا غضبانين عليكي "
ضحكَ " موسى " وقالَ بحنوٍّ:
" بس بقى يانوح ، سيبك من نوح انا هجيبلك كل اللي أنتِ عايزاه بس هنصلي الفجر واحنا راجعين هاخدك اطلعك فوق ونفطر سوا وهخلي امي تحميكي ، انا عارفك بتحبي تستحمي يوم الجمعه وتصلي بجلبيتك البيضا النضيفه ، مش زي ناس "
نظرَ " موسى " الى " أنس " الذي تظاهرَ بعدمِ السماعِ، فغمزَ ضاحكًا:
" ماتقولش انا الحمى هو اللي مابيحبنيش "
خرجوا جميعًا وسطَ دعواتِ "نجاح" لهم بالعوضِ والوَنسِ، يغمرُهم ذلك الشعورُ الدافئُ بالُألفه الذي لا يمنحهُ إلا الأحبه تبادلوا الضحكاتِ والمزاحَ كعادتِهم، فكان حديثُهم خليطًا من النكاتِ والذكرياتِ والمواقفِ التي لا تنتهي، كلُّها تُحيطُهم كدرعٍ من البهجه، تحفظُ بينهم رابطةً أقوى من أيِّ كلماتٍ كان كلُّ من يمرُّ بهم يبتسمُ بلا وعيٍ، فكأنَّ مرحَهم معدٍ، وكأنَّ ضحكاتِهم تنسابُ في الشوارعِ، تملأُها حياه
لم يكن هناكَ من لا يعرفُهم، فـ "حيُّ الكويت" كلُّهُ كان يشهدُ لهم بالمحبَّه، وكان يكفي أنْ يُراهم أي شخص حتى يُقالَ "هؤلاءِ أبناءُ الحاج نصار" كِبارُ السنِّ يلقونَ عليهم التحيةَ بخشوعٍ واحترامٍ، والصغارُ يركضونَ خلفَهم، يحاولونَ مُجاراتَهم في هرجِهم ومزاحِهم، وكأنهم نجومُ الحيِّ التي تُضيءُ ليلَهُ، وتملأُ نهارَهُ بالحركه والفرحِ.
وحينَ اقتربوا من المسجدِ، كان الأذانُ قد بدأ يترددُ في الأرجاءِ، فتسربتْ نغمتُهُ إلى قلوبِهم، تُبدِّلُ ضحكاتِهم بهدوءِ الخشوعِ، وكأنَّهُ لمسَ أرواحَهم فأيقظَ فيها سكينةً خاصه لا تمنحُها إلا تلك اللحظاتُ التي يعلو فيها صوتُ السماءِ فوقَ كلِّ شيءٍ أسرعوا إلى الوضوءِ، يتركونَ الماءَ الباردَ ينسابُ على وجوهِهم، وكأنَّهم يغتسلونَ من ضجيجِ الدنيا، ثم دخلوا المسجدَ واحدًا تلوَ الآخرِ،
وما إن دلفوا إلى الداخلِ، حتى أبصروا والدَهم واقفًا، منكفئًا في صلاتِه، غارقًا في خشوعِه للحظةٍ، شعروا كأنَّهم عادوا أطفالًا صغارًا، يتعلَّمونَ الصلاةَ خلفَهُ، يقتدونَ بحركاتِه، يستمدُّونَ من ثباتِه يقينَهم، ومن إيمانِه قوتَهم تحرَّكوا نحوهُ بصمتٍ، وقفوا خلفَهُ في صفٍّ واحدٍ، قلوبُهم تخفقُ بتناغمٍ، كأنَّها قلبٌ واحدٌ ينبضُ بالطمأنينه ذاتِها.
وفي تلكَ اللحظه، لم يكونوا مجرَّدَ إخوةٍ يؤدُّونَ الصلاه، بل كانوا امتدادًا لروحِ أبيهِم، انعكاسًا لرحلتِه، ودليلًا على أنَّ الدنيا قد تعطي وتأخذ، لكنها حين تُعطي بهذا الشكلِ، فإنها تمنحُ أعظمَ ما يُمكنُ لرجلٍ أن يحلُمَ به، نعم، كانوا هم أبناءَ
" الحاج نصار "، وكان هذا وحدَهُ كافيًا ليعرفَ الجميعُ مَنْ يكونونَ
انتفضت "نعيمة" من غفوتها على وقعِ صوتِ "الحاج نعيم" وهو يناديها من الخارجِ، فتلاشت الذكرياتُ من عقلِها كما يتبدَّدُ الدخانُ في الهواءِ. تسارعتِ دقاتُ قلبِها مع ندائِه المتكررِ، فانتبهتْ على الفورِ، وردَّت بصوتٍ مُرتبكٍ، وكأنها تخشى أن يُدركَ أحدٌ أنها كانت غارقةً في أفكارِها:
" ايوه حاج جيالك اهوه "
خرجتْ من غرفةِ "موسى" بخطواتٍ سريعةٍ، وقبلَ أن تتركَها، أغلقتِ البابَ خلفَها بحرصٍ، كأنها تخشى أن يهربَ منها شيءٌ من الماضي المُخبَّأ خلفَ ذلكَ الباب.
٠
٠ ٠
٠
٠
٠
هنا، في منزلِ " وداد "، كانت تعملُ بجِدٍّ ونشاطٍ لإعدادِ وجبةِ الإفطارِ قبلَ بَدءِ خُطبةِ الجُمعه رَتّبَتِ الأطباقَ بعنايه على الطاوله، ولم يَبقَ سوى انتظارِ قُدومِ ولدِها "طه " وما هي إلّا دقائقُ حتّى تَبِعها وهو يَسألها يَشُقّ رغيفَ الخبزِ إلى نصفين:
" كنتِ فين يا أمي الصبح بدري كده "
اختارت " وداد " مَقعدًا بعيدًا عن ناظري ابنِها، حتّى لا يُلاحِظَ حُزنَها، إلّا أنّ تعابيرَ وجهِها البائسه لم تَخفَ عنه دَسَّ لُقمةَ الفولِ في فمِه قبلَ أن يقولَ بنبرةٍ حاولَ أن يَجعَلَها عَفويةً:
" لسه مضايقه برضوا عشان خاطر نعيمه "
وضعت يَدَيها على وجهِها، تُحاولُ كَتمَ ضيقِها، ثمّ سَعَتْ إلى تَغييرِ المَوضوعِ بقولِها:
" كل ، كل أنتَ ياطه مالكش دعوه بيا ، غير ريقك يلا عشان تلحق صلاة الجمعه ، وانا نعيمه مش هسيبها هفضل وراها لحد ما ترجع تفتحلي قلبها من جديد "
اهتزّ هاتفُ " طه" ، وبمجرّدِ أنْ رأى الرقمَ على الشّاشةِ، تغيّرت ملامحُهُ وأسرعَ بإلغاءِ المكالمة. لاحظَت وداد تَصرّفَه، فسألتْه باهتمامٍ:
"مين بيتصل ياطه"
رفعَ نَظّارَتَه، وبَدا التوتّرُ واضِحًا على وجهِه، ثمّ قالَ مُحاولًا التَّظاهُرَ باللّامُبالاةِ:
"أبداً ، ده حد مش مهم "
حاوَلَ أن يَتجاهلَ الأمرَ وأكملَ طعامَه، لكنَّ صوتَ إشعاراتِ تطبيق "الواتساب" قاطَعَه فتحَ الرّساله، قرأَها بصَمتٍ، ثمّ تَمتَمَ بقلقٍ:
"اطلعلي حالاً ياطه أنا مستنيك على السلم "
ازدَادَ توتّرُه، خاصّةً مع وجودِ والدته أمامَه بَحثَ عن طَريقةٍ لإبعادِها، فقالَ بلُطفٍ مُصطنعٍ:
"أنا شبعت يا امي ممكن بقى تعمليلي كوبايه شاي من ايديكي الحلوه دي "
نَظَرَت إليه وداد بِريبةٍ، ثمَّ إلى الطّعامِ غيرِ المَنقوصِ أمامَه، وقالت مُستنكرةً:
"لكن يا بُنيَّ، أنتَ ما أكلتش أكلك لسه زي ما هو "
أدركَ طه أنّ حُجّتَه لم تَكُن مُقنِعَةً، فعادَ ليَقولَ:
"آه.. لا ما انا اقصد ان لحد ما تعملي الشاي اكون انا خلصت اكل "
ألقى نَظرةً سريعةً على ساعتِه، مُتعجّلًا:
"عشان يادوبك خلاص الوقت الحق الصلاه "
نَهَضَت " وداد " لِتُعِدَّ الشّاي، وما إن دَخَلت المَطبخَ حتّى تَسَلَّل طه بِهدوءٍ، فَتَحَ البابَ بحَذَرٍ ليُواجِهَ
" عمر " الذي كانَ يَقفُ مُترقّبًا:
حَدَّقَ فيهِ بِغضبٍ قبلَ أن يَهمسَ بانفِعالٍ مَكتوم :
"إنتَ اتجننت يا عمر ، إزاي تيجي هنا وتدخل حي الكويت، أمي لو شافتك هتشُكّ فيا، ونعيمه لو لمحتك، هتعرف كل حاجة، يا غبي"
بَدَت عَلاماتُ التوتُّرِ والانزعاجِ على وجهِ " عمر " ، فقالَ بصوتٍ مُضطَربٍ:
"أنا غلطت... نعيمه شكلها شكت فيا!"
تسارعت أنفاسُ " طه "، عَقَدَ حاجبَيه وهو يحدّق في " عمر " بذُهول، كلماته خرجت هامسةً لكنها مشبعةٌ بالقلق:
"شَكّتْ فيكَ"
↚
🍂 أَكَاسِيا 🍂
𝓣𝓱𝓮 𝓪𝓬𝓪𝓬𝓲𝓪 𝓽𝓻𝓮𝓮 𝓲𝓼 𝓪 𝓹𝓸𝓮𝓶 𝓸𝓯 𝓽𝓲𝓶𝓮 𝔀𝓱𝓲𝓼𝓹𝓮𝓻𝓲𝓷𝓰 𝓽𝓱𝓻𝓸𝓾𝓰𝓱 𝓲𝓽𝓼 𝓵𝓮𝓪𝓿𝓮𝓼 𝓽𝓱𝓮 𝓼𝓮𝓬𝓻𝓮𝓽𝓼 𝓸𝓯 𝓵𝓸𝓿𝓮 𝓪𝓷𝓭 𝓮𝓽𝓮𝓻𝓷𝓲𝓽𝔂.
شجره الأكاسيا ، قصيدة زمن تهمس عبر أوراقها بأسرار الحب والخلود
تَأرجَح القِدح لِلحظاتٍ كَأنهُ يَتَردد بَينَ السقُوط والثَبَات نَحو الأَرضيِه ، فَانَتشرت أجزَائه كَحبات المَطر الَهوجَاء ، لِم يَستمع أحد لِتَهشُم تِلكَ العَضله التي بَاتت تَضُخ الدَم بِداخلهُ بِأنفِعاليه ، أتَكأ " طه" بِجَسدُه الهُلامي عَلى طَرف طَاولة الأَفطَار يُحدق فِي الفَراغ بِمحجريهِ الدَاميَان
أَتت " وِدَاد" من الدَاخل بِخطواتٍ سَريعه كَأنها تُحاول اللِحاق بِشىء لاَيُرى ، تَجمَدت فِي مكَانها للحظاتٍ، عينَاها تَمسِحان المَشهد أمَامها
القِدح المُهشم، السَائل المتَسرب عَلى الَأرض، وَولِيدها الجَالس فِي مُنتصف الفَوضى، وجهُه شَاحب ونَظراتُه مُعلقه بِشيء بَعيد لا تَراه
اِقتَربت منُه بِخطواتٍ حَذره، والحيِره مُرتَسمه علَى ملَامِحها:
"مالك يا طه؟ وشك أصفر ليه كده "
لَم يَرد كَان ذِهنه غارقًا في صَدى آخر حَديث دار بِينه وبيَن " عمر " ،صَوته لا يَزال يَتردد داخلُه، مرتجفًا، هشًا:
"نعيمه لو فعلاً شكت فيا، فـأنا مش هقدر أروح لها تاني... كل اللي عملناه راح يا طه."
نَادت عَليه مرةٍ أُخرى، هَذه المَره بِصوتٍ أكثَر قلقًا:
"طه، رد عليا، إيه اللي كسر الكوبايات كده"
انَتفض كَأنه انتُشل مِن أعمَاق أفكَاره، لَم يَلتفت إليها مباشرةً، فَقط أدرك صَوت الأذَان يَعلو مِن بعَيد، فَتمتم بِشرود:
"إيه... لا، أبداً يا أمي مافيش حاجه ،أنا هاروح أصلي الجمعه "
نَهض سَريعًا واتَجه نَحو البَاب، ووالدتهُ تَسير خلفهُ، تُحاول اللِحاق بِخطواته المُرتَبكه ، تُحاول انِتزاع إجابه مِنه:
"فهمني مالك طيب، لونك مخطوف كده ليه"
قَابل سؤالها بِالصَمت ،دَخل الحَمام وأغَلق البَاب خلفَه، شَهقت " وداد" ليُلجم لِسانها حَالما أطَبق أبنها البَاب في وجهَها ، اسَتند " طه " للٓحظه على الحِائط، ثُم رفَع رأسهُ ليِنظُر في المَرآة حدٌق في انعِكاسهُ بِعينين مضطربَتين، بِالكاد تعَرف عَليهما مَرت لَحظه، ثم همَس لِنفسه بِصوتٍ خَافت، مُتردد:
"طيب... والعمل"
رَفع يَده إلى وَجهه، أَخذ نفسًا عميقًا يَغمض عيِنيه، ثم فَتحهما مجددًا وكَأنُه يُطمئن نَفسه:
"اهدى يا طه... فكر... كل حاجه وليها حل
❆. ❆. ❆. ❆.
يَسيرُ " طه " بخُطوات هادئه نحو المسجد، يُغمرُ الحَاره أجواء يوم الجُمعه، بأصوات الأذان، والبيوتُ تتسللُ منها رائحةُ البخور، الأطفالُ يَلعبون في زوايا الحاره ، يَركضون بين الرجال المُتجهين للصلاه، والباعه يُنادون على بضائعِهم بصوتٍ مُنخفض احترامًا ليوم الجُمعه ، وكأنَّ الحَاره كلَّها تتنفسُ الجُمعه في كل زاويةٍ منها
تردَّد صدى خُطواتِ " طه " الخفيفةِ داخلَ المسجد، وهو يَنزعُ حذاءَه عند العتبه، ثم مضى بخُطواتٍ هادئةٍ حتى استقرَّ في زاويةٍ بعيده، مُسنِدًا ظهرَه إلى الحائطِ البارد ألقى نَظرةً على حَلَقاتِ المُصلّين المُتناثره في أنحاءِ المكان، قبل أن يَلفت انتباهَه ذلك الجمعُ الصغير، حيثُ جلسَ الحاجُّ " رحيم " في وسطِ دائرتِه المعتاده ، يُحيطُ به رجالٌ في مثلِ سنِّه، وجوهُهم غارقه في تجاعيدِ الزمنِ وحكاياتِه.
تناهى إلى سمعِه صوتُ أحدِهم، يَتحدثُ بلهجةٍ يثقّلُها الحنين:
" فين أيامك يا حجُّ نصار، من وقت اللي حصلَ والدنيا ما بقالهاش طعمٌ من غيرِه"
تنهدَ " رحيم " ، وتحرَّك في جلستِه كأنَّما ضاقت به الأرض:
" بقالي فترةٌ ما زرتهوش، ولما جِيتُ أروح… الستُّ نعيمه مارِضِيتش "
قلَّبَ رجلٌ آخرُ بأصبعهِ حَبّاتِ سبحتهِ قبلَ أن يُعلِّقَ بصوتٍ متحشرجٍ:
"رمضان السنه دي هييجي ومش هيبقى معانا زي كلِّ سنه"
انعقدَ حاجبا " رحيم "، وبدت على وجههِ ملامحُ العزمِ وهو يقولُ بحزمٍ:
"بس إحنا هنخليهِ ما بينا… هو اللي كانَ مجمعَنا، ولازم نزورهُ المرَّة دي حتى من غيرِ ما نعيمةُ تعرف"
نظرَ إليهِ أحدُ الجالسينَ باستغرابٍ، قبلَ أن يسألهُ ببطءٍ كأنَّه لا يُصدِّقُ ما سمع:
"وده ييجي ازاي بقى "
أخفضَ "رحيم " عينَيه، وهزَّ رأسَهُ بشرودٍ، كأنَّ الفكرةَ تدورُ داخلهُ بلا سبيلٍ للخروج:
"مش عارف .. بس أكيد لازم نتصرف ونروحله"
كانَ "طه" يُتابِعُهم بصمتٍ، يَشعُرُ بثِقَلِ كَلِماتِهِم وهيَ تَتَسَلَّلُ إليهِ دونَ استِئذانٍ، وكادَ أنْ يَتَدَخَّلَ، لكن قَطَعَ حيرَتهُ صَوتُ الإِمامِ وهوَ يَبدَأُ بِإِلقاءِ السَّلامِ.
تَفَرَّقَ الجَمعُ، وانسَحَبَ الجَميعُ إلى أَماكِنِهِم، بَينَما ظَلَّ "طه" مُسنِدًا رَأسَهُ، شارِدًا عَن كُلِّ شَيءٍ حَولَهُ
لَمْ يَسمَعْ أُولى كَلِماتِ الخُطبَه، ولا حَتَّى وَقْعَ صَوتِ الإِمامِ، فَقَدْ كانَ عَقلُهُ يَجُولُ في أَزمِنَةٍ بَعيدَه، في أَروِقَه الذِّكْرَياتِ الَّتي لاحَتْ عَلَيهِ كُلَّما وَجَدَ نَفْسَهُ في مِثْلِ هَذا المَوقِفِ ، لَمْ يَكُنْ جَسَده هُنا تَمامًا، وَلَمْ تَكُنْ رُوحهُ تصْغِي لِما يقالُ، بَلْ انْسابَتْ بَعيدًا، إلى ذَلكَ الفَجْرِ البَعيدِ، حَيثُ كانَتِ الرُّطُوبَه تَمْلَأُ الهَواءَ، وَأَصْواتُ المُؤَذنِينَ تَتَداخَلُ في نَسيجِ الصَّمْتِ الَّذي يَسبِقُ انبِلاجَ الصَّباحِ
رَأى نَفْسَهُ يَلهَثُ مِن أَثَرِ اللَّعِبِ، يَضحَكُ مَع أَبناءِ "نَصّار"، تُشْعِلُ أَعينَهُمُ الحَماسُ حِينَ قَضَوُا اللَّيلَ فَوقَ سُطُوحِ المَنزِلِ، يَتَقاذَفُونَ الكُرَةَ تَحتَ سَمَاءٍ مُرَصَّعَةٍ بِالنُّجُومِ وَما إِنِ انْتَهَتِ المُباراةُ الصّامِتَه فَوقَ ذَلِكَ السَّطْحِ العالِي، حَتَّى تَعاَهَدُوا أَنْ يُنْهُوا لَيلَهُم بِصَلاة الفَجْرِ، كَما اعْتادُوا أَنْ يَفعَلوا
وَما إِنْ دَلَفوا إلى المَسْجِدِ حَتى انتظَمُوا خَلفَ "الحَج نَصّار"، ذَاكَ الرجُل الَّذي كانَ بنْيانُه يَشِي بِالعمْرِ، لَكِن صَوْتهُ ظَل يَحمِلُ رَهْبةَ الأَيامِ وَثقَلَها. وَقَفَ بِهِمْ كَما كانَ يَفعَلُ دائِمًا، بِصَوْتِهِ العَميقِ المُطْمَئِنِ، فَكَبَّرَ لِلصَّلاةِ، وَانْسَابَتِ الآياتُ مِن بَينِ شَفَتَيْهِ كَأَنَّها تَنبُعُ مِن نَهرٍ قَدِيم
أَغمَضَ عَينَيْهِ لِبُرهَه، كَأَنهُ يَسْتحْضِر رائِحَة السَّجّادِ العَتِيقِ، وَبُرُودَة الماءِ حِينَ غَسَلَ وَجهَهُ قَبْلَ الصَّلاه، وَتِلْكَ السَّكِينَه الَّتي تَسَلَّلَتْ إِلَيهِ آنَذاك، سَكِينَة لَمْ يَعُدْ يَذُوقُ مِثلَها اليَوْمَ وَما أَنْ سَلَّمَ الحَجُّ "نَصّار" عَلَى الجانِبَيْنِ حَتَّى نَطَقَ "مُوسَى" بِقَولٍ:
" حرمَا ياحج نصار "
التَفت خَلفه ليِجد ابنَائُه الخَمسه ابَتسم ابتٓسامه رِضا اليِهم وهُو يَراهم قَائلاً :
" جمعًا أن شاء الله "
رَمقَ "طه" الجالسَ بينهم بطرفِ عينيه، ثم ابتسمَ، والشوقُ لأيامهِ القديمةِ متغلغلٌ في ملامحه لم ينتظرْ طويلًا مُرحبًا :
"واحشني ياطه ، فينكم وفين أيامكم حي الكويت نورت برجوعكم "
رَد لهُ السَلام بِنفس الشُوق والحَنين :
" حي الكويت منوره دايمًا بناسها وأهلها ياحج "
سألهُ "نصار " بِفضولٍ:
"هاه، وناويين تقعدوا على طول؟ ولا لسه القاهره مسكة فيكم"
هزَّ "طه" رأسهُ بابتسامةٍ خفيفةٍ، كأنما يسترجعُ سنواتِ الغربةِ في لحظةٍ واحدةٍ، ثم قالَ بهدوءٍ:
"لا يا حج، خلاص… إحنا اللي بعدنا، والبعد وجع، بس الرجوع هو الصح الجامعه كانت السبب، أمي مرضيتش تسيبني لوحدي، وفضلنا هناك… لكن دلوقتي، مفيش حاجة تستاهل نبعد تاني"
حرَّك "نصار" مسبحتهُ بين أصابعهِ، وعيناهُ تلمعانِ بالرضا:
"عليكَ نورٌ يا "طه"، خيرُ ما فعلت يابني "وداد" بتقولُ إنك ناوي تفتحُ محلَّ أبوكَ القديمَ وتعملهُ صيدليةً"
أومأَ "طه" بالأيِجاب، وكأن القرارَ استقرَّ في قلبهِ أخيرًا:
"فعلاً يا حج، أمي قدرتْ تدبّرَ مبلغ، وهنحاول نجهزهُ من جديد"
بِمُجرد أن نهضَ "نصار"، تَبعُه الجميع تلقائيًا، كأنها عادةٌ راسِخه بينهم ثم وضعَ يدهُ على كتفِ "طه" وربّتَ عليهِ بحنوٍّ:
"لو احتجتَ أيَّ حاجه، أنا موجود ومش محتاج أقولك أن انا في مقام أبوك … مع إن "علام"، اللهُ يرحمهُ، مفيشْ حدٌّ يعوّضهُ."
ارتسمتْ على شفَتي "طه" ابتسامةُ امتنانٍ صادقةٍ:
" طبعًا ياحج ، أنا ماليش غيركم، ربنا العالم"
تحركَ "نصار"، وأولادهُ من خلفهِ، لكنهُ فجأةً التفتَ وكأنهُ تذكرَ شيئًا، ثم قالَ بحزمٍ دافئٍ:
"آه، على فكره، قول لأمك وأختك… الغدا عندنا النهارده، ومش عايز أسمع أعذار"
رفعَ "طه" يدهُ معترضًا بلطفٍ:
"لا يا حج، مالوش لزوم، ليه التعب ده"
اعترض "نصار" بمزاحٍ فكاهيٍّ، وهو يلوّحُ بيدهِ:
"هو أنا بقولك عشان تقول الكلمتين دول ، أنا بس ببلّغك باللي هيحصل "
ابتَسم الجَميع ليعلّقَ "موسى" بمكرٍ:
"خلاص بقى، الحج طالما قال كلمه ، ما ينفعش نراجعه فيها"
جاءَ صَوتُ "بشر"، مُتصنعًا الجِديه وهو يَضعُ يَدهُ علَى صَدرهِ:
"طب وأنا ياحج ، المحشي من إيدِ الحاجه "نعيمه" وحشني، ولا لازم أقدم طلب رسمي "
لوّحَ "نصار" بيدهِ مازحًا:
"وهو أنتَ محتاج عزومه يابشر ، ده أنتَ ناقصٌ يضيفوكَ على بطاقةِ التموين "
ضَحك الجَميِع ، فَتمتَم "بشر" بِأخَر گلِماتُه أَثنَاء تَحرُكه لِلأمام ، وقَد وَجد يَد " الحج نصَار " تُربت عَلى كِتفيه بِحنو يَخبرهُ وَقالَ بِأبتِسامه دافِئه :
"يا عبيط، هو أنت زعلت بجد ، حد يزعل من هزار أبوه ، مش أنا برضوا زي أبوك "
أومأ "بشر" بالأيِجاب ، يُحاول أن يَخفي ابتِسامه صَغيره، لَكِنهُ فَشل وهَو يَشيح بِوجهه قَائلاً بِمِزاح :
"اه طبعًا… بس يعني الواحد برده ليه كرامته"
ضحكَ "نصارُ" بخفّةٍ، وجذَبَهُ إليهِ في نصفِ عناقٍ أبويٍّ قائلاً:
"كرامتك محفوظة يا بني، أنت مش ضيف علشان تستنى عزومة، ده بيتك، وإنت في مقام ولادي، وإلا هزعل منك بجد"
نظرَ "بشرُ" إليهِ للحظةٍ، ثم ابتسمَ أخيرًا، وكأنَّ كلماتِهِ أزالت أيَّ أثرٍ للحظةِ العتاب، وقالَ بمشاغبةٍ:
"طب خلاص، بس أنا بقولك من دلوقتي، هاخد حته لحمه كبيره ، ومش عايز حد يبصلي فيها"
ضحكَ الحاضرونَ برضا، وهزَّ " نصارُ" رأسَهُ بِمكرٍ قائلاً:
"على ضمانتي يا واد، بس خلي بالك، أمك "نعيمه" مش هتسيبك في حالك "
٭ ٭
وعلى الرغم من بساطهً الحج "نصار" الا انه له هيبه يعبر بها أزقة الحاره بخطواتٍ واثقه ، تسبقها سمعته الطيبه وهيبته التي لا تخطئها عين
يمرّ أهل الحاره عليه يومياً لإلقاء التحيه أو لشراء الخبز، لكنه ليس مجرد صاحب فرن بالنسبه لهم، بل هو رمزٌ للأصاله وجسرٌ بين الحاضر والماضي من حديثه، من وقفته، ومن طريقة تعامله، يتعلم الصغار قيمة التمسك بالجذور، فيما يراه الكبار شاهداً على أيامٍ خلت ، سرت الحارةُ حياةٌ نابضةٌ، امتلأت بالمارةِ الذين يتنقلون بين دكاكينها الضيقة، وأصوات الباعةِ تتداخلُ مع ضحكاتِ الأطفالِ وصوتِ المخبزِ الذي لم يهدأ منذ الفجر. عند ركنٍ مخصصٍ له أمامَ الفرن، جلسَ الحجُّ نصارُ بجلبابهِ الواسع، ومسبحتهِ التي لم تفارقْ يده، يحيطُ بهِ أهلُ الحارةِ، منهم من يشكو همَّهُ، ومنهم من يطلبُ نصيحته، بينما كان أبناؤهُ في الداخلِ، منشغلين بالعجينِ والخبز.
عند مدخل الفرن، جلس "آدم" على كرسيه الخشبي المهترئ، يُقلب بين أصابعه بطاقات الحساب، محاولًا ضبط ثمن الخبز للزبائن، لكنه كان شارد الذهن، تنزلق نظراته بين الوجوه بتوترٍ، ويداه تتردد في التقاط النقود.
ضرب أحدى الزبائن كفه في الهواء من كثرة الزحام وأكثرهم كان من النساء فهتف بضيق:
" مافيش واحده فيكم بتعرف تخبز وتعجن جايين تزاحمه الرجاله "
فأتى صوت " موسى" من الداخل قائلاً :
" وست نانسي عجرم اللي عندك في البيت مابتعرفش تعجن وتخبز ليه ولا عندها حفله في دبي "
ضحك الحميع بينما تفوهت سيدةٌ وهي تزاحمُ الرجلَ في محاوله للتقدم :
"ونبي يا ابني، خليني أمشي، سايبه العيال لوحدهم في البيت، لسه مافطروش "
تصاعدت أنفاس "آدم"، جفّ حلقه، وارتجفت يده حين حاول جمع الأموال، فتساقطت بعض العملات على الطاوله قبل أن يتمكن من تداركها، شعر بيدٍ قوية تُربت على كتفه، فانتفض في مكانه، التفت سريعًا ليجد "موسى" خلفه، يمد يده نحو السيده قائلاً بهدوء وهو يلتقط الورقه من يدها:
"هاتي يا أمي، أنا هخلّصك بسرعه"
ناولته الورقه بحركة ممتنّه، داعيةً له بصلاح الحال، بينما انحنى "موسى" قليلًا، يلتقط العملات التي سقطت، ثم مدّها "لآدم" قائلاً بصوت خفيض لا يسمعه أحد سواهما:
" ماتقلقش ،أنتَ مسيطر "
ابتلع "آدم" ريقه بصعوبه ، يتمتم بارتباك وهو يحاول استعادة تركيزه:
"واحده واحده... كله هيمشي."
بينما داخل الفرن، كان الهواء مشبعًا برائحة الخبز الطازج، ممتزجًا بحرارةٍ خانقةٍ تجعل الجو دافىء في منتصف شهر يناير ، تراقصت ألسنة النار في جوف الفرن، تلتهب كلما انفتحت بابه المعدنيّ الضخم، لينبعث منه وهجٌ أصفر يُلقي بظلاله على الجدران الحجريه العتيقه
كان "لقمان" يقف أمام الصاج الساخن، يحرك الأرغفه بخفه ومهاره ، تتبدّل أصابعه بين الممسك بالخبز والممسك بالمكشطه المعدنيه، يُدير الرغيف قبل أن يلتهمه اللهب، نفخ في الهواء في ضجر :
" نوح تعالى قلب مكاني حرارة الفرن هنا عاليه وانت عارف فرحي كمان شهرين "
نفخ " نوح" العرق عن جبهته دون أن يلمسها :
" على الاقل الحراره هنا هدفيك ، بس الجواز هيولع فيك "
امتعض "لقمان" من رده ، بينما أنس، فقد كان يُخرج الأرغفه بسرعة خاطفه ، يُلقي بها فوق بعضها البعض وعلى الرغم من تمرسه ، لم يخلُ الأمر من لدغاتٍ خفيفه تحرق أطراف أصابعه، فينتفض بين الحين والآخر نافخًا يده وهو يتمتم بالسباب قائلا :
" أنا مش فاهم ، اقسم بالله ما فاهم ، ما كل الناس بتعمل فرن آلي ، مش معنى ابوك اللي مش عايز يجدد وعامله بلدي ويرحمنا من اللي احنا فيه ده "
أنهى "موسى " وضع العجين على الطاوله، والتفت اليه ينفض يديه من بقايا الدقيق، قائلاً بنبره ساخره :
" جرى ايه ياولاد نصار كبرتوا خلاص على شغلانة الفرن ، والخبيز بقى بيحرق ايديكم ايش حال ما كنت بتشتغل في المطافي ياسي أنس "
ترك "لقمان" مكانه، يدلك يديه ببعضهما ليزيل العجين الملتصق، ثم غرس كفّه في الحوض، يعجن العجين بحماس وهو يرد مبتسمًا:
" الحكايه مش كده ياموسى ، احنا عمرنا ما نكبر على ابونا ابداً بس الحوار كله ان خلاص كل واحد مننا شق طريقه ، انا بقيت مدرس وكابتن بالليل وانت بتسافر تشتغل مابقيتش فاضي وانس راجل مطافي و نوح راجل عاطل قد الدنيا
استقام "نوح" فجأه ، نافضًا يديه عن ثوبه، رافعًا رأسه بفخر:
" ماسمهاش راجل عاطل ، اسمها رجل بلا قيود ، مستثمر في الفراغ ، رائد اعمال في البطاله "
رفع "انس" حاجبه بسخريه :
" اه يافخر صناعة البطاله ، المهم أنك عاطل برضوا "
رفع "نوح" يده بإشاره استهانه ، يرد بلا مبالاه وهو يميل على الطاوله :
" مش مهم المسميات المهم الراحه النفسيه "
لوّح "أنس" بيده وهو يلتفت نحو "موسى" قائلاً:
"سيبك منه ياموسى وخليك معايا
احنا بس عايزين ابونا يفهم اننا كبرنا وشغلانه الفرن ليها صبيانها او ممكن نكبر الفرنه ونخليها زي الافران بتاعت اليومين دول
رد " لُقمان " ، متسائلًا، يسند يده على الطاوله:
"وده ازاي ده "
اعتدل "أنس" في وقفته، نفض الدقيق عن كمه، وقال بحماس:
"بصوا ياجدعان احنا في عصر السرعه ،احنا لازم نفكر بره الصندوق ، احنا نبعت العيش دليفري ، مشروع الدليڤري ده مشروع العصر "
طالعه" موسى" ، يضع يده على ذقنه، ثم أومأ بمبالغه قائلاً بجديّه مصطنعه:
"تصدق صح ، وكمان ممكن نوفر على الناس اكتر نديهم الدقيق ويعجنوا في بيتهم اوفر "
رفع "نوح" حاجبيه بدهشة مستفزه:
" واللي يطلب عيش سخن نبعتله واحد مولع "
وضع " لقمان" يده الملطخه بالعجين على كتفي "انس" قائلاً :
" والله فكره واهوه لو العيش برد في الطريق نحط جواه كتالوج كيف تسخن رغيف بنفسك "
انفلتت ضحكه منه ، بينما تراجع "أنس" إلى الخلف، مُقطّبًا حاجبيه في إحباط، ثم رفع يده معترضًا:
"ده اللي انتوا فالحين فيه اتريقوا ، اتريقوا "
نفض "موسى" يده من الدقيق يطالع أنس بنظره جانبيه، محاولًا كبت ابتسامه كانت تتسلل إلى شفتيه و قال بنبره مبطنه بالسخريه :
"تمام بس قولي هنبعته ازاي ، مع سواق ولا هنشحنه في البريد السريع "
رفع" أنس" حاجبه يتحدث بسخريه :
"لا هنحطه في مظروف ونبعت معاه جواب شكر للزبون ياخفيف"
ثم نظر إليهما بعينين يملؤهما الجِدّ، هاتفاً بصوت يحمل يقينًا لا يقبل الجدل:
"انتوا عاله على صناعة المخبوزات ورب الكعبه"
كتم "لقمان" ضحكته، يمسح يديه بالمئزر، ونظر إليه بنظره ساخرخ، يخبره وهو يهز رأسه بتعجب:
"أنا مش عارف الحج نصّار خلف الكائن ده إزاي"
رفع "أنس" حاجبه بثقه مفرطه، مسح بعض الدقيق عن كمه، ورد دون تردد:
"موهبه ربّانيه"
ألقى "موسى" نظره طويله على شقيقه ، وكأنّه يحاول استيعاب منطقه، ثم قال وهو يهز رأسه بيأس:
"آه، ربّانيه... بس محتاجه إعادة نظر، ده لو اتساب يعمل مشروع، هيطلعلنا بعيش قابل للنفخ، تحطه في جيبك يوصل لبيتك لوحده "
استدار "نوح " إليه ببطء، وكأنه لم يصدق ما سمع، ثم سأله بذهول:
"إنت إزاي مخّك وصّلك لكده"
ابتسم" أنس" ابتسامه واثقه، فرد دون أن يرمش:
"استثمار للأفكار الغريبه... السوق محتاج إبداع"
ضحك "موسى" ثم أشار نحوه بمغزى:
"ده لو السوق قدّم أفكارك، هيحتاج معاش مبكّر"
عاد الجميع إلى العمل، لكن الضحكات لم تغادر الوجوه. ففي أعماق هذا المكان، بين الجدران المشبعة برائحة الخبز والذكريات، كان هناك شيء آخر يولد... شيء يتجاوز الطحين والماء، شيء أشبه بالدفء المنبعث من قلب العائله نفسها
🍂
هما الأن بغرفة الطبخ ، ذاك العالم الصغير الذي يحمل في زواياه أسرار البيوت وهموم النساء، حيث تمتزج رائحة البهارات بمرارة الحكايات،
و يعبق الجو برائحة التوابل بالبخار المتصاعد من القدور
جلست "وداد ونعيمه "على الأرضيه، محاطتين بورق الكرنب الأخضر وخلطة المحشي التي تفوح برائحة الشبت والكزبره كانت ايديهما تتحرك بخفه ومهاره يتابعان حديث طويل لا ينتهي
سألت "وداد" وهي تضع صابعًا جديدًا في القدر بجوار أخوته :
"وبعدين يا نعيمه ، حصل إيه تاني ياختي "
رفعت "نعيمه" خصله من شعرها التي انسدلت على وجهها ، وزفرت بضيق:
"ولا قابلين، زي ما حكيتلك كده من ساعتها ولقمان ماسك في البت اللي اسمها شيماء دي، هي وامها سماح، تكونش عملاله عمل من ساعة ما عرفها وهو ما داقش طعم الراحه ، حبيب قلب امه "
توقفت "وداد" لحظه ، وكأنها تبحث عن شيء، فسألتها "نعيمه":
"بتدوري على إيه يا وداد"
أدخلت "وداد" إصبعها في خلطة الأرز، تتذوق القليل منه قائله :
"ياختي الملح كان هنا... الخلطه محتاجه شوية ملح"
مدت "نعيمه" كف يدها جوارها ، تعطيه لها قائله بابتسامه خفيفه:
"خدي، كان مستخبي ورايا "
تناولته "وداد" وهي تستنكر الأمر:
"بس قوليلي هي عملت إيه مخلياكي مش طايقاها كده هي ولا أمها"
ضربت "نعيمه" كفًّا بكف، تخبرها بغيظ:
"بـــوريـــه، بـــوريـــه منها ومن أمها، قولي ما عملتش إيه، بيستغلوا الواد يا وداد، بيستغلوه أسوء استغلال ، الواد يا حبة عين امه جاب الديب فريزر"
مدت"نعيمه" يدها تشير ناحية القدر :
"خدي، حطي صباع المحشي ده في القعر"
واصلت الحديث، بينما تعبّر ملامحها عن استياء مكتوم:
"راح لقمان يا حبة عيني، كان عايز يعينه عندي هنا في الشقه ، عشان شقته فوق كانت بتتوضب، خاف لا يقع عليه حاجه، وهو جايبه بالشيء الفلاني، إنتِ عارفه ياختي الأجهزه الكهربائيه غالية ازاي دلوقتي"
اكتفت "وداد" بإمالة رأسها قليلًا، قبل أن ترد بسخريه:
"عارفة يا نعيمه عارفه ، منه لله اللي في بالي، من ساعة ما مسكها والأسعار بقت نار"
تنهدت "نعيمه"، ومدت يدها إلى طبق الأرز، تلتقط منه حفنه ، وقالت وهي تبسط ورقه جديده بإتقان:
"شوفتي.. أديكي قولتي ، تقوم اللي تنشك في قلبها تقوله ، وإيه اللي يحط الديب فريزر في شقة أمك هاتوه عندي، وأنا هشيله عندنا"
ضربت "نعيمه " كفّها على ركبتها، قبل أن تعلّق في انفعال:
"الواد محطش خوانه، يا عيني"
لم ترد "وداد" ، بل أزاحت خصلة شعر أخرى عن وجه " نعيمه " قائله:
"زيحي شعرك لا يقع في الرز، هــا كملي، وبعدين "
عاد الغضب إلى ملامح "نعيمه" وهي تتابع الحديث، صوتها كان مشحونًا بالقهر:
"يرضيكي يا حبيبتي، الواد يروح عندهم يلاقي أمها فارشا الديب فريزر في شقتها، مشغلاه، وحاطه فيه الأكل بتاعها ولما يسألها مش ده الديب فريزر بتاعنا، ترد بكل برود وتقوله اه ياحبيبي اصل تلاجة ماما باظت ولما زعلت قولتلها انك موافق تاخد الديب فريزر بدل التلاجه اللي باظت وتعتبره هدية عيد الأم "
أغمضت "وداد" عينيها للحظه ، تحاول كبح انفعالها، قبل أن ترد بحده:
"لا ياختي، ما يرضيش حد أبدًا ، وبعدين لقمان عمل إيه"
تحركت "وداد" إلى الحوض، تنظف الدجاج ، تطلق زفرة طويله تعكس قلة حيلتها:
"زعل في الأول شويه يا عين أمه، بس بعدها سكت ما تكلمش ، بنت المقشفه شيماء ادلعت عليه شويه ، وشويه تقوله انه بخيل، واستخسر حتة ديب فريزر في أمها ، ورجع يحوش تاني عشان يجيب الديب فريزر .. قيسي بقى على كده كل حاجة في الجهاز"
أشارت "وداد " بعينيها إلى القدر الذي بدأ البخار يتصاعد منه :
"الميه غليت، اتكلمي ببوقك، مش بأيديكي، اسقطي الفراخ مكانتش عزومه منيله دي اللي عزومتهالنا"
اتسعت عيناها فجأه ، كأنها تذكرت شيئًا :
"آه ، طب وربنا نسيت ، بنت سماح المقشفه خلتني تايهه، مش عارفة أنا بعمل إيه"
كانت "وداد" قد بدأت في تعديل الرصه بداخل القدر ، لكنها التفتت إلى "نعيمه" فجأة وقالت بحزم:
"بس ما تزعليش مني يا نعيمه... لقمان غلطان إزاي يسكت على كده"
تناولت "نعيمه " السكين، وبدأت بتقطيع البصل، وعيناها لمعتا بالدموع، بسبب لسعته قبل أن تهمس بصوت مختنق:
"بيحـــبـها، بيحبها الموكوس، ياكش هو طيب حبتين ، مش زي أخواته
عارفه، ده لو كان نوح ولا أنس، كنت قولت
"أهي حلة ولاقت غطاها"، شبه بعض، أما لقمان... لقمان ده البكري، واخد طيبتي كلها، حبيب قلبي"
فتحت "وداد" دُلفة المطبخ السفلى، تخرج زجاجة الزيت، وسكبت قليلًا منه على خلطة المحشي، ثم سألت دون أن ترفع رأسها:
"طب وبعدين، ما جبتوش الديب فريزر لحد دلوقتي"
أجابتها بما هو بعيداً عن سؤالها :
"بتحطي زيت ليه على الخلطه يا وداد"
فركت وداد بعض حبات الأرز بين أصابعها، قبل أن ترد بنبرة هادئه:
"حسيت الرز ناشف شوية وأنا بلفه في ورق المحشي، مالك يا نعيمه ، ما تبقيش كده ، قولت أحط شوية زيت يفلفله "
أومأت نعيمة برأسها، لكن عقلها كان مشغولًا بأمر آخر، فتذكرت سريعًا تُكمل بصوت ينضح بالغيظ:
"الوليه أم مقصوفة الرقبه شيماء من بجاحتها، اتصلت عليا وبقت تتمنظر عليا بالديب فريزر بتاع ابني وتقولي ، أنا جبت كذا وكذا وكذا لرمضان محسساني إن إحنا معفنين وما بنجيبش حاجه في بيوتنا، ما إحنا بنجيب في بيوتنا يا وداد، وما بنتكلمش ، بنت محدثة النعمه وتقولي أنا جايبه ٨٣ فرخه وعشرين ألف جناح، وفرشت نفسها عليا وأنا كان نفسي ألمها، بس أنا عارفاها، بوق وزياطه، وهي مش لاقيه تاكل هي وبنتها "
سقط أصبع المحشي من يد "وداد" في القدر دون أن تشعر، وقالت بغضب مكتوم:
"ياختشي، إيه البجاحه دي ، أما بجحه صحيح يعني يبقى الجهاز جهاز ابننا وتتفشخر علينا بيه ده أنا لو منك كنت جيبتها من شعرها"
ارتفع حاجبا "نعيمه" وهي ترى "وداد "تشتعل غضبًا، فحاولت تهدئتها:
"اهدي، اهدي يا وداد مش كده، إنتِ عيانه، يجيلك الضغط "
لم تهدأ، بل جذبت غطاء رأسها ، تضعهُ عليها قائله :
"اهدى إيه ، تعالي نروح نجيب الوليه دي من شعرها "
ضحكت "نعيمه" بمراره، ثم جذبت الحجاب من يدها، تضعه اسفلها وهي جالسه، تخبرها بأسى:
"ياختي، ياريت بس أعمل إيه، خايفه على ابني لا أقهر قلبه، وهو ما يقدرش يعيش من غير بنت سماح فلتر المقشفه "
وبينما " وداد " تهم بالرد قطع حديثهما صوت خطوات " لُقمان " يدخل المطبخ ووجه يشع بالفرح :
"أَمـــاه، اعملي حسابك ، أنا أخدت إذن الحج، وعزمت شيماء وطنط سماح عندنا النهارده عشان يتغدوا معانا"
قبضت "نعيمه" على أسنانها في محاوله لكبح غضبها، التقط إشارتها فورًا واقترب منها يجلس القرفصاء بجانبها، أمسك يدها، يقبلها بحب، ثم قال بنبرة راجيه :
"عشان خاطري، يا أمي، شيماء ومامتها جايين النهارده، مش عايزك تعامليها وحش شيماء طيبه وبكره انتِ كمان تحبيها بعد ما نتجوز، بس لو بتحبيني، عامليها حلو"
رأت الرجاء بعينيه ، لم تستطع الرفض ، فقط نظرت إلى عينيه الممتلئتين بالفرح، قبل أن تهز رأسها بالموافقه وحين استدار ليخرج ، همست لوِداد:
"بالسم الهاري، هي وأمها"
سمع "لقمان" همساتها، فوقف بجوار الباب سائلاً:
"بتقولي حاجه يا أمي "
توترت للحظه قبل أن تبتسم مسرعه بقول :
"بقول بالهنا والشفا على قلبها "
❀. ❀. ❀. ❀.
كان المنزل يعج بالحركة والضجيج عقب صلاة الجمعه ، الجميع اجتمعوا في الصاله، يتبادلون الأحاديث بينما كانت أطباق الطعام تُجهَّز على الأرضيه بينما "أنس" ظل جالسًا في غرفته، متحصنًا بين جدرانها، يرفض الخروج رغم أن الجميع كانوا بانتظاره كان عقله مثقلًا بالأفكار، وقلبه يضرب بقوه في صدره، وكأن فكرة مواجهة "سمر" تثير داخله مشاعر متضاربه.
بينما "أنس" غارق في أفكاره، انفتح باب الغرفه فجأه، ودخل نوح بخطوات ثابته، تتجلى في ملامحه روح الأخ الأكبر الذي لا يقبل العزلة غير مبرره ألقى نظره على "أنس"، ثم سأله بنبره تحمل شيئًا من الاستنكار:
"إيه يابني، مش هتتغدا معانا ولا إيه"
رفع "أنس" رأسه، وعيناه تحملان قلقًا غير معتاد، قبل أن يجيب بصوت متردد:
"أوري وشي لسمر إزاي دلوقتي أنا"
جلس "نوح" على السرير بجواره، مسندًا ظهره بارتياح، أجابه وهو يرسم على وجهه ابتسامه ساخره:
"وهي شافتك فين يعني ما عادي، كلنا بنلبي نداء الطبيعه، مش انت بس"
لم يرى "أنس" الأمر بهذه البساطه، فأطرق رأسه في ضيق:
"يا سلام! إيه السهوله دي"
لم يكن "نوح" من النوع الذي يسمح لأخيه بالغرق في دوامة القلق بلا داعٍ، فوقف واتجه نحو الخزانه، يفتش بين ملابسه بحثًا عن شيء يليق بالموقف:
"البس حاجة شيك، وذوق واقف قدامها عادي، ولا تحط في دماغك"
لكن الملابس لم تكن على مستوى التوقعات، فزفر "نوح" بضيق، وقال وهو يقلب القطع بين يديه:
"إيه الهدوم الزفت دي، ما عندكش غيرهم"
أشار "أنس" برأسه نافيًا، وقال بلهجه اعتراف صريحه:
"لأ، هما دول بس، ما انت عارف أخوك"
تأمل "نوح" الموقف لثوانٍ، قبل أن تلمع في ذهنه فكره، فرفع يده مشيرًا "لأنس" بالصبر:
"طيب استنى، أنا شوفت موسى امبارح داخل بشنطة أكيد متروسه هدوم، هدخل أشقطلك منها طقم جامد، تكون إنت غسلت وشك كده وانجز عشان الحج صاحب البيت ما يقلش منا كلنا، انتَ عارف إنه بيحب نتجمع على الغدا يوم الجمعه"
أومأ "أنس" برأسه موافقًا، لكن شيئًا من الترقب بدأ يتسلل إلى نفسه، ربما لأن فكرة استعارة شيء من موسى لم تكن تخلو من المخاطره
حين دخل "نوح" غرفة "موسى"، كان المشهد أمامه مغريًا لأي شخص يعشق الأناقه الحقيبه الجلديه كانت مفتوحه، بداخلها ملابس فاخره من علامات تجاريه عالميه، لا تزال بطاقاتها التجاريه معلقه بها، وكأنها لم تُرتدَ من قبل ابتسم بسعاده وهو يخرج منها ستره جلديه أنيقه، ارتداها فوق بنطاله، ثم وضع بضع قطرات من العطر على عنقه، ليكمل إطلالته الجديده.
لكن ما جذب انتباهه أكثر كان تلك الخوذه السوداء اللامعه الموضوعه على الطاوله، وبجوارها مفاتيح الدراجه الناريه الخاصه بموسى لم يكن بحاجه إلى التفكير طويلًا ، ما إن وقعت عيناه على المفاتيح حتى تسارعت نبضاته، وكأن قلبه قد قرر أن يحتفل بهذه الفرصه غير المتوقعه ابتسم بخبث، التقط الخوذه والمفاتيح، ثم خرج من الغرفه بخفه، متسللًا دون أن يشعر به أحد.
استند "نوح" إلى دراجته الناريه، وضع الخوذه على رأسه واستعد للانطلاق، لكنه فجأه، وقبل أن يدير المفتاح في المحرك، وقعت عيناه على مشهد أثار فضوله
على الجانب الآخر من الشارع، كانت هناك فتاه تقف بمظهر لا يتناسب مع أجواء الحي الشعبي ملابسها أنيقه ، تحمل طابعًا راقيًا، لكن نظراتها القلقه كانت تخون ثقتها الظاهره كانت عيناها تدوران في المكان وكأنها تبحث عن شيء مفقود، أو شخص تنتظره بفارغ الصبر
الشباب في الحاره لم يكونوا بطيئي الفهم، كانوا يراقبونها بنظرات تطفل وريبه، يحاولون التحدث إليها، لكنها تجاهلتهم تمامًا، وكأنهم غير موجودين. ومع ذلك، لم تكن تلك اللامبالاه كافيه لإبعادهم، بل زادتهم فضولًا.
لم يكن "نوح" ممن يتجاهلون مثل هذه الأمور، فنادى على "آدم"، الذي كان في طريقه إلى المنزل، بصوت جاد:
"آدم، آدم، خد، عايزك"
لكن "آدم" كان في عجله من أمره، فأجابه بغير اكتراث وهو يرفع كتفيه اعتراضًا:
"لأ، أنا هطلع عشان الحج عايزني"
"نوح" لم يكن من النوع الذي يستسلم بسهوله، فاقترب منه قليلًا وقال بإصرار:
"استنى بس ، هقولك حاجه "
مد يده وكأنه على وشك الإمساك به، لكن "آدم" تراجع فورًا، وكأن لمسه كان أمرًا غير مقبول بالنسبة له، ثم قال بحده:
"ما تلمسنيش، ما بحبش حد يلمسني"
رفع "نوح" يديه في الهواء مستسلمًا، لكنه أضاف بلهجه ماكره:
"مش هلمسك، بس بشرط"
ثم أشار برأسه نحو الفتاه الواقفه بعيدًا، وسأل بفضول لا يخفيه:
"تقولي البنت دي بدور على إيه، وإيه أصلها وفصلها"
قبل أن يجد "آدم" فرصة للاعتراض، اقترب "نوح" منه، عاقدًا ذراعيه على صدره بابتسامة جانبية، وقال بنبرة ساخرة لكنها تحمل تهديدًا واضحًا:
"لو معرفتنيش دنيتها، مش هسيبك إلا وانت في حضني"
لم يكن أمام "آدم" سوى القبول" وقف يحدّق بالفتاه قليلًا، مراقبًا كل تفصيلة صغيرة في حركاتها، نظراتها، حتى وقفتها المتردده، ثم بدأ يتحدث بصوت منخفض لكنه واثق، وكأنه يقرأ أفكارها المكتومه
"هقولك"
وقبل أن يتفوه بشىء وجد من يضع يدهُ على كتفيه دون الأكتراث الى حالته فظلت صرخته تدوي في الأجواء تصم كل من يقترب منه
↚
🍂شَجرة أكَاسيــَا
تجمّدتِ الأجواءُ، كأنَّ الحياةَ توقّفتْ للحظةٍ لا تتجاوزُ طَرفةَ عين، ثم انفجرَ الصمتُ.
"مـاتـلـمـسـنيــش"
شقَّ صوتُ "آدم" سكونَ الحَاره كطلقةٍ طائشةٍ، حاملًا ذعرًا واضحًا في نبرته ، وكأنَّ الجميعَ شهدَ جريمةً تتشكّلُ أمَامهم
ارتجفَ للخلفِ كمن يهربُ من قيودِه الأخيره، أنفاسُه مُتقطّعه، وجسدُه يَرتجف ، أصابعُهُ انكمشَتْ حتى غرزتْ أظافرُه في جلدِه.
عيناهُ متّسعتانِ كمن واجهَ كابوسًا مفاجئًا، ووميضُ ذكرى كرِهَها وتمردَ عليها تُلاحقُه... كرِهَ اللّمسَ، وخذلوه .
"لسه عبيط زي ما انتَ يا أدم "
كَان صَوت "سَعد" جَارهم المقِيم بِنفس الحَي مَعهُم مُمتزج بِالسُخريه زَحف فَوق طبَقات الفَزع المُتحَلق حَول "آدم"، نَبرةٍ وَقحه تُقطر تَمتعًا بِالهَلع المُنتشر فِي أَوصَال غَريمُه، اِلتَوى فَمه بِابتسامةٍ جَارحه، يَمد يَده مُجددًا كَأنه يَهوى رُؤية الصَدمة فِي عَيني "أدم" ، تَدخل "نوح " يُدافع عن شَقيقه سَائلاً:
" ايه ده ، مالك ياكَريزما في ايه "
ثُم أشَار " نوح " بأصَابعه عَلى جَانب رَأْسه بِحركَات مُتتابعه كَمن فَقد السَيطره يَسترسل :
" هي فرطت منك ياسعد ولا ايه "
هَكذا عَلق " نوح " عَلى حَديِثه فَسَخر "سَعد " مِنه بِقول :
" فرطت من مين يلا ، مني انا ، أنت َ اتجننت يابن الفران "
مَد كَفه يَغرز اصابعه في كَتف " نوح " مُستمراً في سُخريته:
ابلع ريقك يابا وروح اغسل ايدك من العجين الأول وابقى تعالى كلمني "
أَشَاح " نوح " كَفه غَاضبًا ، هَاتفًا بِنَبره أَشّد حِده :
" هو ايه ده ياعم ، أوعى أيدك ياسعد لا كسرهالك"
تَجاهل تَحذيرُه وكرّر " سعد " حَركته، وَهذه المَره كانت أعنف، جَعلت"نوح" يَفقد توَازنه يَتراجع لِلخلف خطواتٍ رغمًا عَنه أقتَرب " سَعد " خَطوات مُتحدياً أياه :
" تصدق ياخويا انا خفت لا تكسرلي ايدي وتعملي عاهه مستديمه ما بين صوابعي "
ثُم رفَع كَف يَده المُمسك بلفافة تَبغُه يُطالعها بِسخريه وهو يُكمل :
" ومعرفش اكمل بقيت سيجارتي "
التَفت "نوح" خَلفه ليَجد الذُعر دَاخل عَيني شَقيُقه ، حَاول التمَاسك مِن أجلهُ فَكرر بِصوتٍ أكثر حِده غَامزاً :
" يسطا ، انتَ جاي تقول ياشر اشتر ولا ايه ، مشي معايا الدنيا "
غَمز لهُ بِطرف عَينه يَكمل :
" الدنيا لوحدها خنقه يسطا الله يكرمك "
أشَار بِيدهُ علَى شَقيقه حَتى يَرأف عَلى حَالته :
" اكيد انتَ شايف "
نَطقت أَحدى السيدات الوَاقفه بالشرفه :
" ماتسيبه بقى ياسعد ، الواد ادم هيموت من الرعب "
رَفع " سَعد " نَظرُه يُطالعها بأحتِقار :
" بس أنتِ يا ام حسونه ولا تحبي حسونه يبقى مكانه "
أَنتَهز " نوح " الفُرصه وأَسرع بِأتجاه "شَقيقه" مَد لهُ كَف يَده في مَحاوله مِنُه للنهوض بِه وَهو يَقول :
" ادم ، قوم بسرعه اطلع فوق ، نادي اخواتك واوعى تنزل من فوق أنتَ فاهم "
رَفع " أدم " عَيناه نَحوه دونَ استِجابه مِنهُ ، لَمح "نوح " هيئتهُ المُضطربه ، شَعر بِخافقهُ يَخفق بِأضطِراب ، لَمح أْناملهُ التي تَرتجف يَخرج أصواتٍ كَالهمهمات مِن بَين شَفتيه المُرتَجِفه بِالصَلاه عَلى نَبيُنا أْشرف الخَلق ، ضَجر "نوح " بِصوتٍ خَانق يَحثه بِقول :
" مش وقته يا ادم الصلاه على النبي دلوقت ، أنا عارف أنتَ بتمر بأيه بس ساعدني مافيش وقــ "
وقَبل أن يُكمل "نوح " جُملته قَام " سعد " بِجَذبه نَاحيته بِقوه مُلقياً بهِ عَلى الأرضيه :
" تصدق يسطا أنتَ كده ماطلعتش تمام بتستنجد باخواتك بدل ما تقف قصادي راجل لراجل .. ولا انتَ مش راجل "
نَفض " نوح " يَديه يَستعد للوقوف قائلاً :
" اهوه ده الكلام اللي هخليني اخبأ منك "
قالها " نوح " بِضجر وَلم يَعُد بِه بَعدها أي هِدوء وَكأن جُِنون أَصابه أدىَ الى أنفِعالهُ الشَديد وَلم يَشعر بِنفسُه الا وهو يسَدد لَكمه قَويه الى وَجه "سَعد " جَعلته يَقع أرضًا من قُوتها قَائلاً :
" اللي ييجي على أخويا هزعله "
شَقيقُه خَلفهُ وأمامه " سعد " يمَسح دماؤه بِكف يَده بَعدما بصق دماءه من شفاه ، أشَار " نوح " بِيده في حَركه قامت بأستفزازه وكأنه يَقول لهُ أنا بِأنتِظارك ، وعَلى دون غَره تَلقى " نوح" لَكمه على وجهُ ، تَراكمت الأجسَاد حَول "نوح"، تَتلاحق الركَلات واللكَمات عَليه مِن كل صَوب بَينما هو يتلوّى على الأرض محاولًا حماية وجهه بكفّيه، يلهث بين الضربات، ويركض بعينيه باحثًا عن خلاص فَخرجت سَبه نَابِيه مِن بَين شَفتِيه :
" بتتكاتروا عليا ياولاد الـ .... عشان بطولي "
تَقدّم "بشر" نَحو الزحَام بِخطى مُتباطئه ، يُحاول أن يَتسلّل بِنظرُه بَين الأجسَاد المُتحلّقة ليَرى مَن ذَاك الَذي يُنهال عَليه بِالضَرب، لَكن الحَشد الكَثيف كَان حاجزًا منيعًا ابتَسم بَسمتُه البلَهاء يَقُضم قِطعه من الخِياره بيدهُ :
" اللـه عـــركه "
وفي فَجوه ضَيقه بَين الأرجُل المُتزاحمه ، لَمح "نوح" وجهًا مألوفًا كَانت مَلامِحُه واضِحه ، تلِك الابتِسامة البَلهاء، وتلِك اليَد التي تَرفع خيِاره نَحو فَمه بِلا مُبالاه :
" بــِشــــر "
نَطقها " نوح " بِصوتٍ مُتهالِك بِالكاد خَرجت مَن بَين شَفتِيه يِمد يَدهُ نَحوه كَمن يَتشبث بِطوق نَجاه وَسط غَرق مَحتوم
مَال " بِشر " بِجسده قليلًا، مدّ عُنقه، أرهَق عيِنيه بحثًا عَن مَلامح مَألوفه، وفي يَده بَقيت قِطعة الخِيار، يَقضمها دون اكتِراث، وحَين عَجز "بِشر " عَن الرؤيَه، التَفت إلى شَقيقُه الصَغير الوَاقف بِجواره وسَأله بِنبره سَاذجه، لا تَخلو مِن ابتِسامه بلهَاء، وهَو يَنهي آخَر قَضمه :
"ولا ياهيما مين اللي بيتفرم تحت رجلين سعد وشلته "
سَمع " ابراهيم " صَوت مَضغ طَعامً يَتحطم مِن بَين أسنانُه وأَيدهُ بِصوته الذي يَتضح ان فَمه مَحشو بِالطَعام ، فأجَابُه دون أن يَلتفت اليه ، عِيناه لا تَزال مُعلقه بِالمشهد :
" وانا ايه اللي عرفني يابشر ، انا لسه جاي حالاً من الدرس وعالابيض خالص ، بس الواد ياعيني ، ايــــه ، مفروم على الأخر "
وَصل " نوح " إلى أقصَى دَرجات العَجز، بيَن ألَم جَسده، وسَخافة صَديقه صَرخ بِأعلى صَوته رَغم ضَعفه:
"أنا نوح يا حــمــار"
وَصلهُ نداءُه أخيراً ، أقتَرب " بشر " منهُ وَهو يُزَمجر بِصوتِ قَلق :
" ده الولا نــــوح ، نهار ابوكم فُحلقي "
أشَار بيِده كَالسَهم بِصوتٍ مُتَحشرج بَعض الشَىء :
"ولا ياهيما ، اجري على بيت الحج نصار ، نزل موسى واخواته "
هَرول "ابراهيم " يَفعل كَما أُمر بهِ ، وشَق "بِشر " الزِحام يُهرول اليه دونَ تَفكير يَلكم مَن يَراه أمامُه بِهيئتهِ الضَخمه ، أنحَنى نحو " نَوح " في لحظه ، مدّ ذراعُه الضَخمه ، وَرفعُه عَن الأرضيِه ، وأوقَفه علَى قَدميه بِجانبه في حركةٍ واحِده ، أشَار "بِشر " برأْسه الى "نوح" قائلاً كلِماتهم المُعتاده حيِن يَخوضون اي شِجار :
"عركه يازميلي "
مَسح " نوح " بظهر يَده الدِماء المُتناثره على وجهه لاَهثًا:
"عركه ياصديقي "
التَقط "نوح" أنفَاسه ثُم التفّ للِخلف صارخًا:
" بتتكاتروا عليا ياشوية خنازير عشان لوحدي ، عليا الطلاق ياسعد ما هتبات فيها النهارده "
٠٠ ❧❀❧. ٠٠
"حين يُهدى القلب طوعًا ، تُصبح الحريّة زيفًا، ويغدو الأسر شُعورًا لا قيدًا ، فَالإنسان يَتنفّس مَا دَام قَلبه لُه، وَما دَام القَلب خَارج الجَسد ، صَار نَفَسه موقوفًا على نبض من يحب "
"مالك بس ياشيماء لاويه بوزك ليه على الصبح "
ابتِسامه صَفراء صَدرت مِنها الِيه وقَالت :
" ما أنتَ شَايف بِعينك يعني يالقمان ، أمك مش مدياني وش ولا أنا ولا أمي من ساعة ما جينا "
وَقفَ أمَامها يُبرر بِنَبره مُتوتره:
" هي الوليه لحقت تديكي وشها ولا حتى قفاها يابنتي "
أَشَار بِعينيه لِوالدتها بِالجلوس قَائلاً :
" ما تقعدي ياحجه واقفه ليه "
جَلست " والدتها " عَلى مَقربه مِنهم تَصتنت بِهدوء لِما يَحُدث شَد " لُقمان " عَلى أزره يُكمل :
ايه يا شيماء ، ايه ياشيماء داخله بزعابيبك ليه ، ده أنتِ يادوبك لسه داخله ، أمي جت سلمت عليكي ودخلت عشان تغرف الغدا "
نَاولته كِيس الفَاكهه بِغيظ :
" بلا داخله بزعابيبي ، بلا داخله بلهيبي ، وانا ياخويا لو كنت داخله بزعابيبي كنت كلفت نفسي وجيبتلكم تلاته كيلو موز مره واحده "
وَضع " لُقمان " الكيس بِجانبه عَلى الأريِكه بِضيق :
" موز مره واحده ، كتير علينا كده ياشيماء "
أثَارت " شيماء " حَنق " نعيمه " حينَ جَاءت مُتأخره كَعادتها ، أخرَجت قِدراً نِحاسيًا ، ثُم طَفِقت تَلقي بِه كَومة أورَاق "الاكاسيا" لنَقعها وَتركت مَاءٍ عَلى المَوقِد لِتَسخينُه
" البت اللي معندهاش ريحة الدم ، جايه قبل الغدا بخمس دقايق تاكل وتمشي "
تَمتمت " نَعيمه " بِتذمر لا تَزيح بَصرها تُقلب بَين أدراج المَؤونه بَحثًا عَن بَعض الأعشَاب لِتحضير الشَراب المُفضل لَدى " موسى " وَهو خَليط مِن أعشَاب مُتناثره جَمعها مِن بِقاع الأرض ، وَلونَها عِند الغَليان ، أشبه بِغروب الشَمس ، لا أحد يَعرف مُكونات هذا الشَاي الا هو ، ولاَ يَشربه إلا حين تَختلط الوحِده بِالحنين ، وعَلى الرغم مِن كُره
" نَعيمه " لِخلطة الأعشاب هَذه الا أنها تُحضر منه القَليل حَين تَشعر بِالأنزِعاج الشَديد ، شَعرت "وداد" بِتوترها ، اقتربت مِنها بِبطء شَديد سَائله :
" مالك يانعيمه ياختي ، طلعتي بره كنتي كويسه دخلتي زي القطر وعينك بطق شرار ، وودانك شويه وتنفس دخان حصل ايه بره خلى زرابينك تطلع علينا كده مره واحده "
أجَابت ولاَ زالت يَداها تُفتش هُنا وهُناك لَرُبما وَضعتهُ في رُكن مَا وَنسيت
"مش شايفه ياختي ، مش شايفه الموكوسه بنت الموكوسين بتيجي على أخر لحظه ازاي ياوداد كل مره مابتجيش غير على الغدا "
أغلَقت درج المَؤونه بِحده :
" راح فين ياربي ده كمان انا كنت بحطه هنا "
كَانت هَذه هَمستها لِنفسها ، ثُم اقتَربت مِنها وَقد تَجاوزت " سمر " الَواقفه أمَامها تَشير بأصابِعها لِلخَارج:
" البت حتى مابتحطش ايدها ياوداد معايا في حاجه بنت سماح ، وانا اللي بقول خلفتي كلها صبيان بكره تيجي اللي تعوضني بحنية البنات اللي اتحرمت منها ياوداد "
تَحدثت السَيده " وداد " بِنبره مُتحيره وَعيناها تَزوغ أرضًا :
" ما تقفي يانعيمه خايلتيني .. رايحه جايه .. رايحه جايه في المطبخ لما دوخت ، بدوري على ايه "
ألتَوى ثِغرها فِي زَهد :
" يعني مش معنى ده اللي هلاقيه ، هو بقى في حاجه بتتلاقى في البيت ده ، عشان الاقي شويه الشاي "
" طيب اهدي ، اهدي وكل حاجه وليها حل ، بلاش تاكلي في نفسك كده "
كَان طَلب السَيده " وداد " طَلبًا وتَرجيًا أكثر مِن كَونهُ استِفهامًا لِلوضع
ماتققوليش اهدي ياوداد و جاموسه هانم اللي بره دي عامله فيها هانم وهي ماتسواش تلاته ابيض ، بس العيب مش عليها العيب على ابني ، ابني انا اللي مش مسيطر ، خليها كده وخداه على حجرها ياريتني كنت خلفت دكر بط اولى "
هَتفت بِِصوت مُرتَفع ليَبلغ حَديثُها مَسامعها ، بَينَما اعتَرضت "سمر " عَلى فِعلها هَذا حَتى لاَ تَفتعل مِشكله هُما في غِنى عَنها :
" وطي صوتك ياطنط نعيمه بالله عليكي لا تسمعنا تبقى مصيبه "
تَجاهلت حَديثها كُليًا تَلتقط أحدى الصحون المُزخرفه عَلى الَرف :
" وايه يعني ماتسمعنا شيماء فلتر ، ولا هتدخل تديني قلمين "
فَلتت ضِحكه مِن " سمر " رَغمًا عَنها عَلى تَسميتها لَها بِهذا الأسم ، ثُم سَمعت " شيماء " صَوت ضحكات فَتاه بِداخل المَطبخ وأستَغربت حَقًا حينَ رَأت "سمر" تَخرج مِن المَطبخ حَامله بين كَفيها أطبَاق المَحشي تَضعهم عَلى الأرضِيه ، طَالعت "لقمان " تَخبرهُ بِتَهُكم :
" وايه اللي جاب ست سمر هنا كمان ، انتوا عازمينها ولا ايه "
تَنهد دونَ أجَابه فَعادت تُكرر :
" ساكت ليه .. ماترد "
وَقبل أن يَجب هَتفت قَائله :
" انا لو كنت اعرف ان سمر وامها جايين انا مكنتش جيت ، وانتَ عارف ده كويس أنا طول عمري مابطيقش البت دي "
صَرحت بِما لَديها بِنبره صَادقه وَقد لَمع الحُزن بِعينين "لقمان " سَائلاً:
"ليه بس يابنت الناس هي عملتلك ايه "
كَررت "شيماء " خَلفه بِأستِنكار :
" عملتلي ايه ، معملتليش حاجه ياسي لقمان ، وبعدين من غير ماتعملي انا لسه هستنى لما تعملي ، كفايه انها طول عمرها من واحنا لسه صغيرين تقعد تتمحلس لامك وتيجي تروق معاها الشقه وتقعد معاها وهاتك يارغي هي ووداد امها "
أشَارت بِكف يَدها نَاحية المَطبخ وَاستَمرت :
" واهيه ، زي ما أنتَ شايف لسه فيها العاده الزفت دي ، رايحه تساعد امك وبتحط معاها الأكل عشان تكسب رضاها ، يمكن ترضى عنها وتجوزها عيل من عيالها ولا حاجه "
سَألها بِحزم وَفي نَبرتهُ شَيئً مِن الاِنزِعَاج :
" وماتعمليش زيها ليه ؟ "
كَانت سَتنطق ولَكنه بَتر حَديثها بِقول :
" وقبل ما تتكلمي بكلامك اللي انا حافظه ، انا ماقولتلكيش اخدميها بس على الأقل في عزومه زي دي ماتعمليش نفسك ضيفه ياشيماء ادخليلها المطبخ اعرضي عليها مساعدتك ، دي اقل حاجه يعني "
" قول كده بقى عايزني اشتغلكم خدامه اسمع بقى
يالقمان ، انا من الاول قيلالك انا مش هحط ايدي في اي حاجه في البيت عندكم انا اه وافقت اتجوز في بيت عيله بس شرطي الوحيد اني مش هدخل بيت امك غير في المناسبات وبس .. وأنتَ عارف كده كويس تيجي دلوقتي تغير كلامك معايا "
مَرر أصَابعه بَين خُصلات شَعره بِعصبيه، وكَأنُه يُحاول تَرتيِب الفَوضَى بِداخلُه ، تَنهد بِعمق في مُحاوله مِنُه لِتهدِئة نَفسُه ، خَرجت كِلماتُه بِصوتٍ مُنخفضٍ، يُكاد يَكون همسًا، كَأنه يَقولها لِنفسُه أكثَر مِن قَولها لَها :
" ياميمه ، ياميمه عشان خاطري بلاش كل ماتيجي زياره عند اهلي نتخانق كده "
هَبت " والدة شيماء " وَاقفه تَبتر حَديثُه :
" أنتَ بِتقول الكلام ده لبنتي ما تروح شوف نعيمه ومقابلتها لينا "
أرجَع بَصره نَحو والِدتها بِحزم :
" أقعُدي أنتِ ياحَجه ، أقعدي أبوس دماغك "
جَلست والدتها ، وأَخذَ يُلامسُ كَتف " خَطيبتُه " بِرفقٍ، وكأنما كان يريدُ أن يُخففَ ثقلَ الأجواءِ بينهما، ثم همسَ بكلماتٍ خَافِته، وكَأنها تَأتي مِن أعماقِ نَفسهِ التي تَعبتْ مِن التَوتر هَاتفًا :
"انا مابحبش اشوف غير ضحكتك يابت ، بلاش بوز البومه اللي مصدراه من ساعة ما دخلتي عشان مش لايق على وشك المقطقط ده "
اِجتاحَ نبرَتَها دفءٌ خَفِيّ، كأنَّ لُطْفًا مُفاجِئًا قد تسلَّل إلى حروفها، وابتسمَت ابتسامةً هادئة، ثمَّ رفعت يدَها برِقَّة، تُعيدُ له ضربتهُ على كِتفه بِحنانٍ خَفيف، تَخبرهُ وَعيونه لا تُفارقهَا :
" لا ياشيخ ، ما هو انتَ كده كل ما تلاقي نفسك اتزنقت تاخدني في دوكه بقى وتقلب عليا الطرابيزه ، ترمي كلمتين حنيه يخلو قلبي يرفرفلك تاني "
ألقَى نَظره سَريعه عَلى ملَابسها ، وَرد بِجديه بِما هو بَعيداً عَن حَديثها :
"بس ايه الچيبه اللي أنتِ لبساها دي "
تلبّستها الحِيره، تَفحصت تَنورتها بِعينيِها دونَ أن تفَهم مَقصدُه :
" مالها .. مش فاهمه "
أشَار إليها بِعينيه يَقتَرب مَنها خَطوه ، وقال بصوتٍ نِصف هامِس:
" لا أنتِ هتبطلي استعباط ، وفاهمه ياشيماء "
نَظرت مُجددًا إلَى التَنوره تُحاول أن تَستَكشِف مَا يَقصُده، وَأجَابت:
" طب وربنا ما فاهمه ، ماتنطق يالقمان بقى ، لا مالها الچيبه بجد ، عشان مش فاهمه يعني "
تغيّرت مَلامُحه فَجأه ، وَدار بِعينيه فِي المَكان قَبل أن يَقترب مِن أُذنَها، وَهَمس لَها بِابتِسامه واسَعه :
" اكلت من جسمك حته "
فَلتت ضِحكه مَنها، تَضربهُ بِخفه عَلى صَدره وهي تقول بِنبره مُبطَنه بِالفَرح :
" خضتني اقسم بالله .. صدقتك وربي بقى.. ماتشتغلنيش تاني يالقمان "
أَكد علَى حَديثه غَامزاً :
" لا بس جامده عليكي "
غَزت الحَمره وَجهها وتَحركت بِخفه نَحو المَطبخ مِن تِلقاء نَفسها هَاتفه:
" طيب اسكت بقى يالقمان "
طَالعها "لقمان" يَتبع خُطاها بِنظراته المُهتمه قَائلاً :
"ايِه يابت القمر ده ، يُخْرَب بيتك"
بَان تَأثير كَلِماتُه عَليها حِينَ لاَنت تَقاسيمَها ، فَأقتربَ "أنس" ِبنفاد صَبرٍ :
"بعد إذن جوزين الكناريا اللي شويه وهيعششوا في صالة بيتنا ، ماشفتوش الولا نوح ، بقاله ساعه لاطعني في الأوضه وقالي استناه "
التَفتت إليه "شيماء" قَبل أن تَدخل المطبخ، وأجَابتهُ بِلا مُبالاه :
"لـــؤه..."
وَقفت " والِدة شيماء " سَائله وَهي تَراها تَبتعد عَن نَاظريها :
" رايحه فين ياشيماء "
رَفع " أنس" صَوته يَوقفها :
" أقعدي أنتِ ياحجه ، أنتِ ايه اللي وقفك ، أنا مش بتكلم "
عَادت تَجلس في مَقعدها ثُم رَفع "أنس" حاجبَيه بِتعجّب، وَردّ مُستنكرًا يُطالب " لُقمان " بالأجابه :
"يعني إيه لؤه دي يالقمان ، رد عليا مش فاهم انا .. ايه لؤه دي يسطا "
تَلقى مِنهُ الصَمت ، عيَونه مُعلّقة بِها وهي تَمشي بخفةٍ نَحو الدَاخل، كَأن الَهواء نَفسُه أصبَح أليَن مِن خُطاها ،سَألها "لُقمان " بِهدوء، مُبطن بالدَهشه:
"رايحة فين يا بِت..."
ألتَفتت لهُ ، وقد ارتَسِمت عَلى ملامِحها الرِضا ، وقالت:
"رايحة أساعد أمك في المطبخ "
فِسألها بِتعجُب :
" غريبه .. وده عشان ايه "
أجابتهُ بِدلال :
" عشان خاطر ابنها"
خَتمت حَديثها تَغمز لُه بِعينيها بَينما هو ابَتسم، كأنّ الجُمله ربّتت علَى قَلبه، قَائلاً:
"حبيبي والله"
تَابعها بِنظراته حَتى أصبَحت بٓداخل المَطبخ وكَأن الضَوء انسَحب مَعها
عَاد صَوت "أنس" فَجأه ، يَوقظه مَن شَروده:
" ايه ياعم ..ايه .. ركّز مع أمي هنا ، الله يحرقك ويحرقها في ساعه واحده ، انجز ، فين الولا نوح.."
فَهبت " والدة شيماء " بِأنزعاج قَائله :
" بتقول على مين الله يحرقها يا انس ماتحترم نفسك "
أختَطف " أنس " نَظره نَحو " والدتها " ثم نَحو
" لُقمان " قَائلاً :
" وقفتي تاني برضوا ، انا مش قولتلك اقعدي ياحجه "
ثمُ طالع "لقمان " بِقول :
" ماتقعد حماتك يالقمان "
تبَدّلت ملَامح "لقمان" ، كأن شيئًا انطفأ في عينيه، وقَال بِصوت مُنزعج :
" ايه يسطا ... ايه يسطا بتزعق ليه ، وربنا ما شُفتُه ياعم "
سَحب " أنس " نَفسًا عَميقًا ، وتَركه خَلفُه الى غُرفَته يَخلع ملاَبسهُ البيتِيه ، يُراقب البَاب بَين الحين والأخر يَنتظر شَقيقه الذي لَم يَأتي بَعد ، وقَف أمَام خِزانَته بِحيره يُقلب بَين قُمصانه القَديمه هَامساً بِداخله :
" ألبس أيه أنا دلوقتي ، ألبس ايه ..."
وَقعت عَيناه عَلى قَميص مِن الچينز ثُم قَام بِسَحبه وأرتداه عَلى عَجله اقَترب مِن المرآة، يُعدّل ياقة القَميص ويُفرُد كُمّيه، قَبل أن يَتأمّل وَجهه قَائلًا:
"المرّة دي بقى يا ست سمر… مقابلتنا لازم تبقى مميزه "
ثُم أردَف بِابتِسامه جَانبيّه يَضع القَليل مِن عِطره المُميز :
"هتشوفي أنس تاني خــالــص ، مش زي المره اللي فاتت "
أشَار إلى نَفسُه وَقد تَملكُه الغرور :
"أنا.. أنا تسيبني مره واحده كده وتعمليلي بلوكات من كل حته … مكانش العشم ياسمر ، بُكرة تندمي إنك سيبتيني"
بَدأ بِتمشيط خُصلات شَعره الجَانبيه ، وتَحرك نَاحية الخِزانه يَبحث عَن بِنطال يُلائم قَميصه
"عــيــالي "
أنَتفِض " أنس" سَريعًا بِسبب ذَلك الصِراخ والذي لَم يَكن سوَى صِراخ والدَته ، شَعر بِقبضهً تَقبض عَلى قَلبه بِقوه ، هَمس لنَفسه :
" ده صوت نعيمه "
تَسمر مَكانُه يُحاول التقَاط مَا يَقولونه بِالخَارج
" حرام والله ، ده ادم ده اغلب من الغلب ، منك لله ياسعد كل ماتشوف الواد لازم ترازي فيه "
عَلم بِما حَدث ، َشعر بِنبضاتُه المُتسارعه تُكاد تَصم أذُنه ، هَرول نَاحية المَطبخ وقَبل أن يَصل لهُ وَجد " موسى " يُهرول نَاحيه "لُقمان " قائلاً:
" الولا هيما تحت البيت ، وبيقول ان سعد وقلاضيشه فارمين ادم ونوح على أول حي الكويت "
استَوقفُه " أنس " بِذعراً فَسأل :
" فين بالظبط "
أتَجه " موسى " مِهرولاً مُغادراً المكَان وَهو يَسمعهُ يَقول بِنبره عَاليه :
" عند كشري شطه جنب المقله ، انجز ياعم "
صَرخت "نَعيمه " صَرخه مُدويه وَهي تَقول :
" أنتوا لسه هتتسايروا ، أجروا أدم معاه تحت ، الحقوا أخواتكم "
وتَابعت بِقولها مُعاتبه :
" منك لله ياسعد ، معرفش فيه ايه بينك وبين الواد"
هَرول " أنس " خَلف أشقائه ، يَنزل الدَرج يَغلق أزرارُ قَميصه بِعدما حَاول بَث الطمأنينه بِداخل والدته ، ركضُ في اتجاه التجمع دون أن يُلقي بالاً لِما يَكسو نِصفه السُفلي… أو بِالأحرى، لِما لا يَكسوه
لم يُدرك في لحظته الطائشة أنه نسي ارتداء البِنطال، وهَرع إلى قَلب الحَارة بِشورتٍ منزليٍّ قَصير، لا يَصلح إلا للنَوم... أو للنَكبات
رَكضوا دَاخل الَحارة والنفَس يَتقطع في صدورهم، لم ينتبه أيٌّ منهم لوقع أقدامه على الأرض، كانت أعينهم تفتّش عن وجوه اشقائهم ، عن طرف واحد يطمئنهم وسط الضجيج.
كان "هيما" شَقيق "بِشر " الأصغَر يَسبقهم بخطوات قليله ، يشير بيده إلى نهاية الزقاق
"أهم ، هناك اهم ياموسى "
وهناك، كانت الفوضى تتكثف ، حشد من الناس اصطف على جانبي الطريق، وبعضهم اعتلى السلالم، وآخرون تكدسوا في النوافذ ، تتشابك العيون على مشهدٍ محتدم، الأنفاس مكتومة، والهمسات متقطعه
كان " نوح " في المنتصف، ذراعه تندفع بقوة نحو أحد رجال "سعد"، يلكمه ثم يتلقى ضربة في المقابل ، يتراجع قليلاً ثم يعاود الهجوم، يُدفع فيسقط، ينهض في لحظة وكأنه لم يقع قط.
بجانبه، كان "بشر" يتصدى لآخرين، وملامحه مشدودة، شفته السفلى تنزف، لكنه لا يشعر بها
لم ينتظر " موسى " دفع نفسه إلى الداخل، جسده يشق الطريق، كتفه يصطدم بالأجساد دون أن يلتفت، وعيناه تمسكان بـ"سعد" مباشرةٍ
ومن خلفه كان "لقمان" يتحرك بثبات لم ينطق، لكنه لمح "موسى" يومئ له، فهم الرسالة دون شرح، اتجه يسارًا ليمنع رجلين من الوصول إلى "أنس".
في الركن الأيمن من الزقاق، انزوى "آدم"، جالسًا على الأرض، ذراعيه ملتفّتين حول جسده، ظهره محني، وعيناه نصف مغلقتين كأنه يتحاشى كل شيء.
رآه "أنس" وسط الزحام، اتسعت عيناه، واندفع نحوه دون تردد كان يلهث، وعلى ملامحه مزيج من الخوف والذنب، ركع أمامه ومد يده ليتحسس كتفه، وجسده يلتف حوله كدرع.
في وسط الضجيج، انقضّ "موسى" على "سعد" ودفعه بجسده دفعة واحدة جعلته يتراجع خطوة للخلف، قالها دون رفع صوته:
"لو جيت على إخواتي تاني… هتزعل يا سعد"
تَوقف الشِجار وضحك "سعد" ساخرًا
" في الأوقات اللي زي دي بحب ازعل "
ثم انقضّ عليه بلكمه سريعة في الفك، ارتدّ "موسى" قليلاً لكنه لم يسقط مَسح الدماء التي انسدلت من شفاهه السُفليه بِظهر يَده:
"أنا ازاي يلا ماشوفتش قبل كده أنك بالوسا**دي "
ثم ردّها بأخرى ، كلّ شيء بعد ذلك بدأ يتداخل
أصوات، اصطدام أجساد، صرخات تنفلت من هنا وهناك، و"لقمان" يشد أحد رجال "سعد" من قميصه ويلكمه في الصدر، بينما "أنس" ما يزال جالسًا أمام "آدم" يحميه بعينيه وظهره
🍁
عُقده في مَعِدة السَيده "نعيمه" مَنعتها مِن أبتِلاع ريقها وشَعرت بأن كُل شىء الأن يَثير غَثيانها ، فأثرت الصَمت ، حَتى وأن لَم تَظهر مَا تَضمُر فالجَميع يَرى رَجفة يَدها وخنصَرها ، اهتِزاز مِقلتيها وفرك كَفيها أحدى علامَات التَوتر ، تَدور في أرجاء الغرفة الرئيسية بِخطى قلقة، كأن المساحة تضيق عليها كلما تحركت يداها تعانقان بعضهما لحظة، ثم تنفرجان في ارتباك، نظراتها تائهه ، لا تستقر على موضع، تمرّ على الباب والنوافذ والجدران ..
كما لو أنها تبحث عن مهرب من فكرة تزداد ثِقلاً كل لحظة.
لَم تَخف عِن السَيده "وداد " تَنهيدة " نعيمه " الثَقيله والتى لاَ تكون صَادره إلا عَن شَك يَليه خَوف ، كانت تجلس على طرف المقعد، تراقبها بصمت ثقيل، ثم نطقت في محاولة يائسة لبعث السكينة:
"اهدي بس يا نعيمة... ماتقلقيش، خير إن شاء الله ياختي"
عَقدت السيده "نعيمه" حَاجبيها وَسحبت المَقعد الذي احَتك مَع الأرضيه الخَشبيه لِتجلس وأمرت تَلك الجَالسه بِجانبها بصوتٍ يشوبه الخوف:
"ما تتصلي يا بت ياسمر على طه أخوكي، شوفيه فين... خليّه يروح يشوف إيه اللي بيحصل على اول الشارع ويطمنّا"
أومأت "سمر" مسايرة حدِيثها وابتِسامه دافئه تُزين ثِغرها ، لِتنسحب نَحو المَطبخ بِغير راحه وقَد شَعرت بِقلق طَفيف
"حاضر يا طنط... التليفون في المطبخ، هاروح اجيبه"
لَم تَنتظر وتَحركت السَيده "نعيمة" نَاحية الشرفة، لَعلها تَلمح أي شَىء ، دفَعت الَباب الزُجاجي وخَرجت، كَما لو أن الهَواء داخل البَيت لَم يَعد يَكفيها.
لحقتها السيده "وداد" بِهدوء، وقفت بجوارها، تتأمل الشارع الصامت، والقلق يتصاعد كضباب خفيف من صدريهما شفتا "نعيمة" كانتا تتحركان دون صوت، ثم قالت، والدمعة محتقنة في صوتها:
"مش قادرة يا وداد... مش قادرة أقعد هنا ثانية واحده "
نَبست "شيماء" بَعد صَمت ، تتبعها والدتها، بِصيغه سَاخره مِواريًا نَبرتها المُتوتره ، التي لا تَليق بِثقل اللَحظة:
"انا مش فاهمه يا طنط انتِ قلقانه اوي كده ليه ، هما يعني بيرضعوا في صوابعهم عشان تقلقي عليهم كده .. دول رجاله "
كَانت نَبرتها مَليئه بِالسُخريه ، لِتقرصها والدتها عَلى حينَ غَره ، وكَانت عَلى وَشك فِعل المِثل لِلمره الثَانيه لِذا ابتَعدت " شيماء " صَارخه :
"إيه يا أمي بتقرصيني كده ليه ، هو انا قولت ايه غلط "
وعِند هَذه الكِلمه ابتَسمت السيده "نعيمه " بِمكر وهَتفت بِحاجِب مَرفوع مُتكتفه تُطالع مقلتِها بِغيظ :
" مش انتِ اللي هتعرفيني ان عيالي رجاله ياشيماء ، ولا ياختي ..
دَست أبهامها بِداخل فَمها بِسخريه تَسترسل :
" هما لا بيرضعوا في صوابعهم ولا عيال صغيره .. دول رجالة الحج نصار يعني من ضهر راجل ...
أشَارت بِكف يَدها على فؤادها بِغيظ :
بس اعمل ايه ، قلبي حنين ، مش قاسي مابتحملش عليهم الهوا ، مش زي ناس
القَت السِيده " وداد" نَظره على كُلاً مِنهما لِتجدهم يتبادلون النظرات الخرساء فيما بينهم قررت حينها كسر الصمت و خرج صوتها صارمًا يخترق لحظة التوتر:
"بت يا سمر أخوكي رد عليكي ولا لسه "
ثُم هَتفت تَشير بِعينيها لـ "شيماء" :
" نقطينا بسكاتك ياشيماء مش ناقصه هي ، أنتِ شايفه حالتها حاله دلوقتي "
ظهرت "سمر" عند مدخل الشرفة، الهاتف في يدها، والقلق مطبوع على ملامحها:
"لا يا ماما... طه بيكنسل، مش عارفة بيكنسل ليه "
في لحظة، اندفعت "نعيمة" نحو الداخل، اتجهت مباشرةً إلى الأريكة، تَلتقط حِجابها الأسود ، تَلفُه على رأسها بحركة معتادة، وهَتفت دونَ نيه لِلتراجع ، وهي تمسك بمقبض الباب:
"وأنا ياختي هستنى سي طه بيه لما مايكنسلش ويرد أنا نازلة أشوف عيالي "
"استني بس يا نعيمه "
تبعها صوت "وداد"، لكنه ارتطم بالهواء... إذ لم تلتفت ، لَمحت أنَامل السيِده "نجاح " تَقترب مِنها ، تَمسك بِذراعها قَرأت ما بِداخل عينيها وكأنها تَنطق دون حَديث بِأنها لَن تَستطيع المكوث هُنا وَتنتظر عَودتهُما أما بِخبرٍ سىء أم جيد تَقدمت مِنها السَيده "نَجاح " أكثر تَبتسم ابتِسامه دَمِثه قائله :
"نزولك تحت وسط الرجاله هيقل منك ، مش هيزيدك ياخايبه "
فَتحت "نعيمه " فاهه لِتعترض ، ضَغطت السَيده "نَجاح " عَلى "ذراعها " تُكمل بِلطف:
" ومش هيقل منك أنتِ بس لاء .. هيقل منك ومن الرجاله اللي معاكي "
تَحركت السَيده "نَجاح" ناحية الأريكه تَجلس بِحذر
واضعه كَف يَدها أسفل ظَهرها بِألم :
" أه ياضهري ، ضهري مفلوق نصين من ناحية العصوصه يابت يانعيمه بقاله يومين مش قادره..
عَدلت مِن جَلستِها تَجلس بِأراحيه :
" لما عيالك الرجـــــاله تطلع وهما سالمين وعرفوا يجيبوا حق أخوهم ، اوبقي وديني الاستباليه يابت عشان ضهري قافش عليا قفشه وحشه "
تباطئت قَليلاً حِينما خَرج مِن بِين شَفتيها كَلمة "الرجاله" وكَأنها تُذكرها مَن هُم أولاد "نَصار " تَنهدت السَيده " نعيمه " تَنهيده حَارقه تَدل عَلى فِهمها لِحديثها
ضَربت السَيده "نجاح" بكفّ يدها على الأريِكه إلى جوارها، ضَربة خَفيفه ، تَشير اليِها دونَ حَديث أن تَأتي ..
كان الهواء ساكنًا، لكن يدها أحدثت رجفة صغيرة في قلب السَيده " نعيمه " تَرددت بين قدميها وثقل الجسد، شيء كان يشدها للخلف.
عينُها على الأريكة، والعَين الأخرى ناحية الباب
"تعالي، تعالي بس يانعيمة… والله ما تقلقي .. شويه كده وهتلاقيهم جايين "
هَتفت بِها "نجاح" بصوت خافت، لكنه نُطق كالوعد ، حَديث بدا وكأنه خرج من صدر لا يكذب.
جلست .. جلست بجوارها كأنها تستسلم، لا من الضعف، بل من رغبة مُرهقة في التصديق.
"بجد يا ياما"
سؤالها لم يكن بحثًا عن إجابة، بل عن طمأنينةٍ تُثبت نفسها داخل الملامح المرتعشه
أشَارت السَيده " نجاح " إلى نفسها ببطء، كأنها تُقسم:
"هو أنا قُلتلك حاجة قبل كده وطلعت غلط ياموكوسه "
هَزت رأسها بالنَفي فتابعت السيده "نجاح " تَميل بِرأسها ناحيه "نعيمه " هامسه:
الست اللي بجد ماتحشرش نفسها بين الرجاله وتقف تزعق وتهلل وسطهم طالما رجالتها واقفه ، وانتِ عارفه زي ما انا عارفه انهم مش قليلين "
ارتخت شفتا "نعيمه" في شيء يشبه الابتسامه وكأن الخَوف خَجل مِنها فاختبأ لَحظه
لمعة صغيرة في العين مزيج من الخوف والراحة، ظهر واختفى في طرفة ، ثم أشارت السَيده
" نجاح " برأسها نحو "سمر" :
"روحي يا سمر… روحي النهارده الجمعه ولعي شوية بخور، بخري البيت… خلّي الشيطان يبعد عننا"
ثُم أزاحت بِبصرها نَاحية شيماء :
" روحي ساعديها ياشيماء "
لَوت "شيماء" فَمها دونَ رَد ، فأعادت طَلبها بِحده :
"ماتروحي تساعديها يابت واقفه كده ليه "
تَحركت ناحية المَطبخ بِضجر :
" رايحه اهوه "
كَانت هَذه هَمستها بَينما سَمعت "نعيمه" صَوت اقدَام تَطرق دَرجات الطَابق السُفلي ، لم تُدرك السَيده "نعيمه" كَيف انتفض جَسدها بُمجرد أن بَلغها أصواتِهم ، شَعرت بِقلبها يَنهض واقفًا قَبلها أبتَسمت السَيده " نجاح " قائله :
" اهم جم ياستي ، أجري افتحلهم بقى "
هَرولت تَفتح البَاب دونَ شُعور مِنها ليُقابلها وَجه
" نوح" بِأبتسامه مُنكسره و وَجه شَاحب بِالرغم مِن أن أبتِسامة " نوح " لا يَكسرها شِىء
أرغَمت نَفسها عَلى نَسج خَيال ابتِسامه مِن دَاخل كُل شىء مُدمر بِها وأقتَربت مِنهُ
" ايه يانوح ، حصل ايه ياواد طمني ، الولا سعد معلم على وشك كده ازاي .. ياولا انطق ، طيب أخوك بخير ، فين اخواتك "
أشتَدت يَدها عَلى مِقبض البَاب تَنتظر أجابَتهُ تجَاوزها يُحاول كَتم بَسمتهُ
" ياستي ماتقلقيش طالعين مع الحج ورايا "
نَبس بِجملته بعدما تَجاوزها ، بَينما سَمعت صَوت يُنادي بِهمس عليِها بِنبره مُشبعه بالبَحه خَلف البَاب
"نَـعيـمه "
أقتَربت بِحذر لَتتفاجىء بـ " أنس" يَمط قَميصُه الجينز للأسفل ليُخبىء مَا يَستطيع مِن شورت قَصيراً يَرتديه أسفلُ جَسدهُ بِكفيه ، عَيناه تتلفتان
في كُل أتِجاه ، يَعلم تمامًا مَن في المَنزل ، أشَار الى فَخذه بِرجاء نِابع مِن عِينيه قَبل لِسانه
" اما .. استري عليا ياشيخه ، ادخلي بسرعه هاتيلي بنطلون .. انا بلبوص ياما "
شَهقت مِن دون صَوت لِما رأت مِن حال ابنها ، طالعها بِندم وهو يَشير لِنفسه
" ايه يانعناعه هتفضلي راشقه عينك في فخدتي كده كتير ، مش ناويه تبدي اي ردة فعل للي شايفاه طيب "
أشَارت " نعيمه " لِفخذه مَع ضِحكات لَم تَستطع كَبحها
" ايه ياواد اللي معري فخدتك كده "
أجَاب على سؤالها بِحديثٍ أخر :
" مش وقته دلوقتي يانعناعه هبقى اقولك بعدين "
انحنى يُقبل كَف يَدها وهو يَترجاها :
" بس ابوس ايدك .. ابوس ايدك وطي صوتك ماتفضحنيش ، ادخلي بسرعه هاتيلي اي حاجه البسها"
ابتَسمت " نعيمه " تَنزع حِجابها تَلقيه بوجه تَضم ذرَاعيها الى صَدرها
"خد استر نفسك ياموكوس "
كَانت ملامحُه عَابسه يَشير لِنفسه :
"ايه ده ؟ "
" لو مش عجباك هاتها يامفضوح انا مش فضيالك فين أخوك "
ابتَسم بَسمه مَليئه بِالضجر وهو يَقوم بِلفها على فَخذيه بِحنق يَرد عَليها بِضيق
" طالع ورايا "
أشار " أنس " لفخذه :
" طيب كنتِ هاتي طرحه طويله شويه ، عجبك كده ، الشعب يشوف عورتي ، اودي وشي من الشعب اللي جوه انا فين دلوقتي "
ضَحكت السيده " نعيمه " على منظر أبنها فَهي تَعلم بِمن يَقصد بالشَعب ، أنهى حديثه وتَركته وتحركت ناحية الخارج تنتظر صعود " ادم " بفارغ الصبر ، بَينما هو دخل الى المنزل كاللص ينظر يمينا ويسارا حتى يَتبين اذا كان يَتحرك سَريعًا لاقرب غُرفه مِنه يَتلفت حَوله بريبه يَحمد الله في قَلبه ان لا أحد بالداخل والجميع يَنتظر بالشُرفه ، وبِسرعه كَبيره اتجه الى غُرفته وقَبل ان يَصل اليها لمح " شيماء " تخرج من الشرفه ولم يَجد سوى المطبخ ليحتمي اليه ، وَلم يَكد يَخطو بِقدمه للداخل حَتى شَعر بِطبق مِن الشوربه السَاخنه يَسقط عَليه ، لمَ يَشعر بِالحراره مِن كَثرة شعوره بِالخجل ، تلاقت عيونه بـ "سمر " ، واشتدّ الحرج.
لا يَعرف أيَن يخبئ نفسه، فابتلع ريقه كأن حنجرته قد ضاقت، وارتسمت على شفتيه ابتسامة بائسة، لا تخفي شيئًا من ارتباكه، بل تُعلنه بصراحه
مدّ يده إلى طرف القميص مرّة أخرى، يشده كأنما يتّقي به نظراتها، ثم تمتم بنبرةٍ مبحوحة:
"اوعي تبصي تحت ياسمر .. انا بلبوص "
شَهقت في مكَانها، مذهولة مِن المشهد، لَكن طَرف فمها ارتجف، وكأن ضحكة صغيرة كانت تحاول أن تتسلل... ثم أدارت وجهها سريعًا، تُخفي احمرار خديها تَاركه المَطبخ ، بينما هو ظلّ واقفًا هناك، كمن داهمه القدر بقميص طويل... وشورت قصير
. . .
. .
. . .
فِي الَأزمَات ، لاَ نُعد الوَقت… ولَا يَشغِلنا مِروره بَل فَقط نَرجو نِهايتُه ، يَنتظر " أدم " بِمُنتصف المَنزل كأن الأرض تحت قدميه غريبة عنه...كأن الزمن متوقف، لا يتقدّم ولا يعود.
عيناه معلّقتان بباب غرفة والده المغلق، شفاهه تتحرك همسًا بالصلاة على النبي، لا يكاد يسمعها أحد، كأنها رجاء يوشك أن يُقال ولا يُقال.
أصابعه تتحرك بلا وعي، تفرك بعضها، كأن فيها شيئًا يحاول أن يخرج، توتره كان يفضح كل شيء، حتى الهَواء حَوله صَار أثقل، يضغط على صدره
كانت السَيده "نعيمة" تقف بجانبه، تنظر إليه بعينين خائفتين، تحاول أن تفهم، تحاول أن تُطمئن لكنه لا يجيب ، كأنه غارق في بحرٍ داخلي، أمواجه تتلاطم بلا صوت، لا يسمعها أحد سواه.
" أموت وافهم ماله ابن الخرداتي بيك ، كل ما يشوفك يترازل عليك ، ايه اللي خلاه يقلب عليك كده ، ده انتوا مكنتوش بتاكلوا غير من طبق واحد"
كَالعاده ، لمَ تَتلقى رد ، وفَضل الصَمت كَان الحُزن أثقل مِن أن يُقال ، ظَلت عيِناه مُعلقتين بِذلك البَاب
حَاولت السَيده "نعيمه " أن تَجلسه علَى الأريكه ، تُلامس ذِراعُه بِخفه لَكنه أنتَفض كَمن لُسع ، تَراجع خَطوه جَسدُه كُله يَرتجف فأزالت يَدها فوراً
" ماتخافش يا ادم ، حقك عليا يابني ، مش هلمسك تاني ماتخافش "
تَجاوزها دونَ رد يَتجه نَاحية غُرفته يَغلق بابه بأحكام ، ثُم انتقل الى الفراش يَحتضن وسادتهُ بِقوه والرَعشه تَعتلي كامل جَسده
كَانت الغُرفة مُضاءة عَلى نَحو خَافت، يَجلس "الحج نصار " أسفل النَافذه ، تَتدلى مَسبحتُه مِنه تَنزلق حبَاتها بِبطء مِن بَين أصابعه ، يُمرر عينيه عَلى أولاده الواقفين أمامه ثُم يَنظر الى مَسبحتُه مِن جديد يَستغفر ، قَلب " موسى " نَظره الى "لُقمان " الواقف جواره وبَادله "لقمان " نَفس النَظره يَنتظرون حَديث والَدهم ، رفع
" الحج نصار "عينيه إليهما أخيرًا ، وجهه هادئ، لَكن السكْون فِيه لَم يَكن طَمأنينه ، بل ما يسبق العاصفه
"مين فيكم بقى الشبح اللي بـ100 راجل، وبدأ الخناقة مع سعد وعيلته "
تقدّم "موسى" يَمد يَده خَارج النَافذه ، تناول القله، ورفعها إلى فمه كُل رَشفة بَدت كأنها تَزيح حملًا عَن صدره، لَكن بلعته الثقيلة فضحته.
تفاحة آدم في عنقه تحركت بحدة، ثم مسح فمه بظهر كفه وأعاد القلة الى مكانها قال بهدوء:
"إنت تعرف عنّا كده يا حج ، أحنا غلابه ياحج "
نظر إليه الحج "نصار " طويلًا، بِعين من لا تنطلي عليه الإجابات الملتوية مرّ بعينيه على القلة وهو يَقول :
"لا .. لا سمح الله أنا أعرف عنكم كده بس ، ده انا اعرف عنكم ابو كده وام كده كمان "
أنفَلتت ضِحكه مِن "لُقمان " أثارت غَضبه
"بتضحك على خيبتك يالقمان ، لما تبقوا رجالة كبار... المفروض تبقوا عارفين الصح من الغلط.
جوز البهايم اللي بره دول ما بيعرفوش يفرّقوا.
إنما إنتوا .. أنتوا تنزلوا الحاره وتضربوا وتتخانقوا، وتسيبوا الواد سايح في دمه كده وتكسرولوا دراعه بالمنظر ده
جلس "لقمان " بجواره محاولًا التبرير، وكأنّه يبحث عن ثغرة في الحرج:
"يا حج... الواد ده بقاله فترة حاطط آدم في دماغه،كل ما يشوفه، يترازل عليه، كل مرة بنتكلم معاه بالأدب..."
بَتر "موسى " حَديثه :
"ادب .. ادب ايه يالقمان ماتصلي على اللي هيشفع فيك يسطا هو اللي زي ده ينفع معاه الادب"
تَحرك ناحية الأمام خَطوه يستردف :
" وحياة ديني انا لو كنت أعرف إنه بيضايق آدم بالشكل ده كنت بيّته في حجر أمه من أول مرة"
"وأنتَ عايز تعمل ايه أكتر من انه راح يجبس دراعه في المستشفى ياموسى "
هَتف بها "الحاج نصار " فأجابه دون تَردد :
"ادشدشله دماغ امه قسماً بالله ما ياخد في ايدي غلوه "
وقف "الحج نصار" ، ببطء، خطواته ثقيلة لكنها واثقة، اقترب من موسى، بعينين تشبهان الصمت،
ابتلع "لُقمان " ريقه يُطالع شَقيقه بِنظرة لَوم عَلى ما قاله ، رَفع "الحج نصار" ذراعه وبدا عليه الغَضب ولكنه ربَت على كَتف موسى تَعتليه ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مزيجًا من القسوة والرضاوقال بصوت يكاد يُخفي الإعجاب خلف الجدّ:
"جدع يا لا تربيتي"
. . . .
. . .
. . . .
أطفأ "ادم " الأناره ودَثره نَفسه جيداً دَاخل الفِراش
يَشعر بِالنوم ، يَشعر بالتَعب لَكن لا بوادر لِلنوم ، حَاول مِراراً وتِكراراً ، كلما أغمض عينيه، زحف إليه الماضي كظلٍّ ثقيل حاول أن يطرده، أن ينسى
لكن ذاكرته أبت،وسحبته إلى ذلك اليوم ، اليوم الذي بدأ بِه كل شيء
كان "آدم" و"سعد" يلعبان في الشارع الترابي، تحت شمس مائلة إلى الغروب.
كان البلي موزعًا بدقة أمام " سعد "، بينما ركز نظره بعين واحدة مغلقة، والأخرى محدّقة كالسهم، يستعد لإطلاق الضربة الحاسمة.
"آدم" يقف إلى جواره، يراقب باهتمام طفوليّ، يشجع صديقه بصوت حماسي:
"يلا يا سعد، تقدر تجيبها، مش بعيدة... عايزين ناخد منهم البلي كله."
وفي اللحظة التي كاد فيها "سعد" أن يقذف بالبلية بأطراف أصابعه، تقدّمت خطوات ثقيلة.
جاء والد "سعد"، عابرًا فوق البلي بلا مبالاة، فتناثرت الكرات الصغيرة هنا وهناك، وتبعثرت لحظة النصر قبل أن تولد.
تقدّم "سعد" منه، بعين ممتلئة بالعتاب:
"مش تخلّي بالك يا بُويا؟ كده هدّيت البلي بتاعنا، بعد ما كنت هكسب عيال الشارع كلهم."
جلس الأب على المقعد الخشبي أمام المخزن، بثوبه الصعيدي ، مستندًا إلى عصاه الخشبية
ابتسم في فتور، وضع كفّه على خده، وقال بصوت هادئ:
"بس كده يا سعد؟ حقك عليّا."
أدخل يده في جيب ثوبه، وأخرج بعض النقود، ناولها لابنه:
"خد، روح هات لوليتا ليك ولآدم."
ثم التفت نحو "آدم"، وبعينٍ ضيقة لا تخلو من نظرةٍ خفية، تطلع إلى جسده الصغير بنظرات غامضة، لا تُريح القلب.
تقدّم بخطوات ثقيلة، ومدّ يده على ظهر "آدم"، ثم قال بصوتٍ مغطّى باللين:
"إيه رأيك يا آدم؟ بتحب اللوليتا؟"
أومأ "آدم" برأسه مبتسمًا، بحماس طفل لا يفهم ما خلف الكلمات.
ثم التفت الأب من جديد إلى "سعد"، وقال:
"اجري يا سعد، روح هات لوليتا ليك ولآدم، بس هاتها من أوّل الشارع... عشان تبقى متلّجة، ما تبقاش ميّه."
ضحك "سعد" وقال:
"تعالى معايا يا آدم."
لكن الأب بادره سريعًا، بصوت آمر:
"ييجي معاك فين، يا وَلَا؟ يعني محتاج حد يحرسك؟ روح بسرعة وتعالى."
أومأ "سعد" بالموافقة، وهو يشير إلى "آدم":
"ماشي... بس خليك هنا، يا آدم، أوعى تتحرك عشان نكمل لعب."
مضى "سعد" مهرولًا، واختفى عند آخر الشارع.
حينها، اقترب والد "سعد" من "آدم"، وأجلسه على ساقه، وقال:
"بقولك إيه يا آدم... ما تدخل تجيبلي حاجة، الصفيحة اللي جوه في آخر المخزن، على إيدك الشمال... تعرفها؟"
ابتسم "آدم" بهدوء، ونزل عن رجله، واتجه نحو المخزن.
وما إن دخل، حتى التفت الأب يمينًا ويسارًا... الشارع خالٍ، لا أحد يمر.
لحس شفتيه بلسانه، ثم توارى داخل المخزن خلف "آدم"، خالعًا عباءته الثقيلة.
مدّ يده نحو الباب، وأغلقه خلفه... في صمتٍ مريب، وابتسامةٍ تجرّ خلفها ظلالًا لا تُفصح
ولم يكن "آدم" يعلم أن الباب الذي أُغلق خلفه
لن يُفتح أبدًا على نفس البراءة
كان ذلك اليوم... أول كسرة في روحه، وأقسى ما خبأه العمر في طيّاته ، لم يُغلق على جسدٍ صغير... بل على طفولةٍ انتهت قبل أوانها.
↚
شَهقت السَماء

أحيانًا هُناک وجوه تُترک كالحِبر
على الروح لا يُمكن أن تَمر مرور الكِرام
بَل تُصبح كَوشم وَهمِي لا يُبهت
مَهما تَمُر عَليه الفصُول
أغرقوا ال موسى بنجومكم ⋆
دَعمكم هو وقودي للأستمرار
⋆ ⋆ ⋆ ⋆
⋆ ⋆
⋆ ⋆ ⋆
ولأَنهُ موسَى
𝒜𝓃𝒹 𝒷𝑒𝒸𝒶𝓊𝓈𝑒 𝒽𝑒 𝒾𝓈 𝑀𝑜𝓊𝓈𝒶
. ------------------------------ .
---------------------
أهتَزت النَافذه بِفعل الريَاح الشَديده العَنيفه وقَد سَرت بِروده عَلى طول عمود " أدم " الفَقري فأتَخذ
وَضعية الجَنين يَشد الغِطاء أكثَر نَحوه ، مَدينة السويس تَصبح بَارده حِينما يَحل الشِتاء وَلطيفه بِموجَات حَارقه في فَصل الصَيف وكَأنها تُعطي لِكل فصلٍ حَقه ، شَعر بِباب الغُرفه يُفتح فَرفع رأْسُه
"ادم ، واد يا ادم "
لَقد كَانت السَيده "نعيمه " دَخلت الى حُجرتُه وصَكت البَاب فَشعرت بِبروده تَلفح جَسدها طَقس هَذه الأيَام بَارد لِلغايه ورُبَما يُنذر بِتساقُطات أشد مِن سَابقتها ، شَهقت السَيده " نعيمه " شَهقه مَكتومه واتَسعت عينَاها حينَ لَمحت النَافذه مُشرعه عَلى مِصرعيها والهَواء يَصفع السَتائر بِعُنف يَنتقل بِها مِن جَانب الى أخر ، مَدت كِلتا يَديها لأغلاقِها تَنبس بِبضع كلِماتٍ بِنبره مُلامه
" بقى كده يا أدم ، سايب البلكونه مفتوحه في عز البرد ده .. كده تبرد يابني "
" نِفسي أشوف التلج بينزل في السويس مره يا امي "
هَكذا نَبس " أدم " بِنبره هَادئه يُصاحبها أبتِسامه ، شَددت السَيده "نعيمه" الوشاح حَولها تَسير بِبطء نَحوه وجَلست بِالقرب مِنهُ بِبسمه بِها شىء مِن الرَاحه ، لِتقول بِنبره بِها بَعض مِن التَوتر
" باين عليك هديت يا ادم ، مش هتقولي بقى ايه اللي بينك وبين اللي مايتسماش سعد "
بَللت شَفتيها ، فَلمحتهُ يَقبض عَلى يَديه بِقوه حَتى أبيَضت بِراجمهُ
اختَفت أبتسَامتُه ، وأنقَبضت مَلامحُه وشَعر بِطعمٍ أجاج في حَلقُه ، رَأت هي تَخبُط مَلامِحُه وَكأنُه يَتخبط بَين شَيئين ، فأخذت تُلاعب طَرف كُمها بِتوتر تُغير الحَديث لِتردف
" تـ.. تلج ، تلج ايه ياولا اللي عايزه ينزل في السويس .. دي السويس دي عباره عن جبال محوطاها من كل حته ده يوم ماتمطر بيبقى عيد ، تقولي تنزل تلج "
فَتح ثَغرُه بأبتسامه ليُعقب
" ياماما بقولك نفسي ، نفسي "
أنحَرف ثِغرها في أبتِسامه ، واتَجهت نَاحيه الخِزانه تُفتش بَين الملابس عَلى القطع المُتسخه
"خلاص ، خلص انتَ امتحاناتك بتاعت نص السنه وانا هخليك تسافر عند خالتك عفاف في اسكندريه ، وابقى شوف التلج براحتك ياعم مبسوط كده "
ثُم تَمتمت هامسه مِن بَين شَفتيها تُزمجر
" شوف ، شوف الواد "انس " رامي هدومه الوسخه في قلب الدولاب ازاي ، الا ما هاين عليه حتى يحطها في الغسيل ، طيب وحياة أمك يا انس ما انا سيباك "
حَملت المَلابس بَين يَديها تَتجه بِها الى الخَارج وهَي تَخبرُه :
" قوم ، قوم يلا عشان نتغدا بره خالتك وداد خلاص بتحمر الفراخ وهنغرف "
تَحرك " أدم " عِند زاوية الفِراش يَسند وجهه بَين كَفيه سائلاً
" أنتِ عملالنا ايه النهارده "
تَراجعت تَنظر نَحوه بِحماس شَديد تُسايرهُ فَقالت
" عملالك حلة محشي كرنب تستاهل بوقك "
قَاطعهما دخول " أنس " الذي مَازال يَمط بقميصه
الى الأسفل قائلاً
" أيوه افضلي دلعي فيه أنتِ كده ، وانا لما اقولك روحي هاتيلي بنطلون تنفضيلي ولا تسألي فيا "
اتَسعت عيناها بِتفاجؤ حينَ وَجدته مَازال على حَالته
" لهو أنتَ لسه ماشي بفخادك ياموكوس ، كُنت فين كل ده ياولا "
اتَجه ناَحية الخِزانه يُغير لِباسه لِقميص أخر بُني فَاتر والذي يُشابه لَون عيِناه في عَسليتهُ يُقال أن هَذا يُميزهُ كَثيراً فِي مَنطقتُه ثُم أخرج بِنطال يُلائم قَميصُه قَائلاً
" فارقه معاكي اوي ياما كنت فين "
نَفض بِنطاله بِوجه السَيده "نعيمه " يُتابع
" كُنت في الحمام محبوس جوه الا اما حد فيكم جه عبرني "
تَراجعت خَطوه لِلخلف مع نَفضة بِنطاله ولم تَستطع كَتم ضِحكتها تَخبره
" والله يابني ما كنت فيقالك كان كل همي اطمن عليك أنتَ واخواتك "
أنخَفضَ بِجسدُه حتى تَسطح جَسده يَستند على طرف الفِراش يَرتدي بِنطاله
" واطمنتي يانعناعه ، فيها ايه يعني لو كنتِ جبتيلي اي بنطلون من جوه هيجرالك ايه يعني مش فاهم انا "
رَفعت بَصرها نَحوه وقَد تَوقفت عَن تَحريك الملابس بين يَديها
"الطم منك يعني يا انس ، ما خلاص ياولا في ايه ، قولتلك مكنتش فيقالك ، خلصنا ، ويلا انتَ وهو عشان ابوك مستنينا بره على الغدا "
همهم "ادم " بِصوت كالحَسيس
" أيوه يا أمي بس أنتِ عارفه اني ماليش أوي في المحشي "
أقتَربت مِنه أنشًا تَلقي بِالملابس عَلى الأرضيه تَخبرهُ بِحماس
" ودي برضوا تفوتني يا أدومه ، ده انا عملالك جنبها ملوخيه خضرا وشاهقه عليها حتة شهقه من اللي قلبك يحبها هتاكل صوابعك وراها "
أخفَض رأْسه قَليلاً يَدعي البراءه ليُعقب
" وعايز لحمه مش فراخ "
نَبست بأبتِسامه لَطيفه وأشَارت بأبهامها نَحو عينيها
" بس كده حبيب ماما ، عيني يابا ، عيني ، ده أنتَ تؤمر بس"
اقتربت "نعيمة" من "آدم" بِخفه دافئةٍ تعرف مَلامحُه كَما تَعرف خطوط يَديها هَمست له بِنبرة تَمنحُه الأمَان:
"تعالى ياحبيبي ، تعالى ده انا عملالك الأكل اللي انتَ بتحبه خَليك جنبي عشان أدلعك واكلك واعملك اللي نفسك فيه "
ابتسم "آدم"، تلك الابتسامة التي لا تأتي بسهولة، لكنها حين تأتي تُزهِر المكان ، وتَحرك ناحية البَاب ، ليَقطعه حَديث "أنس" قائلاً
"أيوه يابا ايوه .. مين يلاقي الدلع ده كله ومايدلعش "
ثُم دَحرج عينيه للسَيده "نعيمه " قائلاً
" مش معنى انا ، ده أنتِ يوم مادتيني صدر الفرخه كنتي عايزاني اعملك مقام ، مش ناويه تحني علينا وتدلعينا زي مابدلعيه بقى "
ضَربت على كَتفه بِخفه قَائله
"بس ياولا ، ادلع فيك ايه وانتَ شحط كبير اهوه "
حرّك " أدم " جَسده بِخطى هَادئة نَحو البَاب، ولَحقت بِه السَيده "نعيمة" تَسير خَلفه عَن قُرب تُغني لهُ بِصوتٍ مُنخفض كَأنها تُسقي قَلبه المَفطور بِالماء:
" أدلّعك يا أدومه .. يا حتّة م القلب يا دومي
أدلّعك يا نجمايّه .. يا حتّة فوق ف سمايا
أغنّيلك يا ضيّ عيوني .. وأحطّك ما بين جفوني "
انفَرجت ضِحكتُه أكثَر، دونَ أن يَلتفت، وكَأنها تَعرف طَريق الوصول إليِه دون أن تَنظر في وجَهه
مد "أدم " يده بخفة وهَو يَخطو خارجًا، ليَلمس الحَائط كأنُه يَمرّ بِيدُه عَلى ذِكريات قَديمة، ثُم أكمَل سَيرُه "
بَينما "أنس" ظَل واقفًا، ساكنًا يَتأملهم ، لم يَكن في عيِنيه سوى مودة خَالصه عيَناه تابعتا خَطوات "آدم"، وابتسامتُه، وحركة والدتُه خَلفه، ابتَسم بِتأثر ، تِلك الابتسامة التي لا تُطلب ولا تُفتعل، بَل تُنبع مِن مكانٍ نَقيّ ، وحيَن غابا عن عيِنيه ، بَقي واقفًا للحظةٍ، كَأن شيئًا دافئًا مرّ مِن قَلبه بِهدوء
⋆. . ⋆.
لَمحت " سمر " بِطرف عينيها والدتها " وداد " تَقف أمَام المَوقد تُحمر قِطع الدَجاج المُتبقيه لِلغداء ، أقتَربت مِنها بِهدوء ولَم تَتردد بأخبَار والدتَها عَما حَدث مُنذ قَليل ، فـ " وداد " ليسَت فَقط بِمثابة الأم لَديها بَل هَي صَديقتها الوَحيده كَذلك ، طَالعتها " وداد " لِلحظات وبمُجرد رؤيتها عَلمت بِأن هُناك خطبٍ مَا بِأبنتها ، دَحرجت عينيها نَاحية الطَبق النحاسي تُقلب بَين قِطع الدُجاج المَغموره بالزيت السَاخن عَلى المَوقد
"خير يا أخرة صبري ، عايزه تقولي ايه "
هَتفت " سمر " بِما لَديها ، لا تَزيح بَصرها مِن عَلى الطَبق النِحاسي وَهي تَضحك تُكاد تَختنق مِن كَثرة الضَحك تُخبرها بِنبره مُتقطعه
" والله زي ما حكيتلك كده يا أمي ، ببص لاقيت انس داخل عليا بيتسحب بالشورت الابيض البفته على قميص چينز ، وشغال يُمط فيه ، يُمط فيه ، ولا لما شافني ياخرابي شويه وكان هايروح فيها "
"وأنتِ بقى عملتي أيه لما لاقتيه داخل عليكي يافالحه "
كَانت السَيده " وداد " تَتحدث بِسخط بَينما " سمر"
أجابتها بِصوتٍ هَامس
" وربنا شويه وكنت هموت من الكسفه يا امي ، ووشي ده كان شويه وهيقلب بتنجاني ، مايغركيش اني بضحك دلوقتي ومش قادره امسك نفسي من كتر الضحك بس كل اما افتكر شكله وهو بالشورت البفته مابقدرش ماضحكشي ، بس وقتها كنت هموت من الكسفه بجد "
قَلبت السَيده " وداد " نَظرها نَحو الجَانب الأيمَن حيثُ الرفوف الخَشبيه ، قَطبت حَاجبيها وشَردت لِلحظات مِما جَعل صَمتها المُريب هذا يَثير قَلق أبنتها ، تَفرقت شَفتي " سمر " بِتأثر حينَ سألتها
" سرحتي في ايه يا امي مره واحده "
وَضعت السَيده " وداد " اصَابعها عَلى شَفتها السُفلى بِتفكير
" ينيلك يانعيمه لاهو أنتِ لسه لحد دلوقتي بتلبسي العيال الشرات البفته "
أقتَربت "سمر " مِنها في شَىء مِن الحِيره
" هو ده كل اللي شاغلك ياوليه ، الشورت البفته "
نَظرت لهَا "وداد" بِابتسَامة، ورفَعت قِطعة الدجَاج مِن الزيِت السَاخن، ووضَعتها جانبًا
" بصراحه اه .. اصل انا ونعيمه كنا على طول وانتوا صغيرين بنلبسكم زي بعض "
سَألت بِلهفه دونَ سَابق أنذار مُسبق
" يادي الفضايح ، وانا كمان ياماما كنتي بتلبسيني شرات بفته "
نَبست بِأبتسامه مُتكلفه وسَخط
" ومالها يابت الشرات البفته دي حتى كانت بتتحمل وبتشرب كتير "
مَسحت " سمر " على شَعر والدتها وكَانت تَقف خَلفها تُخبرها بِأبتسامه زائفه
" لا ياحبيبتي مالهاش ، الحمدلله اني كبرت "
استدَارت نَحوها بِنظره حَانيه لُتنزل "سمر " يَديها
ولا زَالت تُطالعها بِنفس الأبتِسامه
"ادلعي ياختي ادلعي هو انتوا بتعرفوا تلبسوا الايام دي أشي أوت فته واشي ابصر ايه ناسيه اسمه المستر البتاع ده اللي بتحطوا على وشكم وحالتكم حاله"
تَحدثت "سمر " بِأبتسامه مَليئه بِالمشَاعر لِتربت عَلى كَتف والدتها وكَانت على وَشك أن تَضع يَديها الثَانيه عَلى الكَتف الأُخرى قَائله
" ياماما ياحبيبتي اسمه out fit مش فته والتاني اسمه mostrizer وبعدين ايه اللي جاب ال out fit للشرات البافته بس "
ضَربت "وداد " يَدها بِخفه مُبتعده عَنها
" ياختي اوعي ايدك كده هو انا حملك "
وَعند هَذه الكَلمه أبتَسمت " وداد " بِمكر تُعيد الحَديث وكَأنها تَذكرت شيئًا
" بس تعرفي يابت ياسمر الواد انس ده طول عمره مفضوح مش جديده عليه يعني
فاكره لما كنتوا عيال صغيرين وكان بييجي ياخدك الصبح عشان تروحوا المدرسه سوا "
قَطبت " سمر " حاجِبيها تُحاول التَذكر
" أمتى ده "
أقبَلت نَحو الأطبَاق مِن جَديد لِتوزيع الطَعام عَلى الأطباق الخَزفيه
" يابت لما كنتوا في ابتدائي في مدرسه ١٥ مايو اللي في مساكن شل انتِ نسيتي ولا ايه "
أومَأت مُسايره حَديثها
" اه ، اه افتكرت لما كان أول ما يشوفني يتلبخ ويقع في الطين، وطنط نعيمه تصوت من البلكونه وتقولوا اطلع ياموكوس، ده أنا لسه محمياك"
أومَأت السَيده "وداد بِجديه مُزيفه
"عليكي نور ، اديكي افتكرتي اهوه "
وَهنا ابتَسمت "سمر" بأستِمتاع ، لأنَها تَدرك جَيداً صِحة ما تَقوله والدتِها وأصبَح وجهها يَحمر شيئًا فشيئًا.
"آه، تصدقي ، نسيت دي خالص"
"ايه اللي نستيته خالص ده يابت ياسمر "
هَتفت بِها السَيده " نعيمه " حينَ دَخلت الى المَطبخ فَجأه بِصوتٍ مُرتفع ليَبلغ حَديثها مَسامعهُم بَينما وَجدت السَيده " وداد " تُتابع قَلي الدَجاج
تنَاثرت قَطرات الزيِت في كُل مَكان، فَأصاب بَعضها المَوقد وأجَزاء مِن المَطبخ فَحثتها السَيده "نعيمه " بِقول
"وطي إيدك في الزيت يا وداد عشان الفراخ ماطرطش علينا ، المهم كنتوا بتقولوا إيه "
مَنحتها "وداد" أبتِسامه دَمثه تُعقب بِتؤده وهي تَضع قِطعة الدُجاج جَانبًا :
"بعدين يانعيمة، هبقى أحكيلك... المهم ولعي على الشوربة لحسن بردت"
التَفتت السَيده "نعيمة" تَبحث عَن عود ثِقاب بِداخل الدُرج وأخرَجت عُلبة الكبريت ، ثُم أشعَلت عودًا تَدير زِر المَوقد وَهي تَقول
"تعبتك معايا يا وداد "
أخَذت السَيده " وداد" تَبحث بِعينيها عَن الطَبق، ثُم التَفتت إلى "سمر" تَشير بِرأسها نَحو الأعلَى.
"بت يا سمر، انتي طويلة، مدي إيدك هاتي الطبق اللي فوق ده"
ثُم أرجَعت عينَاها نَحو السَيده " نعيمة " ، تَومأ تَشير بالشوكه نَحوها مُبتَسمه
"ما إيه الجديد يعني يانعيمة ، ما طول عمرك قرفاني معاكي، جت على النهارده يعني"
وَضعت السَيده "نعيمة " قَدر الشوربه الَكبير فَوق الموقد، ثُم علّقت وهي تَضحك:
"شوفي الوليه ، تصدقي أنا غلطانة إني بقولك كلمة حلوه ... والله ما تستاهليها "
ابتَسمت تَمد كَف يَدها لِتأخُذ مَكانها بالرغم عَنها
"هاتي، هاتي، أكمّل أنا تطليع الفراخ ياوداد"
أَزاحت السَيده " وداد " كَف يَدها تَشير بِعينيها الى ذاك المُبرد مُقابلها
"تطليع إيه ياوليه ، خلاص دي آخر حتة... روحي انتي هاتي المخلل من التلاجة وزوّدي الجزر عشان بحبه"
أومَأت بِأنصيَاع تَتجه الى المُبرد تَفعل ما طُلب مِنها :
"ماشي، بس بسرعه شويه ياوداد ، لحسن خلاص العيال عصافير بطنهم جعرت"
خَرجت "نعيمه " تَحمل الوعَاء المَعدني الكَبير المُخصص لِلمحشي وكَان الجَميع جالسًا عَلى الأرضيه بِأنتظَارها ، نَاولتها لـ "نوح"
"خد يا نوح، حط الصينية دي في النص يا ولا"
ألتَقطها " نوح " بِسهوله يَتسائل وَهو يَضعها بِالمُنتصف
"إيه يا أمي، كل ده ، وبعدين ناكل الصينية فاضية ولا ايه مش فاهم يعني ، فين المحشي يانعناعه انا بطني شويه وتنعرلي "
أخبَرتُه وَهي تَضع مَلعقه لِكُل فَرد :
"همّك على بطنك إنت ، استنى، هجيب حلة المحشي من جوه وأقلبها فيها"
التفتَ نَظرها الى "سَماح" والدة " شيماء" فَرأتها لا تَزال جَالسة عَلى المَقعد الخَشبي دونَ حِراك فَطلبت مِنها بِود
"ما تقعدي على الأرض يا سماح ، مستنية إيه هو انتِ محتاجة عزومة ياختي"
نَفت " شيماء " رأْسها لِتجيب بدلاً عَن والدتِها، بصوتٍ فيه سِمة التعالِ:
"معلش يا طنط، أصل احنا ما بنعرفش نقعد ناكل على الأرض ممكن تحضرلنا صينية ناكل لوحدنا أنا وماما على الترابيزة"
طَالعتها السَيده "نعيمة" بِغيظ، وبَدت وكَأنها عَلى وَشك أن تَشُق ثيَابها مِن شدة الغَضب
"ليه يا حبيبتي هو على رجليكي نقش الحنّة واحنا مش عارفين"
تَركتها مُتجهه نَحو المَطبخ تَعود أدراجها ومَا أن تَركَتهُم التَقطت أوذناها صَوت ضَحكات مِن غُرفة الحَج " نصار " وأولاده الأثنين حَيثُ خَرج " نَصار" مِن غُرفته يَتبعهُ أولاده فردّ عَليها وهو يُربّع قَدميه:
" بُصي يا بنتي... احنا لما بنعزم، ما بنعزمش علشان ناكل وخلاص، الأكل عمره ما كان غاية، ده مجرد سبب
يعني احنا بنعزم علشان اللمه، علشان الدفا اللي بيطلع من قعدتنا سوا ، من طبق واحد، من لقمة تتقسم، من ضحكة تطلع فجأة
انتِ يمكن متعودة على الكراسي والترابيزات في بيتكم ، بس احنا هنا لينا طريقتنا... لما نقعد كلنا في دايرة، نحس إن الدنيا لسه بخير، وإن مافيش حاجه فرّقتنا
فاللمه دي عندنا مش نظام... دي روح وحياه
فلو مكانش هيضايقك ومعذره منك وسعيلنا قلبك شويه ، واقعدي معانا، وهتدوقي طعم تاني خالص... طعم الحبايب"
ضَغط "لقمان" عَلى كوب المَاء الَذي بَين يَديه سريعًا وهو يَغمزها في ذِراعها مُعتذرًا لأبِيه
"معذرة إيه يا حج بس ، شيماء ما تقصدش حاجة من غير معذرة، هي هتقعد معانا في الأرض وناكل كلنا سوا، صح يا شيماء"
أمَالت "شيماء" شَفتيها بِعدم رِضا ، ثُم طالعت السَقف في صَمتٍ
انَتظر "نصار" مِنها ردًا، لَكنها لَم تَنبس بِحرف غَمزها "لُقمان" مَرة أُخرى يَضغط علَى كَف يَدها:
"صح يا شيماء ولا لاء ما تنطقي يا حبيبتي، انتِ مش سامعاني "
جَلست "شيماء" أخيرًا عَلى الأرضيه الخَشبيه إلى جوار "والدتها" ، تَخبرهُ بِنفاذ صَبرٍ:
"صح يا لقمان"
جَلس "لُقمان " إلى جوارِها يَمسح على عُنقه شَعر بِأن شَيئًا يُخنقه مِن حَركتها السَفيهه تِلك فَهو بِرغم حُبه الشَديد لَها لا يَتحمل أن يَتحدث أي شَخصٍ مَهما كان مَع والدُه بِنبره شِبه مَكروهه كَنبرتها تِلك
اقتَرب "موسى" ليَجلس بِجوار "والده" ، لَكنه وجَد مَكانُه لَم يَعُد شَاغرًا
"وسع شوية يا نوح، انت قاعد مكاني"
كَانت هَذه هَمستُه بَينما طالعهُ "نوح " يَرفع رأْسُه إليِه مُستنكرًا:
"كنت كاتب البلاطة دي باسمك يعني ولا إيه مش فاهم"
رَد "موسى" مؤكدًا يَشير بِرأسُه:
"آه، مسجلها في الشهر العقاري يا خفيف وسع بقى، وقوم اقلع الجاكيت بتاعي، كفاية مرمطة خناقة الصبح ، الا صحيح إنت إيه اللي خلاك تاخده أصلًا "
أنتَزع" نوح" سُترتهُ عَلى الفَور يَلقيها بِجواره عَلى الأريكه ، ثُم ابتَسم بِوداعة يَفسح لهُ المَكان ويَضرب الأرضيه بيَده بِخفة:
"حبيبي يا موسى، عايز تقعد هنا مكاني لو حابب، أقوم لك خالص والله"
جَلس "موسى" مُبتسمًا، وقَال مُمازحًا:
"ناس تخاف ما تختشيش."
ابتَسم "موسى " حينما دَاعب أنفُه رائحة حِساء البَصل بِشكل مُكثف يُحب هَذا الحِساء كَثيراً
دَخلت السَيده " نعيمه" وَهي تَحمل قَدر المَحشي بِكلتا يَديها ، والبُخار يَتصاعد مِنهُ بِكثافه ، يَتكسر في الهَواء البَارد ويَبدأ في التَلاشي بِبُطء ومَا أن وَصلت اليهُم مَد " موسى " يَديه التَقط القَدر مِنها
" عنك انتِ يا أمي "
نَاولتهُ القَدر وأعطَتهُ المَنشفه فَقامت بِتَحذيرُه :
"امسكها بالفوطة يا موسى، لحسن سخنة مولعة، تحرق إيدك يا بني خَلّي بالك."
لَكنُه لَم يَنتصت لهَا يَفرغ مَا بالوعاء بيَديه العَاريتين
"سبيها على الله ياحجه "
"يلا يا وداد، الأكل هيبرد"
دَخلت السَيده " وداد" بِخُطى هادئة، تَتبعها "سمر" وتكوّن بينهم تلقائيًا شكلٌ دائريّ، بَدا كَأنه امتِداد لِدائرة الطَعام ، البُخار المُتصاعد مِن القَدر امتَلأ بِه المكَان، لم يَكن غَزيراً، لَكنهُ كَان كافيًا ليُغيّر شيئًا في البرودة التَي تَسكُن الأجسَاد ، صَار الهَواء أقرب، واللحَظة أهدأ.
مدّ "نوح" كَف يَدُه سَريعًا، الجوع يَتقدمُه، لَكنهُ تَراجع فورًا ، حَرارة المَحشي كَانت أقوَى مِن تَوقه، فَسقطت القِطعة مِن بَين أصَابعه
"أح، سخنة أوي"
هَتف والدُه وهَو يُتابع حَركته:
"اصبر شوية لما يبرد "
رَفع " آدم " بَصرُه نَحو مِكبص المَروحه الكهربَائيه بِعين مُترددة
"حد يقوم يولّع المروحة"
رَفعت السَيده "نعيمه " رأْسَها عَلى الفَور، وكَأن الفِكرة مُستحيلة:
"مروحة إيه في عز ديسمبر ، انتوا هتشلّوني، الأكل كده هيبرد"
رَد "نوح" مُبتسمًا، وقد بَدأ في التِهام قِطعة مِن البَاذنجان:
"ما هو ده المطلوب يا نعيمة... عايزين الأكل يبرد"
تَدخل " موسى" وهَو يَختار لهُ قِطعة أُخرى:
"بس أنا بقى ما بعرفش آكله غير وهو سخن"
فَتش الحج "نصار " بِعينيه حَوله، لَم يَجد "أنس " فاستغرب:
"الله ، أومّال فين أنس؟ مش قاعد معانا ليه"
دَخل " أنس " بِخطوات مُسرعة، وجَلس إلى جِوار والدتهُ:
"أنا جيت أهو يا حج، معلش كنت بغيّر هدومي."
نظَرت إليِه "سمر"، ومَا إن وَقعت عيَناها عَليه حَتى فَلتت مِنها ضِحكة خَفيفة، شَحب وجه " أنس "، يَخفض نَظرُه الى الجِهة الأُخرى.
مَال الحَج "نصار" قليلًا نَحو "نوح" ، وسَأله بِنبرة شِبه هامِسه :
"أومّال فين بشر يا نوح ، هو مش قالك إنه جاي يتغدى معانا"
أجابُه "نوح" يَرفع قِطعة إلى فَمه:
"اتصل بيا وقال إنه جاله توصيله على التروسيكل بتاعه، هيطلع له منها قرش كويس، فمعرفش ييجي"
أدَار الحَاج نَظره إلى "نعيمة" :
"شيلي لبشر منابه يا نعيمة ما تنسيش .. وانا لسه مكلم طه قالي انه جاي على اول الشارع "
أومَأت بِرأسها دونَ أن تَنظر إليِه:
"عنيا يا حج"
" السلام عليكم "
ألقى "طه " السَلام فاتَجهت كل ألأنظار اليِه يَردوا لُه التحيه بِصوتٍ واحد ابتَعد "موسى " يَشير لُه بِكفه للجلوس بِجانبه ، تَقدم "طه" بُخطى ثابته فأخبرهُ "موسى"
"ابن حلال لسه الحج كان بيجيب في سيرتك ، تعالى اقعد بقى "
جَلس " طه " بِجواره ، يَلتقط قِطعه مِن المَحشي ولا زَالت عينيه مُعلقه عَلى البَاب
"سايبين الباب مفتوح كده على طول اي حد يدخل من غير استأذان "
أجَابه الحَج "نصار" بِنيه صَافيه
"وماله يابني ، اللي يقصدنا بابنا مفتوحله في اي وقت ، وبعدين اهل الحاره كلهم اهلنا وحبايبنا "
شَرعت السَيده "نعيمة" بِتقطّيع الدَجاج بيديها ، ترفَعه وتَضعه أمامهم واحدٍ تلو الأخر ومَا أن أنتَهت حَتى جَاء دور الحج " نصار "
"خُد يا حج نابك اهوه ، دي عشانك"
ثُم أنتَزعت قِطعه صَغيره مِن الجَانب تَدسها بِفمها بأبتسامة رضا
" وانا هاخد الحته دي عشان بحبها "
تَذوقت قِطعه الدجَاج تَخبرهُ بِتلذذ
" الله ، عملهالك بالخلطه اللي أنتَ بِتحبها ياحج والله "
قَطب حَاجبيه بِبعض التَفاجؤ مِن كَبر قِطعه الدَجاج المُخصصه لُه
"إيه ده يا نعيمة ، مش كتير كده عليا"
أعَاد يَدها وقَال بِهدوء:
"هاتي حتة صغيرة، علشان الكل ياخد"
لَكنها أصرّت، وَضعت القِطعة أمَامهُ، وقَالت بإصرارها المُعتاد:
"تعدّمني لو ما أخدتها، وبعدين مين قالك إني مش عاملة حساب الكل ، كُل انت بس بالهنا والشفا"
مَال " أنس" عَليها يَخبرها بِصوتٍ هامس
"أمي ، أنا ما أخدتش "
تَجاهلته السَيده "نعيمه " لِتجد الحج "نصار" يمسَك كَف يَدها يُقبله بُحب يُطالع عيِناها بِبعض الحِنو
" بعد الشر عنك يانعيمه ، تسلملي الايدين الحلوه دي ياست الستات "
أبتَلعت الطَعام المَحشو داخِل فَمها تِوزع نظَراتها بَين الجَميع بحُب
" شايفين ياعيال جوزي بيدلعني أزاي قدامكم "
هَز " أنس " رأْسه بِالأيجَاب يَهمس بِأذُنيها
" أنا شايف ان أنتِ اللي مش شايفه ان انا ما اخدتش "
لَم توليه أهتِمام ، ففَلتت ضِحكه مِن الجَميع بَينما أكد الحَج " نصار " عَلى حَديثها بِقول
" طبعاً اومال لو مدلعتكيش يانعميه هدلع مين "
أنتَشلت السَيده " نعيمه " قِطعه مِن الصَدر بَين أناملها تَضعها فِي فَمه
" طب والله العظيم الحته دي ما هاتروح في حته غير بوقك ياحج "
لَم يَرمش " أنس " لِثانيه وَعيناه ظَلت تَطالع تِلك القِطعه بَين أنامِلها ، أبتَلع ريُقه بَينما يَمضغ الحج "نصار" قطعة الدَجاج بَين أسَنانه سأله "أنس"
" ايه ياحج حلوه "
أغمَض الحَج " نصار " عيِنيه يَجيبه بأبتسامه جَانبيه وقَد خَيم الصَمت على الجَميع يَنتظرون ردة فِعله
" الله يانعناعه قلبي ، سكر كده سكر اكيد عشان حطيتي ايدك فيها "
أطلَقت ضِحكه مُرتَعشه وقَد تَحدثت بِنبره مُتمايله
" ده عشان بعملهالك بكل حب ياحج "
مَال " موسى " يُتمتم بِهمس " للقمان " الجَالس جِواره
" الحج والحاجه مالهم النهارده "
امتَدت أنَامل " لقمان " يُحك أرنبة أنفه يَخبره بصوتٍ شِبه هَامس
" مش عارف ، باين عليهم ضاربين حجرين ومزودنها شويه "
قَلبت "سمر " عَيناها عَلى حَديث السَيده " نعيمه "
تَبتسم بُحب تَنهدت وقد جَرت قَدماها بِبعض الثُقل أوقَفتها السَيده " نعيمه " بِقول
" رايحه فين ياسمر أنتِ ما أكلتيش حاجه الطبق لسه مليان قدامك اهوه"
هَتفت السَيده "وداد " خَلفها بَدلاً عَنها
"دي كده كلت ، أُطع الريچيم واللي عايزينه ، كانت قمر وهي تختوخه من وقت ما اتقرت فتحتها وهي بقت تعمل ريچيم وعايزه تبقى رُفع البوصه "
تَبسم " أنس " نِصف ابتِسامه بَاهته وأردف
"أنتِ اتخَطبتي ياسمر "
مَنحتهُ ابتِسامه لَطيفه وقَالت
" اه عقبالك يا أنس "
أبتَلع ريُقه وشعر بِدبيب في صَدره ، سَحب نَظرُه نَحو النَافذه ، الافكَار تَتناوب سَريعًا عَلى عَقله ولَم يَعد بِمقدوره التَوقف عَن وَضع تَصورات تَرهقُه ، طَالعُه " نوح " وقد عَلم ما الذي يَشعر بِه شَقيقُه لِلتو ، لحظة صَمت لَم يَكسر جَدار هَذه اللحظه سوى صَوت السَيده " نعيمه " وهي تَقول
" أخس عليكي أخس ياوداد كده سمر تتخطب وماتقولناش "
نَبس " طه " بِنبره هَادئه وهو يُعدل مِن وَضع نظارته بِطرف أبهامه
" والله ياطنط نعيمه احنا لسه معملناش خطوبه بمعنى خطوبه هو المعيد بتاعها في الجامعه وجاتله بعثه في امريكا وقبل ما يسافر قرا فاتحه مش اكتر ، بس احنا اتفقنا معاه أن الاتفاق ومعاد الفرح ده كله مش هيتم الا بوجود الحج نصار ، هو مكان المرحوم ابوها ، وهو وافق وان شاء الله لما يرجع هييجي ونتفق على كل شىء "
اعتَلت ابتسامه مَاكره عَلى شَفتي "شيماء "قائله
"امريكا مره واحده ... وعلى كده بقى هياخدك معاه لما يرجع ولا اكيد هيقعدك هنا "
تَنهدت بِنبره هَادئه
" لا .. اكيد طبعًا هياخدني معاه "
تَنبهت حواس "أنس" لِحديثها بَينما أصدَرت السَيده " نعيمه " زغاريط الفَرح تُهنىء "سمر" ووالدتها " تهنئه مِن القلب
"الف .. الف مبروك ياوداد ياختي سمر بنت حلال وتستاهل كل خير "
هَبت "شيماء" مِن مَجلسها بِغيظ مِما أثار فِضول الجَميع لقَد كَانت تَستمتع بِطعامها مُنذ قَليل ، بَللت شَفتيها وبَدا التَوتر واضحًا عَليها وقَد بَدا أن هُناك بَعض الكَلمات تَتحير في شَدقيها
" أنا شبعت .. هاروح اغسل ايدي واطلع فوق اشوف توضيب الشقه وصل لحد فين "
عَقد " لُقمان " حاجبِيه طَالبًا
" استني طيب ياشيماء هاكل على طول ونطلع سوا "
تَجاهلت تَعليقُه وسَارت تَتجاوزه تُشير بيَدها اليُمنه
"لا ، انا طالعه "
بَينما تَسير تَتقدم الى الأمَام نَطقت السَيده
" نجاح" تَشير بِكف يَدها اليها
" بركه انها طلعت "
ضَحك الجَميع يُتابعون خطواتها بأستثناء والدتها وبالطبع ذاك الذي يَعشقها تَتهافت الاسئله بِداخلُه
لِم يَسعون التَخلص مِنها ؟ الأ يَعلمون أنها قَد تَكون عَالمًا كَاملاً لٌشخصٍ ما
الكُل عَلى يَقين بِأن "شيماء " هي العَالم الذي يَعيشُه " لُقمان " وأن غَادرتُه فَلن يوجد عَلى الأرض قَلب أضعف مِن قَلبُه ، سَتختفي أحلامُه البَسيطه وسَيحل مكَانها الكوابيس ، وسَيموت الأمل الذي بِداخلُه شِيئًا فَشيئًا
همَّ " لُقمان" خَلفها، تَحرّك نِصف حَركه لَكن يَد
" موسى" استَقرّت عَلى سَاقُه مَرر " لُقمان " بَصره
عَليه لَكنُه اسَتقر عِند مَوضع يَده ، هَمس " موسى"
بِنبره خَفيضه فَضغط عَلى سَاق شَقيقه قَائلاً
" اقرا ما بين السطور يخويا "
انكمش وجه "لقمان"، عضّ على شفته، وكأن شيئاً داخله انهار بِصمت وبدلاً مِن أن يَنهض، هَوى بِجَسده إلى الخَلف، في جلوسٍ بائس لَم يَقل شيئًا، لَكن الصَمت الذي تَبعه ك كَان كافياً.
نظر إليه "موسى" بِشبه ابِتِسامه وَقد تنفّس قَلبُه أخيرًا حِين أطَاعُه شَقيقُه
⋆ ⋆. ⋆. ⋆.
.⋆ ⋆. ⋆. ⋆. ⋆.
.⋆
⋆. ⋆.
فَترة بَعد الغَداء ليلة الجُمعه هي الدقَائق المَعدوده التي يَسرقها عَائله ال " موسى " مِن الزَمن كَحق مُكتسب ، يَتشاورون بِها ، يَخرجون مَا بِصدورهم
دونَ حِساب لِلحديث ، اجتَمع الجَميع بِغرفة المَعيشه بَعدما استأذنت والدة شَيماء لِلرحيل في وقتٍ مُبكر كَالعاده كَان الجَميع يَتخذ مَجلسًا ، سَارت "نعيمه " نَحو المَطبخ مِن جَديد لِتوزيع الشَاي عَلى كؤوس الزَخف بِثقل بَينما "نوح " يُحدثها وبَين يَديه صَحن الأرز بِلبن المُخصص لِهذا اليَوم الجَميل
" ها ، قولتي ايه يانعناعه هاتجيبي الخمسمية لحلوح اللي قولتلك عليهم ولا هتعملي زي كل مره"
تَحركت خَطوه يَمينًا تَتجاهلهُ قائله
"ابعد عني يانوح احسنلك ، خمسميه ايه ياولا اللي عايزهم ، خمسمية عفريت لما ينططوك"
فَوقف مُقابلها يَهتف بِتَذمُر لاَ يَزيح بَصرُه عَنها
" أنت بتعملي كده ليه يانعيمه هو انا مش ابنك ياولي
أخبَرتهُ تؤكد عَلى حَديثه
" لاء مش ابني احنا لاقيناك جنب باب جامع "
تَحدث بِسأم يَضع صَحن الأُرز بِلبن عَلى طَاولة المَطبخ
"يـــُـووه يا أمي بقى ، عارف .. عارف لقتوني جنب الجامع حتى بالأماره جنب كيس شيبسي "
رَفعت حاجبِها الأيسَر
" ومش اي كيس شيبسي ياولا ده كان بالجبنه المتبله"
قَلد نَبرتها وَحركة يَديها
" كمان بالجبنه المتبله ، افرح انا ولا اعيط ولا اعمل ايه انا دلوقتي "
أشَارت بِرأسها عَلى صَحن الأرز بِاللبن بِجانبها
" تشيل صنيه الرز بلبن دي تطلعها بره وتسيبني اطلع يابني اروح اودي الشاي اللي في ايدي لابوك واخواتك لا يبرد ، يَا اما قسمً عَظمًا انادي لابوك وهو يَعرف شُغله معاك "
أَشَار " نوح " بِيديه بِأستِسلام
" لا وعلى ايه يا ام لقمان الطيب احسن "
تَجاوزته السَيده "نعيمه " واقتَربت مِن غُرفة المَعيشه ، كَان الجَميع يَتخذ مَجلسًا حول شَاشة التِلفاز القَديمه والحج "نَصار " يُكاد يَختنق مِن كَثرة الضِحك بِوجهً مُحمر زيَاده عَن اللزوم ، يَنبعث
صَوت فيلم قَديم بِالأبيض والأسود يَظهر فيه "اسماعيل يس" بِوجهه المُتحرك ، سَريع التَعبير وَحركاتُه المَألوفه تَتردد فِي أرجَاء الغُرفه فَتوقظ البَسمه حَتى على الوجوه المُرهقه
أَقتَربت السَيده " نعيمه " مُثنيه قوامها تُقدم الشَاي السَاخن لِلجميع فيما بَينهم الحَج "نصار" رَفع كَف يَدهُ يأخذ مِنها الكَوب شاكراً
"من يد مانعدمها يانعيمه "
أرتَفع ثِغرها في أبتِسامه رَاضيه ، جَلست بِجواره ومَا أن تَذوق الشَاي حَتى أخبَرهم بِأرتيَاح
" عارفين ياولاد ، اهوه انا بقالي ٣٢ سنه متجوز امكم عُمري ما عرفت اشرب كوباية شاي غير من ايديها "
لَطالما أمَنت السَيده " نعيمه " أن الكَلمَات مثل سَهمٍ ذو طَرف لَين وأَخر حَاد ، ولَكن مَا نَبس بِه الحَاج " نصار " قَد أحدَث حُبٍ عَميقًا في دَاخِلها
أرتَبكت لِلحظه لأحمرار وجهها تَعدل حِجابها مِن الخَلف وَهي تَقول
" يالـــهوي عَلى كَلامك الحلو يالــــهوي "
دَحرج " موسى " مِقلتيه ليَضحك يَلتقط طَبق الأُرز بِلبن بِجواره ليَجد " أنس " يَلتهم خاصتُه لَم يَتغير لَديه بئر ولَيس مِعده ، بَينما لاَحظ صَمت
" ادم " المُخيف مُنذ بِداية الجَلسه ، دَس الطعام بِفمه ، يَشير لهُ بِالملعقه سائلاً
" ساكت ليه ياعم ادم من ساعة الخناقه ومحدش سامعلك صوت ، روق كده مافيش حاجه تستاهل ولا حد يقدر يزعلك بعد كده "
أَردف " نوح " في عَجب يَصب جَل تَركيزه عَما تَفوه بِه شَقيقه
" أنتَ بتسأله هو عن حاله الا ما حد عبرني حتى ولا بص في وشي ، انا اللي كنت بَنضرب الصبح يا استاذ مش هو ، هو محدش لمسه ، لاء وكل ما قرب منه واقوله يروح يناديكم الاقيه شغال يصلي على النبي وهو قاعد ونازلين فيا طحن بذمتك هو ده وقته "
احتَرق " أدم " لِما قَاله وقَد القى عَليه عُلبة الخياطه الفَارغه
" انا كنت بصلي على النبي عشانك على فكره ، عشان كنت خايف عليك ، كنت بصلي على النبي بنيه ان مايحصلكش اي اذى "
لَم يَقتنع " نوح " كَثيراً بِما قَاله ، فنَبست السَيده
" نجاح " بِتنهيده أكثَر ثُقلاً مِن حِمل زُبر الحَديد دُفعه واحده
" انتَ ياواد يايحي مش مِصدق ، إن كثرة الصلاة عَلى النَبي بتلبي الحاجه وبتستهتر بكلامه ، طيب ايه قولك بقى ، انا هقولك حاجه حصلت معايا انا شخصياً من ييجي تسع سنين وماقولتهاش لحد قبل كده يمكن دي اول مره هقولها "
أعَترض " نوح " يُصحح لَها
" ياستي اسمي نوح ، نوح ، نــــوح بلاش يحي دي بتعصبني "
تَجاهلتهُ ونَبست تَجلس أمَامُه تُحرك طَبقها بِرفق ، ليَنتبه لَها الجَميع يُطالعها بِنظرات مُختَلفه رُبما نَظرات تملؤها الفضول ، لاَحت شَفتاها تَبتسم لِوهله
" من تسع سنين طَبعاً كلكم عارفين اني كنت في الشارع لا كان ليا اهل ولا عزوه ابني رماني عشان خاطر مراته والمصاريف تقلت عليه ، رماني علشان مايدفعليش حق دوايا بتاع كل شهر "
فَرت ضِحكه خَافته مِنها تَنفي بَرأْسها تَرتشف مِن المَاء لَرُبما تَخفي ألاَمها
" بس انا ، انا برضوا عذراه ما هو برضوا ياولا الدنيا صعبه وهو يعني هيجيب منين ، دوايا و..
تَباطىء حَديثها والجَميع يَستمع لَها بِتأثُر ، لِتَزيح ملاَمح القَلق مِن عَلى وَجهها
" وده غير أكلي وشربي ، وهو ياحبة عيني كان بييجي يجيبلي كده ييجي كل عيد هدمه اعيد بيها "
أشَارت تَنفي بِأصبِعها
" مكانش بخيل أبداً "
مَسحت دموعها تُحاول رَسم البَسمه على شَفتيها بِالأجبار
" بس يعمل ايه برضوا مراته وعياله أولى بي ، لحد ما في يوم قالي تعالي ياما هخرجك شويه ، وقتها ماصدقتش روحي ده انا كان بقالي سنين وسنين مخرجتش من البيت ، قولتله
تَنهيده حَاره خَرجت مِنها التَقطها مَسامع الجَميع كَرعشه مُره حينَما ذَكرت
" قولتله بالله عليك، بالله عليك يامحما هتخرجني قالي وهو مبسوط ايوه يا اما هخرجك ، ناولني ايده وقومني من على الكنبه وسندت عليه ماهو السند اللي كنت شيلاه من الدنيا ، وروحت معاه ، وخرجت بره شقتي ، وقعدني شويه في الجنينه ، وجابلي ايس كريم "
طَالعها الجَميع بِأعين زُجاجيه تُبادلهم بِأبتِسامه ضَيقه تَعكس ما بِداخل صَدرها الضَامر الذي لَم يَعد يَتسع للكَثير تَهتف
" الأيس كريم كان بالشيكولاته اصل هو عارف اني بحب الايس كريم اللي بالشيكولاته ومن فوقيه السوداني المتكسر ده
" اتكلمنا اليوم ده كتير ، كتير اوي في كل حاجه وفي اي حاجه كنت مــبســــوطــه
مبسوطه اوي ياواد يايحي ، ونسيت اي قسوه شوفتها منه ومن مراته لمجرد انه خرجني وفضل يتكلم معايا ، وباس ايدي وبصلي وقالي راضيه عني ياما بصيتله وقولتله من قلبي روح يابني ربنا يراضيك دنيا واخره وروحت مدياه البطاقه ، اصلنا كنا اول الشهر وقولتله خد المعاش بتاع ابوك انزل روح اشولنا فرخه وهات لمراتك اللي نفسها فيه مسح دموعه وقالي حاضر ياما خليكي في الجنينه هنا مش هتأخر ساعة زمن واجيلك "
كَتفت ذِراعها واكتَنفت بِنفسها وأطلَقت العنَان لِدموعها بَعدما حَبستها لِسنين
" بس الساعه عدت اتنين والساعتين جروا يومين وانا قاعده في الجنينه مش قادره اقوم بتحرك بالعافيه وعنيا كالتها دموعي لا معايا تليفون ولا حتى حافظه رقمه لحد ما ولاد الحلال روحوني ولما روحت لاقيته باع حتة الشقه اللي ابوه سايبهالي بالتوكيل اللي كنت عملاهوله حتى البطاقه بتاعت المعاش خدها وتليفونه اتقفل معرفتلهوش طريق والناس اللي اشتروه الشقه طردوني ومارضيوش يخلوني ادخل شقتي ، اللي عيشت فيها وربيته فيها
فضلت بالأيام في الشوارع انام على الارصفه والغُرب يحنوا عليا ببق مايه ورغيف عيش ، وقتها فضلت اصلي على النبي كتير ، طول ما انا قاعده اصلي على النبي بنيه الفرج والكرب اللي كنت فيه وانه ربنا يرزقني ببيت اعيش فيه لحد ما يييجي الأجل وربنا ياخد أمانته ، وزي ما يكون ربنا استجاب لدعايا ومن بهدلتي في الشوارع لما جالي موسى وشافني وانا مرميه واخدني في حضنه وطبطب عليا ، وانتوا فتحتولي بيتكم ونعيمه اعتبرتني امها ومابقيتش تقولي غير ياما وانا بقيت بالنسبالكم ستكم ، اه ربنا بعدني عن ابني بس كرمني بعيله واحفاد وبيت وبقى ليا شقه مخصوص تحت
كل ده بفضل الصلاه على النبي وبفضل ربنا انه يبعتلي موسى عشان ينجدني من اللي انا فيه "
مَسحت دمُوعها بِحجابها الاسوَد فَوق راْسها تُحاول الأبتِسام رَغمًا عَنها قَائله
"وبعد كده ياولا يايحي جاي تقول ان فضل الصلاه على النبي ما بينجيش من المهالك تبقى حمار "
لَم يَتوقع أحد أن يَكون لكَلماتها هَذا التَأثير عَليهُم
فَبعض الكَلِمات أمَا أن تَكون كَالغيمه تَحملنا نَحو السَماء السَابعه ، أو تَكون كالمَطرقه تَلصقنَا أرضًا
تَوقف الحَديث فِي حَلق الجَميع وَهي لَم تَنتظر مِنهُم جَوابًا ، ابتَلع "موسى" ريُقه بِتوتر لِتتحرك تُفاحة أدم خَاصتهُ بِبطء لِيختَار سياقاً أخر لِلحديث يَشق بِه صَمت الجَميع
" ما خلاص بقى يانجاح ، انسي بقى اللي حصل زمان وعيشي "
التَف الجَميع حَولها بُحب فَنبس " طه " بِتأثر
" من النهارده اتمنى ياحجه نجاح تعتبرني انا كمان زي موسى ولقمان لو تسمحيلي انتِ من النهارده بقيتي ستي "
وَضعت " وداد " كَتفها حول ذِراعها بِابتسامه
" وانا من النهارده زي بنتك نعيمه واكتر كمان "
ابتَسمت السَيده " نَجاح " تَلقي نَظره على الجَميع
مِن حولها ، فأردف " موسى " مَازحاً
" ما خلاص بقي ياست نجوحه امسحي دموعك دي ، دموعك غاليه علينا اوي "
رُبما هو مُحق .. فَلقد أكتَفت مِن البُكاء في كُل مَره
تَأتي سيرة ولدَها فالأمر لَيس بِيدها فَهي تَفتقدُه ، تَفتقد تواجُدها معُه ، عَلى الرَغم مِما فَعله سَيظل فَلذه كَبدها
لاحظ "موسى" شرودها أثنى رُكبتيه وجلسَ أمَامها يُطبطب عَلى كَفيها بِطبطبه خَفيفه فَشعرت بِأنه يُطبطب عَلى جَرح قَلبها الأن فأردَف
" وبعدين بقى ده من حظي وقتها اني شوفتك ده من يوم ما دخلتي البيت والبركه حلت عليه مش كده ياحج "
وَجه حَديثه لوالده ، لِكي يَؤكد عَلى حَديثه
" طبعاً يابني وهي دي عايزه كلام من يوم ما الست نجاح دخلت البيت وانا بعتبرها زي امي واكتر "
رَفعت السَيده " نجاح " رأْسها عَن كِتفها التي أثقَلتهُ الحَياه ، تَبتسم لهُ لِتزداد التجَاعيد عَلى وجنَتيها فَنهضت بِمشاعر مُختلفه ، مشَاعر طَازجه كَانت تُكاد أن تَموت مُعترضه
" أمك ، امك ده ايه يا نصار ، ده انا لسه صغيره موعاش اجيبك "
ضَحك الجَميع فَلقد عَادت لطَبيعتها الأن ، بَينما دَافع الحَج " نصار " عنَ حَالته
" ياوليه ، ياوليه اتقي الله ده انا لما روحت اعملك البطاقه لاقيتك انتِ مواليد اتنين واربعين وانا مواليد واحد وستين يعني تجبيني ونص كمان "
كَانت نَبرتُه سَاخره وضَحكا هؤلاء الأناس البُسطاء
وضحك الحنين معهم، كأن لَمّتهم وحدها كانت كافية تمحي وجع سنين.
. ⋆ ⋆
.
⋆
❄︎.
⋆ . ⋆
⋆. ⋆ . .
.
❄︎. .
⋆. ⋆
شَعرت "شيماء" بِبرودةٍ مُفاجئة تسلّلت من فَتحة البَاب وكأنَها صَفعة ليلٍ نَسيتها، رَفعت طَرف مَعطِفها اللَيلي واحتضَنته حَول جَسدها الهَش، وقَد كَانت خَطوات "لُقمان" المُتثاقلة سَبب هَذا التَيار البَارد، دَخل يَنفُض عَن كَتفيِه صَمتًا ثَقيلاً
تَقدّمت نَحوه بِسُرعة مُحمّلة بِالغَضب، وكَأن انتظَارها عَلى الشُرفة طيلة هَذه السَاعات لَم يَكن كافيًا ليَجعل الدقَائق الأخيِرة أخفّ وَطأه
" أنتَ لسه فاكر تطلع ياسي لُقمان أنتَ عارف انا مستنياك بقالي قد ايه في شقتنا ورنيت عليك كام مره وانت مابتردش"
دَس كِلتا يَديه في جِيوبه ، وارتَفع كَتفاه في أعتِدال يَتنهد بِثُقل مِن الأعمَاق
" ماسمعتش ياشيماء "
رَمقَتها عيِنيه بِحذر، لَكنها كَانت بِالفعل تُبعد نَظرها، تُطالع بَاب المَسكن ، كأنها تُفتش فيِه عَن سَبب لِتأخرُه
" مالك يالقمان ، هو انت موسى قالك ماتجيش ورايا صح كده ، عشان كده ماطلعتش وبترد على قد الكلمه ، اكيد هو طالع دلوقتي وراك "
تَوقفت عَن البَحث ، لِترفع أنظَارها نَحوه وقَد ألجَمها بِنظراتُه التَي أختَرقت جِدار جَسدها
" ايه اللي مقعدك هنا لحد دلوقتي ، مش خلاص ، شوفتي الشقه ، وعرفتي وصلنا فيها لغاية ايه ، مستنيه ايه "
" مستنياك "
كان الردّ أقرب لاعتراف مكتوم، تَقطّب جبينه، لا لأنه لم يفهم، بل لأنه أراد أن يسمع أكثر
" انا عارفه طبعاً انك زعلان مني ، بس الحق ليا انا يالقمان اني ازعل مش انت "
ظلّ صامتًا، يُشدّ على طرف قميصه القرمزيّ، وكأن قبضته عليه تُمسك بما تبقّى من حيلته، لكنه لم يقتنع.
" انت ماشوفتش بنت وداد وهي بتقول انها اتخطبت لمعيد في امريكا ، انت عارف هي قالت كده ليه ، عشان تفرسني ، عايزه تكيدني ، طول عمرها بتكرهني ومابتحبنيش ، عايزه تقولي انها اخدت معيد وهيسفرها امريكا وانتِ واخده ...
شَعر بِأن جَسدُه فَجأه بَات ثَقيلاً ، شيء ما في جُملتها جعله يتوقف عن الدفاع، لكنه أومأ أخيرًا، كمن يُسلّم نفسه للحوار.
" تقصدي ايه ياشيماء كملي ، انتِ ليه محسساني انك واخده واحد عاطل انا مدرس ثانوي انجليزي
وبكافح في حياتي وبشتغل كوتش في صالة تدريب بالليل ، عايزاني اعمل ايه اكتر من كده ، انا مش ساكت ياشيماء ولسه الحياه قدامي ، بجهز نفسي وبسعى اني ابقى حاجه في يوم "
مدّ ذراعه فجأة، وقَبض عَلى مِعصمها بِقوة، لَم تَكُن قَسوة، بَل مُحاولة يَائسة للتَشبُث بِما تَبقى.
" كل ده عشان ايه ما عشانك ياشيماء ، عشان البيلك طلباتك اللي مابتخلصش وبالرغم من كده انا مش ساكت انا بحاول "
أنتَزعت يَدها مِن قَبضه يَده المُتشبثه بِذراعها بِقوه
وَتراجعت نِصف خَطوه
" وهتفضل تحاول لغاية امتى يالقمان ، انا زهقت انت حتى مابتديش دروس عدله زي بقية الخلق ، اللي زيك مدرس ثانويه عامه كان زمانه بياكل الشهد من كتر الدروس وبقينا في حته تانيه خالص
كَان قَلبه يَهوي مَع كلِماتها، لَكنهُ لَم يُقاطعها.
روح شوف المدرسين اللي في السناتر عاملين ازاي والطلبه عندهم قد ايه ، اقل مدرس دلوقتي بقى مليونير ، وانت واقف محلك سر ، يافرحتي بشغل الكوتش والملاليم اللي بتاخدها من المدرسه ، تفتكر شويه الملاليم دول هيخلونا نعيش زي ما انا بحلم
كَانت أنفاسُها تتسَارع، وَعيونها تَلمع مِن أثَر قَهر قَديِم.
أنتَ نسيت وعدك ليا لما قعدتني من شغل الكوافير بحجة اني ماينفعش اروح بيوت الناس واعملهم ميكب وشعر مع ان دي حاجه كانت بدخلي فلوس حلوه وانا وافقت ورضيت عشان انتَ وعدتني انك هتبقى احسن وخلتني اشتغل كول سنتر باخد في ملاليم عشان خاطرك
أثَارت جُملتها الأَخيره أنفِعاله فَهتف يَبِثها غَضبُه هو الأَخر
" أنتِ كنتِ عايزاني ارضا أن خطيبتي اللي هتبقى ام عيالي ، تفضل تترقص على التيك توك وتحط
فـ ميكب اب وده يبص لعيونها وده يبص على شفايفها وشكلها ، وتقعدي تعملي فيديوهات وتطلعي في تريندات ياهانم ، مافيش راجل عنده كرامه وحر يرضا بده ، انا خيرتك وانتِ رضيتي "
صَرخت فِي وَجهه، بِكلمة وَاحدة هزّت كَيانهُ:
" عـشــانك "
وَرد لَها هَذا بِقوله :
" لاء مش عشاني أنتِ وافقتي لما قولتلك ان مقابل انك تقعدي اني هشيل كل حاجه في الجهاز حتى شنطة هدومك هجيبها وبالرغم من كده كل حاجه هتتكتب في القايمه "
وَرغم ذهولَها وصَدمتها مِما قَاله ، ولَكنها قَالت بِحده :
" أنتَ هَتذلني يالقمان "
بَلع مَا في حَلقُه يَومأ في قِلة حيله يُجَادلها بِسُخريه مَجروحه
" مش انا خالص اللي اذلك ياشيماء ، لا عشت ولا كنت ، انا بس بفهمك اني بحاول عشانك ، عشان انفذلك كل اللي نفسك فيه ورغم ده كله انا بقالي فتره كنت مقدم اني اشتغل في مدرسه انترناشونال ، مدرسه سانت فاطيما اللي فتحت في السلام اكيد عرفاهه "
قَلبت نَظرها نَحوه تَعتلي شَفتيها الأبتِسامه
" طبعاً عرفاهه ، دي أغلى مدرسه في السويس كلها مابيدرسش فيها غير ولاد الاغنيا وبس "
اقَتربت مِنهُ بِلهفه تَلمع نظرَاتها بِالأمل سَائله
" وهما قبلوك فيها "
استَطاع تَمييز الرَاحه في نَبرتها حينَ عَلمت بِالأمر ، ليَبتسم بِهدوء ، أقتَربت مِنهُ ، مَسحت عَلى شَعرُه ، رَغم فَرق الطول بَينهما وَقد عَاد شَىء مِن الأَمل الى ملامِحهَا
" ماجاوبتنيش بقولك قبلوك ولا لسه "
هَدأ تَنفسُه وأستكَانت حواسه استَدار نَحوها بِنظره حَانيه يُطالعها بِأبتسامه فِيها مِن الطَمأنينه مَا يَكفيها لأيامٍ وَرد
" أيوه قبلوني ورايح نص الشهر اعمل الانترفيو "
ضَربتهُ عَلى كَتفِه بِرفق، تُعاتبهُ عَلى كِتمانهُ ، هَامِسه بِنبرة أقرَب إلى العِتاب اللطِيف:
" وما قولتليش ليه يالقمان مش عايز تفرحني يعني "
كَان يَتحدث بِأبتسامه مَليئه بِالمشَاعر ليَقرص وجنَتيها عَلى حينَ غَره
" كنت هقولك عشان افرحك بس كنت مستني اخر انترفيو لأن كان متقدم كتير جداً للوظيفه دي ، وفضلوا يعملوا اختبارات ويصفوا في المدرسين لحد ما اتبقيت انا واتنين كمان وهيختاروا مننا واحد ، مكنتش عايز اقولك علشان لو مكنتش انا اللي هيختاروني ماتتعشميش على الفا..
وَضعت أصبِعها عَلى شِفاهه
" ان شاء الله هيقبلوك ، وبكره تقول شيماء قالت "
وَعند هَذه الكَلمه ابتَسمت تَستدير نَحوه
" يــــاه يالقمان لو قبلوك ، ده انا هعمل كل حاجه ، انا بسمع ان المدرسه دي بتدي مرتبات حلوه اوي ولا لو اديت كمان حد من الطلبه درس خصوصي بيدفعوا حلو اوي اوي وحياتنا تتغير بقى ، وهبطس الأرض بتاعت شقتنا ، وهنجيب احسن عفش ، وعربيه ، واجيب الدهب اللي نفسي فيه ...
اومَأ مُساير حَديثها
" ياحبيبتي انا عايش في الدنيا دي بس عشان اعملك اللي نفسك فيه ، وعايزك تعرفي اني بحاول عشانك ياشيماء "
ابتَسم يَغمز لهَا بِعيونه السوداء تِلك لِتدرك أنهُ عَاد لِشخصيتُه
" وهنبطس الأرض ياستي ، مبسوطه "
أومأت تَهز رأْسها بِأمتِنان
" أوي ، اوي يالقمان ، ربنا يخليك ليا يارب "
تَجاوزها يَتحرك نَحو البَاب
" طيب يلا بقى عشان اروحك أنتِ اتأخرتي أوي "
ومَا أن تَحركت خَطوه للامام حَتى دَق هاتفها تَوترت لِلحظات وَهي تَنظر لِلشاشه
" طيب بقولك ايه يالقمان ، انزل انت هبص على حاجه في الشقه وهاجي وراك على طول "
هَز رأْسه موافِقًا
" ماشي بس ما تتأخريش هستناكي تحت
رَحل وصَوته تَلاشى شيئًا فشيئًا مَع خُطاه ، وَقفت مَكانها لثوانٍ، قَضمت وجنتَاها في استياء غَلفها ، تُمشط خَطواتها نَاحية الدَاخل ، ردّت بِصوتٍ خَافِت:
ايوه " ياسمير ، مش قولتلك ماتكلمنيش يوم الجمعه ده خالص "
صمتت لِثواني ،وقَالت بِنبرة غَاضبة هَامسة:
" انا منبهه عليك ، انت ايه ما بتفهمش "
انصَتت لَما يُقال في الطَرف الآخر، ثُم انفَرجت شَفتاها فَجأة عَن ابتِسامة واسِعة، كَأن مَا سَمعتهُ أطرَبها:
" ونبي صحيح ، قالك انه معجب بيا وعايز رقمي ،
بس يارب ما يكونش زي اللي قبله "
اومَأت بِرأسَها بِالأيجاب مَا زَالت تَبتسم
" خلاص تمام اديله رقمي "
أستَدارت تَضع هَاتفِها بِداخل حَقيبتها ، لتِصطَدم بِجسد " موسى " أنحَرف ثَغره في أبتِسامه.. داكِنه وبَارده جِداً
خَرجت أنفاسها مُرتَجفه ونَبضاتها تُكاد تَصم أُذناها فَور رؤيَتُه ، فَتخصرت تَرفع يَدها تَمسح عَلى عُنقها بِقوه ، خَرجت حروفها مِن بِين شفتَاها مُرتعشه
" موسى ، مش تقول أنك هنا .. غريبه ماحستش بيك خالص "
تَبسم "موسى " يَدس يُسراه فِي جَيبه وقَد كَانت مَلامحهُ هادئه وقَويه ، أعطَتهُ ظَهرها في مُحاوله مِنها لُكي تُلملم شِتات نَفسها
" على فكره نظرتك دي بتقول انك فهمت حاجه غلط ، انا كنت بكلم واحده صحبتي ، انا كنت بقولها بس ان كان في واحد "
تَمتمت جِواره تَستردف
" كان في واحد بس ، كان عاوز ...
استَشعرت أُذناها صَوت خَطوات وئيده وكأنُ صَاحبها يَتثنَى وأُخرى هَادئه .. خَطوه تَليها خَطوه
التَفتت لِتجدُه يُغادر دونَ ان يَنبس ولو بِحرفٍ ، مَدت خَطواتِها لِأيقَافه
" موسى.. استنى .. أنتَ رايح فين "
لَمح لَمعت خَوف شَديد لا زَوال لهُ بِعينيها ، دَاهمها رُعب لا يُعدلهُ حَجم ، شَعرت بِأرتخَاء عَضلات يَديها ، دَحرجت عِيناها نَحو مَلامحهُ ، فَوجدتُه يُمرر بَصرُه عَليها وَكأنهُ يَبحث عَن شَىء وَقد كَان هَادئًا .. هَادئًا بِشكل لا يَليق بِالموقف الَذي هُما فِيه
طَالعتهُ بِصمت تَتنفس الصَعداء بِصعوبه تَنتظر مِنهُ أي رَد ولَم يَتفوه بِكلمه واحده سَوى
" اتنفسي "
قَالها وتَركها وَرحل .. تُراقب رَحيلهُ بِصمت ، أحيانًا ثمّة لحظات، لا يُرهبنا فيِها انكِشاف الخَطأ، بَل يُرعبنا الصمت الذي يليه ، فَحين يُخطئ المَرء، يُتوق بشيٍء مِن الغَرابة إلى العِتاب، إلَى أن يُلام، يُصرخ في وَجهه، حَتى إن ضُرب، ليَشعُر وقتَها أن الأَمر انتَهى، وأن الألم قَد قَال كِلمته ومَضى.
لكنّ ذَلك السُكون الخَانق... هو أشدّ أنواع العِقاب.
لأنَك لا تَدري أهو غَضب أم خَيبة ، أتَراه يُخطط للِثأر أم أنُه يَحفُر بيَده قَبراً مِن الأفكَار تُدفَن فيِه طَمأنينَتك
هَو لا يُظهر شَيئًا... لَكنهُ يَعرف جَيدًا كَيف يَترُكك وَحدك تَغرق في بَحر الظنون، تَتخبط في مَوج القَلق، يَنهشك الخَوف مِن كُل احتِمال.
إنُه لا يَحتاج إلى رَفع صَوته، لا حَاجة لهُ أن يُعنفك،
يَكفيه أن يَصمت.
فَهو يُتقن فَن الانهيَار البَطيء... ويُجيد أن يُفقدك النَوم، دونَ أن يَلمسك
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
أدم ....
كَان مُنهك مِن التَفكير ، مَن النَوم ، مِن الاختِباء ، مِن أفكَارُه مِن كُل شَيء
مُنذ شِجارُه مَع ذَاك المُتَحذلِق "سعد" ، لَم يَقوَ عَلى النَبس بِحَرف أو تَحريك سَاكن ، أكتَفى بِالجلوس في غُرفَته ، دَس نَفسُه بَين وِسادات كَثيره وأغطَيه قُطنيه وَقد فَتح نَافذة غُرفَتُه لِتلفحُه البروده مَع دِفىء الأغطَيه ، حَمل كِتابُه الدِراسي مِن جَانبُه وَثبت بَصرُه عَلى أسطُره كأنّه يُطارد فكرة أخرى، لَكن عَقله كَان قَد سَبق عيِنيه... إلى المَاضي، إلى مَا جَرى."
وَقف "آدم" دَاخل المَخزن مُمسكًا بِطرف الصَفيحة، يَدهُ الصَغيرة تَجُرّها بِحذر، يُحاول أن يُتمّم ما طُلب منهُ ..لَكن الخَطوات خَلفهُ كَانت ثَقيلة... بَاردة... أقرَب لظلٍّ يَبتلع الضَوء مِن حَوله.
اقتَرب الصَوت...واقتَرب النَفس الحَارّ عِند رَقبتُه.
"آدم، تعالى... خليك هنا شويه رايح فين "
استَدار بِبُطء، ووَجد نَفسه بيَن ذِراعين،
وابتِسامة بَاهتة فَوق وَجه كَبير، لَم يَعد يَراهُ كَأب لِصاحبُه... بَل كَشيء غَريب يُرعبه.
اقتَرب أكثَر، ولَمس كَتفه بِرفقٍ مُريب،
ثُم مرّت يدٌ ثَقيلة فَوق ظَهرُه، كَأنها تَبحث، أو تُمهّد... لا يَدري.
تَجمّد في مَكانهُ، عَيناه مُتسعتان، لا يَفهم، لَكن جَسدُه بَدأ يَرتعش بِهدوء.
هَمس بِصوت صَغير مُرتَجف:
"أنا... جيبت الصفيحه ياعمو ..."
لَكن اليَد امتَدت أكثَر
" حُطها جنبك هنا دلوقتي "
وَضعها بِجواره ومَازالت يَد الرجُل تَمُر عَلى أمَاكن لا يَعلم " أدم " إن كَان يُفترض أن تُلمس،
ضاق صدره، وغصّ حلقه، وبَحثت عَيناه عَن البَاب... عبثًا.
فتَح فَاههُ لِلحديث ...او ليَصرُخ رُبما، لَكن لَم يَخرُج صَوته ، وضَع يَدُه عَلى فَمه بِنفسه، غَريزيًا، يَمنع صَرخة لا يَعرف إن كَانت مَسموحة.
عَيناه امتلأتا دموعًا، والرَائحة... رائَحة العَرق المُختلط بِالغُبار... التَصقت بِأنفاسهُ
كُل شَيء أصبح بعيدًا ، "سعد"، اللعبة ..الشارع..
فِي تِلك اللَحظة، لَم يَكن يَعرف ما يَحدث، فِي تِلك اللَحظه شَهقت السَماء مِن الخَوف
انقَطع خَيط شروده حينَ سَمع صَوتٍ خَافت يَأتي مِن الخَارج ، صَوت خَطوات تَقترب مِن بَابُه .. المِقْبَضِ المَعدنيِّ يَدُور بِبُطءٍ، وصَرِير الأُوكرَة القَدِيمَة يَتَسَلل كالوَخز فِي أُذُنهِ.
اتسَعَ الشَّق فِي البَابِ قَلِيلًا... ضَوء بَاهِت اندَفَع مِن الخَارِجِ، وَارتَطمَ بِوَجهِه
فِي لَحظَةٍ، ارْتَبكَ نَبضُه...
كَأَن جَسَدَه استَيقَظ مِن غَيبُوبةٍ، وَقَلبَهُ مَا زَالَ غَارِقًا فِيهَا.
امتَدت يَدُهُ سَرِيعًا، كَأَنهَا تَسبِق وَعيَهُ، لِتَمسَحَ الدمُوع العَالِقَةَ عِندَ زَاوِيةِ عَينِهِ، حَاوَلَ أَنْ يَدفِنَ مَا تَبَقى مِنَ الِارتِعَاشِ فِي صَدرِهِ ، وَضَبَطَ صَوتهُ فِي حَلْقِهِ كَيْ لَا يَنكَسِرَ.
رَسَمَ ابتِسَامَة صَغِيرَة عَلَى وَجهِهِ، لَيجد "نوح " يَرمي بِجسده عَلى سَريرُه بِجواره ، لَم يَبدُ " نوح " أي مَلامح مُستَغربه عِند رؤيه أخَاه ، رُبَما ظَن أن شَقيقه يُطالع كِتابُه لَيس ألا ، وَعلى شَقيقه أن يَبدو طَبيعياً معُه عَليه نِسيان ذَلك الرَجل لِبعض الوَقت أعتَدل " نوح " فِي جَلستُه سَائلاً
" بقولك ايه يا ادم ماشوفتش موسى "
وَضع " ادم " كِتابُه أسفَل وِسادتُه
" ايوه ، شوفته نزل بعد ما لقمان ما مشي هو وشيماء بس معرفش راح فين "
نَهض يُسَارع بِخطوَاته نَحو المَكتب الخَشبي المُتهالك يَلتقط هَاتفه بَعدمَا قَام بِفصلُه عَن بطاريتُه يَبعث برِسَاله عَن طَريق تَطبيق الوَاتساب ليَجدهُ مُتصل
"موسى فينك ، معاكش خمسميه جنيه "
وَلم يَمضي ثواني حَتى أتَاه الرد
" انا بره انت اللي فينك "
بَعث " نوح " بِرساله يَجيب على سؤالُه
"في البيت ، ايه ماشوفتش انا قولت ايه بعد كده "
أخفَض "نوح" الهَاتف لِلحظة، يَرمُق شَاشتُه بِنظرة فَاترة، وقَبل أن يُعاود الكِتابة، التَفت تِلقائيًا نَحو البَاب ليَجد " موسى " أمَامُه قَائلاً
"بتاعت معاكش 500 جنيه "
هَز " نوح " رأسُه بِالموافقه
اه ..
أشَار " موسى " يَهز رأْسُه نَافيًا
لا ماشوفتش
دَلف "أنس" إلَى الغُرفة بِخطواتٍ كَسولة، وألقَى بِجسده عَلى طَرف السِرير ، أطَلق تَنهيدة طَويلة وهَو يَفرُك كَفيه بِبعضُهما
"يــــاه، الله يكون في عون الحريم يا أخي ... وعهد الله ما في أوحش من غسيل المواعين"
لَم يَكد يُنهي جُملته حَتى ظَهر "لقمان" يَتقدّم بِخُطى هَادئة، يَتجه نحو السريِر ذَاته ومَا إن اقتَرب حَتى حرّك " أنس" جَسدُه قليلًا ليَفسح لهُ مكانًا لِلجلوس
ابتَسم "لُقمان" وَهو يَجلس، ليُبادر بِسؤاله
"إيه نعيّمة دبستك في المواعين"
أومَأ "أنس" بِرأسه فِي استِسلام
"حصل يا سطا ، حصل والله... مابتقدرش عليكم فابتتشطر عليا انا "
كَان "نوح" جالسًا يُتابعهم بِنظرة مَشوبة بالتَذمّر، نَظر إليهُم واحدًا تِلو الآخر وكأنّ في صَدرُه ضيقًا يُفتش عَن مَخرج، ثُم قَال بِصوتٍ يَعلو تَدريجيًا:
"يعني خلاص مفيش حد منكم هيديني خمسميايه يارجاله "
مَدّ "أنس" يَده إلى جَيبهُ الخَلفي، وأخرَج مَحفظته المُهترئة، قَلبها بَين يَديه ورفَعها نَحو "نوح" ليَراها
"يا سطا بص... لا يوجد سحتوتاً في المحفظه .. ناشفه اهيه ، مافيهاش بريزه حتى تطري عليها "
انفَلتت ضَحكة قَصيرة مِن "لُقمان"، ثُم أسنَد ظَهره إلى رأْس السَرير وأخَذ يَتنهد قَائلاً بِنبرة مُتعبة مَمزوجة بِالسُخرية:
"يابني إحنا في آخر الشهر... بنحكّ في الأسفلت، لأول الشهر تيجي انت تقولي خمسميه جنيه ، انتَ عايش في ماية اللفت ولا ايه "
ألقَى "موسى" سُترته عَلى السرير بِإهمال، يُمرّر يَدهُ بَين خُصلات شَعره ، أزَاح ذِراعُه واضِعاً أياها عَلى جَبينُه هامساً بِصوتٍ رَتيب
"يا مساء الضنك والتقشف... مساءٌ ملبد بالغيوم، مع احتمال سقوط ألفاظ رعدية ولكمات خفيفة على خدودكم واحد تلو الواحد دلوقتي
وأنا اللي كنت بقول نلم من بعض وننزل نتعشّى عند عم جوجل"
انحَنى "نوح" قَليلًا، يُفتّش في جِيوبه، يُخرجها فَارغة كأنّه يُقدّم دليلًا عَلى إفلاسُه
"منين يا حسرة .. إنا مفلس يا بني"
تَذمر " موسى " بِصوتٍ مُتمرد يَبتسم لـ "نوح" بِسُخريه :
"مفلس مين ياسيدنا ، ده انتَ الجنيه بيخرج من جيبك مربي دقنه "
أجَاب " نوح " بِنبره قَاطعه مَع ابتِسامه ضئيله
"والله ظالمني يا جدعان.. والله ظالمني.. ده أنا لسه كنت بشحت من دقيقتين"
وَقف " انس " يَخطو لِلخارج ومَا كَادت قَدمُه أن توضَع خَارجًا حَتى أنتَقلت أنظَار الجَميع نَحوه فَنطق
"لا طالما كده، أروح أشوف في إيه في التلاجة... لحسن حنشي بيجعّر لي "
أشَار عَلى مِعدتُه
"وانا مش قد الحنش اللي جوه "
غَادر "أنس" تَحت أنظَار الجَميع، بَينما التَفت "موسى" نَاحية "لُقمان" وسَألُه رافعًا حاجِبهُ بِاستغرَاب:
"أومال كنت فين كل ده يسطا ، كل ده بتوصّل شيماء"
هزّ " لُقمان" رأْسهُ نافيًا، وارتَسمت علَى ثِغرُه ابتِسامة هَادئِة، وقَال:
"لا ياسطا ... شيماء ايه دلوقت ، الساعه داخلة على واحدة بالليل ، أنا روّحتها من بدري، وبعدها طلعت على صالة الچيم، خطفتلي فيها كام ساعه كده، وجيت على طول"
أطلَق "موسى" تَنهيدة طَويلة وَهو يُربّت بِرفق عَلى سَاق "لقمان"
"قد الدنيا ياسيدنا "
اسَتدار "موسى" نَحو "نوح"، وَهو يَخرج لِفافه تَبغُه مِن دَاخل جَيبُه كَانت شِبه مَطوية، مَدّ "موسى" كفَ يَدهُ طَالبًا
"هات سيجارة يسطا"
دَس "نوح " الِفافه عَلى شَفتيه يُفتش في جِيوبه عَن شُعله ، يَرفض طَلبُه
"طلعت آخر سيجارة يسطا... معييش غيرها"
اختَطف " موسى " لِفافة تَبغُه مِن فَمه، يَضعها بَين شَفتيِه
"ايه ده "
نَبس بِها "نوح " بَينما " موسى" يَشعلها بَين شفَتيه قائلاً
"هولعهالك ياسيدنا ، ما تقلقش"
ألقَى "نوح" بعُلبة الكَبريت الفَارغة مِن جَيبه نَحو سَلة القِمامة القَريبة، لَكنَها ارتَطمت بالأرضيِه تَسقُط بِجوارها ، التَفت "نوح" بِاتجاه "آدم" المُتدثر بِداخل غَطاؤه طَالبًا:
"ما تروح يسطا تحطها جوه السله ، مش عايزين كلام من نعيمة عالمسا "
أبتَسم "ادم " بِسُخريه وأشَاح بِمُقلتيه بَعيداً لِكي لاَ يَلمح استصغَارُه لِطلبه قَائلاً
"لا... أنا سقعان مش قادر أقوم، روح إنت "
دعَم "لُقمان" حَديثُه وَهو يَومأ بِرأسُه
"أيوه صح، ما تروح إنت... هو شغال عند اللي خلفوك"
كَانت نَبرة " نوح " حَازِمه بِتَرجي
"هو جبران الخاطر ما عدّاش على اهاليكم خالص "
مَد "نوح" كَف يَده نَحو "موسى"قائلاً بِنفاد صَبر:
"ما تجيب يسطا السيجارة، إنت بتولّعها ولا بتشفطها "
أخرَج "لقُمان" عُلبه ومدّ واحدة إلى "نوح" وَهو يَشير لـ "موسى" قائلاً:
"خد يسطا... سيجارة، إدّهاله، ده عيل رِمّة."
أخَذها " موسى " وأشعَلها مِن بَقايا سيجَارتُه القَديمة، يَجلس القرفُصاء على الأرض، وأسَند ظَهره للحَائط، يَنفث لِفافة تَبغه يَتأمل العَليا :
"لا بس الواد سعد رَوّق عليك جامد النهارده الصبح يا "نوح"
↚
مَاذا لَو أتَت لكَ الفُرصَه لِفعل شَيء كُنت تَنتظرُه مَنذ سِنين ؟
مَاذا لَو تَركتَ مشَاعرك تَقودكَ، فَسلّمت لهَا زِمَام الأمُور، ومَضيت خَلفها دونَ رَجعة ؟
مَاذا لو وَجدت نَفسك تُحدّق في عيون لا تَعرفها، لَكِنها بَدت مَألوفة ... كَأنك رأيتُها قَبل أن تُولد
هَل سَتُصدق الإحسَاس؟ أم تَتهم قَلبك بِالجنون؟
❄︎
أغلَقت السَيده "نَعيمه " صَنبور المَاء وَرفعت ذَقنهَا مُغمضه عَيناها تُنشف مَاء وَجهها وَأدرَكت فِي تِلك اللَحظه أنَ المَنزل هَادىء مِن ضَوضاء الشَباب ، دَخلت الى غُرفتهم وتَأكدت ظنونها بِأنهم قَد غَادروا المَنزل فِي وقتٍ مُتأخر كَهذا ، مَدت خَطواتها الَى غُرفتها تَفتح البَاب بِتذَمر
" شوفت ، شوفت عيالك يانصار "
أنتَفض الحَاج " نصار " مِن نَومه بِفزع ، تَدور عَيناه يُمنه ويُسراه قَائلاً بِنبره تَشوبها القَلق
" ايه في ايه .. العيال جرالهم حاجه "
القَت المنشَفاه مِن عَلى كَتفها عَلى المَقعد الخَشبي
" قوم ، قوم يا راجل شوف عيالك الساعه داخله على اتنين بعد نص الليل وعيالك مش فيه يانصار"
قَالتها وَهي تَجلس عَلى المَقعد والقَلق يَنهشها مَن الدَاخل
أطلَق هوَ تَنهيِده مِرتَاحه وَسوداويتُه تُعاتبَها مِن خَلف نَظارتُه التى قَد أرتدَاها لِلتو
" لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم "
أشَار بِيديه عَلى السَرير بِجواره
" تعالي نامي يانعيمه ، تعالي نامي ربنا يهديكي "
رَفعت رأْسها أثَر نِداءه ليَسقط بَصرها عَلى هدوءة
أقتَربت مِنه والغَيظ يَعتليها بِسبب نَبرتُه الهَادئه تِلك
" أنام !!
" انتَ ياراجل أنتَ ما بتخَافش على عيالك ، بقولك عيالك مش في البــيــت تقولي تعالي نامي "
عَقد حَاجبيه لِغرابة مَا تَقوله رافِعًا الغِطَاء مِن عَليه بِتذمر وَاضح عَلى ملامحُه ، نَزل مِن عَلى فِراشُه يتجَاوزها ، وأوقَفته هي بَحديثها
" خد ياراجل انا مش بكلمك "
تَوقف يَضرب يَدهُ بيَديه الأُخرى التَفت اليَها يَقترب مِنها مُدلكًا صِدغيه
" عايزاني اعمل ايه ، اروح امسك مكرفون وامشي في الشارع واقول ياناس ياخلق ، عندي خمس عيال شحطه قد دلفه الباب اصغر عيل فيهم ييجي ٢٢ سنه خرجوا كلهم سوا من البيت ولسه
مارجعوش"
وَجه سؤالُه نَحوها وَهو يَتوقع أجَابتها ، يَعلم مَا سَتقوله أو رُبما ما سَتفعله فَهو يَحفظ جَميع افعَالها عَن ظَهر قَلب
" اتريق ، اتريق ..اتريق ياخويا اتريق ..ما هو ده اللي انتَ فالح في "
أشَارت بِأصابعها عَلى فُؤادهَا
" ما انا اقول ايه ، قلبك حجر مش بياكلك على عيالك "
طَالعها وَهي تَستند بِجَانب النَافذه وَنسيم الهَواء يُبعثر تَصفيفة شَعرها ، أتَى بِحجابها الَذي وَجدهُ بِجواره يَمد كَف يَدهُ بِقول
" خدي ماتقفيش في الشباك بشعرك "
أذ تَبسمت بِخفه وَهي تَأخذُه مِنه ، وكَأنها تَسخر مِن شىءٍ ما
" شعر ايه ياراجل هو انا عاد فيا شعر "
التَقطت مِنه الايِشارب تَربطُه عَلى رأْسها
" ما خلاص كله راح والشعر الابيض اتنطور في كل حته "
جَلست عَلى المَقعد أسفَلها تُشير الىَ اسفَل ظَهرها
" فين ، فين ايام ما شعري ده كان لحد هنا ، وتقيل وسايح ونايح "
تَنهدت بِحسره عَلى مَا مضَى
" بس الزمن بقى يلا ، هنقول ايه كله راح "
اقتَرب يَجلس فِي المَقعد المُجاور لَها وَحدقتيه تُطالِعها بِأستمتَاع
" هو ايه ده اللي راح يا أم لقمان ، ايه رأيك بقى انك كل ما تكبري كل ما تحلي في عيني زياده "
ضَحكت بِخفه ضَربتُه عَلى كِتفهُ مُداعبه
" ياراجل ما خلاص بقى ، انتَ لسه فيك حيل للكلام الحلو "
فَتح الدَرج القَريب مِنه بِأنسيابيه هَادئه يُخرج مُنه عُلبه مُغلفه بِكيس أسوَد ، تَطلع اليَها ثُم مَد يَدُه بِها نَحوها
قَطبت السَيده " نَعيمه " حَاجبيها تَتصنع الفِضول والدَهشه
" ايه دي "
وَضع العُلبه فِي حِجرها بِحركهٍ يَعرف أَنها سَتَفهمها، ثُم نَظر إِلَيها نَظره مَنِ اعتاد أَلّا تَنطلي عَلَيه الحِيَل الصَغيره
"أيوه، أيوه... استَعبَطي، استَعبَطي، ما إنتِ عَارفه يانعناعَه إيه دي"
ابتَسَمت كَأنها طِفلَه تَمسك بِهَديه طَالَ انِتظارها، وَبدأت تَفتحها بِشَغف ظاهِر عَلى مَلامِح وَجهها
"والله أنا قلت نسيت السنه دي... حتى تلاقيني ماعرفتش أَنام"
أومَأ بِرَأسه بِبُطء، وَصَوتُه يَقطُر حَنانًا:
"ايوه قولي بقى انك ماعرفتيش تنامي قبل ما اديكي هديتك مش عشان العيال مش في البيت "
أصدَرت صَوتٍ بِجانب فَمها بِدلال
" لاء ما هو اصل ..
بَتر حَديثها بِأزدياد قُربُه مِنها
" لا أصل ولا فصل وأنا أَقدر بَردُه يانعيمه ماجبلكيش هدية عيد ميلادك .. كُل سَنه وإنتِ طَيبَه يا ست السِتات"
حينَ لَمَحت زُجاجه العِطر الَّتي تَعرفها جَيِّدًا، ازداد بَريق عَينَيها
وَضَعت القَليل مِنه عَلى يَدها، وَرَشَّت بِفَرحه لَم تُحاول كَتمانها
"طَيب والله... ده أجمَل عيد ميلاد عدى عليا يا نصار .. رَبنا ما يحرمني منك أبدًا... ولا مِن دخلتك عليا"
وَضَعت الهَديه بِجانبها، ثُم تَوجَّهت نَحو خِزانتها، أَخرجَت أَسوَره ذَهبيه وَارتَدَتها كَأنها تُحيي ذِكرى
"بص... بص موسى جابلي إيه عشان عيد ميلادي"
كَانَت عَيناها تَلمَعان بِفَخرٍ لا يَخلو مِن حَنان الأُم
"عمره ما نسي عيد ميلادي أبدًا ، حتى لو مسافر بيبعتلي هديتي مع ابن عمه"
انقَبض صَدره فَجأه، وحَاول أَن يَخفِي مَا راودهُ، لَكن تَعبير وَجهه خانُه
اقتَرَبت مِنه وَجَلَسَت، تَسأله بِهُدوء:
"مالك يا نصار ، أَنا قلت حاجه ضايقتك"
رَدّ بِصَوتٍ خافِت، وَكَأن الكَلِمه تَخرُج مِن مَكانٍ بَعيد:
"أنا عارف إني بقالي كام سنه ما بجبلكيش هديه دهب زي زَمان"
قاطَعَت كَلماتُه بِإشارهٍ مِن يَدها، وَعَينيها تَلمَع بِصِدق لا يُشترى:
"ما تكملش، ما تكملش يا نصار... دهب إيه وزفت إيه ..ده إنت عندي بكنوز الدنيا وما فيها
يا جوزي وراجل عمري وأخويا وسندي"
ثُم رَفَعت زُجاجة العِطر أَمامه، تَبتَسم وَكَأنها تُصدِّق كُل كَلِمه:
"والأُزازَه دي عِندي أَحسَن مِن أَلف أَسوره وَغُويشه...
إخس عَلَيك يا نَصار، أنا أَبُصّ لِدهب وكلام فاضي زي ده "
ضَحِك، أَخيرًا، تِلك الضَّحكه الَّتي يَعرف أَنها تَخصّها وَحدها:
"أصيله... طُول عُمرِك أَصيله وَبِنت أُصول يا نَعيمه"
.
.
.
.
مَجلس تُحاوطه الميَاه مِن كُل جَانب يَقع جِوار أحد الجسُور بِمنطقة حَوض الدِرس .. السَاعات الأولى مِن الصَباح سَاعة الشِروق والهَواء يُحرك الأشجَار هُنا وهُناك ، شَعروا بِه يُحركَهُم مَعهُ ، يَقفون فِي دائِرة صَغيرة، وَكُل وَاحد مِنهُم يُمسك بِكوب شَاي بلاستِيكي بَين يَديِه الجَو بَارد، والأنفَاس تَخرُج مِن أفواهِهم عَلى هَيئة بُخار خَفيف، يَظهر ويتَلاشى بِسُرعة مَع نَسمات الصَباح ، فَرك "نوح" كَفيه بِبعضهما البَعض حَتى يَستمد مِنهُما الدِفىء قَائلاً
" هو ده ياسى موسى اللي هعشيكوا في عم جوجل وبتاع .. اخرنا نقف على الكوبري بكبايه شاي "
ضُم "موسى " سُترته عَلى صَدره ، وارتَشف مِن كُوبه بِملل يَشير الِيه بِرأسُه
" مش ذنبي ياسيدنا ، مش انتَ اللي فضلت تُرقص على الكُرسي ساعتين ، وكل اما اقولك يلا يانوح عم جوجل هيقفل تقولي استنى شويه لحد اما قفل"
أَخرج "طه " كَعكه صَغيره مِن جَيبُه ليَخرِس صِراخ مَعدتُه ، وَوسط فَتحهُ لَها نَبس نَحو " نوح " الَذي يَستمر بِتبادل نَظرات لَاذعه صَوب " موسى " الذي يَزفُر فِي أنزِعاج
" ما خلاص بقى يلا مالك ، واخدها على صدرك كده ليه ، المهم قضينا شوية وقت حلوين سوا "
مَد "أنس" كَف يَدُه اليِه طالبًا
" ماتجيب حته مولتو ياض ياطه "
اقتَطع "طه" جُزء صَغير مِن خَاصتُه يَعطيهُ لهُ قَائلاً
"فاكرين يارجاله لما كنا بنيجي هنا واحنا صغيرين ونقعد نتنطط على الجسر ده وفاكرينه بحر "
اعتَرض " لُقمان " قائلاً
" ياعم ماتفكرناش بقى كانت ايام زباله زيكم "
ابتَسم " أنس" وَسط مَضغُه لِلكعكه بِفم مَفتوح
" ط..طب فاكر يلا انتَ وهو ، لما كنا بنبقى عايزين ننزل في المايه يلا والولا بِشر قلع هدومه وكان عايز يُنط "
اشمَئز " لُقمان " مِن طَريقه حَديثُه هَكذا
" ابلع يلا الاكل اللي في بوقك تك الأرف شوفنا البلعوم "
فَتح "أنس" فَمُه أكثَر نَحو " لُقمان "
"اكشفلي على بلعومي يسطا "
ليَثير استِفزازُ "لقمان " أكثَر قَائلاً
" يسطا ماتخلنيش امد ايدي عليك ، هضربك وربنا"
ليَلفت "بِشر " انتبَاههم بِحديثُه
" اعمل لابوكم ايه ، ما انتوا عارفين عمري ما روحت مصيف وببقى عايز ابلبط ، حُرمت يعني ولا حُرمت "
رنَّ هاتف "نوح" فجأة، فأخرجُه مِن جَيب بِنطالُه بِنفاد صَبر، ومَا إن عَلم هِوية المُتصل حَتى عَبس وَجهه
جَذب "موسى" السيجَارة مِن فَم "نوح " أخَذ نفسًا طويلًا وحِين أخرَجها مِن بَين شَفتيه، تَطاير الدُخان فِي الهَواء ، وقَال يلوّح بِسيحارتُه
"ماترد ياسيدنا ، ماتصدعناش، دي عاشر مرة التليفون يرن"
تَجاهل "نوح" حَديثُه وهو يَشيح بِوجهه لِبشر :
"خُد يسطا، قولها أي حاجه"
رَفض "بِشر"، سَائلاً
"مين فيهم دي يسطا"
أشَار "نوح" بيِدهُ وقَال دونَ رَغبة فِي الحَديث
"هتفرق معاك انهه فيهم ، يلا انجز"
هزّ "بِشر" رأْسُه رافضًا، ورَفع كفّه فِي الهَواء
"لا يا عم، ماليش في"
نَاول "نوح" الهَاتف إلى "آدم"، الذِي بَدا عَليه التَردُد، مُمسكًا بِالهَاتف بِنظرات حَائرة
"آه بس، أقولها إيه"
دسّ "نوح" الهَاتف في يِدُه.
"ياعم قولها اي حاجه ، اقولك ، قولها إني مُت"
فَتح "آدم" الاتِصال بِصمت، والأنظَار كلّها مُثبتة عَليه، انتظارًا لردّ فِعله
ابتَسم بِخجل وَهو يَومئ بِرأسُه، وقَد ظَهر عَليه الارتِباك، ثُم قَال بِصوت خَفيض:
"الوو
انتَظر لِثواني حَتى يَجيب
لأ... أنا، أنا مش نوح"
استَمع لِسؤال الجَانب الأخَر ثُم أضَاف :
" هو بيقولك إن... إنّه هو مات"
انفَجر الجَميع في ضَحكٍ مَكتوم، ورمَقُه "نوح" بِدهشة غَير مُصدّق
نَاوله "آدم" الهَاتف بِخَجل، وهَمس وهَو يَشيح بِوجهه:
"مش عارف أنا... مش بعرف أقولها إيه"
تَقدّم "موسى"، وأخَذ الهاتف مِنهُ وهَو يُطفىء السيجَارة تَحت قَدمهُ ، ثُم قرّب الهَاتف مِن أذُنه وقَال بِنبرة هَادئة:
"أيوه يا بنتي..."
صَمت قليلًا كأنّه يَستمع
"ايوه للأسف ، الخبر فعلاً صحيح... إحنا بندفنه دلوقتي"
تَبدلت نَبرته، ثُم أضَاف بِلا تَردُد
"أنا مين؟ أنا...انا أمه"
انفَجر الجَميع فِي ضَحك هِستيري، حَتى "نوح" لَم يَستطع تَمالُك نَفسُه، غَير قَادر عَلى التَوقف مِن كَثرة الضِحك
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
هَذه الأمسِيه لَيست لَطيفه لِلبعض فَهُناك مَن يُجافيه النَوم ، تَأخرت "شَيماء" اليَوم فِي مَوعد الرُقاد بِسبب تَفكيرها الزَائد فِيما حَدث تَتَقلب عَن يُمنها ويَسارها عَلى الفِراش ، زَفرت شَقيقَتها "فاطِمه" بِنعاس واضِح بِنبرتها
"يــــــوه ، ما تتهدي بقى ياشيماء مش عارفه انام"
لِتجدها تَنظر لِساعة رِسغها توَجه حَديثها لَها
" قومي يافاطمه بقى الله يكرمك ، خلاص الساعه بقت خمسه الفجر ، يادوبك عشان تروحي شغلك"
قَابلت شَقيقتها طَلبها بِأعتراض
" شغل ايه ده ياشيماء اللي هصحاله الفجر حرام عليكي ، اقفلي الستاير دي عايزه اتخمدلي شويه بفضل واقفه في المحل طول النهار على رجلي عايزه ارتاح "
لَجأت "شَيماء" لِلصمت أَثر شعورهَا بِالأنهَاك الفِكري طوَال اللَيل ، لاَحظت شَقيقتها مَدى حِيرتها ، أعتَدلت بِجلستها تُدحرج بَصرها سَائله
" مالك ياشيماء ، فيكي ايه من وقت اما جيتي أنتِ ولقمان وانتِ ساكته ، حصل حاجه هناك "
طَالعتها بِنظرات مُلامه
" تاوك لما افتكرتي تسأليني ياختي "
تَنهدت " فاطِمه " بِملل تَدعك عِينيها بِثقل
" ما انا لو كنت سألتك اول ما جيتي ياشيماء مكنتيش هتقوليلي ، وهتقوليلي مافيش .. زي كل مره ، سيبتك لما تجيبي اخرك خالص ، وتبقي حاسه انك عايزه تحكي ، ويلا بقى احكي بدل والله اسيبك وانام "
دَحرجت مِقلتيها فِي أغتِياظ مِن سُخريتها حَتى في مِثل هَذه الاوقَات وَهي لاَ طَاقة لَها بِمُجادلتها
فَقالت دُفعه وَاحده
" موسى سمعني النهارده وانا بكلم سمير وبقوله على الواد اللي اعجب بيا في الفرح بتاع اخر زبونه ويديله رقمي وياريت مايبقاش زي اخر واحد "
شَهقت شَقيقتها بِصدمه تَضرب بيَديها عَلى صَدرها بِفزع
" يانهار ابوكي مش فايت وبعدين عمل ايه لما سمع كده "
أرَادت النّهوض لَولا امسَاك شَقيقَتها بِذراعهَا الحُره
تَسألها وَسط شِعورها بِالأحتراق والانزِعاج
" تعالي هنا رايحه فين ، ماتنطقي موسى عمل ايه لما عرف ، قال للُقمان ولا حصل ايه ، ماتفهميني "
أزَاحت ذِراعها عَنها بَعدما نَزلت مِن عَلى الفِراش بِعيون مُشبعه بِالقلق
" المصيبه يافاطمه انه ماقالش ولا فتح بوقه ، انا اللي ادلقت وخريت بكل حاجه زي الجردل ، حسسته اني عامله عمله
جَلست عَلى المَقعد مُقابلها بِغيظ تَضرب بِكف يَدها عَلى ساقِها بِقوه تُضيف
عارفه ، عارفه لو كان قالي مثلاً ، أنتِ ازاي تعملي كده ، او حتى غِضب ، صوته بقى عالي عليا
لَكن ده مافيش يابت
طب حتى يروح يقول للُقمان ، يعمل اي حاجه يافاطمه ، اي حاجه ، كنت هرتاح لكن ده سكت بصلي حتة بصه ، اللي ينشك في عيونه الواسعه دي وسابني ومشي
رَفعت أبهَامها تَستردف
مقالش غير كلمه واحده بس يابت
قَطبت "فاطِمه " حَاجبيها بِفضول
" ايه هي "
قَضمت "شَيماء" شَفتيها بِغيظ سَاخره مِن نبرتُه
" قال ايه ، اتنفسي .. ايه اتنفس دي
ابتَلعت ريقها بِخنقه
"ما انا برضوا الغلطانه يافاطمه انا اللي اول ما شفته زي ما يكون شوفت عفريت ، ركبني الرعب ومابقيتش قادره اقف على رجلي وسابني اضرب اخداس في اسداس ، وكل دقيقه ابص في الموبايل اشوف لقمان باعتلي حاجه ، طيب ياترى هيقوله ايه"
وَضعت كَفيها عَلى رأُسها بِتذمُر
"بولـــيكه ، بولـيكه يابت في دماغي قد كده اهوه، تفتكري يافاطمه هيقوله "
أنهَت حَديثَها وبَقيت تُحدق بِشَقيقتها تَنتظر أن تَنبس بِأي شَيء تُطمئنها بِه ، صَمتت "فاطمه" لِثواني تَقضم شَفتيها تُحاول التَركيز قَائله
" تؤ ، مافتكرش ، موسى أذكى من كده "
اقتَربت مِنها وفضولَها يَسبقها
"ليه ..؟"
جَلست " فاطمه " عَلى طَرف الفِراش
"هقولك ليه مش هيقوله ، اولاً موسى عارف ومتأكد لقمان بيحبك قد ايه ، وهو شخص هادي وراسي بيفكر في الحاجه قبل ما يعملها "
أشَارت "شيماء" بِرأسها بِالأيجاب
"ايوه انتِ صح مش متهور لاء "
ضَربت "فاطِمه " بِكف يَديها الأثنَتين
"شوفتي بقى يعني لو كان زعق او حتى ناده على لقمان ، عارفك بجحه وكنتي انتي وقتها هتتحججي بأي حاجه وهتكدبيه وهتقولي انه كداب وبيكدب ومحصلش
وانه بيعمل كده عشان هو بيكرهك ومش عايز جوازك من لقمان يكمل ، وعشان عارف لقمان بيحبك قد ايه فكان ممكن يخسره قصادك وهو لا يمكن يخسر لقمان مهما حصل "
"يابنت اللعيبه تصدقي صح كلمته قصاد كلمتي ، وانا لساني طويل مكنتش هسكت "
قَالتها "شيماء" بِنبره هَادئه تُناقض زَعزَعتها مِن الدَاخل ، أردَفت وَفوضى مِن المشَاعر تُخالجها
"طيب والعمل ، ما هو برضوا مش معقول يافاطمه هيسمعني وانا بدي رقمي لواحد تاني وهيسكت اكيد يعني هيعمل حاجه ، ماتعرفيش هيعمل ايه"
طَالعت " شيماء " وَهي تَذم شَفتاها وَالضيق يَتفشى بِها ، لِتقرر مُراوغتها قَليلاً
" طيب وانتِ مالك قلقانه كده ليه ، ما يعمل اللي يعمله أنتِ مش بتقولي انك عايزه حد غير لقمان ، يتحكم ، ويؤمر ، وينهي ، ويبقى معاه فلوس "
اومَأت "شَيماء " وَقد أدرَكت صِحه كَلامها لِلتو ، أردَفت وَهي توجه خَطواتها نَحو الفِراش بِنبره مُنكسره
" انا مش هقدر انكر اني نفسي بجد في واحد يبقى هو الأمر الناهي في حياتي "
تغَيرت نَبرتها بِحده
" بس الاهم من ده كله انه يبقى معاه فلوس ، عربيات بقى وفساتين ، وسهرات ونطلع من ام حي الكويت اللي عايشين فيها دي "
تَنهدت حيِن ذَكرت
بس برضوا اللي عملوا لقمان معايا مايتنسيش انا بحب لقمان ، ولقمان لي فضل عليا كتير ، وياما وقف معايا وسندني ، بس مش عايزه اعيش في الفقر فهماني ، فاهمه عايزه اوصلك ايه "
أشَارت " فاطمه " بِرأسها نَافيه
" لا ياشيماء انتِ مابتحبهوش ، اللي بيحب حد بيخاف يجرحه وانتِ معندكيش اي مشكله انك تجرحي لقمان ، اول بس ما تلاقي عريس غني يرضى بيكي مش اكتر ، هتسيبيه وهتسيبي دنيتك واهلك وناسك عشان حلمك اللي زيك ما بيحبش غير نفسه وبس ، لو بتحبيه بجد مكنتيش دورتي على غيره وتروحي افراح علشان واحد يشوفك ويعجب بيكي وياخد رقمك وتوقعيه زي ما بقالك اكتر من سنه بتعملي كده ومافيش نتيجه
لاء وكمان بتشتغلي من وراه في الكوافيرات ومفهماه انك شغاله في كول سنتر ، مافيش حد بيحب حد بيعمل كده ياشيماء ، فوقي ياما "
نَبست ويَدها تَعبث بِخصُلات شَعرها
" يـــــوه ، انتِ هتديني خطبه أنتِ كمان ، سيبك من ده كله دلوقتي ، تفتكري موسى هيعمل ايه في ليلتي الهباب دي "
نَبست "فاطمه " وهي تُتابع الفَراغ وكَأنها تُرتب أفكَارها
" مــــم ، مش عارفه بس اللي اعرفه خللي بالك من خطواتك اليومين اللي جايين دول "
تَنهدت "شيماء" بِأنزعَاج
"ربنا يُستر "
•٠ • .
•٠
حِلو اوي شوية الهوا دول مع شروق الشمس ، لاء
جو رومانتيكي ، رومانتكي يعني
نَبسَ بِها " نوح " مُنهكاً وَهو بِالكاد يَستطيع تَحريك عَضلة لِسانُه يَنظر لِلسماء أمامُه ، بَينما أشَار
" أنس" بيَديه عَلى مَقهى مَفتوح قَائلاً
" دي كافتيريا " كنكه " فاتحه هناك اهيه ماتيجي نجيبلنا ساندوتشين ولا حاجه "
رَطب " لقمان" حَلقُه لِجفاء نَبرتُه ونَبس بِنبره ثَابته
" انتَ مجنون يلا ، انتَ عارف كوبايه الشاي في كافيه كنكه بكام ب ١٥٠ جنيه "
طَرفت عَين " موسى " فِي استِغراب
" ليه الشاي بالكاتل ولا ايه "
ابتِسامة " ادم " كَانت تَتسع شَيئاً فَشيئاً مَع كُل كِلمه تَخرُج مِنهُم يُذكرهم بِما مَضى
" فاكرين لما كنا بنيجي هنا زمان وكنا كلنا ، كلنا بنحلم ان يبقى عندنا كافيه زي كافيه كنكه كده
وكلنا نشتغل فيه وانا افتح ركن فيه للكتب عشان اللي بيحب القرايه "
هَز الجَميع بِرأْسُهم ايجَاباً ، أطلَق " أنس " تَنهيده مُره تَخرج مِن بَين رئتيه وقَد غَمُره الحَنين
" وانا كنت بقول هطلع طباخ ، وهبقى الشيف بتاع
الكافيه وهعمل كل الاصناف الجديده اللي ممكن حد يفكر فيها "
تحرّكوا معًا، خُطواتهم تَسير عَلى نَفس النّسق، حَتى قَال "بشر "ضاحكًا:
"لاء، وانا كمان حلمت معاكم إني هبقى الجرسون اللي بيقدم الطلبات، والله كانت أيام حلوة يا جدع"
التَفت "موسى" إلىَ "لُقمان" وقَال لهُ
"وانت يا لقمان، فاكر كان نفسك تشتغل إيه في الكافيه اللي كنا بنحلم نفتحه "
ابتَسم "لُقمان" بِشرود، كأنّ الذِكرى تُحاوره دَاخلهُ
"فاكر.. إلا فاكر يا بني.. انا كنت هفتح جزء منه لصالة الچيم، علشان اللي يطلع من الچيم يروح يشرب حاجة ويقعد في الكافيه بتاعنا"
قَاطع "نوح " شِروده:
"وانا كنت هبقى بتاع الحسابات، المسؤول الوحيد الأوحد، وكنت هظبّط المكان حتّة تظبيطه "
نَبس "طه " ، وَهو يُشير إلى نفسِه:
"انا الوحيد اللي مكانش ليا مكان في حلمكم ده، عشان كان نفسي أطلع دكتور، ورسيت على مجموع صيدله في الاخر "
أشَار "انس" بيدَيه وهَو يَقول:
"يا عم احمد ربنا، انت الوحيد اللي قرّبت من حلمك، على الأقل... بص كلنا بقينا فين دلوقتي، ومحدّش مننا حقق حاجه "
قادَتهُم أقدامِهم دونَ قَصد، وفَجأه وَقفوا أمَام المَقهى الذي طَالما حَلموا بِشرائه، وَقلوبَهم تَخفق بِالحَنين، كَأنهُم صُغار بِأحلامهم البَريئه
نَظر "موسى" إليهُم، وَهم يُحدّقون فِي حَلمهُم المُشترك، فَقال "لقمان" بِهدوء
"الظاهر إن في حد اشترى الكافيه اللي جنب كافيه " " كنكه " ده بعد ما كان مقفول من سنين"
تَقدّم "موسى" خُطوة، وقَد اختَلطت في ملاَمحُه لَمعة الذِكرى بِرغبة جَامِحة فِي الهِروب مِن الصَمت، ثُم قَال، يُخاطبهم كَمن يَنفخ فِي جمرٍ خَامد
"حد لسه فاكر الأغنية اللي كنا بنقولها لما كنا بنيجي هنا"
جَاء الردّ كالسَهم، واحدًا موحّدًا:
"لا مش ناقصه خالص "
تَعالت الأصوَات فَجأة، كَأن التَعب قَرر أن يَنطق بِلسان الجَميع
"أنا عايز أروح، مش قادر، هموت وأنام."
وَقف "موسى" أمَامهم، كَمن يَستجدي لَحظة حَياة مِن تَحت الرُكام
"ياسيدنا كلنا هنام والله ، بس عشان خاطري... كنا بنغني نقول إيه بقى"
كَان الهَواء قَد ازدَاد بِرودة ، لَمح "لُقمان" نَظرة "موسى" ، وَرأْى فِي عينِيه وَميض الحَنين ، أخرَج يَدهُ مِن جَيب سُترته ، وبَدأ يُصفّق بِبطء، ثُم تَمتم، وقَد سَكن المَلل صَوته
"أرش الماية على الحيطة... تطلع كتاكيت وفراخ بيضا... أبقى أنا كداب"
التَفت "بشر" ، وَقد لَمح لَوحًا خَشبيًّا مُلقياً عَلى الأَرض، اثنَى جَسدُه ، أخرَج عُود ثِقاب مِن جُيبه، وأشعَله.
أحَاطوا جَميعًا بِذاكَ الَلهب الصَغير، يشكّلون دَائرة كَأنها مَأوى لحلمٍ قَديم.
صفّق "آدم" أولًا، وَحدُه، ثُم نَطق كَمن يَوقظ الطفولَة
"اللاء، اللاء..."
شَجّعهم "موسى" ، يُصفّق ويَضحك:
"يلا، يالا انت وهو "
ردّوا بِصوتٍ وَاحد، لَكنهُ مُتثاقل
"اللاء، لاء."
ردّد "لُقمان "، وصَوته هَذه المرّة أقلّ ترددًا
"أبقى أنا فشار"
أجَاب الجَميع، كَأن الكَلمات بَدأت تُخرجهم مِن صَقيع النِسيان
"اللاء، اللاء"
رَفع " أنس "يَدهُ، وابتَسم كَمن دَخل فِي حالةٍ كَان قَد نَسيها
"أحمد مظهر قبل ما يظهر، كان شغال عندنا في الأزهر... أبقى أنا كداب"
ردّ الجَميع، والتَصفيق يَعلو
"اللاء، لاء.. "
"أبقى أنا فشار"
تسَارعت النبَضات، وارتَفع التَصفيق أكثَر ، قَال "طه" بِصوته الذي كَاد يَخنقهُ الضِحك
"طب فاتن حمامة وهي علامة، كانت شغالة عندنا خدامة... أبقى أنا كداب"
اشتَعلت الضِحكات، واختَلطت التَصفيقات بهتافٍ حماسيّ
"اللاء، اللاء"
"أبقى أنا فشار"
غَمز لهُ "أنس " بِطرف عيِنيه مُمازحاً وَسط أصوَات التَصفيق العالي
"ياواد يابتاع فاتن حمامه انت "
بَينما فِي نَفس اللَحظه يُردد أشِقائُه خَلفهُ
"اللاء، لاء"
التَفتوا جَميعًا نَحو "آدم" كَان الدَور قَد وَصل إليِه نَظر حَوله، شَعر بارتباكٍ صَغير، لَكنهُ نَطق بِها ، وابتِسامة بَريئة تَرتسم عَلى شَفتيِه
"محمود المليجي قبل ما ييجي، كان شغال عندنا ميكانيكي"
ضَحك مَعهم، نَظر إليِهم واحدًا تِلو الآخر، ثَم اقتَرب مِنهُ" موسى"، وَضع يَدُه عَلى رأْسُه بِمودّة، ثُم ابتَعد سَريعًا ، هَتفوا كُلهم فِي نَغمةٍ واحِدة
"اللاء، اللاء"
نَهض " نوح " بِحماسهُ الطفوليّ، وَهو يُصفّق ويُحرّك جَسدُه كَمن عَاد لِمرحهُ القَديم
"وأنا أبويا حارب الهكسوس، وهو راكب على الجاموس..."
"أبقى أنا كداب"
تَعالت الضِحكات، وعَلت الأصوَات
"اللاء، اللاء"
وأشَار "نوح" إلَى نَفسِه بِفخرٍ
"أبقى أنا فشار "
أشَار الجَميع بِرؤوسهم بِالأيجاب
"اهـــا ، اهــــا "
ضَحك الجَميع فِي أنٍ وَاحد معًا ، طَالعهُم " نوح " يَتوعد لَهُم
وفي لحظَةٍ واحدَة، سكنَت العيونُ على "موسى" كانَ الدورُ له، لفَّ الكوفيَةَ حولَ عنقِه، ونظرَ أمامَه، عيناهُ تستقرُّ على المَقهى القديمِ، ثُم بَدأ يُصفّق عَاليًا يُتمتم
"انا شوفت في مره عيال شقيانه، تتمنى يوم تبات شبعانه .. "
كانَ الصمتُ قد بدأ ينسلُّ بينَ ضحكاتِهم، والدفءُ الخفيفُ الذي صنعَتهُ الأغنيةُ القديمَة بدأ يخفت، حينَ خطا "موسى" خطوَةً إلى الأمامِ، وابتسامَةٌ غامضَة ترتسِم على ملامحِه وهو يُكمِل بصوتٍ فيهِ حنينٌ بعيدٌ، كأنما يخرُج من زمنٍ آخر
" ابقى انا كداب"
توقّفَت الأيدي عن التصفيقِ للحظَة، التفتَ الجميعُ إليه بدهشَةٍ غامضَة، لا يفهمونَ ما يقصِد، لكنهم، كما لو أنّ الألفَةَ وحدَها تقودُهم، ردّوا بصوتٍ واحد
"اللّا، اللّا...
ثم تابعَ، بنفسِ الإيقاعِ، لكن بصوتٍ أكثرَ دفئًا
"كنا صغار... نحلم بكافيه
بنرسم خطّ... ونمشي عليه .. ابقى انا كداب"
أشَار بِيدهُ عَلى صَدرُه وكَأنهُ يَسألهُم ، لاَ يُغني فَقط
" ابقى أنا فشار"
تَبادلوا النظراتِ فِي حيرَة، بَينما ظلَّ "موسى" واقفًا مكانَه، عيناهُ تلمعانِ بنورٍ من نوعٍ خاص
سكنَت اللحظَةُ فجأَة، خفَتت الضحكاتُ، توقّفَ التصفيقُ، كأنَّ الزمنَ كلَّه قررَ أن يتوقفَ ليُنصِت
توقّفَ "موسى" عن التصفيقِ، ونظرَ إليهم نظرَةً غَامِره بِالحنين ، كأبٍ يهمسُ بسرٍّ لِمن كبروا أمامَه، وكأنّه كانَ ينتظرُ هذه اللحظَةَ منذُ زمنٍ بعيد
ثُم قالَ بهدوءٍ شديدٍ، فيه شيءٌ من الفخرِ، وشيءٌ أكبرُ من الحبّ
"سافرت بلاد... وشقيت سنين
واتحقق الحلم .. اللي شاورتوا عليه"
ومعَ كلماتِه الأخيرة، أشارَ بيدِه إلَى المَقهى الَذي كانَ يَقفُ خلفَهم، ذاكَ المكانُ الذي لطَالما حَملوه جَميعًا فِي خيالِهم، كصورَةٍ بعيدَة، كحلمٍ لا يأتي
نَظروا حَيثُ أشَار، ثُم إليِه، ثُم إلى بَعضِهم البَعض، وكلُّ شيءٍ فيهم تغيّر
صمتٌ كثيفٌ غلّفَ الهواءَ، كأنَّ الزمنَ نفسَه قد تجمّد، يخشَى أن يُفسِدَ تلك اللحظَةَ بكلمةٍ زائدَة
تحدّثَ "لقمان" بصوتٍ مبحوحٍ من فرطِ التأثّر، وعيناهُ تلمعانِ بدمعَةٍ ثقيلَة
"لّا... لّا .. أنتَ تقصد ايه يسطا عشان مش فاهمين"
خَطا "أنس" خطوَةً أخرى، يتأمّلُ وجهَ شَقيقُه ، وأردفَ بنبرَةٍ هَامِسه ، تُكابرُ الانفعال
"يعني إيه ، بتشاور على الكافيه ليه يسطا ... مش فاهمك وربنا"
لَم يَجب "موسى" فِي الحَال
تجمّدَ في مكانِه للحظاتٍ، كأنَّ داخلَه طفلًا صغيرًا يقفُ على حافّةِ الحلم، يَتردّد أن يَخطو إليِه خَوفًا مِن أن ينهارَ تحتَ قدمَيه
عيناهُ دارَت على وجوهِهم واحدَةً تلوَ الأخرى...
لم يرَهم كَما هم، بل كَما كانوا، أطفَالًا بملابسَ مهترئَة، يَركضونَ بينَ عرباتِ الشاي، يَحلمونَ بِالمَقهى الخاصِّ بِهم، يرسمونَه بالكلماتِ والضحكِ...
وضعَ يدَه ببطءٍ في جيبِه
كانَ الجيبُ صغيرًا، لكنّ ما بداخله بدا ثقيلًا، كأنّه يحملُ كلَّ سنينِ الغربة، وكلَّ ليلٍ اشتعلَ فيه الأملُ دونَ ضوء
تنهدَ بابتسامَةٍ دافئَة، صامتَة، شقّت طريقَها إلى وجهِه، وقالَ بصوتٍ خفيضٍ، لكنّه كانَ كافيًا ليوقظَ قلوبَهم:
"الحلم اتحقق أخيرًا يا وَلَاد نصار"
أخرجَ المفتاحَ من جيبِه، رفعَه ببطءٍ، انفجرتِ الأصواتُ من حولِه، أشبهُ بانفجارِ ضوءٍ في نهايةِ نفق.
تعالتِ الضحكاتُ، امتزجَت بالدموعِ، وانطلقتِ الهتافاتُ، لم يكن أحدٌ منهم يملكُ الكلماتِ المناسبَة، لكنّ الفرحَ وحدَه كانَ أبلغَ من أيّ حديث.
رَفعوه عَلى أكتافِهم كما لو أنّه الحُلمُ مجسَّدًا، ثمّ فجأةً، بدأوا يُلقيونه في الهواءِ كالأطفالِ حينَ ينتصرونَ، يعلو ويهبطُ على أيديهم، ووجهُه يضحكُ رغمَ الدهشَه
صرخَ "موسى" وهو يَضحكُ
"نزلوني يا وَلَاد ال... هقَع "
لَكنهم لَم يَسمعوه، أو ربّما لم يُريدوا أن يسمَعوا.
ظلّوا يرفعونهُ ويُعيدونَ التقاطهُ، تتعالى ضحكاتُهم، والسعادةُ تفيضُ من وجوهِهم، كما لو أنّهم لا يَمسكونَ به... بل يُمسكونَ بزمنٍ كاملٍ عادَ فجأَة، زمنٍ كانوا يظنّونه انتهى ، كَانوا يَحملونَه... وكَان هو الحلمُ نفسُه
انتشلَ "نوح" منهُ المفتاحَ، كانت يدُه ترتجفُ قليلًا، ربّما من الإرهاقِ، وربّما من امتلاءِ القلبِ بما لا يُحتمل.
دفعَ البابَ ببطء...
صدرَ عنه صريرٌ خافتٌ، كأنّه شهقَةُ زمنٍ طويلٍ انتظرَ هذا الفتح.
دلفوا للداخلِ، خطواتُهم كانت هادئَة، لكنها ثقيلَة بالمعنَى.
الترابُ لا يزالُ يعلو الكراسي، النوافذُ مطفأَة، والهواءُ ساكن.
لكنّ أعينَهم لم ترَ ذلك.
رأَت الطاولاتِ الخشبيّةَ تلمعُ، والكراسي منجّدةً بجلدٍ أحمرَ كما كانت من قبل، تخيّلوا الأكوابَ المصفوفَة، والقائمَة المعلّقَة، والزائرينَ يدخلون.
رأوا الحلمَ... لا المكان.
وقفوا جميعًا في المنتصفِ، يتلفّتونَ حولَهم كمن يفيقُ من حلمٍ جميل، ليكتشفَ أنّه لم يكن يحلم، بل كان يصحو.
قالَ "آدم" بصوتٍ مبحوحٍ، مبلّلٍ بالدهشَة
"انا هعمل رُكن للكُتب هنا .."
لم يُجبْه أحد.
لَم يَكنِ الصمتُ عجزًا، بل امتلاءً... كأنّ القلوبَ امتلأت حَتى فَاضت، وَلم تَتركْ للِسانِ مجَالًا للنُطق
كانَ الحلمُ قد تحقق.
ليسَ فقط لأنّ بابًا قد فُتح، أو لأنّ مفتاحًا وُضع بين يدٍ ويد...
بل لأنّ ما ظنّوه ماضيًا عابرًا، اتخذَ شكلَه أخيرًا،
وبقي حيًّا بَينهُم
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
إنه الاتصالُ الألفُ بعد المئةِ الذي وصله اليوم.
فتح "موسى" تطبيقَ الواتساب، فوجد سيلًا من الرسائل، أدرك حينها أن الوقتَ قد نفد، ولم يكن بيده حيلةٌ سوى الاعتذارِ من أشقائه، والمُغادرةِ على الفور.
ورغم اعتراضِ بعضهم على رحيله، كان دعم "لقمان" له كافيًا ليدفعه للمضيّ قُدمًا في طريقه.
ترك المقهى في عهدته، ووضع أمانته بين يديه حتى يعود.
ارتدى خُوذته السوداء التي تقطعُ ظلامها خطوطٌ حمراء دقيقة في الأمام، وأخرج قفازاته، يرتديها ليحمي كفّيه من البرد القارس الذي ينتظره بعد لحظاتٍ قليلة
والنَتيجه هوَ هُنا الآن، يقود دراجته البخارية على الطريق الصحراوي، بأقصى ما يمكن من سرعة.
وكأنّه في سباقٍ، لا متسابقين فيه... سوى نفسه.
تسلّل الضَوء من خلف الغيم، يطرد آخر بقايا الليل في خجلٍ بطيء
أعمدة الإنارة على جانبي الطريق انطفأت واحدة تلو الأخرى، كما لو أن الفجر يوقظها من نوبة حراسة طويله
الهواء مشبع ببردٍ كثيف، رطب، يتسلل عبر الملابس ويلتف حول العظام
شبورة خفيفة تغلّف الأفق، تموّه الرؤية وتُغرق العالم في ضباب رمادي، وكأن كل ما حوله مشهد لم يُكتمل
ضغط "موسى" على المقبض، تتسارع الدراجة، وأطلقت صوتًا عميقًا يتردّد بين الصخور الصامتة والسماء ملبّدة بسُحبٍ رمادية توحي بأنّ المطر بات قريبًا. لكن "موسى" لم يبالِ، لم يتوقّف، لم يرفع عينيه طويلًا
كان الطريق فارغًا، لا شيء على جانبيه سوى الصحراء تمتد بلا نهاية، والرمال تتناثر مع الهواء كأشباح ناعمة.
لمح ضوء المؤشّر الأحمر يومض على عدّاد الوقود، تنبّه فجأة.
ضرب بيده على مقود الدراجة بضيق، وهو يغمغم لنفسه:
"نسيت أزوّد بنزين..."
ضغط على المقبض أكثر، فتضاعفت السرعة حتى صارت الدراجة تحكّ بالأرض كأنّها تحفرها.
انطلقت العجلات تطلق شررًا خفيفًا، والرياح تصفع جسده من كل الجهات.
بدأ يميل بدراجته يساراً ويمينًا، يتجاوز السيارات كأنّه يطير لا يسير
أضواء السيارات تتراجع أمامه، حتى ظهرت أمامه أخيرًا محطة بنزين وحيدة على الطريق، كواحةٍ وسط تيهٍ لا ينتهي.
ابتسم دون وعي، ثم اقترب منها بثبات.
أوقف دراجته أمام المضخّة، أنزل قدمه بثقل، ثبّتها، ثم التقط فوهة المضخّة وثبّتها في خزان الوقود.
توجّه إلى محل المحطة، ليَروي ظَمأُة ،
خرج من الباب يَتجرع مِن زُجاحته ، بينما كانت قطرات الماء تنحدر على شفتيه، تنزلق على عنقه، وتتحرّك "تفاحة آدم" في حركتها الجاذبة مع كل جرعة
رفع عينيه حين لمح سيارة سوداء تقف بجوار دراجته.
نزل السائق، لفّ حولها بهدوء، وتوقّف أمام المضخّة الثانية.
لكن "موسى" لم يلتفت للسائق، بل جذب انتباهه شيء آخر...يدٌ خرجت من النافذة الخلفية، يدٌ أنثوية، ناعمة، تمدّدت بهدوء على هيكل دراجته.
لم تظهر صاحبتها، لم ينبس أحدهم بكلمة، فقط يدٌ تمرّرت فوق المعدن ، تَنساب أصَابعها فوق الأحرف والأرقام التي نقشها "موسى" على جانب موتوره ،
كأنها تقرأها بصمت...
تجمّد "موسى" في مكانه.
قطرات الماء لا تزال تنحدر، وزجاجته بين يديه،
ضاق ما بين حاجبيه، نظراته انشدّت نحوها باستغرابٍ ممزوجٍ بفضولٍ غامر ، تَحركت السياره
وتَحرك هو يَستكمل طَريقُه
كان البرد قاسيًا، ينهش أطرافه رغم القفازات.
رفع عينيه إلى السماء، وقد بدأت تُفرغُ أولى غيومها، والمطر ينهمر بغير تمهيد، كأن الصباح قد قرّر أن يبدأ على نغمة الماء ، قطراته تلامس الطريق، تُحدث فيه لمعة متقطعة تحت ضوءٍ رماديٍّ خافت، وموسى يقود دراجته البخارية كمن يهرب من شيءٍ لا يُقال.
لَمح نَفس السيارة أمامه لم تكن تسير بسرعة، وكأنها تنتظره.
ثم حدث ذلك من جديد
يد أنثى ناعمة، بيضاء، يلفّها كمّ أبيض مطرّز بدقّة.
كأنها لا تنتمي للطريق، ولا للعاصفة.
كأنها خرجت من عالم آخر، وخصلة سوداء انزلقت مع يدها إلى الخارج، تتمايل مع الريح، والمطر يتساقط على الذراع الممتدة في بللٍ خفيف.
شدد "موسى " قبضته على المقود اقترب أكثر فأصبحت الدراجة بمحاذاة السيارة
وذلك الكفّ... كفّ رفيع، ساكن، تُبلله قطرات المطر دون أن ينسحب أو يختبئ.
تباطأ دون أن يشعر، اقترب أكثر، والعالم حوله صار أهدأ ، نقرت أصابعها على الباب بخفة.
ضربات قصيرة، كأنها تدق على باب داخليّ
مدّت كفّها قليلًا... فردت الأصابع.
يد لا تبحث عن شيء، لكنها لا تخشى شيئًا أيضًا.
ودون تفكير، رفع "موسى " يده من المقود ومدّها، ببطءٍ، كأن الهواء أصبح أكثر كثافة.
تلامس الكفان لم تكن لمسة طويلة ولا واضحة لَكنها كانت كافيه
ما إن لامست أطراف أصابعه أطراف يدها، حتى انكمشت يدها فجأة، كأنها فوجئت بجرأته،
رفعت رأسها في حركة حذرة، وببطء... أخرجت وجهها قليلًا من النافذة، ونظرت إليه.
رآها أخيرًا
وجه ناعم، مُضيء رغم ظلّ السيارة، عينان عسليّتان واسعتان ، ونصف عبوسٍ غير واضح، كأنها لم تقرر بعد هل تغضب، أم تستغرب، أم تبتسم
طالعها عبر الخوذة، التي لم تُظهر من ملامحه سوى عيونه الكابولتيه، المائله لِلغمقان ، تطلّان من خلف زجاجٍ مضادٍّ للضوء.
عيناه فقط هما من تحدثا ،ضاقتا قليلًا، ففهمَت أنها ابتسامة.
ومع تلك الغمزة الصامتة، أرجعت يدها سريعًا إلى داخل السيارة، بان في نظرتها أنها انزعجت، وكأنّها لم تتوقع جرأته
شعرت بشيء من الارتباك، وشيء من الفضول
خفّف "موسى "من سرعته، وكأنّه يحترم انسحابها
فجأة، انطلقت السيارة أمامه، سبقته، ثم تباطأت قليلاً... ورأسها خرج من النافذة مرّة أخرى، تطلّ عليه من فوق كتفها، بعينين حادّتين هذه المرة، ووجه لا يخفي ضيقه
"Du bist ein Tier."
قالتها واختفت سيارتها وسط الزحام ، توقّف "موسى" قليلًا، وهو ينظر خلفها وهي تبتعد.
لم يشعر بالإهانة ، على العكس، ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه، تسللت إلى عينيه.
رنّ هاتفه في تلك اللحظة.
مدّ يده لجيبه الداخلي، وقبل أن يخرجه، شعر بشيءٍ صغير يلامس معصمه.
أنزل بصره.. ليجد سوار ناعم، مخرّم بخيوط ذهبية دقيقة، كان عالقًا في كمّ سترته الجلدية.
تأمّله لحظة... ثم ابتسم.
خلع القفاز عن يده، سحب السوار برفق، وضعه في جيب سترته بهدوء كمن يخبّئ سرًّا، ثم أنزل زجاج الخوذة، وأدار المقبض.
انطلقت الدراجة مجددًا، تخترق الضباب والمطر،
لكن شيئًا فيها أصبح مختلفًا.
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
هُناك أوقَات يَجب عَليك فِيها بِمعرفة الحقيقه ، حَقيقتهُ هو ، دَلف "موسى " الى داخل قَصر ابيه
الحراس بكل مكان هنا وهناك عَلى الجَانبين تَقدم
"موسى" الى الداخل يَلتف بِماتوره حَول النَافوره الضَخمه بِالمُنتصف ، رَكن دراجتُه فأتى أحد الحُراس
مُسرعاً يَأخُذها مِنهُ ولَكنهُ رد رافضًا
"مافيش داعي سيبها هنا ، انا ماشي على طول "
تَقدم نَاحية القَصر بِخطى ثَقيله وكَانه يَمنع نَفسُه مِن الدخول ولَكنهُ مَجبور عَلى ذَلك ، ومِنذُ لَحظه وصوله وَجد مَن أرتَمى بِداخل أحضَانُه ، ضَمها بِذراعيه يَحتضنها بِقوه وهو يَقول
" وحشتيني ياحبيبه ، وحشتيني اوي "
كَانت سَتنطق بِلهفه مُشتاق ، ولَكن بَتر حَديثها صَوتٍ غَليظ يَعلمه هو جَيداً
" لو كانت اختك وحشتك بجد يااستاذ موسى كنت تنزل على هنا قبل ما تروح لحد تاني "
اعتَذر بِأدب وَهو يُبرر
" انا اسف ، بس كان لازم ازور امي واخواتي خصوصاً اني بقالي "
أقتَرب والدهُ مِنه والغَضب لَمع بِعينيه حينَ نَطق كَلِماته الأخيره قائلاً
" انت عارف كويس اوي ان اللي هناك دي مش امك ولا اللي هناك دول اخواتك ، امك قاعده فوق مريضه بين الحياه والموت واختك واقفه جنبك وابوك هو اللي بيكلمك ، فاهم ياموسى ، فاهم "
لم يُجبه " موسى " فقط نظر إليه بعينين قاتمتين، كأنهما تخفيان كل الردود.
ثم قال بهدوء...
"أنا مش ناسي... وعمري ما نسيت وعارف كويس اوي ان نعيمه مش امي "
مَاذا لَو أتَت لكَ الفُرصَه لِفعل شَيء كُنت تَنتظرُه مَنذ سِنين ؟
مَاذا لَو تَركتَ مشَاعرك تَقودكَ، فَسلّمت لهَا زِمَام الأمُور، ومَضيت خَلفها دونَ رَجعة ؟
مَاذا لو وَجدت نَفسك تُحدّق في عيون لا تَعرفها، لَكِنها بَدت مَألوفة ... كَأنك رأيتُها قَبل أن تُولد
هَل سَتُصدق الإحسَاس؟ أم تَتهم قَلبك بِالجنون؟
❄︎
أغلَقت السَيده "نَعيمه " صَنبور المَاء وَرفعت ذَقنهَا مُغمضه عَيناها تُنشف مَاء وَجهها وَأدرَكت فِي تِلك اللَحظه أنَ المَنزل هَادىء مِن ضَوضاء الشَباب ، دَخلت الى غُرفتهم وتَأكدت ظنونها بِأنهم قَد غَادروا المَنزل فِي وقتٍ مُتأخر كَهذا ، مَدت خَطواتها الَى غُرفتها تَفتح البَاب بِتذَمر
" شوفت ، شوفت عيالك يانصار "
أنتَفض الحَاج " نصار " مِن نَومه بِفزع ، تَدور عَيناه يُمنه ويُسراه قَائلاً بِنبره تَشوبها القَلق
" ايه في ايه .. العيال جرالهم حاجه "
القَت المنشَفاه مِن عَلى كَتفها عَلى المَقعد الخَشبي
" قوم ، قوم يا راجل شوف عيالك الساعه داخله على اتنين بعد نص الليل وعيالك مش فيه يانصار"
قَالتها وَهي تَجلس عَلى المَقعد والقَلق يَنهشها مَن الدَاخل
أطلَق هوَ تَنهيِده مِرتَاحه وَسوداويتُه تُعاتبَها مِن خَلف نَظارتُه التى قَد أرتدَاها لِلتو
" لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم "
أشَار بِيديه عَلى السَرير بِجواره
" تعالي نامي يانعيمه ، تعالي نامي ربنا يهديكي "
رَفعت رأْسها أثَر نِداءه ليَسقط بَصرها عَلى هدوءة
أقتَربت مِنه والغَيظ يَعتليها بِسبب نَبرتُه الهَادئه تِلك
" أنام !!
" انتَ ياراجل أنتَ ما بتخَافش على عيالك ، بقولك عيالك مش في البــيــت تقولي تعالي نامي "
عَقد حَاجبيه لِغرابة مَا تَقوله رافِعًا الغِطَاء مِن عَليه بِتذمر وَاضح عَلى ملامحُه ، نَزل مِن عَلى فِراشُه يتجَاوزها ، وأوقَفته هي بَحديثها
" خد ياراجل انا مش بكلمك "
تَوقف يَضرب يَدهُ بيَديه الأُخرى التَفت اليَها يَقترب مِنها مُدلكًا صِدغيه
" عايزاني اعمل ايه ، اروح امسك مكرفون وامشي في الشارع واقول ياناس ياخلق ، عندي خمس عيال شحطه قد دلفه الباب اصغر عيل فيهم ييجي ٢٢ سنه خرجوا كلهم سوا من البيت ولسه
مارجعوش"
وَجه سؤالُه نَحوها وَهو يَتوقع أجَابتها ، يَعلم مَا سَتقوله أو رُبما ما سَتفعله فَهو يَحفظ جَميع افعَالها عَن ظَهر قَلب
" اتريق ، اتريق ..اتريق ياخويا اتريق ..ما هو ده اللي انتَ فالح في "
أشَارت بِأصابعها عَلى فُؤادهَا
" ما انا اقول ايه ، قلبك حجر مش بياكلك على عيالك "
طَالعها وَهي تَستند بِجَانب النَافذه وَنسيم الهَواء يُبعثر تَصفيفة شَعرها ، أتَى بِحجابها الَذي وَجدهُ بِجواره يَمد كَف يَدهُ بِقول
" خدي ماتقفيش في الشباك بشعرك "
أذ تَبسمت بِخفه وَهي تَأخذُه مِنه ، وكَأنها تَسخر مِن شىءٍ ما
" شعر ايه ياراجل هو انا عاد فيا شعر "
التَقطت مِنه الايِشارب تَربطُه عَلى رأْسها
" ما خلاص كله راح والشعر الابيض اتنطور في كل حته "
جَلست عَلى المَقعد أسفَلها تُشير الىَ اسفَل ظَهرها
" فين ، فين ايام ما شعري ده كان لحد هنا ، وتقيل وسايح ونايح "
تَنهدت بِحسره عَلى مَا مضَى
" بس الزمن بقى يلا ، هنقول ايه كله راح "
اقتَرب يَجلس فِي المَقعد المُجاور لَها وَحدقتيه تُطالِعها بِأستمتَاع
" هو ايه ده اللي راح يا أم لقمان ، ايه رأيك بقى انك كل ما تكبري كل ما تحلي في عيني زياده "
ضَحكت بِخفه ضَربتُه عَلى كِتفهُ مُداعبه
" ياراجل ما خلاص بقى ، انتَ لسه فيك حيل للكلام الحلو "
فَتح الدَرج القَريب مِنه بِأنسيابيه هَادئه يُخرج مُنه عُلبه مُغلفه بِكيس أسوَد ، تَطلع اليَها ثُم مَد يَدُه بِها نَحوها
قَطبت السَيده " نَعيمه " حَاجبيها تَتصنع الفِضول والدَهشه
" ايه دي "
وَضع العُلبه فِي حِجرها بِحركهٍ يَعرف أَنها سَتَفهمها، ثُم نَظر إِلَيها نَظره مَنِ اعتاد أَلّا تَنطلي عَلَيه الحِيَل الصَغيره
"أيوه، أيوه... استَعبَطي، استَعبَطي، ما إنتِ عَارفه يانعناعَه إيه دي"
ابتَسَمت كَأنها طِفلَه تَمسك بِهَديه طَالَ انِتظارها، وَبدأت تَفتحها بِشَغف ظاهِر عَلى مَلامِح وَجهها
"والله أنا قلت نسيت السنه دي... حتى تلاقيني ماعرفتش أَنام"
أومَأ بِرَأسه بِبُطء، وَصَوتُه يَقطُر حَنانًا:
"ايوه قولي بقى انك ماعرفتيش تنامي قبل ما اديكي هديتك مش عشان العيال مش في البيت "
أصدَرت صَوتٍ بِجانب فَمها بِدلال
" لاء ما هو اصل ..
بَتر حَديثها بِأزدياد قُربُه مِنها
" لا أصل ولا فصل وأنا أَقدر بَردُه يانعيمه ماجبلكيش هدية عيد ميلادك .. كُل سَنه وإنتِ طَيبَه يا ست السِتات"
حينَ لَمَحت زُجاجه العِطر الَّتي تَعرفها جَيِّدًا، ازداد بَريق عَينَيها
وَضَعت القَليل مِنه عَلى يَدها، وَرَشَّت بِفَرحه لَم تُحاول كَتمانها
"طَيب والله... ده أجمَل عيد ميلاد عدى عليا يا نصار .. رَبنا ما يحرمني منك أبدًا... ولا مِن دخلتك عليا"
وَضَعت الهَديه بِجانبها، ثُم تَوجَّهت نَحو خِزانتها، أَخرجَت أَسوَره ذَهبيه وَارتَدَتها كَأنها تُحيي ذِكرى
"بص... بص موسى جابلي إيه عشان عيد ميلادي"
كَانَت عَيناها تَلمَعان بِفَخرٍ لا يَخلو مِن حَنان الأُم
"عمره ما نسي عيد ميلادي أبدًا ، حتى لو مسافر بيبعتلي هديتي مع ابن عمه"
انقَبض صَدره فَجأه، وحَاول أَن يَخفِي مَا راودهُ، لَكن تَعبير وَجهه خانُه
اقتَرَبت مِنه وَجَلَسَت، تَسأله بِهُدوء:
"مالك يا نصار ، أَنا قلت حاجه ضايقتك"
رَدّ بِصَوتٍ خافِت، وَكَأن الكَلِمه تَخرُج مِن مَكانٍ بَعيد:
"أنا عارف إني بقالي كام سنه ما بجبلكيش هديه دهب زي زَمان"
قاطَعَت كَلماتُه بِإشارهٍ مِن يَدها، وَعَينيها تَلمَع بِصِدق لا يُشترى:
"ما تكملش، ما تكملش يا نصار... دهب إيه وزفت إيه ..ده إنت عندي بكنوز الدنيا وما فيها
يا جوزي وراجل عمري وأخويا وسندي"
ثُم رَفَعت زُجاجة العِطر أَمامه، تَبتَسم وَكَأنها تُصدِّق كُل كَلِمه:
"والأُزازَه دي عِندي أَحسَن مِن أَلف أَسوره وَغُويشه...
إخس عَلَيك يا نَصار، أنا أَبُصّ لِدهب وكلام فاضي زي ده "
ضَحِك، أَخيرًا، تِلك الضَّحكه الَّتي يَعرف أَنها تَخصّها وَحدها:
"أصيله... طُول عُمرِك أَصيله وَبِنت أُصول يا نَعيمه"
.
.
.
.
مَجلس تُحاوطه الميَاه مِن كُل جَانب يَقع جِوار أحد الجسُور بِمنطقة حَوض الدِرس .. السَاعات الأولى مِن الصَباح سَاعة الشِروق والهَواء يُحرك الأشجَار هُنا وهُناك ، شَعروا بِه يُحركَهُم مَعهُ ، يَقفون فِي دائِرة صَغيرة، وَكُل وَاحد مِنهُم يُمسك بِكوب شَاي بلاستِيكي بَين يَديِه الجَو بَارد، والأنفَاس تَخرُج مِن أفواهِهم عَلى هَيئة بُخار خَفيف، يَظهر ويتَلاشى بِسُرعة مَع نَسمات الصَباح ، فَرك "نوح" كَفيه بِبعضهما البَعض حَتى يَستمد مِنهُما الدِفىء قَائلاً
" هو ده ياسى موسى اللي هعشيكوا في عم جوجل وبتاع .. اخرنا نقف على الكوبري بكبايه شاي "
ضُم "موسى " سُترته عَلى صَدره ، وارتَشف مِن كُوبه بِملل يَشير الِيه بِرأسُه
" مش ذنبي ياسيدنا ، مش انتَ اللي فضلت تُرقص على الكُرسي ساعتين ، وكل اما اقولك يلا يانوح عم جوجل هيقفل تقولي استنى شويه لحد اما قفل"
أَخرج "طه " كَعكه صَغيره مِن جَيبُه ليَخرِس صِراخ مَعدتُه ، وَوسط فَتحهُ لَها نَبس نَحو " نوح " الَذي يَستمر بِتبادل نَظرات لَاذعه صَوب " موسى " الذي يَزفُر فِي أنزِعاج
" ما خلاص بقى يلا مالك ، واخدها على صدرك كده ليه ، المهم قضينا شوية وقت حلوين سوا "
مَد "أنس" كَف يَدُه اليِه طالبًا
" ماتجيب حته مولتو ياض ياطه "
اقتَطع "طه" جُزء صَغير مِن خَاصتُه يَعطيهُ لهُ قَائلاً
"فاكرين يارجاله لما كنا بنيجي هنا واحنا صغيرين ونقعد نتنطط على الجسر ده وفاكرينه بحر "
اعتَرض " لُقمان " قائلاً
" ياعم ماتفكرناش بقى كانت ايام زباله زيكم "
ابتَسم " أنس" وَسط مَضغُه لِلكعكه بِفم مَفتوح
" ط..طب فاكر يلا انتَ وهو ، لما كنا بنبقى عايزين ننزل في المايه يلا والولا بِشر قلع هدومه وكان عايز يُنط "
اشمَئز " لُقمان " مِن طَريقه حَديثُه هَكذا
" ابلع يلا الاكل اللي في بوقك تك الأرف شوفنا البلعوم "
فَتح "أنس" فَمُه أكثَر نَحو " لُقمان "
"اكشفلي على بلعومي يسطا "
ليَثير استِفزازُ "لقمان " أكثَر قَائلاً
" يسطا ماتخلنيش امد ايدي عليك ، هضربك وربنا"
ليَلفت "بِشر " انتبَاههم بِحديثُه
" اعمل لابوكم ايه ، ما انتوا عارفين عمري ما روحت مصيف وببقى عايز ابلبط ، حُرمت يعني ولا حُرمت "
رنَّ هاتف "نوح" فجأة، فأخرجُه مِن جَيب بِنطالُه بِنفاد صَبر، ومَا إن عَلم هِوية المُتصل حَتى عَبس وَجهه
جَذب "موسى" السيجَارة مِن فَم "نوح " أخَذ نفسًا طويلًا وحِين أخرَجها مِن بَين شَفتيه، تَطاير الدُخان فِي الهَواء ، وقَال يلوّح بِسيحارتُه
"ماترد ياسيدنا ، ماتصدعناش، دي عاشر مرة التليفون يرن"
تَجاهل "نوح" حَديثُه وهو يَشيح بِوجهه لِبشر :
"خُد يسطا، قولها أي حاجه"
رَفض "بِشر"، سَائلاً
"مين فيهم دي يسطا"
أشَار "نوح" بيِدهُ وقَال دونَ رَغبة فِي الحَديث
"هتفرق معاك انهه فيهم ، يلا انجز"
هزّ "بِشر" رأْسُه رافضًا، ورَفع كفّه فِي الهَواء
"لا يا عم، ماليش في"
نَاول "نوح" الهَاتف إلى "آدم"، الذِي بَدا عَليه التَردُد، مُمسكًا بِالهَاتف بِنظرات حَائرة
"آه بس، أقولها إيه"
دسّ "نوح" الهَاتف في يِدُه.
"ياعم قولها اي حاجه ، اقولك ، قولها إني مُت"
فَتح "آدم" الاتِصال بِصمت، والأنظَار كلّها مُثبتة عَليه، انتظارًا لردّ فِعله
ابتَسم بِخجل وَهو يَومئ بِرأسُه، وقَد ظَهر عَليه الارتِباك، ثُم قَال بِصوت خَفيض:
"الوو
انتَظر لِثواني حَتى يَجيب
لأ... أنا، أنا مش نوح"
استَمع لِسؤال الجَانب الأخَر ثُم أضَاف :
" هو بيقولك إن... إنّه هو مات"
انفَجر الجَميع في ضَحكٍ مَكتوم، ورمَقُه "نوح" بِدهشة غَير مُصدّق
نَاوله "آدم" الهَاتف بِخَجل، وهَمس وهَو يَشيح بِوجهه:
"مش عارف أنا... مش بعرف أقولها إيه"
تَقدّم "موسى"، وأخَذ الهاتف مِنهُ وهَو يُطفىء السيجَارة تَحت قَدمهُ ، ثُم قرّب الهَاتف مِن أذُنه وقَال بِنبرة هَادئة:
"أيوه يا بنتي..."
صَمت قليلًا كأنّه يَستمع
"ايوه للأسف ، الخبر فعلاً صحيح... إحنا بندفنه دلوقتي"
تَبدلت نَبرته، ثُم أضَاف بِلا تَردُد
"أنا مين؟ أنا...انا أمه"
انفَجر الجَميع فِي ضَحك هِستيري، حَتى "نوح" لَم يَستطع تَمالُك نَفسُه، غَير قَادر عَلى التَوقف مِن كَثرة الضِحك
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
هَذه الأمسِيه لَيست لَطيفه لِلبعض فَهُناك مَن يُجافيه النَوم ، تَأخرت "شَيماء" اليَوم فِي مَوعد الرُقاد بِسبب تَفكيرها الزَائد فِيما حَدث تَتَقلب عَن يُمنها ويَسارها عَلى الفِراش ، زَفرت شَقيقَتها "فاطِمه" بِنعاس واضِح بِنبرتها
"يــــــوه ، ما تتهدي بقى ياشيماء مش عارفه انام"
لِتجدها تَنظر لِساعة رِسغها توَجه حَديثها لَها
" قومي يافاطمه بقى الله يكرمك ، خلاص الساعه بقت خمسه الفجر ، يادوبك عشان تروحي شغلك"
قَابلت شَقيقتها طَلبها بِأعتراض
" شغل ايه ده ياشيماء اللي هصحاله الفجر حرام عليكي ، اقفلي الستاير دي عايزه اتخمدلي شويه بفضل واقفه في المحل طول النهار على رجلي عايزه ارتاح "
لَجأت "شَيماء" لِلصمت أَثر شعورهَا بِالأنهَاك الفِكري طوَال اللَيل ، لاَحظت شَقيقتها مَدى حِيرتها ، أعتَدلت بِجلستها تُدحرج بَصرها سَائله
" مالك ياشيماء ، فيكي ايه من وقت اما جيتي أنتِ ولقمان وانتِ ساكته ، حصل حاجه هناك "
طَالعتها بِنظرات مُلامه
" تاوك لما افتكرتي تسأليني ياختي "
تَنهدت " فاطِمه " بِملل تَدعك عِينيها بِثقل
" ما انا لو كنت سألتك اول ما جيتي ياشيماء مكنتيش هتقوليلي ، وهتقوليلي مافيش .. زي كل مره ، سيبتك لما تجيبي اخرك خالص ، وتبقي حاسه انك عايزه تحكي ، ويلا بقى احكي بدل والله اسيبك وانام "
دَحرجت مِقلتيها فِي أغتِياظ مِن سُخريتها حَتى في مِثل هَذه الاوقَات وَهي لاَ طَاقة لَها بِمُجادلتها
فَقالت دُفعه وَاحده
" موسى سمعني النهارده وانا بكلم سمير وبقوله على الواد اللي اعجب بيا في الفرح بتاع اخر زبونه ويديله رقمي وياريت مايبقاش زي اخر واحد "
شَهقت شَقيقتها بِصدمه تَضرب بيَديها عَلى صَدرها بِفزع
" يانهار ابوكي مش فايت وبعدين عمل ايه لما سمع كده "
أرَادت النّهوض لَولا امسَاك شَقيقَتها بِذراعهَا الحُره
تَسألها وَسط شِعورها بِالأحتراق والانزِعاج
" تعالي هنا رايحه فين ، ماتنطقي موسى عمل ايه لما عرف ، قال للُقمان ولا حصل ايه ، ماتفهميني "
أزَاحت ذِراعها عَنها بَعدما نَزلت مِن عَلى الفِراش بِعيون مُشبعه بِالقلق
" المصيبه يافاطمه انه ماقالش ولا فتح بوقه ، انا اللي ادلقت وخريت بكل حاجه زي الجردل ، حسسته اني عامله عمله
جَلست عَلى المَقعد مُقابلها بِغيظ تَضرب بِكف يَدها عَلى ساقِها بِقوه تُضيف
عارفه ، عارفه لو كان قالي مثلاً ، أنتِ ازاي تعملي كده ، او حتى غِضب ، صوته بقى عالي عليا
لَكن ده مافيش يابت
طب حتى يروح يقول للُقمان ، يعمل اي حاجه يافاطمه ، اي حاجه ، كنت هرتاح لكن ده سكت بصلي حتة بصه ، اللي ينشك في عيونه الواسعه دي وسابني ومشي
رَفعت أبهَامها تَستردف
مقالش غير كلمه واحده بس يابت
قَطبت "فاطِمه " حَاجبيها بِفضول
" ايه هي "
قَضمت "شَيماء" شَفتيها بِغيظ سَاخره مِن نبرتُه
" قال ايه ، اتنفسي .. ايه اتنفس دي
ابتَلعت ريقها بِخنقه
"ما انا برضوا الغلطانه يافاطمه انا اللي اول ما شفته زي ما يكون شوفت عفريت ، ركبني الرعب ومابقيتش قادره اقف على رجلي وسابني اضرب اخداس في اسداس ، وكل دقيقه ابص في الموبايل اشوف لقمان باعتلي حاجه ، طيب ياترى هيقوله ايه"
وَضعت كَفيها عَلى رأُسها بِتذمُر
"بولـــيكه ، بولـيكه يابت في دماغي قد كده اهوه، تفتكري يافاطمه هيقوله "
أنهَت حَديثَها وبَقيت تُحدق بِشَقيقتها تَنتظر أن تَنبس بِأي شَيء تُطمئنها بِه ، صَمتت "فاطمه" لِثواني تَقضم شَفتيها تُحاول التَركيز قَائله
" تؤ ، مافتكرش ، موسى أذكى من كده "
اقتَربت مِنها وفضولَها يَسبقها
"ليه ..؟"
جَلست " فاطمه " عَلى طَرف الفِراش
"هقولك ليه مش هيقوله ، اولاً موسى عارف ومتأكد لقمان بيحبك قد ايه ، وهو شخص هادي وراسي بيفكر في الحاجه قبل ما يعملها "
أشَارت "شيماء" بِرأسها بِالأيجاب
"ايوه انتِ صح مش متهور لاء "
ضَربت "فاطِمه " بِكف يَديها الأثنَتين
"شوفتي بقى يعني لو كان زعق او حتى ناده على لقمان ، عارفك بجحه وكنتي انتي وقتها هتتحججي بأي حاجه وهتكدبيه وهتقولي انه كداب وبيكدب ومحصلش
وانه بيعمل كده عشان هو بيكرهك ومش عايز جوازك من لقمان يكمل ، وعشان عارف لقمان بيحبك قد ايه فكان ممكن يخسره قصادك وهو لا يمكن يخسر لقمان مهما حصل "
"يابنت اللعيبه تصدقي صح كلمته قصاد كلمتي ، وانا لساني طويل مكنتش هسكت "
قَالتها "شيماء" بِنبره هَادئه تُناقض زَعزَعتها مِن الدَاخل ، أردَفت وَفوضى مِن المشَاعر تُخالجها
"طيب والعمل ، ما هو برضوا مش معقول يافاطمه هيسمعني وانا بدي رقمي لواحد تاني وهيسكت اكيد يعني هيعمل حاجه ، ماتعرفيش هيعمل ايه"
طَالعت " شيماء " وَهي تَذم شَفتاها وَالضيق يَتفشى بِها ، لِتقرر مُراوغتها قَليلاً
" طيب وانتِ مالك قلقانه كده ليه ، ما يعمل اللي يعمله أنتِ مش بتقولي انك عايزه حد غير لقمان ، يتحكم ، ويؤمر ، وينهي ، ويبقى معاه فلوس "
اومَأت "شَيماء " وَقد أدرَكت صِحه كَلامها لِلتو ، أردَفت وَهي توجه خَطواتها نَحو الفِراش بِنبره مُنكسره
" انا مش هقدر انكر اني نفسي بجد في واحد يبقى هو الأمر الناهي في حياتي "
تغَيرت نَبرتها بِحده
" بس الاهم من ده كله انه يبقى معاه فلوس ، عربيات بقى وفساتين ، وسهرات ونطلع من ام حي الكويت اللي عايشين فيها دي "
تَنهدت حيِن ذَكرت
بس برضوا اللي عملوا لقمان معايا مايتنسيش انا بحب لقمان ، ولقمان لي فضل عليا كتير ، وياما وقف معايا وسندني ، بس مش عايزه اعيش في الفقر فهماني ، فاهمه عايزه اوصلك ايه "
أشَارت " فاطمه " بِرأسها نَافيه
" لا ياشيماء انتِ مابتحبهوش ، اللي بيحب حد بيخاف يجرحه وانتِ معندكيش اي مشكله انك تجرحي لقمان ، اول بس ما تلاقي عريس غني يرضى بيكي مش اكتر ، هتسيبيه وهتسيبي دنيتك واهلك وناسك عشان حلمك اللي زيك ما بيحبش غير نفسه وبس ، لو بتحبيه بجد مكنتيش دورتي على غيره وتروحي افراح علشان واحد يشوفك ويعجب بيكي وياخد رقمك وتوقعيه زي ما بقالك اكتر من سنه بتعملي كده ومافيش نتيجه
لاء وكمان بتشتغلي من وراه في الكوافيرات ومفهماه انك شغاله في كول سنتر ، مافيش حد بيحب حد بيعمل كده ياشيماء ، فوقي ياما "
نَبست ويَدها تَعبث بِخصُلات شَعرها
" يـــــوه ، انتِ هتديني خطبه أنتِ كمان ، سيبك من ده كله دلوقتي ، تفتكري موسى هيعمل ايه في ليلتي الهباب دي "
نَبست "فاطمه " وهي تُتابع الفَراغ وكَأنها تُرتب أفكَارها
" مــــم ، مش عارفه بس اللي اعرفه خللي بالك من خطواتك اليومين اللي جايين دول "
تَنهدت "شيماء" بِأنزعَاج
"ربنا يُستر "
•٠ • .
•٠
حِلو اوي شوية الهوا دول مع شروق الشمس ، لاء
جو رومانتيكي ، رومانتكي يعني
نَبسَ بِها " نوح " مُنهكاً وَهو بِالكاد يَستطيع تَحريك عَضلة لِسانُه يَنظر لِلسماء أمامُه ، بَينما أشَار
" أنس" بيَديه عَلى مَقهى مَفتوح قَائلاً
" دي كافتيريا " كنكه " فاتحه هناك اهيه ماتيجي نجيبلنا ساندوتشين ولا حاجه "
رَطب " لقمان" حَلقُه لِجفاء نَبرتُه ونَبس بِنبره ثَابته
" انتَ مجنون يلا ، انتَ عارف كوبايه الشاي في كافيه كنكه بكام ب ١٥٠ جنيه "
طَرفت عَين " موسى " فِي استِغراب
" ليه الشاي بالكاتل ولا ايه "
ابتِسامة " ادم " كَانت تَتسع شَيئاً فَشيئاً مَع كُل كِلمه تَخرُج مِنهُم يُذكرهم بِما مَضى
" فاكرين لما كنا بنيجي هنا زمان وكنا كلنا ، كلنا بنحلم ان يبقى عندنا كافيه زي كافيه كنكه كده
وكلنا نشتغل فيه وانا افتح ركن فيه للكتب عشان اللي بيحب القرايه "
هَز الجَميع بِرأْسُهم ايجَاباً ، أطلَق " أنس " تَنهيده مُره تَخرج مِن بَين رئتيه وقَد غَمُره الحَنين
" وانا كنت بقول هطلع طباخ ، وهبقى الشيف بتاع
الكافيه وهعمل كل الاصناف الجديده اللي ممكن حد يفكر فيها "
تحرّكوا معًا، خُطواتهم تَسير عَلى نَفس النّسق، حَتى قَال "بشر "ضاحكًا:
"لاء، وانا كمان حلمت معاكم إني هبقى الجرسون اللي بيقدم الطلبات، والله كانت أيام حلوة يا جدع"
التَفت "موسى" إلىَ "لُقمان" وقَال لهُ
"وانت يا لقمان، فاكر كان نفسك تشتغل إيه في الكافيه اللي كنا بنحلم نفتحه "
ابتَسم "لُقمان" بِشرود، كأنّ الذِكرى تُحاوره دَاخلهُ
"فاكر.. إلا فاكر يا بني.. انا كنت هفتح جزء منه لصالة الچيم، علشان اللي يطلع من الچيم يروح يشرب حاجة ويقعد في الكافيه بتاعنا"
قَاطع "نوح " شِروده:
"وانا كنت هبقى بتاع الحسابات، المسؤول الوحيد الأوحد، وكنت هظبّط المكان حتّة تظبيطه "
نَبس "طه " ، وَهو يُشير إلى نفسِه:
"انا الوحيد اللي مكانش ليا مكان في حلمكم ده، عشان كان نفسي أطلع دكتور، ورسيت على مجموع صيدله في الاخر "
أشَار "انس" بيدَيه وهَو يَقول:
"يا عم احمد ربنا، انت الوحيد اللي قرّبت من حلمك، على الأقل... بص كلنا بقينا فين دلوقتي، ومحدّش مننا حقق حاجه "
قادَتهُم أقدامِهم دونَ قَصد، وفَجأه وَقفوا أمَام المَقهى الذي طَالما حَلموا بِشرائه، وَقلوبَهم تَخفق بِالحَنين، كَأنهُم صُغار بِأحلامهم البَريئه
نَظر "موسى" إليهُم، وَهم يُحدّقون فِي حَلمهُم المُشترك، فَقال "لقمان" بِهدوء
"الظاهر إن في حد اشترى الكافيه اللي جنب كافيه " " كنكه " ده بعد ما كان مقفول من سنين"
تَقدّم "موسى" خُطوة، وقَد اختَلطت في ملاَمحُه لَمعة الذِكرى بِرغبة جَامِحة فِي الهِروب مِن الصَمت، ثُم قَال، يُخاطبهم كَمن يَنفخ فِي جمرٍ خَامد
"حد لسه فاكر الأغنية اللي كنا بنقولها لما كنا بنيجي هنا"
جَاء الردّ كالسَهم، واحدًا موحّدًا:
"لا مش ناقصه خالص "
تَعالت الأصوَات فَجأة، كَأن التَعب قَرر أن يَنطق بِلسان الجَميع
"أنا عايز أروح، مش قادر، هموت وأنام."
وَقف "موسى" أمَامهم، كَمن يَستجدي لَحظة حَياة مِن تَحت الرُكام
"ياسيدنا كلنا هنام والله ، بس عشان خاطري... كنا بنغني نقول إيه بقى"
كَان الهَواء قَد ازدَاد بِرودة ، لَمح "لُقمان" نَظرة "موسى" ، وَرأْى فِي عينِيه وَميض الحَنين ، أخرَج يَدهُ مِن جَيب سُترته ، وبَدأ يُصفّق بِبطء، ثُم تَمتم، وقَد سَكن المَلل صَوته
"أرش الماية على الحيطة... تطلع كتاكيت وفراخ بيضا... أبقى أنا كداب"
التَفت "بشر" ، وَقد لَمح لَوحًا خَشبيًّا مُلقياً عَلى الأَرض، اثنَى جَسدُه ، أخرَج عُود ثِقاب مِن جُيبه، وأشعَله.
أحَاطوا جَميعًا بِذاكَ الَلهب الصَغير، يشكّلون دَائرة كَأنها مَأوى لحلمٍ قَديم.
صفّق "آدم" أولًا، وَحدُه، ثُم نَطق كَمن يَوقظ الطفولَة
"اللاء، اللاء..."
شَجّعهم "موسى" ، يُصفّق ويَضحك:
"يلا، يالا انت وهو "
ردّوا بِصوتٍ وَاحد، لَكنهُ مُتثاقل
"اللاء، لاء."
ردّد "لُقمان "، وصَوته هَذه المرّة أقلّ ترددًا
"أبقى أنا فشار"
أجَاب الجَميع، كَأن الكَلمات بَدأت تُخرجهم مِن صَقيع النِسيان
"اللاء، اللاء"
رَفع " أنس "يَدهُ، وابتَسم كَمن دَخل فِي حالةٍ كَان قَد نَسيها
"أحمد مظهر قبل ما يظهر، كان شغال عندنا في الأزهر... أبقى أنا كداب"
ردّ الجَميع، والتَصفيق يَعلو
"اللاء، لاء.. "
"أبقى أنا فشار"
تسَارعت النبَضات، وارتَفع التَصفيق أكثَر ، قَال "طه" بِصوته الذي كَاد يَخنقهُ الضِحك
"طب فاتن حمامة وهي علامة، كانت شغالة عندنا خدامة... أبقى أنا كداب"
اشتَعلت الضِحكات، واختَلطت التَصفيقات بهتافٍ حماسيّ
"اللاء، اللاء"
"أبقى أنا فشار"
غَمز لهُ "أنس " بِطرف عيِنيه مُمازحاً وَسط أصوَات التَصفيق العالي
"ياواد يابتاع فاتن حمامه انت "
بَينما فِي نَفس اللَحظه يُردد أشِقائُه خَلفهُ
"اللاء، لاء"
التَفتوا جَميعًا نَحو "آدم" كَان الدَور قَد وَصل إليِه نَظر حَوله، شَعر بارتباكٍ صَغير، لَكنهُ نَطق بِها ، وابتِسامة بَريئة تَرتسم عَلى شَفتيِه
"محمود المليجي قبل ما ييجي، كان شغال عندنا ميكانيكي"
ضَحك مَعهم، نَظر إليِهم واحدًا تِلو الآخر، ثَم اقتَرب مِنهُ" موسى"، وَضع يَدُه عَلى رأْسُه بِمودّة، ثُم ابتَعد سَريعًا ، هَتفوا كُلهم فِي نَغمةٍ واحِدة
"اللاء، اللاء"
نَهض " نوح " بِحماسهُ الطفوليّ، وَهو يُصفّق ويُحرّك جَسدُه كَمن عَاد لِمرحهُ القَديم
"وأنا أبويا حارب الهكسوس، وهو راكب على الجاموس..."
"أبقى أنا كداب"
تَعالت الضِحكات، وعَلت الأصوَات
"اللاء، اللاء"
وأشَار "نوح" إلَى نَفسِه بِفخرٍ
"أبقى أنا فشار "
أشَار الجَميع بِرؤوسهم بِالأيجاب
"اهـــا ، اهــــا "
ضَحك الجَميع فِي أنٍ وَاحد معًا ، طَالعهُم " نوح " يَتوعد لَهُم
وفي لحظَةٍ واحدَة، سكنَت العيونُ على "موسى" كانَ الدورُ له، لفَّ الكوفيَةَ حولَ عنقِه، ونظرَ أمامَه، عيناهُ تستقرُّ على المَقهى القديمِ، ثُم بَدأ يُصفّق عَاليًا يُتمتم
"انا شوفت في مره عيال شقيانه، تتمنى يوم تبات شبعانه .. "
كانَ الصمتُ قد بدأ ينسلُّ بينَ ضحكاتِهم، والدفءُ الخفيفُ الذي صنعَتهُ الأغنيةُ القديمَة بدأ يخفت، حينَ خطا "موسى" خطوَةً إلى الأمامِ، وابتسامَةٌ غامضَة ترتسِم على ملامحِه وهو يُكمِل بصوتٍ فيهِ حنينٌ بعيدٌ، كأنما يخرُج من زمنٍ آخر
" ابقى انا كداب"
توقّفَت الأيدي عن التصفيقِ للحظَة، التفتَ الجميعُ إليه بدهشَةٍ غامضَة، لا يفهمونَ ما يقصِد، لكنهم، كما لو أنّ الألفَةَ وحدَها تقودُهم، ردّوا بصوتٍ واحد
"اللّا، اللّا...
ثم تابعَ، بنفسِ الإيقاعِ، لكن بصوتٍ أكثرَ دفئًا
"كنا صغار... نحلم بكافيه
بنرسم خطّ... ونمشي عليه .. ابقى انا كداب"
أشَار بِيدهُ عَلى صَدرُه وكَأنهُ يَسألهُم ، لاَ يُغني فَقط
" ابقى أنا فشار"
تَبادلوا النظراتِ فِي حيرَة، بَينما ظلَّ "موسى" واقفًا مكانَه، عيناهُ تلمعانِ بنورٍ من نوعٍ خاص
سكنَت اللحظَةُ فجأَة، خفَتت الضحكاتُ، توقّفَ التصفيقُ، كأنَّ الزمنَ كلَّه قررَ أن يتوقفَ ليُنصِت
توقّفَ "موسى" عن التصفيقِ، ونظرَ إليهم نظرَةً غَامِره بِالحنين ، كأبٍ يهمسُ بسرٍّ لِمن كبروا أمامَه، وكأنّه كانَ ينتظرُ هذه اللحظَةَ منذُ زمنٍ بعيد
ثُم قالَ بهدوءٍ شديدٍ، فيه شيءٌ من الفخرِ، وشيءٌ أكبرُ من الحبّ
"سافرت بلاد... وشقيت سنين
واتحقق الحلم .. اللي شاورتوا عليه"
ومعَ كلماتِه الأخيرة، أشارَ بيدِه إلَى المَقهى الَذي كانَ يَقفُ خلفَهم، ذاكَ المكانُ الذي لطَالما حَملوه جَميعًا فِي خيالِهم، كصورَةٍ بعيدَة، كحلمٍ لا يأتي
نَظروا حَيثُ أشَار، ثُم إليِه، ثُم إلى بَعضِهم البَعض، وكلُّ شيءٍ فيهم تغيّر
صمتٌ كثيفٌ غلّفَ الهواءَ، كأنَّ الزمنَ نفسَه قد تجمّد، يخشَى أن يُفسِدَ تلك اللحظَةَ بكلمةٍ زائدَة
تحدّثَ "لقمان" بصوتٍ مبحوحٍ من فرطِ التأثّر، وعيناهُ تلمعانِ بدمعَةٍ ثقيلَة
"لّا... لّا .. أنتَ تقصد ايه يسطا عشان مش فاهمين"
خَطا "أنس" خطوَةً أخرى، يتأمّلُ وجهَ شَقيقُه ، وأردفَ بنبرَةٍ هَامِسه ، تُكابرُ الانفعال
"يعني إيه ، بتشاور على الكافيه ليه يسطا ... مش فاهمك وربنا"
لَم يَجب "موسى" فِي الحَال
تجمّدَ في مكانِه للحظاتٍ، كأنَّ داخلَه طفلًا صغيرًا يقفُ على حافّةِ الحلم، يَتردّد أن يَخطو إليِه خَوفًا مِن أن ينهارَ تحتَ قدمَيه
عيناهُ دارَت على وجوهِهم واحدَةً تلوَ الأخرى...
لم يرَهم كَما هم، بل كَما كانوا، أطفَالًا بملابسَ مهترئَة، يَركضونَ بينَ عرباتِ الشاي، يَحلمونَ بِالمَقهى الخاصِّ بِهم، يرسمونَه بالكلماتِ والضحكِ...
وضعَ يدَه ببطءٍ في جيبِه
كانَ الجيبُ صغيرًا، لكنّ ما بداخله بدا ثقيلًا، كأنّه يحملُ كلَّ سنينِ الغربة، وكلَّ ليلٍ اشتعلَ فيه الأملُ دونَ ضوء
تنهدَ بابتسامَةٍ دافئَة، صامتَة، شقّت طريقَها إلى وجهِه، وقالَ بصوتٍ خفيضٍ، لكنّه كانَ كافيًا ليوقظَ قلوبَهم:
"الحلم اتحقق أخيرًا يا وَلَاد نصار"
أخرجَ المفتاحَ من جيبِه، رفعَه ببطءٍ، انفجرتِ الأصواتُ من حولِه، أشبهُ بانفجارِ ضوءٍ في نهايةِ نفق.
تعالتِ الضحكاتُ، امتزجَت بالدموعِ، وانطلقتِ الهتافاتُ، لم يكن أحدٌ منهم يملكُ الكلماتِ المناسبَة، لكنّ الفرحَ وحدَه كانَ أبلغَ من أيّ حديث.
رَفعوه عَلى أكتافِهم كما لو أنّه الحُلمُ مجسَّدًا، ثمّ فجأةً، بدأوا يُلقيونه في الهواءِ كالأطفالِ حينَ ينتصرونَ، يعلو ويهبطُ على أيديهم، ووجهُه يضحكُ رغمَ الدهشَه
صرخَ "موسى" وهو يَضحكُ
"نزلوني يا وَلَاد ال... هقَع "
لَكنهم لَم يَسمعوه، أو ربّما لم يُريدوا أن يسمَعوا.
ظلّوا يرفعونهُ ويُعيدونَ التقاطهُ، تتعالى ضحكاتُهم، والسعادةُ تفيضُ من وجوهِهم، كما لو أنّهم لا يَمسكونَ به... بل يُمسكونَ بزمنٍ كاملٍ عادَ فجأَة، زمنٍ كانوا يظنّونه انتهى ، كَانوا يَحملونَه... وكَان هو الحلمُ نفسُه
انتشلَ "نوح" منهُ المفتاحَ، كانت يدُه ترتجفُ قليلًا، ربّما من الإرهاقِ، وربّما من امتلاءِ القلبِ بما لا يُحتمل.
دفعَ البابَ ببطء...
صدرَ عنه صريرٌ خافتٌ، كأنّه شهقَةُ زمنٍ طويلٍ انتظرَ هذا الفتح.
دلفوا للداخلِ، خطواتُهم كانت هادئَة، لكنها ثقيلَة بالمعنَى.
الترابُ لا يزالُ يعلو الكراسي، النوافذُ مطفأَة، والهواءُ ساكن.
لكنّ أعينَهم لم ترَ ذلك.
رأَت الطاولاتِ الخشبيّةَ تلمعُ، والكراسي منجّدةً بجلدٍ أحمرَ كما كانت من قبل، تخيّلوا الأكوابَ المصفوفَة، والقائمَة المعلّقَة، والزائرينَ يدخلون.
رأوا الحلمَ... لا المكان.
وقفوا جميعًا في المنتصفِ، يتلفّتونَ حولَهم كمن يفيقُ من حلمٍ جميل، ليكتشفَ أنّه لم يكن يحلم، بل كان يصحو.
قالَ "آدم" بصوتٍ مبحوحٍ، مبلّلٍ بالدهشَة
"انا هعمل رُكن للكُتب هنا .."
لم يُجبْه أحد.
لَم يَكنِ الصمتُ عجزًا، بل امتلاءً... كأنّ القلوبَ امتلأت حَتى فَاضت، وَلم تَتركْ للِسانِ مجَالًا للنُطق
كانَ الحلمُ قد تحقق.
ليسَ فقط لأنّ بابًا قد فُتح، أو لأنّ مفتاحًا وُضع بين يدٍ ويد...
بل لأنّ ما ظنّوه ماضيًا عابرًا، اتخذَ شكلَه أخيرًا،
وبقي حيًّا بَينهُم
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
إنه الاتصالُ الألفُ بعد المئةِ الذي وصله اليوم.
فتح "موسى" تطبيقَ الواتساب، فوجد سيلًا من الرسائل، أدرك حينها أن الوقتَ قد نفد، ولم يكن بيده حيلةٌ سوى الاعتذارِ من أشقائه، والمُغادرةِ على الفور.
ورغم اعتراضِ بعضهم على رحيله، كان دعم "لقمان" له كافيًا ليدفعه للمضيّ قُدمًا في طريقه.
ترك المقهى في عهدته، ووضع أمانته بين يديه حتى يعود.
ارتدى خُوذته السوداء التي تقطعُ ظلامها خطوطٌ حمراء دقيقة في الأمام، وأخرج قفازاته، يرتديها ليحمي كفّيه من البرد القارس الذي ينتظره بعد لحظاتٍ قليلة
والنَتيجه هوَ هُنا الآن، يقود دراجته البخارية على الطريق الصحراوي، بأقصى ما يمكن من سرعة.
وكأنّه في سباقٍ، لا متسابقين فيه... سوى نفسه.
تسلّل الضَوء من خلف الغيم، يطرد آخر بقايا الليل في خجلٍ بطيء
أعمدة الإنارة على جانبي الطريق انطفأت واحدة تلو الأخرى، كما لو أن الفجر يوقظها من نوبة حراسة طويله
الهواء مشبع ببردٍ كثيف، رطب، يتسلل عبر الملابس ويلتف حول العظام
شبورة خفيفة تغلّف الأفق، تموّه الرؤية وتُغرق العالم في ضباب رمادي، وكأن كل ما حوله مشهد لم يُكتمل
ضغط "موسى" على المقبض، تتسارع الدراجة، وأطلقت صوتًا عميقًا يتردّد بين الصخور الصامتة والسماء ملبّدة بسُحبٍ رمادية توحي بأنّ المطر بات قريبًا. لكن "موسى" لم يبالِ، لم يتوقّف، لم يرفع عينيه طويلًا
كان الطريق فارغًا، لا شيء على جانبيه سوى الصحراء تمتد بلا نهاية، والرمال تتناثر مع الهواء كأشباح ناعمة.
لمح ضوء المؤشّر الأحمر يومض على عدّاد الوقود، تنبّه فجأة.
ضرب بيده على مقود الدراجة بضيق، وهو يغمغم لنفسه:
"نسيت أزوّد بنزين..."
ضغط على المقبض أكثر، فتضاعفت السرعة حتى صارت الدراجة تحكّ بالأرض كأنّها تحفرها.
انطلقت العجلات تطلق شررًا خفيفًا، والرياح تصفع جسده من كل الجهات.
بدأ يميل بدراجته يساراً ويمينًا، يتجاوز السيارات كأنّه يطير لا يسير
أضواء السيارات تتراجع أمامه، حتى ظهرت أمامه أخيرًا محطة بنزين وحيدة على الطريق، كواحةٍ وسط تيهٍ لا ينتهي.
ابتسم دون وعي، ثم اقترب منها بثبات.
أوقف دراجته أمام المضخّة، أنزل قدمه بثقل، ثبّتها، ثم التقط فوهة المضخّة وثبّتها في خزان الوقود.
توجّه إلى محل المحطة، ليَروي ظَمأُة ،
خرج من الباب يَتجرع مِن زُجاحته ، بينما كانت قطرات الماء تنحدر على شفتيه، تنزلق على عنقه، وتتحرّك "تفاحة آدم" في حركتها الجاذبة مع كل جرعة
رفع عينيه حين لمح سيارة سوداء تقف بجوار دراجته.
نزل السائق، لفّ حولها بهدوء، وتوقّف أمام المضخّة الثانية.
لكن "موسى" لم يلتفت للسائق، بل جذب انتباهه شيء آخر...يدٌ خرجت من النافذة الخلفية، يدٌ أنثوية، ناعمة، تمدّدت بهدوء على هيكل دراجته.
لم تظهر صاحبتها، لم ينبس أحدهم بكلمة، فقط يدٌ تمرّرت فوق المعدن ، تَنساب أصَابعها فوق الأحرف والأرقام التي نقشها "موسى" على جانب موتوره ،
كأنها تقرأها بصمت...
تجمّد "موسى" في مكانه.
قطرات الماء لا تزال تنحدر، وزجاجته بين يديه،
ضاق ما بين حاجبيه، نظراته انشدّت نحوها باستغرابٍ ممزوجٍ بفضولٍ غامر ، تَحركت السياره
وتَحرك هو يَستكمل طَريقُه
كان البرد قاسيًا، ينهش أطرافه رغم القفازات.
رفع عينيه إلى السماء، وقد بدأت تُفرغُ أولى غيومها، والمطر ينهمر بغير تمهيد، كأن الصباح قد قرّر أن يبدأ على نغمة الماء ، قطراته تلامس الطريق، تُحدث فيه لمعة متقطعة تحت ضوءٍ رماديٍّ خافت، وموسى يقود دراجته البخارية كمن يهرب من شيءٍ لا يُقال.
لَمح نَفس السيارة أمامه لم تكن تسير بسرعة، وكأنها تنتظره.
ثم حدث ذلك من جديد
يد أنثى ناعمة، بيضاء، يلفّها كمّ أبيض مطرّز بدقّة.
كأنها لا تنتمي للطريق، ولا للعاصفة.
كأنها خرجت من عالم آخر، وخصلة سوداء انزلقت مع يدها إلى الخارج، تتمايل مع الريح، والمطر يتساقط على الذراع الممتدة في بللٍ خفيف.
شدد "موسى " قبضته على المقود اقترب أكثر فأصبحت الدراجة بمحاذاة السيارة
وذلك الكفّ... كفّ رفيع، ساكن، تُبلله قطرات المطر دون أن ينسحب أو يختبئ.
تباطأ دون أن يشعر، اقترب أكثر، والعالم حوله صار أهدأ ، نقرت أصابعها على الباب بخفة.
ضربات قصيرة، كأنها تدق على باب داخليّ
مدّت كفّها قليلًا... فردت الأصابع.
يد لا تبحث عن شيء، لكنها لا تخشى شيئًا أيضًا.
ودون تفكير، رفع "موسى " يده من المقود ومدّها، ببطءٍ، كأن الهواء أصبح أكثر كثافة.
تلامس الكفان لم تكن لمسة طويلة ولا واضحة لَكنها كانت كافيه
ما إن لامست أطراف أصابعه أطراف يدها، حتى انكمشت يدها فجأة، كأنها فوجئت بجرأته،
رفعت رأسها في حركة حذرة، وببطء... أخرجت وجهها قليلًا من النافذة، ونظرت إليه.
رآها أخيرًا
وجه ناعم، مُضيء رغم ظلّ السيارة، عينان عسليّتان واسعتان ، ونصف عبوسٍ غير واضح، كأنها لم تقرر بعد هل تغضب، أم تستغرب، أم تبتسم
طالعها عبر الخوذة، التي لم تُظهر من ملامحه سوى عيونه الكابولتيه، المائله لِلغمقان ، تطلّان من خلف زجاجٍ مضادٍّ للضوء.
عيناه فقط هما من تحدثا ،ضاقتا قليلًا، ففهمَت أنها ابتسامة.
ومع تلك الغمزة الصامتة، أرجعت يدها سريعًا إلى داخل السيارة، بان في نظرتها أنها انزعجت، وكأنّها لم تتوقع جرأته
شعرت بشيء من الارتباك، وشيء من الفضول
خفّف "موسى "من سرعته، وكأنّه يحترم انسحابها
فجأة، انطلقت السيارة أمامه، سبقته، ثم تباطأت قليلاً... ورأسها خرج من النافذة مرّة أخرى، تطلّ عليه من فوق كتفها، بعينين حادّتين هذه المرة، ووجه لا يخفي ضيقه
"Du bist ein Tier."
قالتها واختفت سيارتها وسط الزحام ، توقّف "موسى" قليلًا، وهو ينظر خلفها وهي تبتعد.
لم يشعر بالإهانة ، على العكس، ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه، تسللت إلى عينيه.
رنّ هاتفه في تلك اللحظة.
مدّ يده لجيبه الداخلي، وقبل أن يخرجه، شعر بشيءٍ صغير يلامس معصمه.
أنزل بصره.. ليجد سوار ناعم، مخرّم بخيوط ذهبية دقيقة، كان عالقًا في كمّ سترته الجلدية.
تأمّله لحظة... ثم ابتسم.
خلع القفاز عن يده، سحب السوار برفق، وضعه في جيب سترته بهدوء كمن يخبّئ سرًّا، ثم أنزل زجاج الخوذة، وأدار المقبض.
انطلقت الدراجة مجددًا، تخترق الضباب والمطر،
لكن شيئًا فيها أصبح مختلفًا.
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
هُناك أوقَات يَجب عَليك فِيها بِمعرفة الحقيقه ، حَقيقتهُ هو ، دَلف "موسى " الى داخل قَصر ابيه
الحراس بكل مكان هنا وهناك عَلى الجَانبين تَقدم
"موسى" الى الداخل يَلتف بِماتوره حَول النَافوره الضَخمه بِالمُنتصف ، رَكن دراجتُه فأتى أحد الحُراس
مُسرعاً يَأخُذها مِنهُ ولَكنهُ رد رافضًا
"مافيش داعي سيبها هنا ، انا ماشي على طول "
تَقدم نَاحية القَصر بِخطى ثَقيله وكَانه يَمنع نَفسُه مِن الدخول ولَكنهُ مَجبور عَلى ذَلك ، ومِنذُ لَحظه وصوله وَجد مَن أرتَمى بِداخل أحضَانُه ، ضَمها بِذراعيه يَحتضنها بِقوه وهو يَقول
" وحشتيني ياحبيبه ، وحشتيني اوي "
كَانت سَتنطق بِلهفه مُشتاق ، ولَكن بَتر حَديثها صَوتٍ غَليظ يَعلمه هو جَيداً
" لو كانت اختك وحشتك بجد يااستاذ موسى كنت تنزل على هنا قبل ما تروح لحد تاني "
اعتَذر بِأدب وَهو يُبرر
" انا اسف ، بس كان لازم ازور امي واخواتي خصوصاً اني بقالي "
أقتَرب والدهُ مِنه والغَضب لَمع بِعينيه حينَ نَطق كَلِماته الأخيره قائلاً
" انت عارف كويس اوي ان اللي هناك دي مش امك ولا اللي هناك دول اخواتك ، امك قاعده فوق مريضه بين الحياه والموت واختك واقفه جنبك وابوك هو اللي بيكلمك ، فاهم ياموسى ، فاهم "
لم يُجبه " موسى " فقط نظر إليه بعينين قاتمتين، كأنهما تخفيان كل الردود.
ثم قال بهدوء...
"أنا مش ناسي... وعمري ما نسيت وعارف كويس اوي ان نعيمه مش امي "
↚
مَاذا لَو أتَت لكَ الفُرصَه لِفعل شَيء كُنت تَنتظرُه مَنذ سِنين ؟
مَاذا لَو تَركتَ مشَاعرك تَقودكَ، فَسلّمت لهَا زِمَام الأمُور، ومَضيت خَلفها دونَ رَجعة ؟
مَاذا لو وَجدت نَفسك تُحدّق في عيون لا تَعرفها، لَكِنها بَدت مَألوفة ... كَأنك رأيتُها قَبل أن تُولد
هَل سَتُصدق الإحسَاس؟ أم تَتهم قَلبك بِالجنون؟
❄︎
أغلَقت السَيده "نَعيمه " صَنبور المَاء وَرفعت ذَقنهَا مُغمضه عَيناها تُنشف مَاء وَجهها وَأدرَكت فِي تِلك اللَحظه أنَ المَنزل هَادىء مِن ضَوضاء الشَباب ، دَخلت الى غُرفتهم وتَأكدت ظنونها بِأنهم قَد غَادروا المَنزل فِي وقتٍ مُتأخر كَهذا ، مَدت خَطواتها الَى غُرفتها تَفتح البَاب بِتذَمر
" شوفت ، شوفت عيالك يانصار "
أنتَفض الحَاج " نصار " مِن نَومه بِفزع ، تَدور عَيناه يُمنه ويُسراه قَائلاً بِنبره تَشوبها القَلق
" ايه في ايه .. العيال جرالهم حاجه "
القَت المنشَفاه مِن عَلى كَتفها عَلى المَقعد الخَشبي
" قوم ، قوم يا راجل شوف عيالك الساعه داخله على اتنين بعد نص الليل وعيالك مش فيه يانصار"
قَالتها وَهي تَجلس عَلى المَقعد والقَلق يَنهشها مَن الدَاخل
أطلَق هوَ تَنهيِده مِرتَاحه وَسوداويتُه تُعاتبَها مِن خَلف نَظارتُه التى قَد أرتدَاها لِلتو
" لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم "
أشَار بِيديه عَلى السَرير بِجواره
" تعالي نامي يانعيمه ، تعالي نامي ربنا يهديكي "
رَفعت رأْسها أثَر نِداءه ليَسقط بَصرها عَلى هدوءة
أقتَربت مِنه والغَيظ يَعتليها بِسبب نَبرتُه الهَادئه تِلك
" أنام !!
" انتَ ياراجل أنتَ ما بتخَافش على عيالك ، بقولك عيالك مش في البــيــت تقولي تعالي نامي "
عَقد حَاجبيه لِغرابة مَا تَقوله رافِعًا الغِطَاء مِن عَليه بِتذمر وَاضح عَلى ملامحُه ، نَزل مِن عَلى فِراشُه يتجَاوزها ، وأوقَفته هي بَحديثها
" خد ياراجل انا مش بكلمك "
تَوقف يَضرب يَدهُ بيَديه الأُخرى التَفت اليَها يَقترب مِنها مُدلكًا صِدغيه
" عايزاني اعمل ايه ، اروح امسك مكرفون وامشي في الشارع واقول ياناس ياخلق ، عندي خمس عيال شحطه قد دلفه الباب اصغر عيل فيهم ييجي ٢٢ سنه خرجوا كلهم سوا من البيت ولسه
مارجعوش"
وَجه سؤالُه نَحوها وَهو يَتوقع أجَابتها ، يَعلم مَا سَتقوله أو رُبما ما سَتفعله فَهو يَحفظ جَميع افعَالها عَن ظَهر قَلب
" اتريق ، اتريق ..اتريق ياخويا اتريق ..ما هو ده اللي انتَ فالح في "
أشَارت بِأصابعها عَلى فُؤادهَا
" ما انا اقول ايه ، قلبك حجر مش بياكلك على عيالك "
طَالعها وَهي تَستند بِجَانب النَافذه وَنسيم الهَواء يُبعثر تَصفيفة شَعرها ، أتَى بِحجابها الَذي وَجدهُ بِجواره يَمد كَف يَدهُ بِقول
" خدي ماتقفيش في الشباك بشعرك "
أذ تَبسمت بِخفه وَهي تَأخذُه مِنه ، وكَأنها تَسخر مِن شىءٍ ما
" شعر ايه ياراجل هو انا عاد فيا شعر "
التَقطت مِنه الايِشارب تَربطُه عَلى رأْسها
" ما خلاص كله راح والشعر الابيض اتنطور في كل حته "
جَلست عَلى المَقعد أسفَلها تُشير الىَ اسفَل ظَهرها
" فين ، فين ايام ما شعري ده كان لحد هنا ، وتقيل وسايح ونايح "
تَنهدت بِحسره عَلى مَا مضَى
" بس الزمن بقى يلا ، هنقول ايه كله راح "
اقتَرب يَجلس فِي المَقعد المُجاور لَها وَحدقتيه تُطالِعها بِأستمتَاع
" هو ايه ده اللي راح يا أم لقمان ، ايه رأيك بقى انك كل ما تكبري كل ما تحلي في عيني زياده "
ضَحكت بِخفه ضَربتُه عَلى كِتفهُ مُداعبه
" ياراجل ما خلاص بقى ، انتَ لسه فيك حيل للكلام الحلو "
فَتح الدَرج القَريب مِنه بِأنسيابيه هَادئه يُخرج مُنه عُلبه مُغلفه بِكيس أسوَد ، تَطلع اليَها ثُم مَد يَدُه بِها نَحوها
قَطبت السَيده " نَعيمه " حَاجبيها تَتصنع الفِضول والدَهشه
" ايه دي "
وَضع العُلبه فِي حِجرها بِحركهٍ يَعرف أَنها سَتَفهمها، ثُم نَظر إِلَيها نَظره مَنِ اعتاد أَلّا تَنطلي عَلَيه الحِيَل الصَغيره
"أيوه، أيوه... استَعبَطي، استَعبَطي، ما إنتِ عَارفه يانعناعَه إيه دي"
ابتَسَمت كَأنها طِفلَه تَمسك بِهَديه طَالَ انِتظارها، وَبدأت تَفتحها بِشَغف ظاهِر عَلى مَلامِح وَجهها
"والله أنا قلت نسيت السنه دي... حتى تلاقيني ماعرفتش أَنام"
أومَأ بِرَأسه بِبُطء، وَصَوتُه يَقطُر حَنانًا:
"ايوه قولي بقى انك ماعرفتيش تنامي قبل ما اديكي هديتك مش عشان العيال مش في البيت "
أصدَرت صَوتٍ بِجانب فَمها بِدلال
" لاء ما هو اصل ..
بَتر حَديثها بِأزدياد قُربُه مِنها
" لا أصل ولا فصل وأنا أَقدر بَردُه يانعيمه ماجبلكيش هدية عيد ميلادك .. كُل سَنه وإنتِ طَيبَه يا ست السِتات"
حينَ لَمَحت زُجاجه العِطر الَّتي تَعرفها جَيِّدًا، ازداد بَريق عَينَيها
وَضَعت القَليل مِنه عَلى يَدها، وَرَشَّت بِفَرحه لَم تُحاول كَتمانها
"طَيب والله... ده أجمَل عيد ميلاد عدى عليا يا نصار .. رَبنا ما يحرمني منك أبدًا... ولا مِن دخلتك عليا"
وَضَعت الهَديه بِجانبها، ثُم تَوجَّهت نَحو خِزانتها، أَخرجَت أَسوَره ذَهبيه وَارتَدَتها كَأنها تُحيي ذِكرى
"بص... بص موسى جابلي إيه عشان عيد ميلادي"
كَانَت عَيناها تَلمَعان بِفَخرٍ لا يَخلو مِن حَنان الأُم
"عمره ما نسي عيد ميلادي أبدًا ، حتى لو مسافر بيبعتلي هديتي مع ابن عمه"
انقَبض صَدره فَجأه، وحَاول أَن يَخفِي مَا راودهُ، لَكن تَعبير وَجهه خانُه
اقتَرَبت مِنه وَجَلَسَت، تَسأله بِهُدوء:
"مالك يا نصار ، أَنا قلت حاجه ضايقتك"
رَدّ بِصَوتٍ خافِت، وَكَأن الكَلِمه تَخرُج مِن مَكانٍ بَعيد:
"أنا عارف إني بقالي كام سنه ما بجبلكيش هديه دهب زي زَمان"
قاطَعَت كَلماتُه بِإشارهٍ مِن يَدها، وَعَينيها تَلمَع بِصِدق لا يُشترى:
"ما تكملش، ما تكملش يا نصار... دهب إيه وزفت إيه ..ده إنت عندي بكنوز الدنيا وما فيها
يا جوزي وراجل عمري وأخويا وسندي"
ثُم رَفَعت زُجاجة العِطر أَمامه، تَبتَسم وَكَأنها تُصدِّق كُل كَلِمه:
"والأُزازَه دي عِندي أَحسَن مِن أَلف أَسوره وَغُويشه...
إخس عَلَيك يا نَصار، أنا أَبُصّ لِدهب وكلام فاضي زي ده "
ضَحِك، أَخيرًا، تِلك الضَّحكه الَّتي يَعرف أَنها تَخصّها وَحدها:
"أصيله... طُول عُمرِك أَصيله وَبِنت أُصول يا نَعيمه"
.
.
.
.
مَجلس تُحاوطه الميَاه مِن كُل جَانب يَقع جِوار أحد الجسُور بِمنطقة حَوض الدِرس .. السَاعات الأولى مِن الصَباح سَاعة الشِروق والهَواء يُحرك الأشجَار هُنا وهُناك ، شَعروا بِه يُحركَهُم مَعهُ ، يَقفون فِي دائِرة صَغيرة، وَكُل وَاحد مِنهُم يُمسك بِكوب شَاي بلاستِيكي بَين يَديِه الجَو بَارد، والأنفَاس تَخرُج مِن أفواهِهم عَلى هَيئة بُخار خَفيف، يَظهر ويتَلاشى بِسُرعة مَع نَسمات الصَباح ، فَرك "نوح" كَفيه بِبعضهما البَعض حَتى يَستمد مِنهُما الدِفىء قَائلاً
" هو ده ياسى موسى اللي هعشيكوا في عم جوجل وبتاع .. اخرنا نقف على الكوبري بكبايه شاي "
ضُم "موسى " سُترته عَلى صَدره ، وارتَشف مِن كُوبه بِملل يَشير الِيه بِرأسُه
" مش ذنبي ياسيدنا ، مش انتَ اللي فضلت تُرقص على الكُرسي ساعتين ، وكل اما اقولك يلا يانوح عم جوجل هيقفل تقولي استنى شويه لحد اما قفل"
أَخرج "طه " كَعكه صَغيره مِن جَيبُه ليَخرِس صِراخ مَعدتُه ، وَوسط فَتحهُ لَها نَبس نَحو " نوح " الَذي يَستمر بِتبادل نَظرات لَاذعه صَوب " موسى " الذي يَزفُر فِي أنزِعاج
" ما خلاص بقى يلا مالك ، واخدها على صدرك كده ليه ، المهم قضينا شوية وقت حلوين سوا "
مَد "أنس" كَف يَدُه اليِه طالبًا
" ماتجيب حته مولتو ياض ياطه "
اقتَطع "طه" جُزء صَغير مِن خَاصتُه يَعطيهُ لهُ قَائلاً
"فاكرين يارجاله لما كنا بنيجي هنا واحنا صغيرين ونقعد نتنطط على الجسر ده وفاكرينه بحر "
اعتَرض " لُقمان " قائلاً
" ياعم ماتفكرناش بقى كانت ايام زباله زيكم "
ابتَسم " أنس" وَسط مَضغُه لِلكعكه بِفم مَفتوح
" ط..طب فاكر يلا انتَ وهو ، لما كنا بنبقى عايزين ننزل في المايه يلا والولا بِشر قلع هدومه وكان عايز يُنط "
اشمَئز " لُقمان " مِن طَريقه حَديثُه هَكذا
" ابلع يلا الاكل اللي في بوقك تك الأرف شوفنا البلعوم "
فَتح "أنس" فَمُه أكثَر نَحو " لُقمان "
"اكشفلي على بلعومي يسطا "
ليَثير استِفزازُ "لقمان " أكثَر قَائلاً
" يسطا ماتخلنيش امد ايدي عليك ، هضربك وربنا"
ليَلفت "بِشر " انتبَاههم بِحديثُه
" اعمل لابوكم ايه ، ما انتوا عارفين عمري ما روحت مصيف وببقى عايز ابلبط ، حُرمت يعني ولا حُرمت "
رنَّ هاتف "نوح" فجأة، فأخرجُه مِن جَيب بِنطالُه بِنفاد صَبر، ومَا إن عَلم هِوية المُتصل حَتى عَبس وَجهه
جَذب "موسى" السيجَارة مِن فَم "نوح " أخَذ نفسًا طويلًا وحِين أخرَجها مِن بَين شَفتيه، تَطاير الدُخان فِي الهَواء ، وقَال يلوّح بِسيحارتُه
"ماترد ياسيدنا ، ماتصدعناش، دي عاشر مرة التليفون يرن"
تَجاهل "نوح" حَديثُه وهو يَشيح بِوجهه لِبشر :
"خُد يسطا، قولها أي حاجه"
رَفض "بِشر"، سَائلاً
"مين فيهم دي يسطا"
أشَار "نوح" بيِدهُ وقَال دونَ رَغبة فِي الحَديث
"هتفرق معاك انهه فيهم ، يلا انجز"
هزّ "بِشر" رأْسُه رافضًا، ورَفع كفّه فِي الهَواء
"لا يا عم، ماليش في"
نَاول "نوح" الهَاتف إلى "آدم"، الذِي بَدا عَليه التَردُد، مُمسكًا بِالهَاتف بِنظرات حَائرة
"آه بس، أقولها إيه"
دسّ "نوح" الهَاتف في يِدُه.
"ياعم قولها اي حاجه ، اقولك ، قولها إني مُت"
فَتح "آدم" الاتِصال بِصمت، والأنظَار كلّها مُثبتة عَليه، انتظارًا لردّ فِعله
ابتَسم بِخجل وَهو يَومئ بِرأسُه، وقَد ظَهر عَليه الارتِباك، ثُم قَال بِصوت خَفيض:
"الوو
انتَظر لِثواني حَتى يَجيب
لأ... أنا، أنا مش نوح"
استَمع لِسؤال الجَانب الأخَر ثُم أضَاف :
" هو بيقولك إن... إنّه هو مات"
انفَجر الجَميع في ضَحكٍ مَكتوم، ورمَقُه "نوح" بِدهشة غَير مُصدّق
نَاوله "آدم" الهَاتف بِخَجل، وهَمس وهَو يَشيح بِوجهه:
"مش عارف أنا... مش بعرف أقولها إيه"
تَقدّم "موسى"، وأخَذ الهاتف مِنهُ وهَو يُطفىء السيجَارة تَحت قَدمهُ ، ثُم قرّب الهَاتف مِن أذُنه وقَال بِنبرة هَادئة:
"أيوه يا بنتي..."
صَمت قليلًا كأنّه يَستمع
"ايوه للأسف ، الخبر فعلاً صحيح... إحنا بندفنه دلوقتي"
تَبدلت نَبرته، ثُم أضَاف بِلا تَردُد
"أنا مين؟ أنا...انا أمه"
انفَجر الجَميع فِي ضَحك هِستيري، حَتى "نوح" لَم يَستطع تَمالُك نَفسُه، غَير قَادر عَلى التَوقف مِن كَثرة الضِحك
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
هَذه الأمسِيه لَيست لَطيفه لِلبعض فَهُناك مَن يُجافيه النَوم ، تَأخرت "شَيماء" اليَوم فِي مَوعد الرُقاد بِسبب تَفكيرها الزَائد فِيما حَدث تَتَقلب عَن يُمنها ويَسارها عَلى الفِراش ، زَفرت شَقيقَتها "فاطِمه" بِنعاس واضِح بِنبرتها
"يــــــوه ، ما تتهدي بقى ياشيماء مش عارفه انام"
لِتجدها تَنظر لِساعة رِسغها توَجه حَديثها لَها
" قومي يافاطمه بقى الله يكرمك ، خلاص الساعه بقت خمسه الفجر ، يادوبك عشان تروحي شغلك"
قَابلت شَقيقتها طَلبها بِأعتراض
" شغل ايه ده ياشيماء اللي هصحاله الفجر حرام عليكي ، اقفلي الستاير دي عايزه اتخمدلي شويه بفضل واقفه في المحل طول النهار على رجلي عايزه ارتاح "
لَجأت "شَيماء" لِلصمت أَثر شعورهَا بِالأنهَاك الفِكري طوَال اللَيل ، لاَحظت شَقيقتها مَدى حِيرتها ، أعتَدلت بِجلستها تُدحرج بَصرها سَائله
" مالك ياشيماء ، فيكي ايه من وقت اما جيتي أنتِ ولقمان وانتِ ساكته ، حصل حاجه هناك "
طَالعتها بِنظرات مُلامه
" تاوك لما افتكرتي تسأليني ياختي "
تَنهدت " فاطِمه " بِملل تَدعك عِينيها بِثقل
" ما انا لو كنت سألتك اول ما جيتي ياشيماء مكنتيش هتقوليلي ، وهتقوليلي مافيش .. زي كل مره ، سيبتك لما تجيبي اخرك خالص ، وتبقي حاسه انك عايزه تحكي ، ويلا بقى احكي بدل والله اسيبك وانام "
دَحرجت مِقلتيها فِي أغتِياظ مِن سُخريتها حَتى في مِثل هَذه الاوقَات وَهي لاَ طَاقة لَها بِمُجادلتها
فَقالت دُفعه وَاحده
" موسى سمعني النهارده وانا بكلم سمير وبقوله على الواد اللي اعجب بيا في الفرح بتاع اخر زبونه ويديله رقمي وياريت مايبقاش زي اخر واحد "
شَهقت شَقيقتها بِصدمه تَضرب بيَديها عَلى صَدرها بِفزع
" يانهار ابوكي مش فايت وبعدين عمل ايه لما سمع كده "
أرَادت النّهوض لَولا امسَاك شَقيقَتها بِذراعهَا الحُره
تَسألها وَسط شِعورها بِالأحتراق والانزِعاج
" تعالي هنا رايحه فين ، ماتنطقي موسى عمل ايه لما عرف ، قال للُقمان ولا حصل ايه ، ماتفهميني "
أزَاحت ذِراعها عَنها بَعدما نَزلت مِن عَلى الفِراش بِعيون مُشبعه بِالقلق
" المصيبه يافاطمه انه ماقالش ولا فتح بوقه ، انا اللي ادلقت وخريت بكل حاجه زي الجردل ، حسسته اني عامله عمله
جَلست عَلى المَقعد مُقابلها بِغيظ تَضرب بِكف يَدها عَلى ساقِها بِقوه تُضيف
عارفه ، عارفه لو كان قالي مثلاً ، أنتِ ازاي تعملي كده ، او حتى غِضب ، صوته بقى عالي عليا
لَكن ده مافيش يابت
طب حتى يروح يقول للُقمان ، يعمل اي حاجه يافاطمه ، اي حاجه ، كنت هرتاح لكن ده سكت بصلي حتة بصه ، اللي ينشك في عيونه الواسعه دي وسابني ومشي
رَفعت أبهَامها تَستردف
مقالش غير كلمه واحده بس يابت
قَطبت "فاطِمه " حَاجبيها بِفضول
" ايه هي "
قَضمت "شَيماء" شَفتيها بِغيظ سَاخره مِن نبرتُه
" قال ايه ، اتنفسي .. ايه اتنفس دي
ابتَلعت ريقها بِخنقه
"ما انا برضوا الغلطانه يافاطمه انا اللي اول ما شفته زي ما يكون شوفت عفريت ، ركبني الرعب ومابقيتش قادره اقف على رجلي وسابني اضرب اخداس في اسداس ، وكل دقيقه ابص في الموبايل اشوف لقمان باعتلي حاجه ، طيب ياترى هيقوله ايه"
وَضعت كَفيها عَلى رأُسها بِتذمُر
"بولـــيكه ، بولـيكه يابت في دماغي قد كده اهوه، تفتكري يافاطمه هيقوله "
أنهَت حَديثَها وبَقيت تُحدق بِشَقيقتها تَنتظر أن تَنبس بِأي شَيء تُطمئنها بِه ، صَمتت "فاطمه" لِثواني تَقضم شَفتيها تُحاول التَركيز قَائله
" تؤ ، مافتكرش ، موسى أذكى من كده "
اقتَربت مِنها وفضولَها يَسبقها
"ليه ..؟"
جَلست " فاطمه " عَلى طَرف الفِراش
"هقولك ليه مش هيقوله ، اولاً موسى عارف ومتأكد لقمان بيحبك قد ايه ، وهو شخص هادي وراسي بيفكر في الحاجه قبل ما يعملها "
أشَارت "شيماء" بِرأسها بِالأيجاب
"ايوه انتِ صح مش متهور لاء "
ضَربت "فاطِمه " بِكف يَديها الأثنَتين
"شوفتي بقى يعني لو كان زعق او حتى ناده على لقمان ، عارفك بجحه وكنتي انتي وقتها هتتحججي بأي حاجه وهتكدبيه وهتقولي انه كداب وبيكدب ومحصلش
وانه بيعمل كده عشان هو بيكرهك ومش عايز جوازك من لقمان يكمل ، وعشان عارف لقمان بيحبك قد ايه فكان ممكن يخسره قصادك وهو لا يمكن يخسر لقمان مهما حصل "
"يابنت اللعيبه تصدقي صح كلمته قصاد كلمتي ، وانا لساني طويل مكنتش هسكت "
قَالتها "شيماء" بِنبره هَادئه تُناقض زَعزَعتها مِن الدَاخل ، أردَفت وَفوضى مِن المشَاعر تُخالجها
"طيب والعمل ، ما هو برضوا مش معقول يافاطمه هيسمعني وانا بدي رقمي لواحد تاني وهيسكت اكيد يعني هيعمل حاجه ، ماتعرفيش هيعمل ايه"
طَالعت " شيماء " وَهي تَذم شَفتاها وَالضيق يَتفشى بِها ، لِتقرر مُراوغتها قَليلاً
" طيب وانتِ مالك قلقانه كده ليه ، ما يعمل اللي يعمله أنتِ مش بتقولي انك عايزه حد غير لقمان ، يتحكم ، ويؤمر ، وينهي ، ويبقى معاه فلوس "
اومَأت "شَيماء " وَقد أدرَكت صِحه كَلامها لِلتو ، أردَفت وَهي توجه خَطواتها نَحو الفِراش بِنبره مُنكسره
" انا مش هقدر انكر اني نفسي بجد في واحد يبقى هو الأمر الناهي في حياتي "
تغَيرت نَبرتها بِحده
" بس الاهم من ده كله انه يبقى معاه فلوس ، عربيات بقى وفساتين ، وسهرات ونطلع من ام حي الكويت اللي عايشين فيها دي "
تَنهدت حيِن ذَكرت
بس برضوا اللي عملوا لقمان معايا مايتنسيش انا بحب لقمان ، ولقمان لي فضل عليا كتير ، وياما وقف معايا وسندني ، بس مش عايزه اعيش في الفقر فهماني ، فاهمه عايزه اوصلك ايه "
أشَارت " فاطمه " بِرأسها نَافيه
" لا ياشيماء انتِ مابتحبهوش ، اللي بيحب حد بيخاف يجرحه وانتِ معندكيش اي مشكله انك تجرحي لقمان ، اول بس ما تلاقي عريس غني يرضى بيكي مش اكتر ، هتسيبيه وهتسيبي دنيتك واهلك وناسك عشان حلمك اللي زيك ما بيحبش غير نفسه وبس ، لو بتحبيه بجد مكنتيش دورتي على غيره وتروحي افراح علشان واحد يشوفك ويعجب بيكي وياخد رقمك وتوقعيه زي ما بقالك اكتر من سنه بتعملي كده ومافيش نتيجه
لاء وكمان بتشتغلي من وراه في الكوافيرات ومفهماه انك شغاله في كول سنتر ، مافيش حد بيحب حد بيعمل كده ياشيماء ، فوقي ياما "
نَبست ويَدها تَعبث بِخصُلات شَعرها
" يـــــوه ، انتِ هتديني خطبه أنتِ كمان ، سيبك من ده كله دلوقتي ، تفتكري موسى هيعمل ايه في ليلتي الهباب دي "
نَبست "فاطمه " وهي تُتابع الفَراغ وكَأنها تُرتب أفكَارها
" مــــم ، مش عارفه بس اللي اعرفه خللي بالك من خطواتك اليومين اللي جايين دول "
تَنهدت "شيماء" بِأنزعَاج
"ربنا يُستر "
•٠ • .
•٠
حِلو اوي شوية الهوا دول مع شروق الشمس ، لاء
جو رومانتيكي ، رومانتكي يعني
نَبسَ بِها " نوح " مُنهكاً وَهو بِالكاد يَستطيع تَحريك عَضلة لِسانُه يَنظر لِلسماء أمامُه ، بَينما أشَار
" أنس" بيَديه عَلى مَقهى مَفتوح قَائلاً
" دي كافتيريا " كنكه " فاتحه هناك اهيه ماتيجي نجيبلنا ساندوتشين ولا حاجه "
رَطب " لقمان" حَلقُه لِجفاء نَبرتُه ونَبس بِنبره ثَابته
" انتَ مجنون يلا ، انتَ عارف كوبايه الشاي في كافيه كنكه بكام ب ١٥٠ جنيه "
طَرفت عَين " موسى " فِي استِغراب
" ليه الشاي بالكاتل ولا ايه "
ابتِسامة " ادم " كَانت تَتسع شَيئاً فَشيئاً مَع كُل كِلمه تَخرُج مِنهُم يُذكرهم بِما مَضى
" فاكرين لما كنا بنيجي هنا زمان وكنا كلنا ، كلنا بنحلم ان يبقى عندنا كافيه زي كافيه كنكه كده
وكلنا نشتغل فيه وانا افتح ركن فيه للكتب عشان اللي بيحب القرايه "
هَز الجَميع بِرأْسُهم ايجَاباً ، أطلَق " أنس " تَنهيده مُره تَخرج مِن بَين رئتيه وقَد غَمُره الحَنين
" وانا كنت بقول هطلع طباخ ، وهبقى الشيف بتاع
الكافيه وهعمل كل الاصناف الجديده اللي ممكن حد يفكر فيها "
تحرّكوا معًا، خُطواتهم تَسير عَلى نَفس النّسق، حَتى قَال "بشر "ضاحكًا:
"لاء، وانا كمان حلمت معاكم إني هبقى الجرسون اللي بيقدم الطلبات، والله كانت أيام حلوة يا جدع"
التَفت "موسى" إلىَ "لُقمان" وقَال لهُ
"وانت يا لقمان، فاكر كان نفسك تشتغل إيه في الكافيه اللي كنا بنحلم نفتحه "
ابتَسم "لُقمان" بِشرود، كأنّ الذِكرى تُحاوره دَاخلهُ
"فاكر.. إلا فاكر يا بني.. انا كنت هفتح جزء منه لصالة الچيم، علشان اللي يطلع من الچيم يروح يشرب حاجة ويقعد في الكافيه بتاعنا"
قَاطع "نوح " شِروده:
"وانا كنت هبقى بتاع الحسابات، المسؤول الوحيد الأوحد، وكنت هظبّط المكان حتّة تظبيطه "
نَبس "طه " ، وَهو يُشير إلى نفسِه:
"انا الوحيد اللي مكانش ليا مكان في حلمكم ده، عشان كان نفسي أطلع دكتور، ورسيت على مجموع صيدله في الاخر "
أشَار "انس" بيدَيه وهَو يَقول:
"يا عم احمد ربنا، انت الوحيد اللي قرّبت من حلمك، على الأقل... بص كلنا بقينا فين دلوقتي، ومحدّش مننا حقق حاجه "
قادَتهُم أقدامِهم دونَ قَصد، وفَجأه وَقفوا أمَام المَقهى الذي طَالما حَلموا بِشرائه، وَقلوبَهم تَخفق بِالحَنين، كَأنهُم صُغار بِأحلامهم البَريئه
نَظر "موسى" إليهُم، وَهم يُحدّقون فِي حَلمهُم المُشترك، فَقال "لقمان" بِهدوء
"الظاهر إن في حد اشترى الكافيه اللي جنب كافيه " " كنكه " ده بعد ما كان مقفول من سنين"
تَقدّم "موسى" خُطوة، وقَد اختَلطت في ملاَمحُه لَمعة الذِكرى بِرغبة جَامِحة فِي الهِروب مِن الصَمت، ثُم قَال، يُخاطبهم كَمن يَنفخ فِي جمرٍ خَامد
"حد لسه فاكر الأغنية اللي كنا بنقولها لما كنا بنيجي هنا"
جَاء الردّ كالسَهم، واحدًا موحّدًا:
"لا مش ناقصه خالص "
تَعالت الأصوَات فَجأة، كَأن التَعب قَرر أن يَنطق بِلسان الجَميع
"أنا عايز أروح، مش قادر، هموت وأنام."
وَقف "موسى" أمَامهم، كَمن يَستجدي لَحظة حَياة مِن تَحت الرُكام
"ياسيدنا كلنا هنام والله ، بس عشان خاطري... كنا بنغني نقول إيه بقى"
كَان الهَواء قَد ازدَاد بِرودة ، لَمح "لُقمان" نَظرة "موسى" ، وَرأْى فِي عينِيه وَميض الحَنين ، أخرَج يَدهُ مِن جَيب سُترته ، وبَدأ يُصفّق بِبطء، ثُم تَمتم، وقَد سَكن المَلل صَوته
"أرش الماية على الحيطة... تطلع كتاكيت وفراخ بيضا... أبقى أنا كداب"
التَفت "بشر" ، وَقد لَمح لَوحًا خَشبيًّا مُلقياً عَلى الأَرض، اثنَى جَسدُه ، أخرَج عُود ثِقاب مِن جُيبه، وأشعَله.
أحَاطوا جَميعًا بِذاكَ الَلهب الصَغير، يشكّلون دَائرة كَأنها مَأوى لحلمٍ قَديم.
صفّق "آدم" أولًا، وَحدُه، ثُم نَطق كَمن يَوقظ الطفولَة
"اللاء، اللاء..."
شَجّعهم "موسى" ، يُصفّق ويَضحك:
"يلا، يالا انت وهو "
ردّوا بِصوتٍ وَاحد، لَكنهُ مُتثاقل
"اللاء، لاء."
ردّد "لُقمان "، وصَوته هَذه المرّة أقلّ ترددًا
"أبقى أنا فشار"
أجَاب الجَميع، كَأن الكَلمات بَدأت تُخرجهم مِن صَقيع النِسيان
"اللاء، اللاء"
رَفع " أنس "يَدهُ، وابتَسم كَمن دَخل فِي حالةٍ كَان قَد نَسيها
"أحمد مظهر قبل ما يظهر، كان شغال عندنا في الأزهر... أبقى أنا كداب"
ردّ الجَميع، والتَصفيق يَعلو
"اللاء، لاء.. "
"أبقى أنا فشار"
تسَارعت النبَضات، وارتَفع التَصفيق أكثَر ، قَال "طه" بِصوته الذي كَاد يَخنقهُ الضِحك
"طب فاتن حمامة وهي علامة، كانت شغالة عندنا خدامة... أبقى أنا كداب"
اشتَعلت الضِحكات، واختَلطت التَصفيقات بهتافٍ حماسيّ
"اللاء، اللاء"
"أبقى أنا فشار"
غَمز لهُ "أنس " بِطرف عيِنيه مُمازحاً وَسط أصوَات التَصفيق العالي
"ياواد يابتاع فاتن حمامه انت "
بَينما فِي نَفس اللَحظه يُردد أشِقائُه خَلفهُ
"اللاء، لاء"
التَفتوا جَميعًا نَحو "آدم" كَان الدَور قَد وَصل إليِه نَظر حَوله، شَعر بارتباكٍ صَغير، لَكنهُ نَطق بِها ، وابتِسامة بَريئة تَرتسم عَلى شَفتيِه
"محمود المليجي قبل ما ييجي، كان شغال عندنا ميكانيكي"
ضَحك مَعهم، نَظر إليِهم واحدًا تِلو الآخر، ثَم اقتَرب مِنهُ" موسى"، وَضع يَدُه عَلى رأْسُه بِمودّة، ثُم ابتَعد سَريعًا ، هَتفوا كُلهم فِي نَغمةٍ واحِدة
"اللاء، اللاء"
نَهض " نوح " بِحماسهُ الطفوليّ، وَهو يُصفّق ويُحرّك جَسدُه كَمن عَاد لِمرحهُ القَديم
"وأنا أبويا حارب الهكسوس، وهو راكب على الجاموس..."
"أبقى أنا كداب"
تَعالت الضِحكات، وعَلت الأصوَات
"اللاء، اللاء"
وأشَار "نوح" إلَى نَفسِه بِفخرٍ
"أبقى أنا فشار "
أشَار الجَميع بِرؤوسهم بِالأيجاب
"اهـــا ، اهــــا "
ضَحك الجَميع فِي أنٍ وَاحد معًا ، طَالعهُم " نوح " يَتوعد لَهُم
وفي لحظَةٍ واحدَة، سكنَت العيونُ على "موسى" كانَ الدورُ له، لفَّ الكوفيَةَ حولَ عنقِه، ونظرَ أمامَه، عيناهُ تستقرُّ على المَقهى القديمِ، ثُم بَدأ يُصفّق عَاليًا يُتمتم
"انا شوفت في مره عيال شقيانه، تتمنى يوم تبات شبعانه .. "
كانَ الصمتُ قد بدأ ينسلُّ بينَ ضحكاتِهم، والدفءُ الخفيفُ الذي صنعَتهُ الأغنيةُ القديمَة بدأ يخفت، حينَ خطا "موسى" خطوَةً إلى الأمامِ، وابتسامَةٌ غامضَة ترتسِم على ملامحِه وهو يُكمِل بصوتٍ فيهِ حنينٌ بعيدٌ، كأنما يخرُج من زمنٍ آخر
" ابقى انا كداب"
توقّفَت الأيدي عن التصفيقِ للحظَة، التفتَ الجميعُ إليه بدهشَةٍ غامضَة، لا يفهمونَ ما يقصِد، لكنهم، كما لو أنّ الألفَةَ وحدَها تقودُهم، ردّوا بصوتٍ واحد
"اللّا، اللّا...
ثم تابعَ، بنفسِ الإيقاعِ، لكن بصوتٍ أكثرَ دفئًا
"كنا صغار... نحلم بكافيه
بنرسم خطّ... ونمشي عليه .. ابقى انا كداب"
أشَار بِيدهُ عَلى صَدرُه وكَأنهُ يَسألهُم ، لاَ يُغني فَقط
" ابقى أنا فشار"
تَبادلوا النظراتِ فِي حيرَة، بَينما ظلَّ "موسى" واقفًا مكانَه، عيناهُ تلمعانِ بنورٍ من نوعٍ خاص
سكنَت اللحظَةُ فجأَة، خفَتت الضحكاتُ، توقّفَ التصفيقُ، كأنَّ الزمنَ كلَّه قررَ أن يتوقفَ ليُنصِت
توقّفَ "موسى" عن التصفيقِ، ونظرَ إليهم نظرَةً غَامِره بِالحنين ، كأبٍ يهمسُ بسرٍّ لِمن كبروا أمامَه، وكأنّه كانَ ينتظرُ هذه اللحظَةَ منذُ زمنٍ بعيد
ثُم قالَ بهدوءٍ شديدٍ، فيه شيءٌ من الفخرِ، وشيءٌ أكبرُ من الحبّ
"سافرت بلاد... وشقيت سنين
واتحقق الحلم .. اللي شاورتوا عليه"
ومعَ كلماتِه الأخيرة، أشارَ بيدِه إلَى المَقهى الَذي كانَ يَقفُ خلفَهم، ذاكَ المكانُ الذي لطَالما حَملوه جَميعًا فِي خيالِهم، كصورَةٍ بعيدَة، كحلمٍ لا يأتي
نَظروا حَيثُ أشَار، ثُم إليِه، ثُم إلى بَعضِهم البَعض، وكلُّ شيءٍ فيهم تغيّر
صمتٌ كثيفٌ غلّفَ الهواءَ، كأنَّ الزمنَ نفسَه قد تجمّد، يخشَى أن يُفسِدَ تلك اللحظَةَ بكلمةٍ زائدَة
تحدّثَ "لقمان" بصوتٍ مبحوحٍ من فرطِ التأثّر، وعيناهُ تلمعانِ بدمعَةٍ ثقيلَة
"لّا... لّا .. أنتَ تقصد ايه يسطا عشان مش فاهمين"
خَطا "أنس" خطوَةً أخرى، يتأمّلُ وجهَ شَقيقُه ، وأردفَ بنبرَةٍ هَامِسه ، تُكابرُ الانفعال
"يعني إيه ، بتشاور على الكافيه ليه يسطا ... مش فاهمك وربنا"
لَم يَجب "موسى" فِي الحَال
تجمّدَ في مكانِه للحظاتٍ، كأنَّ داخلَه طفلًا صغيرًا يقفُ على حافّةِ الحلم، يَتردّد أن يَخطو إليِه خَوفًا مِن أن ينهارَ تحتَ قدمَيه
عيناهُ دارَت على وجوهِهم واحدَةً تلوَ الأخرى...
لم يرَهم كَما هم، بل كَما كانوا، أطفَالًا بملابسَ مهترئَة، يَركضونَ بينَ عرباتِ الشاي، يَحلمونَ بِالمَقهى الخاصِّ بِهم، يرسمونَه بالكلماتِ والضحكِ...
وضعَ يدَه ببطءٍ في جيبِه
كانَ الجيبُ صغيرًا، لكنّ ما بداخله بدا ثقيلًا، كأنّه يحملُ كلَّ سنينِ الغربة، وكلَّ ليلٍ اشتعلَ فيه الأملُ دونَ ضوء
تنهدَ بابتسامَةٍ دافئَة، صامتَة، شقّت طريقَها إلى وجهِه، وقالَ بصوتٍ خفيضٍ، لكنّه كانَ كافيًا ليوقظَ قلوبَهم:
"الحلم اتحقق أخيرًا يا وَلَاد نصار"
أخرجَ المفتاحَ من جيبِه، رفعَه ببطءٍ، انفجرتِ الأصواتُ من حولِه، أشبهُ بانفجارِ ضوءٍ في نهايةِ نفق.
تعالتِ الضحكاتُ، امتزجَت بالدموعِ، وانطلقتِ الهتافاتُ، لم يكن أحدٌ منهم يملكُ الكلماتِ المناسبَة، لكنّ الفرحَ وحدَه كانَ أبلغَ من أيّ حديث.
رَفعوه عَلى أكتافِهم كما لو أنّه الحُلمُ مجسَّدًا، ثمّ فجأةً، بدأوا يُلقيونه في الهواءِ كالأطفالِ حينَ ينتصرونَ، يعلو ويهبطُ على أيديهم، ووجهُه يضحكُ رغمَ الدهشَه
صرخَ "موسى" وهو يَضحكُ
"نزلوني يا وَلَاد ال... هقَع "
لَكنهم لَم يَسمعوه، أو ربّما لم يُريدوا أن يسمَعوا.
ظلّوا يرفعونهُ ويُعيدونَ التقاطهُ، تتعالى ضحكاتُهم، والسعادةُ تفيضُ من وجوهِهم، كما لو أنّهم لا يَمسكونَ به... بل يُمسكونَ بزمنٍ كاملٍ عادَ فجأَة، زمنٍ كانوا يظنّونه انتهى ، كَانوا يَحملونَه... وكَان هو الحلمُ نفسُه
انتشلَ "نوح" منهُ المفتاحَ، كانت يدُه ترتجفُ قليلًا، ربّما من الإرهاقِ، وربّما من امتلاءِ القلبِ بما لا يُحتمل.
دفعَ البابَ ببطء...
صدرَ عنه صريرٌ خافتٌ، كأنّه شهقَةُ زمنٍ طويلٍ انتظرَ هذا الفتح.
دلفوا للداخلِ، خطواتُهم كانت هادئَة، لكنها ثقيلَة بالمعنَى.
الترابُ لا يزالُ يعلو الكراسي، النوافذُ مطفأَة، والهواءُ ساكن.
لكنّ أعينَهم لم ترَ ذلك.
رأَت الطاولاتِ الخشبيّةَ تلمعُ، والكراسي منجّدةً بجلدٍ أحمرَ كما كانت من قبل، تخيّلوا الأكوابَ المصفوفَة، والقائمَة المعلّقَة، والزائرينَ يدخلون.
رأوا الحلمَ... لا المكان.
وقفوا جميعًا في المنتصفِ، يتلفّتونَ حولَهم كمن يفيقُ من حلمٍ جميل، ليكتشفَ أنّه لم يكن يحلم، بل كان يصحو.
قالَ "آدم" بصوتٍ مبحوحٍ، مبلّلٍ بالدهشَة
"انا هعمل رُكن للكُتب هنا .."
لم يُجبْه أحد.
لَم يَكنِ الصمتُ عجزًا، بل امتلاءً... كأنّ القلوبَ امتلأت حَتى فَاضت، وَلم تَتركْ للِسانِ مجَالًا للنُطق
كانَ الحلمُ قد تحقق.
ليسَ فقط لأنّ بابًا قد فُتح، أو لأنّ مفتاحًا وُضع بين يدٍ ويد...
بل لأنّ ما ظنّوه ماضيًا عابرًا، اتخذَ شكلَه أخيرًا،
وبقي حيًّا بَينهُم
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
إنه الاتصالُ الألفُ بعد المئةِ الذي وصله اليوم.
فتح "موسى" تطبيقَ الواتساب، فوجد سيلًا من الرسائل، أدرك حينها أن الوقتَ قد نفد، ولم يكن بيده حيلةٌ سوى الاعتذارِ من أشقائه، والمُغادرةِ على الفور.
ورغم اعتراضِ بعضهم على رحيله، كان دعم "لقمان" له كافيًا ليدفعه للمضيّ قُدمًا في طريقه.
ترك المقهى في عهدته، ووضع أمانته بين يديه حتى يعود.
ارتدى خُوذته السوداء التي تقطعُ ظلامها خطوطٌ حمراء دقيقة في الأمام، وأخرج قفازاته، يرتديها ليحمي كفّيه من البرد القارس الذي ينتظره بعد لحظاتٍ قليلة
والنَتيجه هوَ هُنا الآن، يقود دراجته البخارية على الطريق الصحراوي، بأقصى ما يمكن من سرعة.
وكأنّه في سباقٍ، لا متسابقين فيه... سوى نفسه.
تسلّل الضَوء من خلف الغيم، يطرد آخر بقايا الليل في خجلٍ بطيء
أعمدة الإنارة على جانبي الطريق انطفأت واحدة تلو الأخرى، كما لو أن الفجر يوقظها من نوبة حراسة طويله
الهواء مشبع ببردٍ كثيف، رطب، يتسلل عبر الملابس ويلتف حول العظام
شبورة خفيفة تغلّف الأفق، تموّه الرؤية وتُغرق العالم في ضباب رمادي، وكأن كل ما حوله مشهد لم يُكتمل
ضغط "موسى" على المقبض، تتسارع الدراجة، وأطلقت صوتًا عميقًا يتردّد بين الصخور الصامتة والسماء ملبّدة بسُحبٍ رمادية توحي بأنّ المطر بات قريبًا. لكن "موسى" لم يبالِ، لم يتوقّف، لم يرفع عينيه طويلًا
كان الطريق فارغًا، لا شيء على جانبيه سوى الصحراء تمتد بلا نهاية، والرمال تتناثر مع الهواء كأشباح ناعمة.
لمح ضوء المؤشّر الأحمر يومض على عدّاد الوقود، تنبّه فجأة.
ضرب بيده على مقود الدراجة بضيق، وهو يغمغم لنفسه:
"نسيت أزوّد بنزين..."
ضغط على المقبض أكثر، فتضاعفت السرعة حتى صارت الدراجة تحكّ بالأرض كأنّها تحفرها.
انطلقت العجلات تطلق شررًا خفيفًا، والرياح تصفع جسده من كل الجهات.
بدأ يميل بدراجته يساراً ويمينًا، يتجاوز السيارات كأنّه يطير لا يسير
أضواء السيارات تتراجع أمامه، حتى ظهرت أمامه أخيرًا محطة بنزين وحيدة على الطريق، كواحةٍ وسط تيهٍ لا ينتهي.
ابتسم دون وعي، ثم اقترب منها بثبات.
أوقف دراجته أمام المضخّة، أنزل قدمه بثقل، ثبّتها، ثم التقط فوهة المضخّة وثبّتها في خزان الوقود.
توجّه إلى محل المحطة، ليَروي ظَمأُة ،
خرج من الباب يَتجرع مِن زُجاحته ، بينما كانت قطرات الماء تنحدر على شفتيه، تنزلق على عنقه، وتتحرّك "تفاحة آدم" في حركتها الجاذبة مع كل جرعة
رفع عينيه حين لمح سيارة سوداء تقف بجوار دراجته.
نزل السائق، لفّ حولها بهدوء، وتوقّف أمام المضخّة الثانية.
لكن "موسى" لم يلتفت للسائق، بل جذب انتباهه شيء آخر...يدٌ خرجت من النافذة الخلفية، يدٌ أنثوية، ناعمة، تمدّدت بهدوء على هيكل دراجته.
لم تظهر صاحبتها، لم ينبس أحدهم بكلمة، فقط يدٌ تمرّرت فوق المعدن ، تَنساب أصَابعها فوق الأحرف والأرقام التي نقشها "موسى" على جانب موتوره ،
كأنها تقرأها بصمت...
تجمّد "موسى" في مكانه.
قطرات الماء لا تزال تنحدر، وزجاجته بين يديه،
ضاق ما بين حاجبيه، نظراته انشدّت نحوها باستغرابٍ ممزوجٍ بفضولٍ غامر ، تَحركت السياره
وتَحرك هو يَستكمل طَريقُه
كان البرد قاسيًا، ينهش أطرافه رغم القفازات.
رفع عينيه إلى السماء، وقد بدأت تُفرغُ أولى غيومها، والمطر ينهمر بغير تمهيد، كأن الصباح قد قرّر أن يبدأ على نغمة الماء ، قطراته تلامس الطريق، تُحدث فيه لمعة متقطعة تحت ضوءٍ رماديٍّ خافت، وموسى يقود دراجته البخارية كمن يهرب من شيءٍ لا يُقال.
لَمح نَفس السيارة أمامه لم تكن تسير بسرعة، وكأنها تنتظره.
ثم حدث ذلك من جديد
يد أنثى ناعمة، بيضاء، يلفّها كمّ أبيض مطرّز بدقّة.
كأنها لا تنتمي للطريق، ولا للعاصفة.
كأنها خرجت من عالم آخر، وخصلة سوداء انزلقت مع يدها إلى الخارج، تتمايل مع الريح، والمطر يتساقط على الذراع الممتدة في بللٍ خفيف.
شدد "موسى " قبضته على المقود اقترب أكثر فأصبحت الدراجة بمحاذاة السيارة
وذلك الكفّ... كفّ رفيع، ساكن، تُبلله قطرات المطر دون أن ينسحب أو يختبئ.
تباطأ دون أن يشعر، اقترب أكثر، والعالم حوله صار أهدأ ، نقرت أصابعها على الباب بخفة.
ضربات قصيرة، كأنها تدق على باب داخليّ
مدّت كفّها قليلًا... فردت الأصابع.
يد لا تبحث عن شيء، لكنها لا تخشى شيئًا أيضًا.
ودون تفكير، رفع "موسى " يده من المقود ومدّها، ببطءٍ، كأن الهواء أصبح أكثر كثافة.
تلامس الكفان لم تكن لمسة طويلة ولا واضحة لَكنها كانت كافيه
ما إن لامست أطراف أصابعه أطراف يدها، حتى انكمشت يدها فجأة، كأنها فوجئت بجرأته،
رفعت رأسها في حركة حذرة، وببطء... أخرجت وجهها قليلًا من النافذة، ونظرت إليه.
رآها أخيرًا
وجه ناعم، مُضيء رغم ظلّ السيارة، عينان عسليّتان واسعتان ، ونصف عبوسٍ غير واضح، كأنها لم تقرر بعد هل تغضب، أم تستغرب، أم تبتسم
طالعها عبر الخوذة، التي لم تُظهر من ملامحه سوى عيونه الكابولتيه، المائله لِلغمقان ، تطلّان من خلف زجاجٍ مضادٍّ للضوء.
عيناه فقط هما من تحدثا ،ضاقتا قليلًا، ففهمَت أنها ابتسامة.
ومع تلك الغمزة الصامتة، أرجعت يدها سريعًا إلى داخل السيارة، بان في نظرتها أنها انزعجت، وكأنّها لم تتوقع جرأته
شعرت بشيء من الارتباك، وشيء من الفضول
خفّف "موسى "من سرعته، وكأنّه يحترم انسحابها
فجأة، انطلقت السيارة أمامه، سبقته، ثم تباطأت قليلاً... ورأسها خرج من النافذة مرّة أخرى، تطلّ عليه من فوق كتفها، بعينين حادّتين هذه المرة، ووجه لا يخفي ضيقه
"Du bist ein Tier."
قالتها واختفت سيارتها وسط الزحام ، توقّف "موسى" قليلًا، وهو ينظر خلفها وهي تبتعد.
لم يشعر بالإهانة ، على العكس، ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه، تسللت إلى عينيه.
رنّ هاتفه في تلك اللحظة.
مدّ يده لجيبه الداخلي، وقبل أن يخرجه، شعر بشيءٍ صغير يلامس معصمه.
أنزل بصره.. ليجد سوار ناعم، مخرّم بخيوط ذهبية دقيقة، كان عالقًا في كمّ سترته الجلدية.
تأمّله لحظة... ثم ابتسم.
خلع القفاز عن يده، سحب السوار برفق، وضعه في جيب سترته بهدوء كمن يخبّئ سرًّا، ثم أنزل زجاج الخوذة، وأدار المقبض.
انطلقت الدراجة مجددًا، تخترق الضباب والمطر،
لكن شيئًا فيها أصبح مختلفًا.
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
هُناك أوقَات يَجب عَليك فِيها بِمعرفة الحقيقه ، حَقيقتهُ هو ، دَلف "موسى " الى داخل قَصر ابيه
الحراس بكل مكان هنا وهناك عَلى الجَانبين تَقدم
"موسى" الى الداخل يَلتف بِماتوره حَول النَافوره الضَخمه بِالمُنتصف ، رَكن دراجتُه فأتى أحد الحُراس
مُسرعاً يَأخُذها مِنهُ ولَكنهُ رد رافضًا
"مافيش داعي سيبها هنا ، انا ماشي على طول "
تَقدم نَاحية القَصر بِخطى ثَقيله وكَانه يَمنع نَفسُه مِن الدخول ولَكنهُ مَجبور عَلى ذَلك ، ومِنذُ لَحظه وصوله وَجد مَن أرتَمى بِداخل أحضَانُه ، ضَمها بِذراعيه يَحتضنها بِقوه وهو يَقول
" وحشتيني ياحبيبه ، وحشتيني اوي "
كَانت سَتنطق بِلهفه مُشتاق ، ولَكن بَتر حَديثها صَوتٍ غَليظ يَعلمه هو جَيداً
" لو كانت اختك وحشتك بجد يااستاذ موسى كنت تنزل على هنا قبل ما تروح لحد تاني "
اعتَذر بِأدب وَهو يُبرر
" انا اسف ، بس كان لازم ازور امي واخواتي خصوصاً اني بقالي "
أقتَرب والدهُ مِنه والغَضب لَمع بِعينيه حينَ نَطق كَلِماته الأخيره قائلاً
" انت عارف كويس اوي ان اللي هناك دي مش امك ولا اللي هناك دول اخواتك ، امك قاعده فوق مريضه بين الحياه والموت واختك واقفه جنبك وابوك هو اللي بيكلمك ، فاهم ياموسى ، فاهم "
لم يُجبه " موسى " فقط نظر إليه بعينين قاتمتين، كأنهما تخفيان كل الردود.
ثم قال بهدوء...
"أنا مش ناسي... وعمري ما نسيت وعارف كويس اوي ان نعيمه مش امي "
↚
"وحشتيني .."
أَردف بِصوت يُصاحبه بَحه خَفيفه ، أَثر التَدخين المُستمر ، حَاولت "روز" أَن تَبطىء مِن صِعود وَهبوط جَسدها ، تَتنفس بِهدوء بَينما قَلبها يَقرع بِقوه ، أَثر كَلمتُه
"وحشتك ، انت تقصد اني وحشتك بجد ، وحشتك بتاعت اتنين بيحبوا بعض دي "
أَومأ مُسايراً حَديثها ، وَابتِسامه تُزين ثِغره ، لَطالما كَان " موسى" يَمنع الجَميع مِن تَخطي عَتبة غُرفته بِحجة نِضوجه وَرغبتُه العَارمه فِي الاستِقلاليه ، حَتى بَات الجَميع يَشك كَونه يَخفي
أَشيَاء نَوويه بَين أثَاث الغُرفه ، اغلَقت بَاب الغُرفه
تُطالع ارجَائها
" هي دي بقى اوضتك ، عمري في يوم ما دخلتها ، طول عمرك بتمنع اي حد يدخل اوضتك ، ساعات كنت اتمنى ادخلها ، بس انت دايمًا بتبعدني عنك ياموسى "
نَهض لِأمتعاض مَلامحها ، وَلم يَستطع كَبح مَلامِحه عَن الابتِسام
"الاوضه وصاحب الاوضه من هنا ورايح تحت امرك "
لاَحت قَهقه مِن بَين شَفتيها ، وَلم تَستطع كَبح دِموعها مِن النِزول تَدفن رَأْسها دَاخل عُنقه
" يـــاه ، ماتعرفش انا استنيت قد ايه عشان اسمع منك الكلام الحلو ده ياموسى "
هَمست بِها وَهي مُغمضة العِينين ، واختَزل العَالم بِاسرُه فِي ضِلعه الايسَر
" انا بحبك ، بحبك اوي .."
شَدت ذٌراعيها حَوله ، تُحاول أن تَختبىء مِنه فيِه
ثُم شَعرت بِبرد مُفاجىء ، واصَابع تَدفع كَتفها بِلطف ، يَهتف بِصوتٍ نَاعس
" روز ، روز اصحي ، بتتكلمي طول الليل مش عارف انام .."
فَتحت عِينيها بِبطء لِتجد نَفسها تَحتضن وِسادتها بِقوه ، انسَحب شِعورها بِالدفء ، وتَلاشت ابتسَامتها تَدريجيًا حينَ رَأت زَوجها ، يَمسك رَأْسه مِن الألَم
" صداع هيفرتك دماغي ، مش عارف من ايه "
استَدار نَاحيتها سَائلاً
" كنتي بتقولي ايه وانتِ نايمه .."
جَفت ابتِسامتها ، تَتسارع دَقات قَلبها تَتذكر مَاحدث مِنذُ سَاعات قَليله حينَ وَضعت المِنوم دَاخل كُوب العَصير لِزوجها ، وتَبديلها لِملابسُه ثُم نَعست بِجواره بِأراحيه
فَاقت مِن شرودَها ، واستَدارت نَاحيتُه تَخبرهُ بِبسمه مُزيفه
" هكون بقول ايه يعني ياسالم ، هو انا فاكره .."
مَدت كَف يَدها تُعيد تَرتيِب الوسَاده
" نام ، نام ياحبيبي ، لسه بدري على الصبح ، تصبح على خير .."
التَفتت بِجسدها، تَغلق الأناره وأعطَته ظَهرها.
تَحتضن وسَادتها مَره أُخرى بِاطمئنان…
وَكأنها تُخفي بَين ذِراعيها سرًا، لا يَنبغي لأحَد أن يَعلمُه ، حَيثُ لا صَوت لـ "موسى إلا فِي قَلبها
. .
.
. .
جَافها النَوم كَعادتُه فِي الليَالي التَى تَثقل صَدرها ، تَسير" حبيبه " بِخطواتها فِي الحَديقه الدَاخليه لِلقصر فِي شُرود اِلا أنَها جَفلت ليِد حَطت عَلى كَتِفها لِتَستديِر فَتطلق تَنهيِده مِرتَاحه
" موسى خضتني ، انت طلعتلي منين يابني "
مَازحتهُ لِيصنع لَها ابتِسامه هَادئه ، يُخلل أصَابِع يَدُه بَين أصَابعها يَقودها نَحو مَكان تَعرف أنَهُ لَن يَكون فِيه سِوا هَي وَ هُو وَأحاديثهم ، جَعلها تَجلس فَوق العُشب النَدي اسفَل بَيت الشَجرة ، الَذي صَنعه لَها أَثنَاء طفولَتهم ، مُستلقيًا بِجانبها ، يَرخي بِثقل رَأْسُه عَلى حِجرها
" عروستنا الصغيره ، مانامتش ليه لحد دلوقتي "
"عروسه .."
هَمست تَمتهن الغَباء تُلاعب خُصلات شَعره البُندقيه فِي شِرود
" ايوه عروسه وهَتبقي اجمل ، واكيت ، والطف عروسه قريب "
لَم يَتلقى رَد ، بَل اصبَحت شَارده مِن جَديد ، رَفع سُبابتُه يُداعب أنفَها الصَغير
" سرحانه في ايه مخليكي مش عارفه تنامي لحد دلوقت ، ايه .. انا مابقيتش البير اللي كنتِ بترمي في كل اسرارك "
" لا طبعًا ما تقولش كده .. "
هَتفت وَقد تَملكها القَلق لِنظراتُه لَها ، هَبطت يَدها عَلى عِينيه تَخفي مِقلتيه المُعاتبه لها
" ماتبصليش كده ، عنيك دي لما بتبصلي بيها كده ما بعرفش اخبي عنك حاجه ، وبقول كل اللي جوايا على طول "
نَهض يَمسك بِكتفيها يَلفت انتِباهها بِقول
"واحنا من امتى بنخبي حاجه على بعض ياحبيبه،
حبيبه عايزك تعرفي حاجه واحده بس انا مافيش حاجه مخلياني متحمل الراجل ابونا ده وقاعد هنا وبنفذ اللي بيقول عليه غير عشانك انتِ وامي "
قَضمت شَفتاها ، تَشد عَلى تَنورتها ، تُطالع مِقلتيه الهَادئه ، تَعتذر لَها كَالعاده ، عَيناهُ تَخبرها طَالما أنهُ حَي سَيصبح كُل شَىء بِخير
مَالت بِجبينها عَلى صَدرُه تَعتصر سِلسة قِلادتها ، عَل هَذا يُخفف مِن انقِباضة قَلبها ، وَهي تَروي لهُ مَا يؤرقَها
" انا خايفه ياموسى ، خايفه بابا مايرضاش للمره العاشره بمصطفى ، خايفه افضل حبيسة القصر ده طول عمري ، لأني مش هتجوز غيره ، مصطفى اخر مره بابا رفضه فيها كان هينتحر ، وانا لو مصطفى جراله حاجه بسببي انا ممكن اموت نفسي فيها ، بحس ان كل حاجه ضده ، حتى جده اللي بيعتني بي جاله المرض الوحش وممكن يسيبه في اي وقت ، ومش هيلاقي اللي يعتني بي لو بابا موافقش مصطفى هيبقى وحيد "
قَاطع حَديثها الطَويل بَكلماته المُستفسره تِلك
" هو مالوش قرايب يا حبيبه غير جده .."
أجَابتهُ وَهي تَسدل جِفناها لِأناملُه التَي تَسبح فِي أموَاج شَعرها
" عنده عمامه وعماته ودول ما صدقوا خلصوا منه هو واخته عشان ياخدوا ورث ابوهم من بعد الحادثه اللي حصلت وطبعًا مصطفى مش عارف يرجع حقه هو واخته ، واللي رباه جده ابو امه وده راجل كبير معرفش يعمل معاهم حاجه .. "
سَألها بِنبره تَتماشى مَع هِدوء المَكان
" اخته..؟ انتِ ماقولتليش قبل كده ان مصطفى عنده أخت .."
رَفعت رَأْسها مِن عَلى صَدره تُطالعه وَهي تَهتف
"ايوه عنده .."
طَالعها بِأهتمام دونَ حَديث ، يُحرّك يَدهُ بِهدوء، يُزيح خُصلةً نَاعمة انسَدلت عَلى جَبينها وَهي تَردف
" اخته دي طلعت من الحادثه اللي حصلتلهم وهما صغيرين عندها اكتئاب حاد ، مكنتش بتتكلم كانت كارهه الڤيلا والمكان وطبعًا اهل باباها دفنوا مامتها وباباها من هنا وسفروها على بره في سويسرا في مدرسه داخليه
رفّ جِفنه بِبطء، دونَ أن يُغيّر مِن جَلستهُ، فَتابعت هِي
" اخته دي كانت صغيره اوي ، وطبعًا عشان ماترجعش تسأل على ورثها كانوا بيدفعولها كل مصاريفها ، وهي بعد الحادثه مصطفى بيحكيلي انها انعزلت عنه ماكنتش بترضى تشوفه هو وجده ولا حتى رجعت مصر ولو لمره واحده ومصطفى لما اتشل وبقى قعيد بسبب الحادثه ، ماقدرش يسافرلها
لاَمس كفُّ "موسى" رَاحتها، بِهدوءٍ وَتمسكت بِه هَي أكثَر تَردف
" تعرف انها بعدت عنه لدرجة انها كانت بتكلمه كل سنه مره ، وفين وفين على مايشوفها وتبعتله فيديو او حاجه ، عشان كده مصطفى مابيحكليش عنها كتير ، وانا ما كنتش بسأل بصراحه ، بس اللي عرفته انها لسه راجعه امبارح ، وجت عشان تبقى مع مصطفى المره دي وهو بيكلم بابا تاني وهترجع على طول "
حَديثها عَنها جَعلهُ يَسأل بِفضول
" هي أسمها ايه ..؟ "
لاَحت بَسمه عَلى شَفتاها وَهي تَسألُه
" هي مين ..؟"
ضحكت هي لِامتعاض مَلامحهُ نَاهضًا يَتفقد مَلابسُه مِن الأَتربه العَالقه لِتنهض هَي مِثلُه ، تَحرك أمَامها بِضعة خَطوات ، لتَلتقط بِبصرها سِوار فِضي مَنقوش بِحرفيه يَتدلى مِن طَرف جَيبُه ، هَمست بِداخلها فِي صَمت
" اسوره !! "
لَاحت اسئله بِداخلها تَسأل بِها نَفسها وَهي تَرى ذَلك السِوار يَترنح مِن جَيبه بِكل اراحِيه
" دي اسوره بناتي ياترى بتاعت مين ، معقول انه يكون بيحب وماقاليش ، بس موسى عمره ما خبى عني حاجه ازاي مايقوليش عن حاجه مهمه زي دي ، ياترى ماقاليش ليه ، ما انا بحكيله عن كل حاجه "
شَيئًا مَا مِن خَيبة الأَمل اهتَزت دَاخلها ، لاَ يُمكن لـ
"موسى " أَن يَفعل ذَلك وَقد وَعدوا بَعضهم البَعض
بِالبوح عِند أول نَبره غَريبه ، اقتَربت مِنهُ مُقطبه حَاجبيها فِي شَىء مِن الحِيره ، مَدت يَدها نَحو السِوار تُمرر اَناملها عَليه بِسطحيه قَبل أَن تَسحبهُ نَحوها ، نوع السِوار فَقط كَفيل بِالتصريح بِمدى ثَراء صَاحبتُه ، حِينما كَادت تَسحبهُ كَاملاً نَحوها انتَفضت بِفزع عَلى صَوت " موسى " الحَذر
" بتعملي ايه "
" دي اسوره بناتي مش كده "
سَألت دونَ سَابق أنذَار ، والفِضول يَأذها لِمعرفة الحَقيقه ، لَن تُسامحه بِسهوله لَو أخفَى عَنها شَيئًا كَهذا ، لَطالما كَان مَصرف عُملات أَسرارهَا وكَانت هِي زبونَتهُ الوَحيده
" موسى ، قولي بجد دي اسوره لبنت صح ، معنى كده ان في بنت في حياتك وانت ماقولتليش ، ده انا بحكيلك على كل حاجه "
هَتفت بِحاجب مَرفوع ، مُتكتفه تُطالعه وَهو يُخبيء السِوار بِداخل جَيبُه ، تَنتظر مَا سَيقوله تَاليًا ، نَبس بَعد صَمت ظَنت أنهُ لَن يَنتهي بِصيغه سَاخره
" مافيش حاجه والله يابنتي ، ده حتى معرفش الاسوره دي بتاعت مين "
" ماتعرفش دي لمين ، تمام ، هات الاسوره بقى عشان ارميها في الزباله طالما ماتعرفش الاسوره دي بتاعت مين ايه رايك "
تَمتمت بِأبتسامه مُتكلفه وَسخط ، وَلكنها لَمحت نَظراتُه تُحاول مَنعها ، وَكما يَبدو فَهو لاَ يَنوي الحَديث ، لِذا ادعت هَي الا مُبالاه فِي حَديثها
"خلاص مش عايزه اعرف ، براحتك على فكره ، مش هغصب عليك ، بس توعدني لما تحب تحكي ابقى انا اول واحده تحكيلها ، انت عارف انا وانت مالناش غير بعض في الدنيا ممكن انت ليك نعيمه وولادها ، بس انا ماليش غيرك ياموسى "
هَدأ تَنفُسها واستَكانت ، استَدار نَحوها بِنظره حَانيه
" وانا عايزك تعرفي اني هنا دايمًا عشانك ياحبيبه ، ومش هرتاح الا لما اطمن عليكي في عش اللي قلبك اختاره "
ثُم طَالعها بِعيناه الصَامته يُؤكد لَها انهُ هُنا قُطبها الموجَب حِينما تُريد التَنافر مِن الجَميع ، انهُ عُملتها الوَحيده وَيدها الثَانيه التَي تَسندها أن خَارت قِواها يَومًا
.
* . .
.
•
*
•
•.
.
.
.•
أَشعَلت " أمنه " الأِنَاره وَدثرت نَفسها جَيداً بِالغطاء، أغمَضت عَينيها لِلحظات ثُم فَتحتها تُطالع الخَارج وَنافذتها مَفتوحه ، تَرفع بِبصرها الىَ السَماء الدَاكنه وَنوافذ الجِيران التَي تَشع مِنها إضَاءه صَفراء مُريحه ، قَبضت بِأناملها بِقوه عَلى الكِتاب المُفضل لَها ( البيت المَائل ) لِأجاثا كريستي ، كَم تَعشق كِتاباتها ، هَمت بِقراءته كَعادتها قَبل النوَم ، فَشعرت بِباب الغُرفه يُفتح ، رَفعت رَأْسها ، تَهمس بِداخلها
" من سيزورني فِي هَذا الوَقت مِن اللَيل "
" ماجالكيش نوم زيي يا امنه "
لَقد كَان شَقيقها "مُصطفى" لَم تَشعر بِصرير عَجلات كُرسيه المُتحرك
رَفعت اضَاءة الغُرفه المَوضوعه فَوق المَنضده التَي بِجانبها فَأضيئت الغُرفه قَليلاً ، وَتراءى لهَا جَسدُه والقَليل مِن مَلامُحه ، اخَذ يَقترب مِنها حَتى صَارت مَلامحهُ وَاضحه
" انا مش فاهم ازاي بتقدري تقري والاضاءه يادوبك بتبقى ضعيفه اوي "
استَقامت مِن مَرقدها مُستقيمه لهُ
"في المدرسة الداخلية بسويسرا ، كان علينا أن نخلد إلى النوم قبل التاسعة، وما إن تُطفأ الأنوار حتى يعمّ الصمت في العنبر الكبير حيث ننام جميعًا
لم يكن هناك متسع من الحرية، ولم يكن أمامي سوى خيارين
إما أن أتأقلم... أو أُحرم من الكتب التي أحبها
وهكذا اعتدت أن أقرأ على ضوء شمعة صغيره بالكاد يضيء وهجها وجهي والسطور القريبة من عيني
هَمست " امنه " فِي غَير تَصديق لَقد نَسيت تَمامًا وَتحدثت مَعهُ بِالفُصحى ، حَاولت أعَادة صِياغة مَا قالتُه بِالعاميه وَلكنهُ مَنعها وَنبس يُطالعها بِابتسامه
" انتِ مهووسه بِالكتب لدرجة انك بتاكليها اكل مش بس بتقريها ، انتِ حتى نسيتي اللغه العاميه من كتر قرايتك ليها بالفصحى "
هو مُحق ، أنها مَهووسه وأكَله لِلكُتب .. لَكن التِهام الكُتب يَجعل العَقل يَسمن وَسمنة العَقل لَيست ضَاره كَسمنة الجَسد ، فَوضعت الكِتاب عَلى طَاوله جَانبها وَهي تَخبرُه
" لولا الكتب دي كنت نسيت اصلا اتكلم بالعربي ازاي ، ماتنساش اني بقالي في انجلترا اكتر من ١٣ سنه ، مافيش مخلوق هناك بيتكلم عربي وعشان احافظ على لغتي عيشت مع الكتب ، عشان مانساش لغتي ابداً ومفقدش هويتي الحقيقيه"
" ومكنتيش بتكلميني ليه يا امنه مع انك كنتِى وحيده زيي ، ليه كل ما كنت اتصل بيكي يقولولي مشغوله يا اما بتدرس يا نايمه ، ليه كنتي بتبعدي عن اخوكي اللي مالهوش غيرك في دنيته "
سَأل دونَ سَابق أنذَار ، وأخرَجت هَي تَنهيده مُنهكه
وَأكمل
" مِن كتر حُبي ليكي اوقات كتير كرهتك "
عَقدت حَاجباها بِاستغراب مِما قَاله ، فالنَبره والجُمله يَتعارضان ، امتَدت يَداهُ تُخرج كَفيها مِن
تَحت الغِطاء يَحتضنهما وَتابع
" كرهت بعدك عني في اكتر وقت كنت محتاجك في يا امنه ، مش فاهم ايه اللي يخليكي بعيده كده ، ايه اللي خلاكي تهربي وتسبيني في وش المدفع لوحدي ، ضعيف من غيرك ، انتِ كنتي دايمًا سبب قوتي "
شَعرت بِشوكه تَخدش حَلقُها ، وَكأن كَلماته كَانت القَطره التَي أفَاضت الكَأس لِتهمس بِداخلها
" اعرف جَيداً بِأنك تُريد اجَابه تَشبع بِها جُوع تَساؤلاتك ، وَلكن أن عَلمت حَقيقتي سَوف اخسرك لِلأبد ، وأنا أفضل موتي بَدلاً مُن خُسارتك ، فَأنتَ بِالنسبة لي المَطر وَأنا البُستان ، وَبدونه سَأغدو قَاحله وَجرداء "
طَالعتُه وَقد اتَخذت قَرارها
"مصطفى ارجوك "
" في حاجات ماينفعش نشاركها مع غيرنا ، حتى لو كانوا اقرب ما لينا ، انا مضطره اني احتفظ
بأجابات اسئلتك لنفسي وبس "
ابتَسمت لِتطرد ذَاك الشِعور الغَير مُريح ، تَضرب يَدهُ بِغيظ ، تِجاوبهُ بِتظَارف
" وبعدين انت مش اول ما قولتلي انا محتاجلك سيبت كل حاجه ورايا عشانك وجيت "
هَو يَدرك جَيداً أنَها حيِنما لا تُحبذ الأجَابه فَأنها تُغير المَوضوع كُله وَلانهُ " مصطفى " وَاكثر مَن يَتفهمها سَيُغير المَوضوع يُسايرها
" ده بعد ما كنت شويه وهعيط عشان ترجعيلي"
" كــــاذب "
أَومَأت بِجديه مُزيفه وَهي تَبتسم ، فَأشار بِيده عَلى صَدره يُقلد نَبرتها
" انا كاذب يا امنه "
أَشَارت تَهز رَأسها بِأبتسامه وَاسعه ، وَهي تَخبرُه
" نعم ، عشان مطلعتش انت اللي محتاجني "
خَففت مِن نَبرتها السَاخره ، سَائله بِنبره جَاده
" ليه ماقولتليش يامصطفى ان جده مريض بالشكل ده ، ليه خلتني افتكر ان انت اللي محتاجلي مش هو "
تَنهد بِعمق وَهو يَدس يَديه فِي جِيوب سُترته
"عشان كنت عايز اشوف غلاوتي عندك ، ياترى انا استاهل انك تسيبي كل حاجه عشاني وتيجي وتبقي معايا في أكتر وقت محتاجك في ولا لاء "
عَيناها كَانت هَادئه وَصامته وَكأنها .. تَطلب مِنهُ الحَديث فَقط ، تَعدهُ بِالأصغَاء إِذا القَى مَا يُثقله ،
فابتَسم هِو شِبه ابتِسامتهُ تِلك
" انا سهرتك اوي النهارده .. هسيبك عشان ترتاحي بقى اليوم كان متعب اوي بالنسبالك ، بس اعملي حسابك ، بكره انا عايزك جاهزة وتبقي زي القمر في الحفله التنكريه ، عشان هتقابلي واحده نسخه من طيبة قلبك ، والقلوب بتتشابه "
التَفت يُحرك عَجلات الكُرسي بيِديه ليفتح بَاب الغُرفه
" مصطفى "
" انا مبسوطه عشانك اوي ، واوعدك بكره هعمل كل اللي اقدر عليه عشان حبيبه تكون من نصيبك ، ومش هرجع سويسرا الا لما اطمن عليك وانت معاها "
أومَأ برَأسه بِابتسامه وخَرج ، وأَغلَقت " أمنه " بَاب غُرفتها ، تُطالع أرجَائها فِي صَمت ، الهِدوء يَحتل المَكان بِشكل مُريب يُمكنها سَماع صَوت عَقارب السَاعه التَي تُعانق الحَائط ، لِتُحرك خَطواتها نَحو حَقيبتها ، وَقد بَدأت فِي اخرَاج مَا بِجوفها ، نَزعت شِريطه شَعرها حِينما فَرغت كُل مِحتويات الحَقيبه ، تَخطو نَحو المَنضده بِجانب السِرير ، وَحينما وَضعتها فِي الدَرج جَذب انتِباهها صوره بِداخل بِرواز قَديم لِوالدتها تَحملها وَهي صَغيره ، وَقعت عَيناها عَلى سِوار وَالدتها وَهي تَضعه فِي مِعصمها ، لَاحت شِبه بَسمه عَلى شَفتيها تَمرر أنَاملها عَلى مِعصم يَدها لِتنتفض حِين لَم تجد سِوار " والدتها "بِمعصمها فَهو الذِكرى الوَحيده المُتبقيه لَها مِنها
انحَنت أرضًا تَجثو عَلى رُكبتيها ، تَبحث بِعينيها أسفَل الفِراش ، تُقلب بَصرها هُنا وهُناك عَن السوَار
قَلبت الغِطاء ثُم سَحبت الوِسادة ، تَفقدت حَقيبة يَدها مَرة أُخرى، فَتحت كُل سِحّاب فِيها ، عَادت تَنظر إلىَ أركَان الغُرفة، المَنضدة، فَوق الكُرسي، حَتى عَتبة البَاب ، أغمَضت عَيناها لِثواني ، تَقبض بِكفها عَلى جَبينها مِن كَثرة التَوتر
"ذلك السوار كيف اختفى يا الهي ، لا أحتمل فقده"
هَمست لِنفسها ، وَهي تُغمض عِيناها تَتنفس بِعُمق
تَدخُل كَثيراً مِن الهَواء فِي صَدرها عَل زَفيرها يَخرُج كُل ذَرة غُبارٍ اسوَد ، انتَفض قَلبَها مُتأرجِحًا وَقد تَذكرت شَيئًا
" مهلاً ، ذَلك الشَاب حِين لَمس يَدي ، أيُعقل أن يَكون لِصًا لِذلك أَمسك بِها "
زَفرت فِي تَوتر مِن سَذاجتها المُفرطه
" يا لحماقتي ، كيف لي أن اكون بِتلك السذَاجه ، مِن المؤكد ، ان لَمستهُ الخَاطفه تِلك ، لِذلك الغَرض لَيس الا "
شَددت بِقبضتها عَلى سَلاسل عَقدها مِتوجه نَحو البَاب لِتخبر مَن بِالبيت بِما حَدث عَليها التَصرف وَبسرعه قَبل فَوات الأوان فَهي مُستعده أن تَخسر ايِ شَىء مُقبال استِرداد ذَاك السِوار ، وَلكنها تَوقفت فَجأه تَسأل نَفسها
" هل سألهيهم اليوم بِمشكلاتي بَدلاً من ان أحل لَهم مَشاكلهم المُتراكمه ، هَل سَأتي لِأزود هِمومهم هَمًا أخر ، وَهما مَن يَعتمدون عَليا أنا "
بَلعت كقَومة القَش فِي حَنجرتها ، تَفرك يَداها المُتعرقه ، وَقد شَعرت أن صَدرها مَحشور بَين جِدارين يَطبقان عَليه ، لِترمش رَافعه عَيناها نَحو السَماء دَاعيه رَبها والبُكاء كَان حَليفها أن تَجد ضَالتها فِي وَقتٍ قَريب ، ولَكن كَيف ؟
هَي حَتى لَم تَرى مِن مَلامُحه سِوى عَيناه ، فَكانت مُخبأه أسفَل تِلك الخوذه السَوداء هَامسه لِنفسها
" عَيناه ، نعم ، عَيناه "
استَقامت تَتوجه مُسرعه نَاحية المَكتب ، تَلتقط كَومه مِن الأوراق ، تَرسم عَيناه بِالقلم الرُصاص فَهي حَقاً بَارعه فِي الرَسم
أخذَت تَرسم مَا يُمكنها التِقاطه مِن ذَاكرتها ، خُصلات شَعرُه المُتوجه عَلى حَافة رِموشه الكَثيفه بِلون يُماثل لَون خُوذته القَاتم ، لَكن خُصلاتُه لَها لَمعه ، وَكأن لَهُ قَمراً يَسقط إضاءتهُ الخَافته عَليه
حَاجباه كَثيفان بِشكلٍ مَرسوم دونَ اللِجوء لِشفره او قَلم ، مِقلتيه بِلون ....
" مَهلاً لَحظه ، أخذَت تُحدق فِي الرَسمه مُطولاً
حدّقت في عِينيه ، كَأنها تُحاول أَن تَمسك بِاللون وَهو يَفلّت مِنها لَطالما أَربَكتها الأَلوان
وَلكن هُناك لَمعة، شَيءٌ خاطفٌ بَين رُمادٍ سَاكن وَضوءٍ دافئ ..لونٌ لا يَستقر، لا يصرّح بِإسمه، ولا يَمنحها فُرصة لِتُقسم بِثقة كَان كَذا
هَي تَعرف مَلامح البَشر، تَحفظ الخِطوط والظِلال...
لَكنها دومًا مَا تَتوقف أمَام الألوَان، كَأنها تَختبرها لَيست بِمقلتيها ، بَل بِشيء غَامض دَاخلها لا يُجيد التَمييز
أغمَضت عيِنيها لِلحظه ، فَلم تُدرك إن كَان مَا رَأته وهمًا مِن الضَوء ، أم أن عِينيه فعلًا تَضيئان بِلونٍ لَا تَعرفُه
حَبست نَفسها بَين الأَوراق والأَلوان وَانشَغلت بِرسم عَيناه ، حَتى تَصبغت السَماء بِلون يُماثل لَون العَسل الأَبيض فِي نَقاؤه
🍂
" نوح ، ماتروح تنشط دورتك الدمويه يا اخي وتحضر الفطار مع امك بدل ما انتَ لازق في الكنبه
كده ، من اول النهار "
أَمر " انس " ذَلك الجَالس بِجواره عَلى الأَريكه دُون حِراك لِينسَحب نَحو المَطبخ بِضجر ، بَينما " لُقمان"
تَحرك فِي مَقعدُه بِغير رَاحه يَتفقد هَاتفه بِعينيه كُل
دَقيقه ، شَعر الحَج " نصار " بِقلق طَفيف ، مَد كَف يَدُه يُربت عَلى فَخذُه بِلطف
" ايه يالقمان يابني ، مالك شايفك كل دقيقه تبص في تليفونك ، مستني حاجه "
نَفى بِرأْسه لِيجيب
" لا ، ابداً ياحج هكون مستني ايه يعني "
أَومَأ " والده " وَقد لَمح ابتِسامتهُ لَهُ ، ابتِسامه دَافئه وَلطيفه ، هَل دَومًا ابتِسامة كُل العَجائز دَافئه هَكذا ؟
" لو مش عايز تقول يالقمان على راحتك ، بس خليك عارف ، لو المقابله بتاعت المدرسه الفخمه اللي بتقول عليها دي مجاتش لصالحك اعرف ان هما الخسرانين يابني ، انت قيمه وقامه وتزيد اي مكان تروحه ما تقلش منه ، واللي أنا اعرفه كويس، إن رزقك هيوصلك زي ما النفس بيدخلك، لا أسرع ولا أبطأ "
هَز " لقمان " بِرأْسهُ لَهُ يَضع قِدح الشَاي عَلى المَنضده نَابسًا
" كلامك ده على قد ما بيريح على قد ما يتعب ياحج والله ، انا بس محتاج فرصه مش اكتر اثبت فيها نفسي ، وابدأ طريقي بقى "
تَنهيده خَرجت مِن "نصار" وَهو يَقف يُقلب حَبات سِبحتُه بَين أَناملُه بِبطء يُبارح الرُدهه ويَتجه نَحو الخَارج وَهو يَقول
" ماتستعجلش يالقمان ، كل جبل كان في يوم تراب ، وكل شَجره بَدأت ببذره صَغيره ، وطول ما انتَ بتحاول هتوصل في يوم يابني وخليك واثق في كلام ربك " وَليس لِلأنسَان إِلا مَا سَعى " وطول ما انت بتسعى ربك مش هيسيبك أبداً "
خَرجت السَيده " نعيمه " تَحمل بَين ذِراعيها الأطباق لِلافطار ، وَقبل أَن تُلامس يَد " أنس " قِطعة الخُبز ، ضَربت السَيده " نعيمه " ظَهر كَفُه بِخفه
" استنى يا انس لما كلنا نقعد ناكل ونتلم سوا على الطبليه "
طَالعت "زَوجها " بِاستغراب وَهو يَقف عَلى عَتبة المَنزل يَرتدي فَردة حِذاءُه
"رايح فين يانصار ، مش هتفطر معانا ولا ايه "
وَضعت الأطبَاق عَلى الطَبليه لِينفي بِرأْسه
" لا ، فطار ايه بقى انا اتأخرت على الفرنه ، تلاقي الصنايعيه بدأوا الخبيز افطروا انتوا ، وانا هبقى افطر مع الصنايعيه تحت "
رَحل ، وَهزت هَي رَأْسها بِالموَافقه تَتجه نَاحية المَطبخ لِتحضر الأَطباق المُتبقيه ، سَمعت رَنين هَاتفها وضَغطت عَلى زِر الشَاشه ، كَانت مُكالمه ڤيديو مِن صَديقتها " وداد " وَما أَن رَأتها تُحضر الطَعام قَالت
" ياختشي وانا كل ما ارن عليكي الاقيكي في المطبخ يانعيمه "
دَست أَوراق الجَرجير فِي فَمها
" تعبانه يابت والله تعبانه ، سبيني باللي انا فيه "
أَرتَشفت " وداد " مِن كوبها مُستمتعه بِبرودة حَليب الكَاكاو وَهي تَنساب فِي حَلقها
"مالك ياعنيا ، مالك ياقلبي فيكي ايه احكيلي "
اتَجهت " نَعيمه " نَحو صَنبور المِياه تَغسل أَوراق الجَرجير بِعنايه
" طالع عيني ياوداد ، وحياة ربنا طالع عيني ياختي ، من ساعة ما اصحى الصبح لحد ما احط دماغي على المخده "
مَسحت كَف يَدها فِي مَلابسها تَتجه نَاحيه الهَاتف
تَشير بِأصبعها بِحركه دَائريه
"وانا بَـــــوِر كِده يَاوداد ، بَــــور ياختي زي النحله"
أَصدَرت " نعيمه صَوتٍ بِجانب فَمها
" يابختك عندك بنت ، اما انا "
أَشارت بِأصبعها بِأتجاه الخَارج
" بوريـــه منهم ياختي بـوريــــه ، قاعدين بره اهوه مستنيين الاكل ، الا ما في واحد فيهم ييجي يشيل مني حتى الاطباق "
" وانتِ فاكره عشان معايا بت يانعيمه يبقى بتعمللي كل حاجه ، دي مطلعه عين امي والله "
قَالتها " وداد " تَضع الكوب عَلى المَنضده وتُقرب شَاشه الهَاتف مِنها تَستردف
" والله كلهم نيله يانعيمه ياختي مابتساعدني في حاجه "
" ربيها ماتسيبهاش كده ياوداد ، ايه ده "
طَالعت " وداد " الجِوار بِعينيها بِحذر هَامسه
" ياختي بتقعد طول الليل على الفيس والواتس وتقعد تسهر طول الليل تكلم خطيبها ، وطول النهار نايمه "
" شيلي فيشة النت ياوداد ، ماتسكتلهاش "
دَخل " ادم " الىَ المَطبخ وَهو يَقول
" مش عايزه مساعده يانعيمه "
ابتَسمت " نَعيمه " بَسمه حَانيه وَهي تَشير بِأصبعها الىَ الأطباق
" روح يا ادم اللهي يرزقك ، خد الاطباق دي طلعها بره وكلوا انتوا "
حَمل " ادم " الأَطباق بَين ذَراعيه وَقبل أَن يَخرج التَفت اليَها
" طيِب وانتِ يا امي مش هتفطري "
أشَارت عَلى فُرن المَوقد بِسُبابتها وَهي تَقول
" العيش بس يسخن في الفرن واطلعه واجي ، اكون خلصت كلام مع طنطك وداد ، انت عارف ما بحبش العيش الطازه بحبه يكون مقرمش "
خَرج " ادم " وَتوجهت " نعيمه " بِبصرها الىَ شَاشه الهَاتف فَأخبرتها " وداد "
" حنين ادم يانعيمه "
لِتؤكد " نعيمه " عَلى حَديثها
" اوي ، اوي ياوداد ، مافيش في حنيته والله المهم سيبك منه دلوقتي وزي ما بقولك كده شيلي فيشة النت قبل ما تنامي ماينفعش تسيبي البت تقعد طول الليل على النت ، بسمع انه بيبوظ البنات ياوداد خللي بالك "
أَشارت " وداد " بِكف يَدها بِقلة حِيله
" شيلته ، شيلته ياختي وهو انا لسه هستناكي اما تقولي ، بقيت اخبيه تحت المخده بتاعتي وانا نايمه "
دَلكت صِدغيها وَهي تقول
" عارفه بقت تعمل ايه لما بقيت اشيله "
هَزت " نَعيمه " رأَسها بِأهتمَام
" لاء ، ايه ، بس عالي صوتك عشان صوتك واطي مش سامعه منك حاجه "
اشَارت " وداد " بِرأسها بِالموافقه ثُم أشَارت عَلى بَاطن كَفها بِاصبعها
" بقت تجيب كرت الفكه ده عارفاه ؟ ابو سبعه ونص وابو عشره جنيه وتفضل تكلم اصحابها وتتفرج على افلام تركي طول الليل لحد ما بقت ترطملي بالتركي وانا ياختي مابقاش فاهماه هي بتقول ايه "
كَتفت " نعيمه " ذِراعيها
" شكلها بتشتمك يابت "
ثُم أَشارت بِأصبعها مُردفه
" مش عارفه ياختي باين كده ما انا زي العبيطه مش فاهمه ، ده غير كمان انها ولا بتساعدني في البيت ، ولا بتغسل ، ولا بتنشر ، ولا بتطبخ ، ولا بتمسح "
قَضمت " نعيمه " شَفتاها فِي استغراب
" ياختي عالي صوتك شويه مش سامعه ، أنتِ موطيه صوتك كده ليه "
أَخبرتها " وداد " بِحذر
" خايفه اخوها طه يصحى ويسمعني ، ويعرف انها بتسهر على البتاع ده اللي اسمه التوكتوك ، وهو قالها قبل كده ماتقعديش عليه ، يقوم يجيبها من شعرها وتبقى خناقه بقى مش هنخلص النهارده "
ثُم أَشارت عَلى أسفل ظَهرها بِذراعها
" مع ان والله حلال فيها ، انا اقسم بالله ضهري اتقطم ، مش عارفه اعمل ايه خلاص يانعيمه في البت دي طهقت والله ياختي "
دَلكت السَيده " نعيمه " صَدغيها وَقد لاَنت مَلامحها حِينما رَأت دَمعه يَتيمه تَتجمع فِي عِينيها
" سبحان الله مع انها كانت خدومه يعني طول العزومه لما كنت عزماكم "
تَنهدت " وداد " فِي وَهنٍ
" لا معاكي انتِ تخدمك بعنيها اصلها بتحبك اوي ، انما انا ..."
خلاص ، خلاص بقى ياوداد ، يختي جايه اشتكيلك همي شيلتيني همك هو ايه ده "
حَنت " نعيمه " ظَهرها تَخرج الخُبز مِن الفُرن ، لِتسمع صَوت " وداد" تَطلب مِنها
" طيب بقولك ايه ماردتيش عليا من امبارح ، مش هاتروحي فرح بنت ام محمد اللي جنبنا ، ده بيقولوا عاملينه في قاعه غاليه اوي "
وَضعت " نعيمه " الخبز بِداخل القِدر
" اه طبعًا ، وده فرح يفوتني ، لازم اروحه ، عشان اشوف ام محمد عامله ايه في نفسها "
ابتَسمت " وداد " بَسمه عَريضه بِقول
" ولا العروسه لازم نتفرج على فستانها والمكياچ بتاعها ونقول رأينا ونقيم ، خلاص هستناكي في القاعه هجيب سمر واجي "
أَشارت لَها " نعيمه " بِرأسها
" ماشي ، خلاص هاروحلك هناك على القاعه وهجيب عيل من العيال عشان يوديني "
وَما إن أُغلِق الخَط، حَتى عَادت كلٌّ مِنهُما إلىَ يَومها الشَاق، تُحضّر، وتُرتّب، لِلفرح وَستؤديَان فيِه واجبهما المقدّس وَهو التَقييم بِإسم الذَوق العَام
✨
لَحظاتٌ لا يُعوِّضُها شيءٌ، قرَّرَ أن يَقضيَها "موسى" بِرِفقةِ مَن لا يَستحقُّها، بِرِفقةِ أولئكَ الّذينَ تتَكاثَرُ حَولَهمُ المتاعِب، وتَتناسَل الخَسائر كُلَّما مَضَوا خَطوَة
فَبعض القُلوبِ تُجيد التعلّقَ بالخَطَر، أكثَرَ ممّا تُجيد الهَربَ مِنه
كَان " موسى " مُستلقيًا عَلى ظَهرُه فَوق سُور مَبنى أَسمنتي عَلى حَافة مَبنى شَاهق ، يُمناه خَلف رَأسُه وَلفافة تَبغُه مُعلقه فِي زَاوية فَمُه ، شَاردًا فِي النَظر الىَ السَماء ، النجُوم مُتناثره بِهدوء ، وَميضُها خَافت لاَ يُزاحم عَتمة اللَيل
أَطلق تَنهيده تَنم عَن ضَجره ، وَهاتفُه يَضوي فِي جَيب بِنطالُه وَلكن لَم يَصلُه صَوته فَقد كَان عَلى الوَضع الصَامت
بَينما شَقيقتُه "حبيبه" تَقف فِي مُنتصف غُرفتها مُرتديه فُستانها الوَردي ، الهَاتف مُلتصق بِأذنها ، تَقضم أَظافِرها مِن بَين أَسنانها فِي تَوتر
" كده برضوا ياموسى ، بتصل بيك من الصبح مابتردش عليا ، الساعه داخله على عشره والحفله خلاص قربت تبدأ ومصطفى قرب ييجي ، رد بقى رد .."
أَلقت بِالهاتف عَلى الأَريكه بِغضبٍ جَامح تبتعد عَنهُ تُمشط خَطواتها القَلقه بِالغُرفه لِتسمع صَوت رَنينُه
تَقدمت نَاحيتُه بِأملٍ وَاضح عَل يَكون هُو المُتصل لَكنها وَجدتهُ "مُصطفى " تَنهدت يَائسه وَهي تَرد
" أيوه يامصطفى "
كَان يُحدثها مِن غُرفته يُحرك الكُرسي أَمَام مِرأتُه يَضع القَليل مِن العِطر عَلى جَسدُه
" ايوه ياحبيبه ، اسف على التأخير ياحبيبتي انا خلاص جهزت ساعه بالكتير وتلاقيني عندك "
هَتفت لِيقبض " مصطفى " حَاجبيه فِي شَك مِن ارتِجاج صَوتها
" مال صوتك ياحبيبه ، انتِ كويسه "
هَتف وَهو يَستدير بَكرسيه المُتحرك نَحو الخِزانه ، بَينما هَي تُحاول بَث الطَمأنيِنه بِداخلُه ، لِيُجيب هُو
" كل اللي انتِ في ده مجرد توتر طبيعي اوي ، حاولي ما تتوتريش ، انا حاسس ان شاء الله خير
كل مره بنكون لوحدنا لكن المره دي موسى و امنه معانا وانا متأكد انهم هيقدروا يقنعوا والدك "
" لو ، لو موسى مكانش هيقدر ييجي النهارده انت مش هتيجي يامصطفى "
سَألتُه وَهي تَجلس عَلى طَرف السَرير ليِومىء لَها نَابسًا
" حبيبه ، انتِ عارفه رأي والدك في موضعنا ، مجييتي مالهاش اي لازمه من غير اخوكي ، اخوكي لازم يكون موجود ياحبيبه "
لاَ تَعلم لِما تَقوست شَفتاها لِلأسفل ، رُبما شَعرت بِخيبة أَمل ، خَيبة أَمل مِن شَقيقها ، لِتجده يَسأل
" ليه هو مش جاي النهارده "
فَرقت شَفتيها تَنفي وَبسرعه تَخبرهُ لِكي يَطمأن قَليلاً بِأنهُ حَتمًا سَيأتي ليُجيبها هو بِأبتسامه وَاسعه
" طيب خلاص اومال قلقتيني ليه بقى "
أدَار كُرسيِه المُتحرّك بِبطء نَحو البَاب، بَينما لاَ تَزال ابتِسامتهُ الهَادئة تُلامس مَلامحهُ
"بصي انا هقفل دلوقتي اشوف امنه خلصت ولا لاء، وعايزك تبقي زي القمر النهارده اتفقنا "
أَنهى المُكالمه ، وَدفع كُرسيه المُتحرك نَاحية غُرفة "أمنه" التَقط صَوت وَقع أَقدَام " جده " بِالرُدهه بِأبتسامه وَاسعه
" ايه الجمال ده والبدله الشيك دي ، انت عريس النهارده ، مش رايح تحضر حفله تنكريه "
كَلماتُه ونَظراتُه الحَانيه لَهُ قَد حَاصرتُه فَشعر بِقليلٍ مِن الحَرج ، مُصوبًا نَظراتُه لَهُ
"عريس مره واحده ، يسمع من بوقك ربنا ياجدي "
" عايزك تبقى واثق في نفسك المره دي يامصطفى وانت بتكلمه ، مش عايز والد حبيبه يهزمك بكلامه ولا يحسسك يابني انك قليل ، أنتَ مش قليل يامصطفى ، فاهمني "
أَجاد " الجِد " أقنَاعُه بِأسلوبه المُنمق وَكلامه اللَطيف ، أومَأ " مصطفى " بِأنصيَاع ، ليُِباغته
" الجد " فِي خَطفه لِحضنُه ثُم فَلتت مِنه تَنهيده خَافته قَادمه مِن أَعمق مَكان فِي صَدرُه ، فَصل العِناق ، ثُم تَنحى جَانباّ يُشير لَهُ بِأن يُكمل طَريقُه
" يلا بقى ، روح شوف امنه جهزت ولا لسه عشان ماتتأخرش على ميعادك "
طَرق " مصطفى " بَاب غُرفتها مَرتين ثُم نَادى مِن خَلفُه بِصوتٍ عالٍ نِسبيًا عَله يَصل لَها
" أمنه ، خلصتي ولا لسه ، يلا يا أمنه مش عايزين نتأخر "
كَانت تَجلس عَلى طَرف الفِراش شَارده بِذهنها فِي مَكانٍ بَعيد ، تُمرر أَنَاملها فَوق مَعصمها تُقلب فِيه أَثر السِوار الَذي فُقد ، عَيناها مُعلقتان بِالرَسمه المَوضوعه أَمامَها عَيون وَاسعه رَسمتها بِتفاصيلها الدَقيقه المُميزه ، تَشعر بِالعَجز المُميت عَلى فُقدانه ، طَرق " مصطفى" البَاب مَره أُخرى وَصوته اكتَسب نَبره مُختلفه أَكثر حِده َ
" أمنه ، انتِ كويسه مابترديش ليه "
جَفلت لِنداء " أخيها " مِن الخَارج لِتنهض رَاكضه نَحوه ، تُزيف البَسمه عَلى وَجهها وَهي تَقوم بِفتحُه ، تَخبرُه بِنبره هَادئه
" انا خلاص قربت اخلص "
التَفتت تُمشط خَطواتها نَاحية الفِراش ، تَلتقط تِلك الرَسمه تَطويها عَلى عَجل ، تَدسها بِداخل الدُرج بِحركه سَريعه
" فَقط امنَحني بِضع دَقائق "
أَغمضت عَيناها بِيأس تَضرب جَبينها بِكف يَدها ، تَهمس لِنفسها
" تَبًا ، لَقد تَحدثت بِالفصحى مُجدداً ، كَيف لِرجل كَهذا أَن يَأخذ كَلامي بِجديه حِين أَتحدث مَعهُ بِشأن أبنَتُه وَكأنني خَرجتُ مِن كِتابٍ قَديم ، لاَ أَريد أفسَاد الأمر بِرُمته ، وَلكن أنَا لَم أَحضر الىَ حَفلات مُنذ سِنين "
شَردت مَره أُخرى ، قَبضت عَلى قِلادتها مِن شِدة التَوتر حَتى أَبيضت قَبضتها تُطالعه بِأرتباك
" أخر مره قد ذهبت لحفلٍ ، كان حفل أقامته المدرسه ، لتوزيع الجوائز وقد كنت من بين اصحابها ، يَجب عَلي التَخلص مِن ذَلك التَوتر لُمساعدة أخي ، رُبما لَا بَأس لَو ذَهبت فَأنا أَيضًا بِحاجةٍ لِشىء يَلهيني عَن السِوار الَذي فَقدته ، لِذلك يَجب أن أتحدث بِالعاميه وأن لا أخطأ ابداً بِطريقة حديثي"
" حاسس انك عايزه تقوليلي حاجه يا امنه ، لو مش عايزه تروحي الحفله قوليلي "
هَزت رَأسها تَنفي حَديثه
" لا لا طبعاً ، كل الحكايه انك شكلك زي القمر النهارده"
أَومَأت تَعود نَحو الخِزانه وَقد وَقع نَظرُها عَلى ثَوب بِلون الكَهرمان يُلائِم شَعرها الأَسود وَبشرتها الوَرديه ، تَقدمت نَحوه بِالثوب وَهي تَخبرُه
" عموماً انا كنت لسه هجيلك عشان الفستان ده عاجبني استايله اوي ، بس انا مش عارفه لونه ايه وياترى لونه هيليق عليا ، وهيبقى مناسب في الحفله التنكريه ولا لاء "
سَألتُه لِيرفع أَنظارُه نَحوها ، وَقد أزدَادت مَلامحهُ ارتِباكًا
" انا ازاي نسيت يا امنه ، عموماً ياستي ده فستان بلون الكهرمان وهيبقى لايق عليكي اوي ، أنتِ عارفه ان بشرتك ورديه ولا نسيتي "
أَستمر فِي التَحديق بِها وأَومأت هَي لِتبتسم فِي حَرج، وَقد سَارعت فِي تَجهيز نَفسها تَغلق البَاب بِالمفتاح مِن خَلفه لِتنعم بِبعض الخصوصيِه
🍂
أَنس يلا عَشان تيجي معايا فَرح بِنْت أُم مُحمد
هَتيجي معايا ولا لَا؟"
قالَتها السَيّدةُ "نَعيمة" بِنفادِ صَبرٍ، وهي تُطالعُ جَفنيهِ المُحمرَّينِ مِن فَرطِ التَحديقِ في مَقاطعِ الفيديو القَصيرة.
لَم يَلتفِت إليها، واكتفى بِالتقليبِ في هاتِفه، يُمرِّرُ إصبعَه يَمنةً ويَسرة
"لا لا، مِش عايز أروح، روحوا انتوا."
ازدَادت حِدّةُ انفعالِها، وهي تُثبّتُ دَبّوسَ الطَّرحةِ في مَكانِه، ولوَّحت بِيَدَيها الاثنَتَين بِعصبيّة
"براحتك، وأنا هَتذل عليكم عَشان تيجوا معايا في حِتة، الله يِخربيتكم، أنا هاروح لوحدي"
دخلت السَيّدةُ نَعيمة غُرفتها، وأغلقت الباب خَلفها بِعُنف
لَم تَمرّ سوى ثَوانٍ قَليلة، حتّى خَرَجَت مِن جديد، مَلامِحها مُشتعِلةٌ بالغَضب، تُشاورُ بِيَدَيها بِعُنفٍ وتُهدّده
"دَقيقة واحدة، أُقسم بالله يا أَنس لو ما لاقيتَك لابِس وجاهز ، لَهُفرّج عليك الدنيا"
انتفض "أَنس" إلى الخَلف، مِن شِدّةِ تَغيّرِ نَبرتها الّتي أَصبَحت أَكثر جِديّة، ونَظراتِها الّتي لَم يَعُد فيها أَثَرٌ للهَزل.
أومَأ بِرأسِه سريعًا مُوافقًا، وانطلَق إلى غُرفتِه ليُبدِّلَ مَلابسَه على عَجل
🍂
ما زال "موسى" يَستلقي على ذلك السُّور، لم يَبرح مكانَه، ولم يَكن هناكَ ما يُنبئُهُ بأنَّ اللّيلةَ على ميعادٍ مع الجنون.
فجأةً، انقَطعَ سُكونُ المَشهدِ بصوتٍ أَجَشٍّ يُنادي من خَلفِه
"جاهز يا موسى؟"
الْتَفَّ "موسى" ببُطءٍ، وعلى وجهِه قَسماتٌ لم تَنفُذْ إليها الدَّهشة
كانَ الصوتُ لشابٍّ يَعملُ في المُراهناتِ على ألعابِ رياضةِ الباركور (أي: الرِّياضة الحُرَّة)، صاحبِ الجسدِ النحيلِ، والشَّعرِ المُبعثَرِ فوقَ جبهتِه.
وإلى جانِبِه، شابٌّ آخَرُ صَعِدَ فوقَ الحافَّةِ بثِقةِ لاعبِ رياضةٍ حُرَّةٍ مُخضرَم، بدأ يَتقدَّمُ خُطًى صغيرة، ثم يَرجِعُ للوراءِ، يَقْفِزُ في مكانِه، كأنَّهُ يُسَخِّنُ عضلاتِه لما هو أعظم.
لم يُجِب "موسى"، بل نَهَضَ من استلقائِه بتمهُّلٍ وهُدوءٍ، نَفَضَ غُبارَ ثيابِه، وسَوَّى ياقَةَ كِنزَتِه، ثم دَسَّ قدمَهُ الأولى عندَ حافَّةِ السُّور، ليَختبرَ الثِّقَلَ والثَّبات.
بأطرافِ أصابعِ قدمِه، رَفَعَ مِشطَها للأعلى والأسفل، كأنَّهُ يُوقِظُ جسدَهُ من سُباتٍ طويل، ثم انتَشَلَ حقيبتَهُ السَّوداء المُعلَّقةَ في الزاوية، وألقاها على ظهرِه
الشابُّ الأوَّلُ بدأ العدَّ، وبصوتٍ يَختلطُ فيهِ الحماسُ بالتحدِّي:
"Ready..."
سَحَبَ "موسى" غِطاءَ رأسِه، وَضَعَه عليه، ثم التَقَطَ سَماعةَ الأُذُنِ الصَّغيرة، وغَرَزَها في أُذنه، دونَ أن يَصرِفَ نظرَهُ عن هدفِه الذي أمامَه، كأنَّهُ يَسمعُ لحنًا لا يُشارِكُهُ فيهِ أحد.
"Steady..."
تَراجَعَ "موسى" خُطواتٍ قليلة، يَفركُ كفَّيْهِ بحركةٍ خاطفة، كأنَّهُ يُشعلُ نارًا من احتكاكِ اللحظة، وفي الجهةِ الأُخرى، كانَ الشابُّ المُنافِسُ يُطالِعُهُ من طَرَفِ عينِه، وعلى الشُّرفاتِ البعيدة، يَرتفعُ الهُتاف
"موسى.. موسى!"
"فارس.. يلا يا فارس.."
عَينا "موسى" لا تَشيانِ بشيءٍ، تحتَ الجدارِ المُعتِم، يَسكنُ ثِقلُهُ، وفوقَهُ، تُحلِّقُ قفزتُهُ المُنتظَرة.
قَفزَ "موسى"... وقد تَخلّى عن ثِقَلِ الجاذبية، وانطلقَ في الهواء، عَبَرَ الفجوةَ بينَ المبنيَينِ الشاهقَين، وسطَ صيحاتِ الحاضرينَ وأصواتِ التصفيقِ المُتحمِّسة، تلك التي لم تَزِدْهُ إلا ثباتًا في قفزتِه، ولا زادَتهُ إلا حِدّةً في النَّظر
هبطَ بثباتٍ فوقَ سطحِ المبنى المُقابل، رَكَضَ خُطوتَين، ثم التَفَتَ سريعًا للخلف...
فرأى الشابَّ الآخَر، وقد قَفَزَ أيضًا، لكنَّهُ لم يُفلِحْ كليًّا؛ تَشَبَّثَ بكِلتا يديه في الحافةِ الخَرسانية، قدماهُ تتأرجَحانِ في الهواء، وأنفاسُهُ مُتقطِّعة، تتلوّى بينَ الخوفِ والإصرار.
لكنَّهُ التفتَ سريعًا، لِيَلمَحَ زميلَهُ وقد عَلِقَ بكِلتا يديهِ على حافةِ السور، يَتشبَّثُ بها كمن يُحاولُ البقاء.
لم يُطِلِ النَّظر، فقط لمحَ وجهَهُ وتَأكَّدَ أنَّهُ متمسِّكٌ جيّدًا، ثم أدارَ ظهرَه.
يَركُضُ مُجددًا، هذهِ المرة نحوَ سورٍ اخر ، قَفَزَ فوقَه، هَبَطَ في شرفةٍ ضيِّقة، ثم لم يُمهِلْ نفسَه، بل استدارَ بجسدِه وبدأ يركُضُ فوقَ صفوفِ أجهزةِ التكييفِ المُثبّتةِ على الجدار، واحدًا تِلوَ الآخر، يُحرّكُ قدمَيه بخفَّة، ويدَيْه لتوازنِ الحركة، وبينَ قفزةٍ وأُخرى، يلتفُّ بجسدِه ليُوازِنَ الهبوط، ثم يَنقَضُّ على الجهازِ التالي، وكأنَّهُ في رَقصةٍ هو قائِدُها الوحيد.
من خلفِه، كانَ الشابُّ الآخرُ قد صَعِدَ أخيرًا، تَداركَ نفسَه، ولَحِقَ به، لم يُرِدْ أن يَخسرَ السباقَ تمامًا.
أمّا "موسى"، فقد وَصَلَ إلى الحافَّةِ الأخيرة، نَظَرَ للأسفل، المسافةُ كبيرة... لكن لا مجالَ للتوقّف.
ثَبَّتَ قدميه، أخرَجَ نفسًا عميقًا، ثم قَفَزَ.
هَبَطَ أرضًا، مُنحنيًا قليلًا، يُوازِنُ جسدَه، ثم ينتصِبُ مُبتسمًا، يتردَّدُ صدى التصفيقِ من الأعلى، وهُتافٌ باسمِه
"مــوسى..."
ابتسمَ "موسى" وهو يُحدّقُ في الأعلى، يَلتقِطُ أنفاسَهُ بينما تتعالى أصواتُ الهُتافِ من فوقَ سطحِ المبنى.
لم يَكنِ الفوزُ جديدًا عليه، لم يَعتَدِ الخُساره في هذهِ اللعبة، رغمَ خُطورتِها.
رياضه الباركور لم تَكن هوايةً عابرةً بالنسبةِ له، بل شيئًا تَعلَّمهُ منذ صِغره، كأنَّ جسدَه خُلِقَ لِيُتقِنَ القفز.
أخرجَ هاتفَهُ من جيبِ بنطالِه، وَحين وقعت عينُه على الشاشة، تَغيَّرَت ملامحُه في لحظة.
سلسلةٌ طويلةٌ من المكالماتِ الفائتة: "حبيبة"، "أبيه"، "لقمان"، وإخوتُه...
أطبَقَ جفنَيْه، وضَرَبَ جَبينَهُ براحةِ كفِّه.
"حبيبة ومصطفى... أنا إزاي نِسيت؟"
تَمْتَمَ بها بصوتٍ مُنخفِض، ثم أسرعَ خُطاهُ نحوَ درّاجتِه النّاريّة.
ركِبَها على استعجال، يغلَقَ خَوذته ، وأدارَ المُحرّك.
لم يَملِكْ ترفَ التفكيرِ أكثر، كلُّ ما يَعرفُهُ أنَّهُ قد تأخّرَ كثيرًا.
.. .. .. ..
تَبسمت " أمنه " فِي قِلة حِيله ، أَدارت نَفسها نَحو المِرآه ، وَأثَناء تَلمُسها لِأهدَاب ثَوبها الكَهرماني ، التَقطت أَنفها رَائحه زَيت العَنبر التَي تَفوح مِنهُ ،
لاَح لِبالها صَديقتها بِالسكن وَهي تَضع تِلك الرَائحه عَلى جِميع مَلابسها ، ثُم بَدأت بِتمشيط شَعرها كَالأمواج لِتضيف لَهُ الحَياه أَكثر ، أو رُبما قَد تَرفعُه بِمشبك ذَهبي ، وَبعد حِيره بَين تِلك وَذاك اتَخذت قَرارها وَقد رَاق لَها أَمواج شَعرها المُتساقطه عَلى مَنكبيها وَظهرها ، لِتأخُذ بُخصلتين لِلخلف تَعقدهُما فِي شِريطه أعتَقدت أنها تُلائم لَون ثَوبها وَلكن فِي الحَقيقه هَي غَير كَذلك ، ثُم وَضعت الكُحل لِيُبرز لَون عِينيها الكَحيليه
" امنه خلصتي ولا لسه انا هنزل مصطفى تحت ما تتأخريش "
كَان هَذا صَوت " الجِد " مِن الخَارج لِتشرع " أمنه" بِأرتداء أَحذِيتها وَالتى أَعارتها أَياها صَديقتها أيِضًا
" انا نازله حالاً ياجدي "
لِتنظر الىَ انعِكاسها ، وَقد شَعرت بِأنها فَتاه مُختلفه تَمامًا ،وَكأنها كَالأميره ، ابتَسمت بِأعجاب رُبما بِفعل الغَريزه الأَنثويه التَي تَنمو فِينا مُنذ الخَلق .. أو رُبما ذَلك بِفعل الهِرمون الصَغير الأستروچين الَذي يَهمس لِأجسَادنا بحُب التَزيين والتَعطر
أغلَقت بَاب حُجرتها لِتنزل الىَ السَياره التَي كَانت بِأنتظارها لِدقائق ، أَمالت رَأْسها عَلى النَافذه تُطالع بِبطُء حَركة الأَضواء وَهي تَنساب فَوق الأَرصفه تَهمس بِداخلها بِما تَشعُر بِه
"لا أدري لماذا يبدو الليل دائمًا أكثر رحمة، كأن المدينة تهمس لنا بأسرارها حين ينام الجميع ،
المصابيح تتأرجح في صمت، كأنها تحرس أسرَار اللَيل، أَشعُر بِأن المُعجزات تولد لَيلاً ، وَمع ذَلك أَنا
لاَ أَميل الىَ الحَفلات .. فالحفلات المُبالغ فيها كَتلك الحَفله لاَ تغريني ، الضحكات المُبالغ فيها تُربكني ، كل ما أرجوه هذا المساء، أن لا يضطر قلبي للمجاملات، ولا ذوقي لتحمّل أناقة متكلّفة
تَذكرت شَيِئاً ، فَمالت عَلى شَقيقها لِتسأله بِصوتٍ قَريب لِلهمس
" مصطفى .. اكيد حفله زي دي فيها شُرب ، صح "
اَبتلع رِيقه بِتوتر لِيُجيب
" للأسف فيها ، بس حبيبه مابتشربش ، مرات باباها روز هي اللي بتشرب ، وخلت باباها كمان مدمن للشُرب ، وكل اللي معزومين في الحفله صحاب روز فأكيد هما كمان بيشربوا "
وَكأن شَيئًا مَريرًا انزَلق فِي حَلقها، يَنهش سِكون صَدرها بِصمت ، أَومَأت لَهُ بِابتسَامه مُزيفه ، تِحاول نِسيان ذِكريات لاَ تُريد أن تَتذكرها مُتعلقه بِالشُرب فَقالت وَهي تَهمس بِداخلها
لاَ أعلم لماذا يُريد البَعض نِسيان هَويتهم ، وَما هُما عَليه ، وَلكن .. إن كَان لاَ بُد مِن الشَراب، فَالعنب بَريء، والذَنب عَلى مَا تَصنعهُ بِه السَكرة
" أمنه احنا خلاص تقريبًا وصلنا ، بصي عايزك لما تقعدي مع والد حبيبه ، اتمنى انك تطولي بالك عليه شويه ، واسمعي كلامه من هنا وطلعيه من الناحيه التانيه وكمان ، كمان لو قال كلمه كده ولا كده ..
لاَحظت تَوتره فمَدت كَف يَدها تُربت عَلى فَخذِه بِحنان ، مَع ابتِسامه وَدوده
" مصطفى ، اهدى ، مش عايزاك تقلق مافيش حاجه ممكن تخلي الليله النهارده تبوظ ، اتفقنا "
أومَأ فِي رِضا لِكلماتها، نَزل كُلٌّ مِنهما، تَمسك هي بِكرسيه المُتحرك مِن الخَلف، تَقوم بِدفعه للأمَام
لَم تَستطع إِجبار مِقلتيها عَلى التَوقف عَن مَسح الأرجاء مِن الأعلى إِلى الأسفل، حَيثُ تَدلت الثُريّات البَلّورية مِن السَقف العالي، كأنها عَناقيد ضوء مَسحورة، تُلقي عَلى المكان بَريقًا يُذكّرها بغُرَف الأَميرات في الحِكايات القَديمة
الرُخام تَحت قَدمها يَلمع كَصفحة مَاء سَاكنة
تَسللت إِلى أَنفها رائِحة دافئة، مَزيج مِن الكَراميل المُملّح وَالبُندق، كأنها خارجة لِتَوّها مِن فُرن قَديم في صَباح شِتوي
الطاولات مُزيّنة بِأقمشة لَمّاعة بلَون الشَمبانيا الباهت، تَعلوها صُفوف مِن المَخبوزات الفاخرة وَالمشروبات المُبرّدة
" مصطفى "
هَمست "أمنه " بِأسمُه ، لَكن مَا أَن وَقعت عَيناه عَلى
" حَبيبه " بَين الحِضور ، اتَجه نَحوها سَريعًا ، بَينما هَي اتَخذت مَقعداً بَعيداً تَرخي جَسدها عَليه ، تَمنت لَو اتَخذت كِتابًا مَعها بَدلاً فِي التَحديق فِي الجَميع كَالبلهَاء ، تَحتسي شَراب الفَواكه الصَفراء
بِطعمُه الهَادىء الَذي لاَ يَشبهه شَيئًا .
شَردت بِتفاصيل القَصر المُميزه ، تَطرق بِأناملها فَوق سَطح الطَاوله ، لَكن قَاطع شُرودها صَوت سَيدةٍ مَا بِالخلف
" تعرفي انك الوحيده هنا اللي بتشربي عصير برتقان ، شكلك مش من الناس اللي بتشرب "
تَوقفت عَن شُرب البُرتقال ، لِتجفل مُستديره لِلخلف
" عمري ماشربت قبل كده بصراحه ، ماتعودتش على الشرب "
اقتَربِت مِنها السَيده تَشد كُرسي لِتجلس عَلى طَاولتها بِتطفل دُون أَن تَأذن لَها ، لَمحت " أمنه " حَدقتيها مِن تَحت قِناعها تُطالعها وَكأنها كِتاب تُريد قراءتُه فَنطقت السَيده بِقول
" غريبه اول مره اشوفك هنا ، ممكن اعرف أنتِ جايه هنا تبع مين "
أَنزلت " امنه" رَأسها ، حِين شَعرت بِالحرج ، تَعبث بِحافة مَشروبها دُونَ النَظر الِيها ، فَنزعت السَيده قِناعها تَضعه عَلى الطَاوله
" اه .. نسيت اعرفك بنفسي انا روز صاحبة الحفله التنكريه دي ، عشان عيد ميلادي ، اللي أنتِ جايه فيه ، مش هتقوليلي بقى أنتِ جايه هنا تبع مين "
جَحظت مِقلتاها حِين عَلمت هَويتها ، وَقبل أَن تَرُد لاَحظت ثُقل يَحُط عَلى كِتفيها العَاري التَفتت
" امنه" بِوجهها لِلخلف لِتجد " حبيبه " تَرد بَدلاً عَنها
" جايه تبعي يامرات ابويا "
شَدت "حبيبه" كُرسي تَجلس عَليه ، تُحدجها مِن طَرف مِقلتيها
" ايه عندك مانع اني اعزم صحابي في الحفله ، ولا يمكن تكوني فاكره ان من حقك بس انك تقولي مين ييجي ومين لاء "
عَقدت "روز" حَاجبيها بِأرتباك وَلم تَمهلها "حبيبه" لَحظه لِلرد
"البيت ده بيتي انا وموسى ، ونعزم في اللي احنا عايزينه "
مَررت "روز" كَفها عَلى جَانب خُصلاتها الذَهبيه قَبل أَن تَهمس بِثقه مَغروره
" الكلام ده كان زمان قبل ما أجي انا هنا ، ولو تحبي انادي لباباكي يقولك مين اللي له الكلمه"
أَسندت "حبيبه" ذَقنها عَلى مَفاصل أَصابِعها ، وَتلك الأبتِسامه العَابثه تَرتسم عَلى شَفتيها
" مش هتقدري تعملي كده ، عشان لو حصل هبوظلك الحفله ، قدام صحابك المزيفين اللي بتحاولي تجمعيهم حواليكي عشان تنسي بيهم اصلك "
أَتى " مصطفى " يُحرك عَجلات كُرسيه ليِبقى بِجوارها
" عيب ياحبيبه مش كده دي مهما كان مرات باباكي "
أَومَأ عِينيه لِلأسفل كَأعتذار مِنهُ
" كل سنه وحضرتك طيبه يامدام روز "
أَشَارت " روز " حَولها بِبسمه مَاكره تَلاعبت عَلى أَطراف شَفتيها المَطليتين بِملمع الشِفاه ، تَقدمت خَطوتين وَهمست فِي أُذن "حبيبه " بِصوتٍ مَسموع لِلجميع
" اه .. انا كده فهمت ، مصطفى هنا يبقى هنشوف الرفض مره تانيه .. اقصد مره عاشره تقريباً"
مَلامِح " حبيبه" بَقيت خَاويه بِلا أثَر لِأنفعالٍ يُذكر
خَطت نَحوها بِتأنٍ ، فَقابتلها بِرفع حَاجبها ، تَنتظر مِنها رَداً ، فَمنحتها " حبيبه " رَدها كَما اَرادت
" هو انا ما قولتلكيش ، تاهت عليا ازاي دي ، مش انا المره دي مش لوحدي "
هَزت " حبيبه " رَأْسها بِالأجابه
" موسى المره دي معايا ، وانتِ عارفه بقى لما موسى يبقى معايا هيحصل وقتها ايه "
جَحظت مِقلتاها لِما قَالتُه ، لِتتركها "روز" وَترحل
فِي ارتِباك وَاضح عَلى مَلامِحها ، عَادت " حبيبه " تَجلس عَلى مَقعدها ، يؤنبَها "مصطفى " بِقول
" ليه كده ياحبيبه ، احنا مش عايزينها تقف قصادنا ، احنا مش ناقصين "
أَشَارت بِكف يَدها بِلا مُبالاه
" سيبك منها هي كده كده عمرها ما هتقف في صفنا في جميع الاحوال "
ثُم طَالعت "حبيبه" " أمنه " فِي أبتِسامه
" لا بس انتَ ماقولتليش ان أمنه زي القمر اوي كده يامصطفى وفستانك تحفه لايق اوي على لون بشرتك
موت "
أَبتسمت " امنه" فِي حَرج فَهي فَاشله فِي رَد المَديح ، لَكن وَصفها لَها بِهذه الطَريقه ، جَعلتها تَشعر بِثقةٍ غَريبه وَهي تَقول
" أنتِ كمان زي القمر ، وفستانك جميل اوي ولايق عليكي "
صَدح صَوت أَنغام كِلاسيِكيه فِي الأَرجَاء لِتمد "حَبيبه" يَدها الىَ " مصطفى" تَحني رَأْسها انحِناءه بَسيطه وَهي تَطلُب مِنه
" تسمحلي بالرقصه دي "
أِعترض " مصطفى " بِقول
" ايوه بس لو ابوكي شافنا .."
قَادتهُ لِلمنتصف وَهي تَنظر الىَ عَقارب سَاعتها
" بابا عنده اجتماع جوه في مكتبه ومش شاغل باله بأي حد غير بموسى دلوقت ومستنيه على نار ومش هيطلع الا لما موسى ييجي "
"طيب ومرات باباكي اللي عنيها ماشيه معانا دلوقت"
قَالها وَهي تَديرُه لَها ، لِتخبرُه بِابتسامه مَاكره
" ما هو ده المطلوب اثباته ، اومال انا برقص معاك ليه دلوقت ، عشان تموت بغيظها وهي واقفه ، خلينا نخلص منها "
اقتَربت "حبيبه" مِنهُ في صمت، مدّت يَدها نَحوه فَاحتوَاها كَفُه بِرفق ، مَال بِجسدُه مُتكئاً عَلى ذِراع الكُرسي كَأن جَسدُه يَلين فَقط لِأجلها ، لِتدور هِي مِن حَوله بِبطء يَتتبعها بِنظراتُه الحَانيه
لم يرقصا كما يرقص الآخرون، بل كما يقدر هو، وكما تفهم هي نصف خطوة منها، ونصف نفسٍ منه ، ضَحكتهما تَسبق الموُسيقَى ، وَنظراتهما تَقول كُل شَىء .. دونَ حَاجه لِصوت
كانت "آمنة" تُطالعهما مِن بَعيد ، بِأبتِسامة دَافئة ،
فَالمشهد دَافىء والفَرحه حَقيِقيه تَشبه تِلك الَلحظات النَادره التَي تَأتي بِلا تَرتيب ، أَختفى الأَثنان عَن نَظرها وَسط الزِحام ، وَعيناها مَازَالت تَبحث عَن أَخيها ، سَمعت صَوت قَطع تَأمُلها
" تسمحيلي بالرقصه دي "
التَفتت لِتجد شابًا أمامَها، بِبدلة رَسمية
نَظرت الِيه وَابتِسامه بَاهته عَبرت وَجهها كَشمعه تَطفيها أول نَسمه
" آسفة ، بس مش بحب أرقص "
لم يُلحّ، وانصَرف بِهدوء ، التفتت بعِينيها تبحَث عَن شَقيقها ، لَكن قَابلتها نَظرة "روز" الثَابتة مِن بَعيد، كَانت كَفيلة بِأن تُطفئ نُور المَساء كُله
ضَاق صَدر "آمنة"كلّ شيءٍ حَولها أصبَح ثَقيلًا
انسَحبت بِصمت، تَبحث عَن هَواء مُختلف
وَحين خَرجت مَشطت قَدميها الىَ الحديقه الدَاخلية بَدت وَكأنها عَالم آخر، كَانت الأَرض تَلمع بِندى المَساء وَرائحة الأقحِوان تَسبُق خُطاها ، الزهور مصطفّة على الجانبين ، وألوَانها الهَادئة، نَادت قَلبها أَن يَطمئن.
انحَنت قَليلاً، أرَاحت كَفها فَوق أحدَى الزهُور، مَررت أنَاملها عَلى البَتلات بِرقة، ثُم أغمَضت عيِنيها لِلحظة وَهي تشمّ العِطر القَريب مِنها، كَأنها تُعيد تَرتيب نَبضها
وَما حَقًا جَذب انتِباهها هُو خَرير المَاء مِن يَسارها
لِتلمح نَافوره تَنتصف السَاحه ، تُشكل هَيئة جَرسٍ مِن الحَجر أو الحَديد ، أَو رُبما حَتى مِن الفَضه هَي لَم تُدركه
لَكنها أَنست لِأزهَار اللوتَس التَي تَطفو عَلى السَطح
تَدور حَول النَافوره بِفعل التَيار ، مَدت كَفيها تَملؤها بِالماء تَغسل وَجهها
وَحين فَتحت عينيها وَجدت أمامها تمامًا ، دَراجة نَارية سَوداء، مَألوفة لَها ، جَحظت مِقلتيها بِذهول تقدّمت نَحوها، تَتنفس بِقلب لاَ يَفهم لِماذا عَادت خَفقاتُه فَجأه ، تَتذكر سِوارها
مَررت أصَابعها عَلى جِسم الدرَاجة ، الأرقَام والحِروف المَنقوشه عَليها ، نَفس البَرغي المَائل قليلاً تَهمس لِنفسها بِصمت
" أنها هي ، نفس الدراجه لِذلك الشَاب وَلكن كيف ..
نظرت حولها، تَبحث بِعينيها عَنهُ ، شيئًا ما بداخلها وجّه عينيها إلى الأعلى لِتجدهُ يَتسلق العواميد نفس الهيئة، نفس الخوُذة، والسُترة يَتنقل بَين الجُدران بِحركة خَفيفة، مُحكمة، كَأن القَصر مَلعبُه.
رَاقبتهُ بِدهشة، لَم تَكن تُصدق أن مَا ترَاه حَقيقي.
ثُم رأتُه يَفتح نَافذة صَغيرة، يَدخل مِنها بِالطابق الثَالث
استَقامت تَركُض نَحو البَاب وَلم تَفُتها مَلامِح النَاس المُستغربه مِن جنُونها المُفاجىء ، وَلكن هَذا لا يُهم فَهي تَركُض مِن أَجل السِوار تَتمسك بِأخر أَمل لَها أَسندت نَفسها عَلى طَرابزين الدَرج تَلتقط أَنفَاسها ابتَلعت ريِقها تَتقدم بِبطىء نَحو الدَرج
"ماذا لو كَان مُجرمًا ، أَو قَاتل مُحترف وَليس بِمجرد لِصًا عَادي "
عَلى الرَغم مِن مَخاوفها إِلا إنها صَعدت أول ثَلاث دَرجات لِتجد نَفس الأَحرف المَنقوشه عَلى جِسم الموتور أَسفل الجِدار
فَلسببٍ مَا فِضولها قَد قَام بِتهكيرها ، الفِضول استَولى عَلى عَقلها يُحركها كَأنها حَجر بَيدق ، حَاولت أَن تَبطىء صِعود وَهبوط جَسدها ، تَتنفس بِهدوء
بَينما قَلبها يَقرع بِقوه وَقد يَفضحها
صَعدت نَحو الطابق الثاني، الذِي مِن الوَاضح عليِه بِأنهُ مُفعم بِالحيَاه لِيُقابلها أَحد أَفرَاد الخَدم سَائلاً
" تحبي اساعدك بحاجه يافندم "
ابتَلعت ريِقها مِما زَاد تَوترها لِتجد لِسانها يَنطق بِعكس مَا تُريد قَوله
" لا ، ابداً انا كنت بدور على الحمام ، علشان اللي تحت مشغول اوي "
أَومَأ لَها الخَادم بِتهذيب وَهو يَشير لَها بِمكانُه يَهبط الدَرج ، ابتَسمت لَهُ فِي أيِماءة تُطالعه حَتى رَحل
قَبضت يَدها بِتوتر هَامسه بِداخلها
"تَبًا ، لماذا لم أخبره بِأن هناك لَصًا قد تسلق الجدران ، وَهو الأَن بِالطابق الثالث ، وهو أيضًا ذات اللص الذي سَرق سِواري .. رُبما لاَ أُريد أِحداث الجَلبه دون أَن أتَأكد مِما رَأتهُ عَيناي أَولاً "
حدقت نحو الدرج الثالث تَأخُذ نفسا عميقا تَتقدم نَحوه
كانت تصعد الدرج في هدوء، و كأن كُل درجة تخبرها بأن تعود بأدراجها ... للأسفل لكن قد فات الأوان
فهي تقف أمام الممر الذي يحوي كثيرًا من الأبواب المغلقة
لكن جمال جُدرانه مُخبأه تَحت خِيوط العَناكب ، إطارا لمناظر طبيعية تَحت كَومه مِن التُراب الذَي يَفقدهُ جَماله ، وَكأن هَذا الطَابق خَالٍ مِن الحَياه
تقدمت تسير فيه تشد بقبضتها على سلاسل قلادتها سَائله لِنفسها
" أأمدّ يدي إلى المقابض؟ أم أترك للأسرار حرمة صمتها؟ إن نبضي يعلو حتى يكاد يسمعه الجدار، غير أنّ تراجعي الآن خيانة لجرأتي."
وضعت يدها على مقبض أول باب لِتحركه لكنه مقفل، لِتجرب بابٍ آخر
أرادت أن تتراجع و تعود للاسفل ، لكن شدها باب كان في آخر الممر، هو ينتصف الرواق بينما تتوزع الأبواب على يمينه و يساره
و ما جذبها أكثر، بابٌ وحيد بلا غبار، كأن الأيدي ما زالت تطرق عليه بالأمس ، نقوشه تنبض وسط جدرانٍ ميتة
تقدمت نحوه لكنها لم تجرؤ على فتحه، هاجس ما أوقفها
" بِالتأكيد هو هنا ، ماذا أفعل الآن ، ماذا لو كان يحمل سلاحاً "
" من المؤكد انه يسرق كل ما طاب ولذ لهُ بِالداخل ، واذا شاهدت على جريمته سأكون انا الشاهده الوحيده"
إنني ضائعة بين اصراري وخوفي يتقاتلان ، وَلكن لاَيهم كُل ذَلك الأَن فَكل مَا يُهمني هو ذاك السِوار ، حتى لو أصبحت حَياتي ثَمناً لهُ "
وَضعت كَف يَدها عَلى صَدرها لِتنظم تَنفسها ، رَفعت اليَد الأُخرى لِتمسك المِقبض بقيت هَكذا لِعدة دَقائق وَقبل أَن تُحركه وَجدت..
أن البَاب قَد فُتح
↚
أَنشَق الصَمت عَلى صَرير البَاب وَهو يُفتح بِبطء
خَطت " امنه" خَطوتان لِتصبح بِجوف الغُرفه
كَان الثُقل فِي صَدرها يَزداد مَع كُل نَفس، حَتى وَجدت نَفسها دَاخل الحُجرة، والبَاب يُسحب مِن خَلفها بِإغلاقٍ هادئ لا يَخلو مِن القَصد.
لَم تَلتفت ، خَشية أَن تَصطدم عَيناها بِما يَختبئ خَلف ظَهرها
غَير أنّ أنفاسها اختَلطت بِأنفاسٍ أُخرى، أَعمق وأبطَأ، تَنبعث مِنها رائَحة التَبغ الدَافئة، مَمزوجة بِعبق العوُد المُعتق ، كَأنها تَوقيعٌ خفيّ عَلى جُدران المَكان البَاهتة
" يَاترى...تايهه بين جدران القصر ولا جايه هنا بقصد "
أَحبالُه الصَوتيه الغَليظه أَشعرتها بِأن أحبَالها الصَوتيه مِثل صَوت طِفلٍ صَغير ، أَغمَضت عَيناها ، تَهمس بِداخلها
"ما الذي أَوصلني لِهُنا ، هَل كُنت حَمقاء حِين صعدت دُون التَفكير في العواقب ، أنا لاَزلت لاَ أستطيع التَصديق أنه يقف خَلفي لِصًا يَبدو عَليه الأحتِراف ، يَفصل بِيننا بِضعه أنشَات فقط "
" أنتِ خرسا ... "
"لـ..لاء"
استَدارت وَقد أَغمضت عَيناها ، لاَ تَعلم لِم لَيس لَديها الجُرأه لِرؤية الكَائن الوَاقف أمَامها ، بَينما "موسى" تَذكرها حِين لَمح مَلامحها ، وَتذكر أِنها فَتاة السِوار ، قَطب حَاجبيه فِي أِستغراب مِن وجُودها بِداخل غُرفته وَلكنه قَرر أَن يُسايرها
"ومغمضه عيونك ليه .."
كَتمت غَيظها وَما زَالت وَاقفه بِمكانها
"عشان تتأكد اني جايه ومش ناويه أي شر ، واني حتى مش عايزه اشوف ملامحك "
أَغلق البَاب بِأحكام ، لِترفع رَأْسها تَتجمد حِين وَقعت أَنظَارها عَليه ، لِتجدُه يَرتدي قِناع فِضي يُغطي نِصف مَعالم وَجهه ، لِتبتلع رِيقها مُتراجعه لِلخلف ، يَستمر فِي التَحديق بِها لِتشد عَلى أَهداب فُستانها بِتوتر
"وانتِ سَايبه الحفله تحت وطالعه هنا عشان تأكديلي نواياكي "
هَمست تُطالع مَا بَان مِن قِناعُه وَلم تَكُن سِوا مِقلتَيه التَي تَريد أَن تَعلم لَونهما الأَن وَبِشده ، فَمِقلتاهُ تَلمع بِضوءٍ بَاهت مِثل مِصباح تَوشك بَطاريتُه عَلى النَفاذ
" ل..لاء في حاجه غاليه عليا اتسرقت مني "
قَطب حَاجبيِه وَقد أِعتراهُ أستِغرابٍ شَديد
" وانا دوري ايه في الحكايه دي "
جَعدت حَاجبيها تَختطف نَظره نَحوه ثُم أَخذت تُلاعب دَانتيل كُمها لِتردف بِتوتر
"بـ بتمنى أنك ترجعلي سواري زي ما سرقته مني "
بَللت شَفتيها فَلمحها هُو تَقبض عَلى يَدها بِقوه حَتى أَبيضَت بَراجِمها وَنبست
" وكمان ، بلاش تسرق حاجه من اصحاب القصر ده ، امـ ، امشي وهعمل نفسي ماشوفتكش "
أِنحَرف ثِغره فِي ابتِسامه بَسيطه أَسفل قِناعُه ، فَهم مَقصدها ، فَهي تَظنُه لُصًا وَليس بِصاحب البَيت ، فَقرر مِراوغتها بِقول
" كده بكل سهوله "
" أطلب اي حاجه وانا هنفذها ..لو في مقدرتي "
جَلس عَلى طَرف المَكتب يُطالعها مِن الأَسفل الىَ الأَعلى بِنظره خَبيثه
" أي حاجه ، اي حاجه "
تَصنمت أمَامُه حِينما لاَح بِبالها شَىء مَا
" تبًا ، مَا الذي يَعنيه بِحديثُه "
خَرجت شَهقه مِن بَين شَفتيها حينَ فَسرت مَقصدُه بِنظراتُه الخَبيثه المُتفحصه لَها ، خَرجت سَبه دُون أِدراكها
" من الواضح انك مثل البقر السمين ....."
جَحظت مِقلتَاه مِما التَقطته أُذنَاه ثُم طَالع جَسدُه يَتفحصه بِعينيه
" بس انا مش سمين "
ابتَسمت عَلى مُلاحظته لِتردف سَاخره
" أذن يبقى انت متفق انك زي البقر "
تَبسم لِما قَالتُه ثُم هَتف
"مش كل سخرية نقمة… البقر في كتاب ربنا ماكانش هوان، ده كان امتحان ونجاة
"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً" فلو بتشبهيني بالبقر… يبقى بتشبهيني بالميزان العادل اللي يكشف الباطل ويسقط الأقنعه مهما حاولت تستخبى "
مَرر سُبابته عَلى ذَقنه لِيتحدث بِنبره سَاخره وَقد أَثنى قَوامهُ قُرباً مِنها
" فلو بتشبهيني بالميزان العادل فحب اشكرك على مدحك ليا "
أومَأ يَتحرك وَسط نَظراتها المُستغربه لِتهمس بِداخلها
"ما هذا… كيف صار الذَم بين يديه مديحاً ، يجعل الكلمات التي قصدتُها طعنًا مرآةً تلمّع صورته بدل أن تخدشها… وكأن السخرية في حضرته تنحني لتخدمه"
أَرجعت بِبصرها نَحوه لِتتحدث بِنبره جِديه
" وتفتكر ان من العدل انك تقصد شىء ماينفعش ابداً يتقال لواحده زيي "
وَجهت لَهُ عِتاباً لِتجمد أَنظارُه وَقد تَملكها الجَزع ، حَالما نَهض يَتقدم نَحوها ، لِتلتصق بِالباب مُستديره تَعطيه ظَهرها ، فَهذا يَشعُرها بِأنها مُحصنه مِنهُ وَلو قَليلاً ، وَلكنهُ أَدارها كَما لَو أنَها سِتاره ، يُقيد يَداها خَلف ظَهرها مَانعاً أيَاها مِن الحَركه
" وازاي واحده زيك تفكر في حاجه زي اللي جت في بالها دلوقتي "
اَسدلت جِفنَاها تَتحاشى النَظر لهُ ، لاَ تُحب حَديثُه لَها بِهذه الطَريقه تَتمنى حَقًا أن تَضربُه
" لص .. بيسرق حاجه مش بتاعته ، معندهوش اي انتماء ، بيستباح اشياء تخص ناس تانيه زي السوار اللي اخدته مني ، وزي اللي جاي تسرقه من اصحاب الاوضه دي ، فأكيد معندكش شرف ، واللي معندهوش شرف لازم افكر في نواياه بالطريقه دي "
" حرامي .. ومعنديش شرف .. للدرجه دي أنتِ جبانه"
فَتحت عَيناها لِترى أنعِكاس وَجهها عَلى مِقلتيِه
لِتهمس بِداخلها
"كَيف لِشخص مِثله أَن يَمتلك مِقلتين صَافيتين كَصفاء الليل فِي عَتمته ، أُكاد أُجزم أَن قَلبُه مُتفحم كَخصُلات شَعره "
يَداهُ أَرتَخت عَن رِسغها ، وَاستمر فِي التَحديق اليِها
لِيميل رَأْسُه يَقترب مِن رَقبتها ، فَتصنمت مَكانها
" معندكيش الجرأه حتى تقولي الكلام ده وانتِ بتبصي في عنيا "
أَشتَعلت لِتتملص مِن مَكانها ، لَكنهُ شَد حِصارُه عَليها وَقد شَعرت بِنبرتهُ السَاخره
" ياترى صاحبة السوار اتضايقت "
" شىء مايخصكش اضايق او ماضايقش ، انا عايزه السوار بتاعي اللي اخدته مني وتمشي من هنا من غير ما تسرق اي شىء "
تَركها يَتحرك نَاحية المَكتب أصابعهُ تَعبث بِورقه مُهمله سَوداء مِن فَوق الأَوراق المُبعثره ، بَدأ يَطويها بِهدوء بَين أصَابعُه، أصوَات الطَيات الحَادة تتداخِل مَع أنفَاسها المتَوترة
لَم تَفهم مَا الذِي يَشغله بِالورقة الآن، لَكن عيِنيها كَانت تُتابع حَركة يَديه بِغير وَعي، كَيف يَضغط عِند الحَواف وَيثني الأَطراف وَكأنه يَحفظ خَطواته عَن ظَهر قَلب
"ماقولتليش برضوا وايه المُقابل ..."
جَفلت لِحديثه ، كَانت تُتابع حَركة يَديه بِعينيها بِحرصٍ شَديد سَائله لِنفسها
"مَا الذي يَفعله بتلك الورقة؟ وكيف لطيات ورقة أن تحمل كل هذا التأنّي… تتحرك أصابعهُ بِثقة، كأنها تَعرف مَصيرها قَبل أن تُطوى"
كَانت يَده تَضغط الطَية ثُم تُمررها عَلى الأُخرى، وَكل صَوت وَرقة بَين أصَابعه كَان يَسرق جزءًا مِن انتِباهها فَكرر سِؤاله يَردف وَنظرَاتُه مُصوبه عَلى مَا يَفعلُه
"والمقابل إيه لو ادّتهولك ياصاحبه السوار "
نَبست بِما لَديها تُحاول التَركيز عَلى حَديثه
"قولتلك قبل كده أني مش هقول لحد إنك كنت هنا… وهخليك تمشي بسلام"
تَوقفت أصَابعه عَن الحَركه ، لِتتشكل الوَرقه بَين يَديه عَلى هَيئة كَائناً صَغيراً
تَجمدت عَيناها عَليه، تَتفحص انحِناءات الطَيات التَي صُنعت ..
رأْسه، وَتفاصيل جِناحيه المُطبقين كَأنهما يَرفُضان التَحليق
تَسربت إلىَ عَقلها تَساؤلاتها التَي لاَتنتهي
" مَهلاً لحظه ، هَل شَكل الوَرقه عَلى هَيئة تَنينٍ صَغير ، لَكن لِماذا تِنين وَلماذا أَسود
ولماذا تبدو أجنحته مقيدة كأنها لم تتذوق الهواء؟
ولماذا أشعر أنه يحدّق بي… بلا عينين؟"
اسئَله عَديده أَتت الىَ رَأْسها تَواً ، شَدت عَلى أهدَاب فُستانها وَهي تَراه يَضع التَنين عَلى المَكتب بِرفق، ثُم خَطى نَحوها بِبطء
" بس انا ممكن اسرق اللي انا عايزه وامشي من قبل حتى ما تلحقي ترمشي "
قَضمت شَفتاها لِيبتعد عَنها لِتزفر فِي رَاحه وَهو يَنتظر رَدها بِعينين لاَ تَخفيان الفِضول ، قَررت هَي أَن تُسايرهُ فِي حَديِثها
" أ .. ايه اللي ممكن اقدمهولك قصاد أنك ترجعلي سواري ، لو عايز فلوس انا ممكن اتصرفلك و "
قَاطع حَديثها وتَوجه نَحو النَافذه أَزاح السِتائر
يُطالع الحِضور بِالأسفل ، تَحركت تُفاحة ادم خَاصتهُ بِبطىء
" انا عايز حاجه تانيه قصاده "
تَراجعت نِصف خَطوه تِتسائل مُستغربه
" حاجه تانيه "
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. .
تسمّرت السَيده "نعيمة" عِند مَدخل القَاعة، تَلتفت بِرأسها يمينًا وَيساراً ، تَبحث عَن السَيده " وداد " وَسط زِحام المَارة وأضوَاء الزيِنة
يَقف " أنس " إلىَ جَوارها كتفاه مائلتان قليلًا ، يَتكأ عَلى قَدم والثَانيه نِصف مَرفوعه ، يَنظر حَوله بِسأم ، لِتسأله
"ممعكش رصيد يا أنس خالتك وداد قالتلي هتقابلني قدام القاعة ومش لقياها"
أخرَج "أنس" هَاتفُه من جَيبه بِضجر، وقدَّمه لَها وهُو يُتمتم
"خدي يا أمي اهوه… بس أنا مش عارف أنا لزمتي إيه هنا، ماليش لازمة أهو وصلتك خلاص سيبيني أروح"
التَقطت مِنهُ الهَاتف تُقلِّب بالأرقام، تِجيبه دُون أن تَنظر لهُ والأنوار الملوَّنة مِن فَوقها تَنعكس على وجهها
"لا تروح إيه .. عايزهم يقولوا إني جايّة بطولي وماليش رجالة ، اترزع يا ولا هنا معايا لحد ما خالتك ترد ونشوفها فين"
تَدفّق مِن دَاخل القَاعة صَوت الزَغاريد ممزوجًا بِرائحة الورود وقِطع الكَيك الطَازج، عَلا فِي أُذنها صَوت "وداد" مِن الطَرف الآخر للخَط
"أيوه يا وداد .. بتقولي ايه.. دخلتي القاعة من بدري .. وإيه اللي يخليكي تدخلي لوحدك، مش قولنا هندخل سوا"
صَمَتت لِحظة تَستمع، بَينما كَانت تُعدِّل حِجابها بإحدَى يَديها، ثُم أردَفت وَهي تتجهَّم قليلًا
"ده هي ساعة يا وداد .. ساعه أنا لحقت أتأخر ذنبي إيه ، تلاقي العروسة هي اللي جَت بدري اطلعي يلا خُديني، مش هقعد أدور عليكي ما بين الناس… ده الناس كتير أوي، تقوليش فرح بنت الريس"
انتَقلت بِالهاتف إلى أُذنها الأُخرى، وأشَاحت بيِدها تُبعد شَعرة طائشة عَن وجهها دَاخل الحِجاب ، ثُم قَالت بِنبرة جَادة
"بتقولي إيه؟ بيوزعوا الجاتوه ، لا، لو كده أوعي تيجي… احجزيلي طبقين، طبق ليا وطبق لأنس."
كَانت "نعيمه " عَلى وَشك إنهَاء المُكالمة، لَكنها تَذكرت
"استني… أنا ما بحبش الكريمة حوشيلي قطعة بالشوكولاتة يلا، يلا، دخلالك أهو"
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
صَوت الأوزَان وَهي تَرتطم بِالأرض يَملأ الصَالة، أنفَاس المُتدربين مُتلاحقة، والعَرق يَسيل عَلى الأَذرع المُشدوده
يَقف "لقمان " في المنتصف ، يَرتدي كِنزه ريِاضيِه سَوداء مُلتصقه بِعضلاتُه المُجهدة، وَسِروال رِياضي قَصير، مَلمس القفازات الجِلدية يَظهر مَع قَبضته التَي تُشير لِشابٍ يَرفع الحَديد بِوضعية خَاطئة
عدّل "لقمان " ذِراعيه بِنفسه ثُم تَحرك بِخطوات ثَابتة بَين الأجهَزة، تَقدّم أَحد المُتدربين، يَمسح جَبينه بِمنشفة صَغيرة سَائلاً
"كابتن… هو الأحسن أبدأ أزود أوزان دلوقتي ولا أركز إني أزود التكرارات الأول"
ابتَسم "لُقمان" ابتِسامة خَفيفة، ثُم رَبت عَلى كَتف الشَاب هَاتفًا
"بص… الجسم مش بيتبني بالوزن لوحده، ولا بالتكرار لوحده الأساس إنك تتعلم تتحكم في كل حركة… تنزل وتطلع بنفسك صح
لو استعجلت على الحديد هتأذي نفسك قبل ما تكسب حاجة ، الأول ركّز على التكرار بوضعية صح، وبعدها الأوزان هتيجي لوحدها "
أَومَأ الشَاب رَأْسه بِتفهم وَعاد "لقمان" لِأكمال عَملُه
بِأبتسامتهُ التَي تُزين ثَغره ، لَكن ابتِسامتهُ تَلاشت
حِين لَاحظ تَوقف الجَميع عَن التَمارين ، لَم يَرتاح لِنظراتهم المُثبته عِند البَاب ، مَشط خَطواته لِلمنتصف
" في ايه ياشباب كله يرجع لتمرينه "
انتَقل بِبصرُه ناحية البَاب لِيجد فَتاه ذَات عيون لاَزورديه غَامضه ، شَعر فَحمي أَملس ، بَشره بَيضاء شَاحبه ، كَما أن مَحجريها حَادتان وَناعستَان
تَرتدي ثيابٍ رياضية رمادية ، شورت قصير وتوب يفضح خصرها العاري في جرأةٍ صادمة ، وَعلى عُنقها تدلّت سَماعات الهَاند فِري الوَرديه مَمزوجه بِلون الڤانيلا
حِضورها بَدا غريبًا فِي هَذا الحَي الشَعبي، وَسط صالةٍ خُصصت للرجَال
تَحدثت بِصَوتها الهَادىء لِلغايه وَكأنهُ يَصلح لِألقاء تَهويده لِلنوم مَع ابتِسامه بَرزت صَف أسنَانها
" هـــاي يامستــر "
تَوقف يُطالع مَلامحها بِدهشه حَيثُ تَوقف عَن الرَمش مُستغرباً
" أنـــتِ"
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
دَخلت السَيده " نعيمه " الىَ القَاعه تَبحث بِعينيها عَلى السَيده " وداد " لِتجدها تَرفع يَدها تُشير الِيها عَلى مَكان مَجلسها تَوجهت نَاحيتها يَتبعها " أنس "
وَحين وَصلوا الى الطَاوله تَبادلوا السَلامات جَميعًا
أَومَأ " أنس " لِيجلس بَجانب " سمر " ابتَسمت نَحوه لِيطرف بِعينيه بَعيداً عَنها يُحملق بِالحضور
بِينما السَيده " نعيمه " تُتابع الحِضور عَن كَثب
" لا بس باين ان العريس غني اوي يابت ياوداد عاملها فرح بالشىء الفولاني "
تَمتمت لِتجيبها السَيده " وداد " وَهي تَدس قِطعه الكِيك بِداخل فَمها
" اه يابت ام محمد كانت قاعده معايا قبل ما تيجي مافيش وقالتلي انه كان شغال في عمان "
تَوقفت السَيده " نعيمه " عَن المَضغ لِتجيبها بِسخريه وَبسمه وَاسعه
" لا شغال في عمان ايه ده هو عمان نفسه "
تَعالت ضَحكاتهم سَوياً ، دَحرج " أنس" مِقلتيه نَحو "سمر" لِيراها شَارده نَحو طَبقها ، تُحرك شَوكتها بِخفه
بَين قِطع الكَيك الأسفنجيه ، كَان هُناك عُقده بَين حَاجبيها بَدا عَليها الضَجر قَاطعت السَيده "نعيمه" صَمتها
" مالك ياسمر مابتاكليش ليه مابتحبيش الشيكولاته اخلى انس يجيبلك الكيكه البيضا "
وَقبل أَن تُجيب قَاطعتها والدتها بِقول
" ياختي دي عامله دايت يقطع الدايت وسنينه البت كان وشها منور ومتختخ قد كده دلوقتي بقت عامله زي البوصه "
قَاطعت "سمر " حَديثهم قَبل البدء بِه بِقول
" ماما ، ماما يلا نروح انا بجد اتخنقت ماليش لازمه قعدتي دي "
اعتَرضت السَيده " نعيمه " عَلى مَطلبها
" لا نروح ايه انا لسه جايه اقعدي ياسمر "
وَقف " أنس " مُسرعًا يُساندها بِقول
" انا كمان يا امي تعبان ولازم اروح وعندي شغل الصبح لو حابه تعالي ياسمر اوصلك في طريقي واقعدوا انتوا براحتكم "
أشَار لِوالدته عَلى الخَارج
" انا هاروح اوقف تاكسي "
وَقفت " سمر " تَرتدي حَقيبتها ، تَستأذن مِن وَالدتها
" عشان خاطري ياماما خليني امشي والله تعبانه بجد ما انتِ عارفه "
وَما أذنت لَها وَالدتها حَتى أَتى " أنس " هَاتفًا
"سمر يلا انا وقفت تاكسي "
تَحركت بِجواره ، أَطراف أَناملها بَارده وَوجنتيها مُحمره ، وَلكن ابتِسامتها لَم تَسقط بَعد
هَزت رَأسها مُمتنه ، تَبتسم لهُ حيِن فَتح بَاب المَقعد الخَلفي لِلسياره الأُجره ، وَجلس هُو بِالأمام بِجوار السَائق الَذي قَام بِسؤاله
"رايح فين ياخويا "
أشَار " أنس " بِرأسه عَالطريق
" حي الكويت من ناحية مساكن شل ان شاء الله "
أنطَلق السَائق بِطريقُه وَقد كَان السَائق بَسيطًا تحدث مَع " أنس " قَليلاً عَن أَشياء عَشوائيه مِن بَينها عَن مَدى غَلاء الأَسعار ، بَينما " سمر " كَانت نِصف مُستيقظه مُستميله عَلى النَافذه عَيناها تَلتقطان انعِكاسه فيِ المِرآة.
هِو نَفسُه… المَلامح، والبَسمه التَي لا تُخطئها، كَأن السَنوات لَم تَمُر
لَحظة وَاحدة اختَزلت المَسافة بَين الحَاضر وَطفولتهما، حَتى خُيّل لَها أنَها تَسمع صَوته القَديم وَهو يُناديها
" ســـمر .. ســـمر "
أَرتديت مَعطفهِا المَدرسي وَوشَاحٍ قُطني ، تِهرول عَلى الدَرج حَتى تَلحق بِه ، خَرجت مِن بَاب المَدخل تِهرول نَاحيتُه وَقد اعتَلت النَهجه صَدرها
" معلش يا أنس اتأخرت عليك "
أتَاها الرَد مِن زَميل أخر يَقف بِجوار " انس "
" اكيد كنتِ بتاكلي ونسيتي نفسك ، ارحمي شويه كرشك بقى مدلدل مش عارفين هاتروحي فين بعد كده "
ضَحكات زَميلاتها قَد صَمت أُذنيها ، نَبست "شيماء" بِنبره جَافه تُطالعها بِهدوء دُون أَي مَشاعر وَاضحه
" بصي ياسمر انا وانس وبقيت الشله لو فضلتي تتأخري كده مش هنستناكي تاني وبطلي اكل شويه بجد شكلنا بقى وحش اوي واحنا ماشيين معاكي "
تَراجعت " سمر " لِلخلف بِخطوه مُرتبكه ، بَقيت صَامته وَلكن أعيُنها حَكت الكَثير والكَثير ، التَقطت "سمر " حَقيبتها تَتجه نَحو المَدرسه ليَلتقط
" انس " مَرفقها يِديرها نَحوه
" رايحه فين ياسمر استني "
قَلص نَظُره نَحوهم يَخبرهم بِتحذير
"والله اللي مش عاجبه يمشي مع سمر يبقى مايمشيش معايا انا كمان ، وبعدين ياست شيماء لو خايفه على شكلك الوحش ، بصي الاول في المرايه ، انتِ شبه الشمبانزي اصلا ، مع احترامي للشمبانزي طبعًا "
شَهقه فَرت مِن "شيماء" عَلى جُرئة حَديثُه بَينما "أنس" رَحل يَجذب "سمر " مِن مِرفقِها، يَجُرها بِخطواتٍ واسِعَة، كأنَّما يُبعدها عَن أَثَر الكَلمات الَّتي تَلَقتها
لكنَّها تَوقَّفَت فَجأَة، وتَخلَّصَت مِن قَبَضتهِ
"لحد امتى هتفضل تدافع عني كل ما حد يتنمر عليا وعلى تخني"
نَظر إِلَيها، وعلى وَجهِهِ ابتِسامَة صغيرَة أَقرَب إِلى السُّخرية اللطيفَة
"وفين تخنك ده .. انا مش شايف انك تخينه على فكره، وبعدين هما بيعملوا كده عشان غيرانين منك يا عبيطه"
ابتَعدت عَنه خطوَة، وبَدا في مَلامحِها غَصة
"اسكت يا انس هيغيروا مني على ايه، على وزني اللي شويه ومش هعرف امشي بعد كده"
وَقف أَمامَها، وعَيناه تَلمعان بِحَنانٍ لَم تُخطِئه
"يبقى ماتعرفيش قيمة نفسك ولا ايه، يابت انتِ اشطر واحده في المدرسه ودايمًا بتطلعي الاولى، والمدرسين كلها بتحبك وشيماء وغيرها عارفين اخرتهم هتبقى ايه وبكره تقولي انس قال"
اِلتفتَ نَحو الطَّريق، فَإِذا بِعربَة تِين شَوكي تَقتَرب، أَخرَج بَعض النُّقود مِن جَيبه وهو يَبتَسم
"عمو بتاع التين الشوكي جه بدري النهارده، تعالي انا عايزك تروقي بالك، وتهدي اعصابك بتينتين تلاته كده يعدلوا المزاج"
تَنهدت وهي تَبتسِم بِخفة، ولسانها يَمر على شَفتيها رَغبةً في المَذاق
"ايوه كده يلا بينا"
٠
٠
٠
" ســــمـــر "
فَاقت مِن ذِكرياتها الطفوليه عَلى صَوته لُتجيب
"ايوه .."
"انزلي هنكمل الحته دي مشي "
رَفعت رَأْسها نَحو النَافذه فَرأت السَائق يُبدل أطَار السَياره بَعد أَن تَعطل ، نَهضت مُعتذره لِتنزل مِنها
" اسفه ما أخدتش بالي "
تَحركت بِجواره ، تَنظر نَحو الطَريق
" انا مش فاهمه ازاي ما اخدتش بالي ان العربيه الكاوتش بتاعها باظ "
طَالع الطَريق يَمنه وَيساره حَتى وَجدُه خَالٍ تَماماً مِن السَيارات نَظر لَها بِجواره
"عدي الطريق فاضي .. اكيد كنتِ سرحانه في حاجه"
تَجاوزا الطَريق فَقطبت حَاجباها تَستفهم
" نعم .. مش فاهمه "
ابتَسم بِسُخريه يَتجاوزها فَتبعت خَطواته
" مش فاهمه ايه ياسمر بتقولي انك ما اخدتيش بالك ان الكاوتش اتخرم فبقولك اكيد كنتي سرحانه في حاجه او بتفكري في حد ، ايه اللي مش فهماه من كلامي باين عليكي تعبانه بجد "
ثُم عَرض عَليها
" تحبي اوقف تاكسي لحد البيت "
أَجابتهُ وَهي تُطالعه تُشير بِعينيها نَحو الطَريق
" لا خلاص على ايه احنا داخلين على مساكن شل مالهوش لزوم "
أَخرجت كَفاها تَنفث بِهما مِن خَلف الوِشاح مِن كَثرة البَرد وَقد كَان "انس" يَسير بِمحاذاتها ، استَدار نَحوها يَبتسم بِسخريه مِن حَركتها هَذه
" لسه فاكره الحركه دي "
استَدارت "سمر " نَحو الأمام مُستفهمه
" حركة ايه .."
أَشار بِعينيه عَلى كَفيها لِتنظر نَاحيتهما ، تَذكرت حِينما كَانوا صِغاراً فَكانت تِلك الحَركه هِي الوَسيله لِتدفئة كَفيهما وَلكنهُ اضَاف
" بس نسيتي تتفي في بطن ايدك وتدعكيها كويس اوي عشان تدفي اكتر "
" يــــع ، تك الأَرف "
ضَربتهُ بِخفه عَلى كَتفهُ ليَتراجع هُو خَطوه لِلخلف بِبسمه وَاضحه عَلى شِفاه ، لِتتجاوزهُ هَي بِقول
" لا بجد احنا ازاي كنا بنعمل كده واحنا صغيرين ، ايه القرف ده "
تَقدمت بِخطواتها نَحو الأَمام وَحاولت جَاهده أخفَاء ابتِسامتها وَقد كَان خَلفها يَهتف بِسخريه
" طيب والله كانت حركه بدفي فعلا "
وَقفت تُطالعه وَقد انفَرجت اساريرُها ، لِتنسل ضِحكه خَفيفه مِن ثِغرها
" بصراحه اه فعلاً يعني "
ضَحكا الأثنان مَعاً عَلى طِفولتهما سَوياً فَهناك ذِكريات تَجعلك تَتمنى أن يَعود بِك الزَمن لِاعادتها مَره أُخرى
أَنحرفا نَحو الزُقاق الأَيمن حَيث لَمحت بِطرف عَيناها لاَفتة تِلك المَكتبه التَي كَانت تَزورها مِراراً
حِين كَانوا أطفَالاً ، لَكن لِسببٍ مَا قَررت تَجاهل فضُولها الذِي يدفع بِها لِلتحدث عَنها لِتجدُه يَقول وَكأنهُ يَقرأ أَفكارها
" فاكره مكتبة " مكه المكرمه " بتاعت عم حسن الله يرحمه "
لَم تَستطع كَبح ابتِسامتها عَن الابتِسام
" طبعاً فكراها "
قَررت أَن تُسايرهُ بِفتح بَاب الذِكريات حِين قَالت
" فاكر انت لما كان لازم اجيب كراسه مربعات لأبله كريمه بتاعت الرياضه وقولت لماما قالتلي معييش فكه انزلي دلوقتي وهبقى اجيبهالك بكره "
ضَرب بِكفُه عَلى جَبينه بِابتسامه وَاسعه
" يـــاه فكرتيني ، لما قعدتي تعيطي وانا اليوم ده مكانش معايا غير نص جنيه وادتهولك والبنات اللي كانوا في ثانوي وقفوا وقالولك بتعيطي ليه فاكره "
احمرت مَلامحها طَالبه بِرجاء
" بس بقى عشان خاطري ماتفكرنيش "
نَفى وبسرعه
" مافكركيش ازاي ، دول عجبهم خدودك اوي وانتِ كنتي كوتي كده وصغننه وقعدوا يلعبوا في خدودك ويقولولك خلاص ما تعيطيش احنا هنجيبلك الكراسه "
بَلعت مَا فِي حَلقها تَومىء فِي قِلة حِيله
" يـــاه عَلى الأحراج بجد احنا كنا ازاي كده "
خَتم كَلماته يَتحرك نَحو المَكتبه
" طب والله كانت ايام حلوه ، ده غير عم عبد الله بتاع التين الشوكي ، اللي كنا لازم نعمله زياره واحنا رايحين المدرسه "
جَحظت مِقلتيها بِقول
" هو راح فين صح اوعى تقول مات زي عم حسن بتاع المكتبه الله يرحمه "
" لا لا ده عايش بس صحته بقت على قده اوي وابنه ساعات بيقف مكانه على العربيه "
تَكتفت تَنظُر نَحوه نَظره جِديه تُبدل نَظرها نَحو عَيناه رَغبه فِي المَزيد مِن التَوضيح
" انس هو انت لسه بتيجي هنا "
مَنحها ابتسامه واكتَفى بِالصمت وَسلك الطَريق الأيمَن ، حَيثُ الكَثير مِن الأَشجار بِأوراق كَثيفه ، سَار بِمحاذاتها وَقد كَان الطَريق خَالياً وَلحسُن الحَظ وَجدوا أنفسهم أَمام المَدرسه التَّي قَضوا بِها اَيام طفولتهم الجَميله مَدرسه[ ١٥ مايو الابتِدائيه ]
تَوقفت خَطواتها وَتسمرت قَدماها هُناك .. استَدار
" انس " نَحوها وَقد لَمحت عِيناها المُتسعه وَحاجباه اللَذان أرتَفعا وَهو يَقول
" يلا.. "
" يلا فين .."
هَتفت بِصوتٍ مُرتفع فَلم يَكن أَحد هُنا غَيرهُم هُم الأثنَان ، تَراه يَبتعد عَنها يَتسلق جِدار المَدرسه ، لَطمت عَلى وِجنتيها بِدهشه
" انس يخربيتك ، انزل بسرعه حد يشوفنا تبقى مصيبه "
مَد لَها كَف يَده يَترجاها بِعينيه قَبل لِسانه
" عشان خاطري ، انا المدرسه وحشتني اوي ، بذمتك ما وحشتكيش "
ابتَسمت نِصف ابتِسامه وَقد رَفعت كَتفاها وَخفضتهما وَكأن مَا سَتقوله أَضحى مُسلماً
" وحشتني طبعاً "
أَنحنى بِجسدُه عَلى السُور يَمد يَدهُ أكثَر فَأومأَت "سمر" بِأبتسامه تَرفع يَدها لَهُ تُراقب الطَريق بِعينيها بِحذر ليِرفعها هو نَحوه ، قَفز هُو أَولاً عَلى الجَانب الأَخر ، لِيرفع ذَراعيهِ لَها
" يلا ياسمر نطي "
أَعَادت خُصلات شَعرها خَلف أُذنيها بِتوتر
" استنى يا أنس ، المسافه بعيده اوي ، خايفه انط رجلي تتكسر فيها دي "
هَتف يَبث بِداخلها الطَمأنينه
" نطي ماتقلقيش ما انا نطيت ومجراليش حاجه اهوه ، وبعدين ما انا فاتحلك درعاتي همسكك ماتقلقيش "
تَنهدت تَغمض عِينيها وأنحَنت بِجسدها قَليلاً قَبل أَن تَقفز ، لِتجد نَفسها سَقطت بَين ذِراعيه ، لَم يَطل النَظر لَكن ارتِجافة أَنفاسُه فَضحتُه ، وارتَعش قَلبِه لِلحظه ، لَم يَقدر أَن يَخفيها ، كَانت لَحظه لَم يَملُك فِيها الا أَن يَبتسم صَامتًا ، أمَا هَي فَاسرعت تَتدارك مَوقفها ، تَخفي ارتِجافة يَديها ، فَأشاح هُو بِبصرُه وَكأن الأَمر عَابر فابتعد بِخطوه مُرتبكه يَخفي مَا لَم يَجرؤ عَلى البَوح بِه
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
أَغلقت "امنه" البَاب خَلفها تَبتلع رِيقها تَتقدم بِبطء نَحو الدَرج تَهبط بِخطوات بِطيئه فَوق السِلم، رَاحتها تَستند إلىَ الدرَابزين البَارد، بَينما عَقلها لَا يَزال يُردد صَدى كَلماتُه الأَخيره
"لأ… أنا عايز حاجة تانية"
تَوقفت قَدميها عَن النزول ، التَفتت تَنظر لِلأعلى لِتتفاجأ بِه يَقف عِند مَدخل نِهاية الدَرج ، وَقد الجَمها بِنظراتهُ لِتهمس بِداخلها
مَاالذي تِحاول مِقلتاه الفَحميه أخبَاري ؟ مَن هُو هَذا الرَجل ؟ مَلبسهُ الجِلدي الأَسود ، القُفازان الجلديان وَكأنهُم جَزءاً مِن هَيئتُه
"امنه كنتِ فين ..انا دورت عليكي في كل حته مالقتكيش "
أَومأت لِتبتسم فِي رَاحه عِند رؤيَتها لـ "حبيبه" فِالأبتعَاد عَن تِلك الغُرفه وَعنه يُشعرها بِالطمأنيِنه
" انا ، انا كنت بدور على الحمام بس مش عارفه الاوض كتير و.. "
قَاطعتها " حبيبه " تَمسك بِراحة يَدها
" طيب ماقولتليش ليه وانا كنت وديتك "
التَفتت " امنه" نَحو مَدخل نِهايه الدَرج مَره ثَانيه انفَرجت جِفونها تُطالع الفَراغ المُظلم فِي استِكانه حِين لَم تَجدهُ وَكأنهُ لَم يَكُن ، وَقد التَقطت أُذناها صَوت شَقيقها أسفل نِهاية الدَرج يُلوح لَها فِي قَلق لاَحظت " حبيبه " شِرودها حَيثُ نَادتها بِنبره قَلقه
" امنه أنتِ كويسه ، حصل حاجه ضايقتك "
" أَخشى أن أُخبرتُهما بِما حَدث عَن البَارحه وَما حَدث اليَوم بِأن يَظنوا أنِي أختَرع حُجه لِكي لاَ اُساعدهما فِي أتمَام زوَاجهما ، وَأني أُمهد لَهما فِي رَغبتي لِلرحيل وَأنا لاَ أُريد هَذا ، يَجب أن أجبر شَفتاي عَلى الأبتِسام مَهما كَان الأمر يُمزقني فَاليوم هُو أَهم يَوم بِحياتهما"
تَصنعت الأبتسِامه وَنبست بِصوتٍ كَاد يَخرج مِن بَين شَفتيها
" ابداً ماحصلش حاجه ، وبعدين ماينفعش اضايق ابداً وانا شايفه بنوته زي القمر كده قدامي "
لَم تَتصور " امنه " أَن تَكون سَبباً فِي جَعل الأحمر يَتصبغ عَلى وِجنتي " حبيبه " فَابتسامتها حَكت لَها الكَثير كَما لَو أنَها كَانت تَحتاج سَماع كَلاماً كَهذا
" بجد انتِ سكر اوي يا امنه باين علينا هنبقى صحاب ، بس يلا بقى عشان موسى جه من بدري وقاعد في المكتب مع بابا مش عايزينهم يستنونا اكتر من كده "
أَومَأت " أمنه" تَتبعها نَحو المَكتب وَسط الأضواء
والمُوسيقى الصَاخبه ، تَدفع بِشقيقها لِلأمام ، نَقرت
" حبيبه " نَقره والثَانيه ، سَاعدت " أمنه " فِي تَهذيب مَظهر أخِيها تَبتسم لَه لِأناقتُه وَتوتره أَيضًا
بِقول
" ماتقلقش .. ان شاء الله خير "
دَخلت "حبيبه " تَتبعها " أمنه " وَهي تَدفع بِشقيقها
تُطالع والدها بِابتسَامه
" مساء الخير "
التَفت لَهم " موسى " وَرفع رَأْسُه يُحييهم بِنظره قَصيره وابتِسامه وَاسعه
" مساء النور .."
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
"هَتفضل تبصلي كده كتير يا مستر لقمان ولا تحب اقولك ياكابتن "
رَغبت "ليلاس" فِي أضَافة المَزيد لَكنهُ أَلجمها بِوضع يَده عَلى فَمها ، يَشير لِلجميع صَارخًا
" انتوا واقفين بتتفرجوا على ايه كله يرجع لتمرينه "
تَحرك الجَميع عَلى مَضض بَينما هُو جَذبها لِلأسفل
هَزت " ليلاس " رَأسها عَاضه يَدهُ بِقوه لِيطلق تَأوه مُتألمًا لَاعنًا أَياها لِتسبُه هِي
" انت اتجننت .. ازاي تحط ايدك على بوقي وتجرني وراك كده "
طَالعها يَبحر بِمقلتيه بَين ثَنايا وَجهها
" مش أنتِ البت اللي كنتي في المدرسه الانترناشونال بتاعت سانت فاطيما اللي انا مقدم فيها "
تَمتمت هَازه بِرأْسها مُتكتفه
" أيوه انا .. "
مَدت لهُ كَف يَدها لِمصافحتُه بِابتسامه سَاخره
" أحب اعرفك بنفسي انا ليلاس "
لم يُبادلها السَلام بَل طَالع الجِوار بِعينيه لِيجد اعيُن جَميع مَن بِالحاره عَليهم بِسبب مَلابسها القَصيره تِلك
" أنتِ اكيد معاكي عربيه صح ما هو مش معقول هتعدي في الشارع بتاعنا ده ولسه سليمه بلبسك ده "
أَشارة لَه عَلى السِياره بِسبابتها وَما أَن دَخل حَتى سَألها
" أنتِ عايزه ايه ، وعرفتي طريقي ازاي "
تَنهدت وَهي تُقلب بَصرها نَحو عِيناه بَعد أَن أَزَاحت خُصلاتها تَرفع حَاجبيها بِغرور وقَد تَغيرت نَظرتها تَمامًا
" بص يامستر ، انا جايه هنا اقولك كلمتين وامشي
ولو نفذتهم ، مش هيبقى في بينا اي مشاكل بس لو ماتنفذوش صدقني ، هتلاقي المشاكل بتقع فوق راسك من كل حته لدرجة انك مش هتبقى عارف تلمها "
بَلع ريِقه بِتوتر واستَدار نَحوها
" لاء ثانيه واحده كده "
أرعَش كَف يَدهُ عَن قَصد يَشير لَها بَعينيه
" بصي على ايدي كده .. انا خايف "
ابتَسمت بِسخريه فَبادلها بِأخرى مِثلها ثُم اقتَرب مِنها هَامساً لَها بِتحذير
" اسمعي يابت انتِ انا مش فاضي للعب العيال بتاعك ده ياتقولي عايزه ايه ، ياهنزل واسيبك واسيب اهل الحاره كلهم عليكي بلبسك ده "
قَطبت حَاجباها مِن حَديثه ، تُراقب عَيناه وَقد بَان بِهما الصِدق لِتردف
" بابا ونورا جاينلك بكره الصبح عشان يشكروك على اللي عملته معاها ، علشان انقذتها ومخلتهاش تنط ، ومش عايزاك تجيب سيرتي لا انا ولا اللي كانوا معايا وهيعرض عليك كمان انك تقبل انك تبقى مدرس عندنا في المدرسه اتمنى انك ماتوافقش واللي انت عايزه انا هدهولك "
وَمض أَمام عَينه مَاحدث مُنذ يَومين ، حِين كَانت تَحث الفَتاه عَلى القَفز مِن مَبنى سوراً عَالي ، تَنهد بِصبر قَليل وَهو يَخبرها
" طيب وابوكي ماله ييجيلي انا ليه "
أَجابته عَلى مَضض
" علشان نورا تبقى بنت مرات بابا ، وبابا هو اللي مربيها "
أَومأ يَشيح بِبصرُه نَحو البَاب يُتمتم بِنبره يُخاطب بِها نَفسُه
" بنت مرات ابوكي وهو اللي مربيها يعني زي اختك ، ازاي تتمني الموت لاختك بالشكل ده "
انسَلت ضِحكه مُستهتره وَضيقه مِن ثِغرها
" مكانتش هتموت "
تَنهد لِيعدل جَلستُه
" ازاي ، انا لو مكنتش جيت كان زمانها ميته "
" مش شغلك ، انا عارفه انا بقولك ايه ، المهم بابا لما ييجي ماتجيبش سيرتنا انا وزمايلي نهائي وزي ما قولتلك اللي انت عايزه انا هدهولك "
نَبرتها كَانت حَاده وَلكنها بِها بَعض الضَعف أيضًا
جَعد هُو حَاجباه وَقد التَقط ذَلك
" اللي يشوفك دلوقتي مايشوفكيش وانتِ في المدرسه مستقويه على واحده ضعيفه لا حول لها ولا قوه ، انا حتى لو ماقولتش لوالدك اكيد هي هتقوله "
رَفعت رَأسها صَوبه تُحدق بِنظره لاَ مُباليه ..بَارده
" مش شغلك خليك في نفسك وبس "
" طيب اسمعي بقى ، لا انتِ ولا عشره زيك هيخلوني اكذب ، ولو ابوكي جالي لحد هنا انا هقوله على كل حاجه والوظيفه هقبلها عشان نفسي فيها بصراحه ، ومستني اشوفك انتِ وشلة الصيع اللي كانوا معاكي هيعرفوا يعملوا ايه "
أَجفَلت عَلى صَوت أغلاق البَاب وَقد ظَلت عَيناها تُطالع النَافذه الزُجاجيه ، كَان يَبتعد وَجسدُه يَتقلص كُلما زَادت المَسافه وَقصر القُرب
قَبضت هِي عَلى عَجلة القِياده بِقوه تَتوعد لهُ
" هنشوف يامستر .. هنشوف "
.. .. .. .. 🍁. .. .. .. ..
خَرجت السَيده" نعيمة "و"وداد " مِن قَاعة العُرس بَعدما خَبت الأضوَاء وانطَفأت الموسِيقى، وَساد السِكون أرجَاء المَكان
كان الليل قد أرخى سدوله على الشارع الخالي إلا من ضجيج متقطع من بعيد، والهواء يحمل رائحة البخور المختلطة بعطر الزهور الذابلة
توقفتا عند الرصيف تنتظران سيارة أجرة تقلّهما إلى منزليهما، وما زالت بقايا الفرح عالقة في ملامحهما.
التفتت "وداد" إلى "نعيمة" بعد لحظة صمت، وعلى وجهها تردّد ظاهر، وقالت بصوت خافت
"عايزه أسألك سؤال يا نعيمة… بس مترددة شوية."
انطفأت ابتسامة نعيمة ببطء، وحدّقت في صديقتها وقد تغيرت ملامحها
"خير يا وداد، قولي ياختي."
نظرت وداد حولها بارتباك، ثم اقتربت منها وهمست
"ما تأخذنيش يعني… هتفضلي لحد إمتى مخبّية على لقمان إنك مش أمه الحقيقية؟ مش ناوية تقوليله الحقيقة بقى؟"
ارتجف قلب السَيده "نعيمة" ، وشعرت بغصّة تعلو صدرها
ثم رمقتها بنظرة قاسية لم تفهم وداد مغزاها
"أوعي أسمعك تسأليني السؤال ده مرة تانية يا وداد… كفاية اللي حصل في موسى، إنتِ فاهمة؟"
ارتبكت السيده " وداد" من شدّة تلك النظرة التي تحولت في لحظة إلى صرامة مخيفة، فأطرقت سريعًا وقالت
"حاضر… مش هجيب السيرة دي تاني يا نعيمة."
↚
تُكاد السَيده " نعيمه " تُصاب بِتلف فِي الخَلايا الحِسيه لِكثرة التَفكير ، تَجلس شَارده فِي غُرفتها
عَلى الأَريكه تَسند رَأْسها عَلى ذِراعيها تُطالع المَاره بِشرود مِن نَافذتها الخَشبيه ، قَاطع شِرودَها صَوت زَوجها مُخاطبًا أيِاها وَهو يَضع صِينيه الشَاي عَلى الطَاوله وَبِالرغم مِن أَن مِقلتيه تَلمعان فِي قَلق وَاضح إلا أنهُ حَاول تَهدئتِها بِقول
" وحدي الله يانعميه واستهدي بالله كده محصلش حاجه لده كله مكانش سؤال ده سألتهولك وداد "
حَدقت بِه لِبرهه فَأجابتهُ بِنبره غَير مُتزنه
" ياراجل ، هو انا بحكيلك اللي حصل عشان تقولي كلمتينك دول ، انا بقولك عشان تفكر معايا وداد تقصد ايه بسؤالها ده "
أَزداد تَشوشه حِينما أَلقت بِحديثها هَذا ، لَكنه نَفض قَلقه عَنهُ قَائلاً
" والله ولا قصدها اي حاجه ، تلاقيها بتسألك سؤال عادي مش اكتر "
رَفعت الكُوب الىَ شَفتيها ثُم شَهرت بِه فِي ايِماءه
سَريعه
" ايوه .. ايوه افضل دافع انتَ ، ما انتَ هتخسر ايه ما هو لقمان ده يبقى ابنك انتَ مش ابني انا ، لازم تبقى مطمن وحاطط في بطنك بطيخه صيفي ، انما انا يتحرق دمي بقى مش مشكله "
كَتم " نصار " ضِحكته أَثر طَريقتها فِي الحَديث
حَيثُ تَحرك لِيجلس جِوارها عَلى الأَريكه ، لِتشعُر بِيدهُ الدَافئه تُوضع عَلى فَخذها يُحدثها بِصوتٍ دَافىء
" معاش ولا كان اللي يحرق دمك يانعيمه ، بس دي وداد وانتِ أكتر واحده عرفاها ، وبعدين ايه ابنك انتَ دي ، الأم اللي رَبت يانعيمه مش اللي خلفت ورمت وأنتِ ربيتي وتعبتي وسهرتي ، أنتِ أمه حَتى لو مَكانش من بَطنك ، واللي يِقول غِير كِده أَدب صَوابعي جِوه نِن عِنيه "
أَخفض يَدهُ يُطالع جَوف عِيناها ، لَمح تَردداً هُناك
وَكأنها تُريد قَول شَيء ومَا بِداخلها يُعدلها عَن ذَلك
فَأومأ هُو لَها يُشجعها عَلى الحَديث
" خايفه يانصار قلبي واكلني خايفه عيالي يروحوا مني واحد ورا التاني ، موسى أبوه اخدوا من حضني قدام عيني وعرف طريقه عشان غلطه بسيطه خلاه يتسحب من حجري وهو صغير ومابقاش معايا من وقتها ، وانا كنت عامله زي الملكومه اللي بياخدوا منها ابنها ، وماقدرتش افتح بوقي وقتها ، مع اني انا اللي ربيته وسهرت عليه
بس نقول ايه هو برضوا أبوه وماليش سلطه عليه"
تَنهد يُدحرج عِيناه فِي الأَرجاء وَهو مُقطب الحَاجبين
" بس انا نبهت عليكي ، وهو كان لسه حتة لحمه حمرا لما امه جابتهولك قولتلك بلاش يانعيمه ، بلاش تاخديه ، ابوه لو عرف ان عنده ابن مش هيسكت الا لما يلاقيه بس أعمل ايه لدماغك الناشفه ، مابتسمعليش كلمه ابداً"
فُوجَئت بِحديثُه ، لِيُهب نَسيم بَارد عَبر النَافذه يُداعب خُصلات شَعرها ، أَزاحتهُ لِلخلف تَقف أَمامُه وَقد جَحظت مِقلتاها بِقول
" يــاسلام يــاسي نصار يعني عايزني اربي ابن ضرتي اللي اتجوزتها قبلي ، وماربيش ابن اختي "
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
خلاص ياسمر احنا وصلنا
رَفعت رَأْسها لِترى بِأنها بِالقُرب مِن المَنزل بِينما "انس" مَد ذِراعهُ لَها بِحقيبتها التَي كَان يَحملها بَدلاً مِنها يَغمز لَها بِبسمه تَفهم هِي مَغزاها جَيداً
" خللي بالك على دراعك بقى وابقي غيري على الجرح كويس "
هَذا أخر مَا قَالُه لَها بِنبره سَاخره وَهو يَتوجه نَحو مَنزلُه ، أَومأت لهُ بِأبتسامه هَادئه زُينت ثِغرها تَراه يَرحل تَحت نَظراتها لهُ وحِين التَفتت تَصعد الدَرج استَدار هُو وَبقى يُراقبها فِي صَمت حَتى بَلغت بَاب المَنزل ، طَرقت البَاب وَنظرها مُعلق عَلى يَدها شَارده بِها
" سمر "
" وسع ياطه خليني ادخل "
أَومَأ " طه " لَها يَأخُذ حَقيبتها عَنها وَحالما دَخلت حَتى سَألها بِقلقٍ وَاضح بَين ثَنايا وَجهه
" مالك ياسمر مال دراعك "
طَالعتهُ وَهو يَأخذ حَقيبة يَدها مِنها تَوصد البَاب خَلفها
" ماتقلقش ياطه ، ده انا وانا راجعه وقعت على دراعي اتلوى تحتي "
جَاء صَوت السَيدة " وداد" مِن الدَاخل ، يَتقدّمها صَوتها المَرتجف
" وقعتي على دراعك ، وقعتي على دراعك فين ياسمر "
عَيناها كَانت تَنظر نَحوها ، كَما ارتَجف طَرف شَفتيها
" ماتنطقي يابت حصل ايه ، وفين أنس ، ووقعتي فين "
السؤال الذِي كَانت تَنتظرُه فَتقدمت بِخطى وَئيده نَحو شَقيقها لِتجيبُه
" ما بالراحه ياجماعه في ايه ، كل الحكايه واحنا راكبين التاكسي عطل بينا وانا نازله وقعت من التاكسي دراعي اتلوى تحت مني على الرصيف انس خدني على الصيدليه وربطنا دراعي وخلاص خلصت عشان كده اتأخرنا "
أَختطف " طه " نَظره نَحوها ثُم نَحو والدتُه بِتلك النَظره التَي تَرتسم عَلى مَحياه كُلما شَعر بِشيٍء غَريب
" وريني كده الجرح اللي في ايدك ده "
تَوترت لِبرهه وَأرسلت نَظرها نَحو السَاعه الحَائطيه
تُراقب دَقات السَاعه فَوجدت أَنهم عَلى وَشك الدخُول الىَ يَومٍ جَديد
" يــــوه ياطه وهو انا لسه هفك دراعي وبتاع بقولك وقعت عليه يا اخي ، ماتشوفي ابنك ده يا امي"
تَركته وَرحلت تَحت نَاظريه يُطالعها بِشك وَهو يُحادث نَفسُه
" البت دي فيها حاجه "
تَأففت السَيده " وداد " بِحنق لِتعقب بِتساؤل
" هيكون فيها ايه بس ياطه الحمدلله انها جت على قد كده روح نام انت دلوقتي وانا لما يطلع علينا صبح هتكلم معاها "
أحكَمت " سمر " أغلاَق بَاب غُرفتها ، ثم طَالعت نَفسها فِي المِرآه ، ارتَفع ثِغرها فِي ابتِسامه وهي تَشرد بِما أخبرها بِه " أنس" حِين لاَحظ كُل تَفصيله بِها ، وكَم أنَ فُستانها الزَيتي بِحبال تَشتد عَلى الأكتَاف مُطرز بِدانتيل أبيض ڤيكتوري قَد لاَق بِها
وبِثنايا جَسدها ، ظل يُخبرها بِأنه لَطالما لاَق بِها الزَيتي وَكانت أَكثر فَتاه مُلائمه لهُ ، ارتَفع ثِغرها فِي ابتِسامه وَما كَادت أَن تُغير مَلابسِها حَتى سَمعت صَوت الحَاسوب المَحمول الخَاص بِها يَرن
تَقدمت نَحوه مُسرعه حِين عَلمت هوية المُتصل
وَقد كَان خَطيبها " هاشم " فَتحت مُكالمة الڤيديو
وَبدأت بِقول
" هاشم ازيك "
قَلب عَينُه بِنفاذ صَبر وَقد طَالع سَاعة يَدُه
" كل ده في الفرح مع الست امك ياسمر "
أَومَأت بِخفه لِتبتلع رِيقها بِتوتر ثُم رَدت وَهي تُطالعُه بِشىء مِن الخَوف
" اهدى بس ياحبيبي حصل ايه لكل ده "
ضَغط عَلى فَكُه وَكَأنه مَر بِضغطٍ مَهول
" أيه البرود اللي فيكي ده ، أنتِ مش واخده بالك من الساعه ولا ايه ، وبعدين ايه الفستان المقرف اللي انتِ لابساه ده قولتلك الف مره اللون الزيتي عليكي يقرف "
تَحدث بِنبره رَاكده وَقد نَقل نَظره نَحو جَسدها
" أنتِ كسرتي الريچيم ياسمر "
نَفت تَهز رَأسها وَبسرعه
"ل..لاء "
انا حاسس انك رجعتي تتخني تاني ، اوعي تكوني رجعتي تاكلي تاني زي البهيمه "
ارتجفت شَفَتاها، وانحبست دمعتُها على حافَة جَفنٍ مُرهَق، كَمَن يَختبئُ من وَجعٍ قديم اعتاده
رَمق هُو دموعَها التي تَأبى أَن تَنزل ثُم تَنهد يَائسًا
يُخبرها بِنبره هَادئه عَن قَبل
" سمر .. سمر بصيلي "
رَفعت نَظرها تُطالعه بِأهتمام
" انا ممكن تكون طريقتي قاسيه معاكي شويه ، بس انا مش عايزك ترجعي لنقطة الصفر تاني ، احنا ما صدقنا ياحبيبي ، افتكري شكلك كان عامل ازاي وانتِ تخينه الأول والكل كان بيتريق عليكي ومحدش كان بيرضى يصاحبك صح ياسمر "
مَسحت دَمعه سَاخنه نَزلت دُون أن تَسمح لَها تَهز رَأسها بِالموافقه
" صح.."
رَمقها بنظره ثَابته، يَستند بِظهره للخَلف، وصَوتُه يَنساب بِهدوءٍ مَقيت يُلقي حِقيقة لا تُناقَش
"سمر.. قوليلي، لولايا إنتِ كنتي هتعملي إيه"
ارتبكت أَجفانُها وتَحشرجَت أنفاسُها، فَلم تَجد إلا أن تُطأطئ رَأسها هَامسه
"ما.. كنتش هعمل حاجه"
أرخَى كَتفيه ثُم عاود بسُؤالٍ يَحمل ذات النَبره القاطِعة
"كنتي هتفضلي البنت اللي محدش كان بيرضى يبص في وشها في الكليه من كتر تخنها ، مش كده"
ارتجفَت شَفَتاها وأومأت بِأستسلام
"أيوه"
قَطع نَظره عَليها مُتابعًا ببطءٍ مَقصود
"مين كان هيحبك وإنتِ كده؟
مين أصلًا كان هيهتم إنك موجودة؟
مش كنتي ضايعة قبل ما أدخل حياتك؟"
جَرت عَلى عينيها دَمعه أَبت أن تَسقط، حَركت رَأسها في إيماءه
"ايوه كنت.. ضايعه"
مَال للأمام يُطالعُها بثِقه، يَتلاعب بِنبرته بِحنان
"ومين يا سمر ادالك القيمه دي؟
مين خلّى الناس تحترمك ويبصولِك بطريقة غير الأول؟
مين حبك بجد، ووقف جنبك لما الكل كان بيضحك عليكي"
تَعلقت عيناها بهِ، تَسقط في شِراكه، وتَرد كَطفلة تُلقّن جَوابًا حَفِظته
"انت.."
ارتَسمَت على ثَغره ابتسامه خَفيفه، بَعدما انتزع الاعتراف الذي أرادَه، ثُم هَمَس بِحبٍ مُغشوشٍ يَخفي سُموماً كثيرة
"عارفه ليه بعمل كده معاكِ
عشان بحبك، ومش عايزك ترجعي تضيعي تاني"
أشَار لَها بِعينيه عَلى فُستانها بِقول
"قومي يلا اقلعي الفستان المقرف ده وماتلبسيش اللون ده تاني ، واعملي حسابك مافيش اكل من دلوقتي لحد بكره بالليل اتفقنا ياحبيبي "
أَومَات لهُ بِأنصياعٍ كَامل
" اضحكي بقى عشان خاطري "
مَسَحت دَموعَها بكَفّها الصغير، ارْتَسمَت على ثَغرِها ابْتسامةٌ باهتة، كأنّها تُصدّق أنّ كلَّ ما قالَه حَقّ.
أومَأت لهُ بِرضوخٍ صامت، تُخادِع قلبَها بأنّه كان مُحِقًّا، وتُقنِع نفسَها أنّها لولاه ما كان لأَحدٍ أن يراها.
.. .. .. .. 🍁. .. .. .. ..
لَيس كُل مَا يَتمناه المَرء يُدركه هَذا مَا كَان "مصطفى" عَلى يَقين مِنهُ وَهو يُطالع وَالد"حبيبه"
الذِي تَشنفُه بِنظره قَاسيه لِيتجاوزهُ دُون أَن يِوليِه أهتِمامًا قَائلاً
"شايف انك المره دي مش جاي لوحدك يامصطفى"
أَنتقل بِبصرُه الى "أمنه" وَمنحها ابتِسامه
" اهلاً وسهلاً .. اتفضلي اقعدي واقفه ليه "
مَنحها أبتِسامه أُخرى كَأنَما يَنتظر رَدة فِعلها لُتجيب بِأيماءه بَسيطه
" متشكره اوي "
حَركت عَجلات كُرسي شَقيقها أمَامها مُتجهه نَحو الأَريكه ، اقتَرب مِنها " موسى " وَقد صَافح يَدها الرَقيقه
" انا موسى اخو حبيبه "
اختَفت ابتِسامتها وَقد لَمح بَريقًا غَريبًا فِي عيِنيها حيِن لَمس يَديها هَامسه لِنفسها
" لِماذا يُطوقني هَذا الاحسَاس وَكأن كَفي تَعرف كَفهُ أَكثر مِني "
ليِستشعر ارتِجافة أَناملها بَين يَديه لِيفصل هُو المُصافحه ، ارتَبكت هَي لَحظه انسِحاب يَدُه ، وَقد قَطب " موسى" حَاجبيِه فِي استغَراب ، انتَبهت هَي لِأستغرابه لِترد فِي شِبه ابتِسامه
" وانا أمنه .."
أَشار لَها بِكفه لِلجلوس ، لِتجد الخَادمه تَطلب الأذن بِالدخول مِن الخَارج فَتحركت اعيُنهم نَاحية البَاب وَهو يَفتح ، جَرت عَجلة الشَاي أمَامهم لِتوزع عَليهم الأَكواب وانصَرفت بِهدوء
تَلمست " أمنه " القدح وَنظرها مُعلق عَلى زَخارفه
لاَ تَعلم مَاذا تَقول ، رُبما مِن الأفضَل أن تَبقى صَامته لِكي يَتشجع " مصطفى " عَلى الحَديث
ارتَشف " مصطفى " مِن قِدحُه لِيتنهد فِي ثُقل وَكأن ثُقل العَالم كُله هَبط عَلى مَنكبيه
" ياعمي انا عارف ان دي مش اول مره اني اجي
واطلب ايد حبيبه "
بَلل حَلقُه بِأرتباك لِيتكأ عَلى ذِراع الكُرسي
" بس المره دي ، المره دي انا شايف ان الوضع اتغير "
" وايه اللي غيره المره دي يامصطفى "
هَكذا سَأله " سالم " ثُم مَرر " مصطفى " بَصرُه عَلى الجَميع "موسى " و "حبيبه" وَأخيراً " امنه " طَالبًا لِلمساعده مِن تَوسلات عَينيه ، إلى كُل وَجهٍ يُطاله وَقد لاَحظ "موسى" مَدى تَوتره وَهو يُحاول تَفسير مَا بِداخله لِيكمل هُو حَديثه
" ان احنا معاه يا بابا ، وافتكر ان انا وانت اتكلمنا في موضوع مصطفى وحبيبه من شويه واتفقنا على كل حاجه خلاص "
طَالعهُ وَالدهُ بِحاجب مَرفوع وَابتسامه سَاخره
" وعشان انا ماشي على اتفقنا اللي اتفقناه عليه من شويه يا موسى رضيت اقعد معاه ونتكلم "
اخَتفت ابتِسامة "سالم" السَاخره لِيستدير نَحو
" مصطفى" بِملامح حَانقه ثُم أَعقب
" افتكر يا مصطفى ان انا كل مره ما بحاولش حتى اسمعلك ولا اديك فرصه واتفاقي مع موسى بس هو اللي مخليك لسه قاعد قدامي دلوقت "
قَبضت " امنه " عَلى مِقبض القِدح لِشعورها بِالأهانة لِشقيقها
" سُحقًا لَك "
تَمتمت بِها " امنه " بِصوتٍ خَفيض وَهي تَضع القِدح عَلى الطَاوله لِيدير " سالم " جَسدُه نَحوها سَائلاً
" بتقولي حاجه يا انسه "
اخَتطفت عَيناها نَظره سَريعه نَحو " موسى " لِتجده يَبتسم بَسمه جَانبيه ومِن الوَاضح أن أُذنه قَد التَقطت بِما تَفوهت بِه مِن تُرهات أشَاحت بِبصرها عَنهُ ثُم حَاولت أَن تَتماسك مِن أَجل شَقيقها عَلى أَمل أَن يُغير والد " حبيبه " رَأيهُ بِأمر زَواجهما تُتمتم بِداخلها
" هَذا لَيس وَقتي لِأدافع عَن كِبريائي مصطفى لَيس بِخير عَلي أن أَفعل شَيئًا لِأنتشله مِن حُزنه
فَكري يا أمنه فكري "
لِتجد نَفسها تَخبرُه بِعكس مَا تُريد نُطقه
" انا طبعًا مقدره ان حضرتك خايف على حبيبه
ومن حقك تضمنلها مستقبلها واحنا هنا جايين هنا عشان نضمن لحضرتك ده "
أقتَرن حَاجبيه فِي حِيره
" ازاي .. كلميني بالأرقام ..عشان نقدر نتفاهم "
تَحرك نَحو " مصطفى " وَما زال نَظره مِصوباً عَليها
" انتَ يامصطفى راجل ما بتعرفش تقوم من مكانك ..هتحمي بنتي ازاي لو حصلها حاجه "
رَدت "حبيبه" مَذهوله مِما سمعت
"بابا.. ارجوك "
"اخرسي"
اتَاها رَده حَازم يَمنعها عَن الكَلام ، يِوجه بَصره نَاحيته مَره أُخرى
" بلاش دي ، طيب انا بنتي متعوده تعيش عيشه مرفهه ، انت هتوفرلها ده ازاي بعد ما اهل ابوك ضحكوا عليك وخلوك تتنازل عن ورثك"
كَانت أَنفاسُ " مصطفى " المُتسارعه هُو كُل مَا يُمكن لِ "أمنه " سَماعُه بَينما هِي كَانت مَذهوله وَصامته تُحاول أن تَتمسك بِرباطة جَأشها لِأخر لَحظه حَتى لاَ تفسد الزِيجه لِتجد شَقيقها يَتحدث
" انا عارف ان حضرتك مش شايفني اساساً ، شايف اني مابقاش ليا لازمه زي الكرسي المكسور
او حتى زي الشمعه المطفيه لا بتنور ولا ليها لازمه"
تَوقف عَن الحَديث يَطلق ضِحكه شَامته بِنفسه
" بس ده مش بأيدي ، كل اللي حصلي مش بأيدي روح اسأل اللي خلانا نعمل حادثه وخلاني قعيد على كرسي ما بيتحركش وابقى ضعيف مذلول لأهل ابويا ولأي حد "
اتَسعت مِقلتاي " امنه " لِنهاية كَلامُه سؤَاله هَذا كَان كَالصفعه لَها وَكَأنه قَد رَش المَلح عَلى الجَرح فِي دَاخلها
" وكلامك ده بقى اللي ضحكت بي على بنتي عشان تشفق عليك وتحبك "
قَبضت " امنه " عَلى مِقبض القِدح لِتشعر بِشىٍء رَطب يَسيل عَلى وِجنتيها لَكنها مَسحتها بسِرعه خَشيا أَن يَراها أَحد وَتتلقى مِنهم الشَفقه
" استاذ سالم "
تَمتمت فِي تَردد بَينما نَظره لَا يَزال مُصوبًا عَلى "مصطفى " وَكأنه لَم يَسمعها لِتدير جَسدها نَحو شَقيقها وَقد تَشجعت لِتضع يَدها عَلى كَتفه
حِينها طَالعها شَقيقها بِمقلتيه اللتان رَأت بِهم العَجز
وَقد تَضايقت لِرؤيتهُ مَهزومًا ، حَاولت أن تَفصح عَن مَا بِداخلها وَلكنه طَالعها بِنظره رَاجيه أن لاَ تتحدث بِشىء قَد يَفسد الزِيجه
" ارجوكي يا امنه بلاش تضايقيه ، مش عايز الجوازه تبوظ "
مَال عَليها هَامساً بِكلماته الراجِيه ، اطبَقت شَفتاها لِيعود الصَمت مُجدداً هَامسه لِنفسها
"ولكن تبًا ، فهناك غصّة غامضة في أعماقي، تتنازعني لتنفجر، حشدٌ من الكلمات المتراكمة، وأفكار تتدافع بلا انقطاع"
ارتَشفت ما تبقّى في القِدح دُفعة وَاحدة، لَعل مرارتهُ تُخفي ارتبَاكها ، لِتظل تَهمس لِنفسها
" قولي شيئًا...
اصمتي...
تكلمي...
لا تنطقي...
قولي شيئًا
كَأن الكَون بِأسره يَتآمر ليُحثني عَلى الحَديث، بَينما "مصطفى" يُريدني أن اَلوذ بِالصمت، غارقًا في طقوُس حُزنه أمَام هَذا المُتغطرس، جالسًا كتمثال "أبراهام لنكولن" فِي عَرشه الحَجري
هبَت " امنه " واقفة، لِتجد نَفسها تَقول بصوتٍ عالٍ
" حسنًا لاَ استطيِع البَقاء صَامته وَكبح نَفسي عَن الحَديث أَكثر مِن ذَلك ، لذا اعذرني يا "مصطفى" وآسفة لأذنيك سَيد "سالم " اللتان ستسمعان كلامًا كثيرًا باللغه العربيه الفصحى لأنها اللغه الوحيده التي استطيع من خلالها الأفصاح عَما بِداخلي حَتى وأن كَان حَديثي بطول الجرائد الصباحية التي لم ولن تقرأها على الإفطار يَوماً طَالما سَتظل عَقليتك هَكذا ، تُحسبها بِالأرقام فَقط لاَ بِالمشاعر "
اخذت نفسًا بعدما تَحولت الأنظار اليها بِصدمه وَقد بَدت مُرتبكه بَعدما انفَجرت بِهذا الشَكل دُون سَابق أنذَار ، وَقبل أَن يَنطق أَحداً بِحرف استَرسلت
تَستدير نَحو شَقيقها خَشيه أَن يُقاطعها اَحد
" مصطفى ..من الغبي الذي قال لك إنك فقدت قيمتك
الشمعة وإن انطفأت، لا تفقد حقيقتها، فهي تنتظر قبسًا يعيد إليها نورها
والكرسي وإن انكسر، يذكّرنا أن الثبات هشّ، وأن حتى ما نظنه آمن قد يخوننا
أتدري؟ ربما كنتَ أنت الشمعة التي ستضيء قلبًا مظلمًا، والدرس الذي يحمي أحدهم من سقوطٍ أعظم "
" ا..امنه ، اهدي ارجوكي "
كَان هَذا طَلب " مصطفى " لِتصيح " امنه " بِنبره مُرتفعه عَن ذي قَبل
" لا تقاطعني ! "
تَوقفت تُحاول التقَاط أَنفاسها بَينما "سالم" لَم يَطرف بِعينيه حَتى بَل بَقى يُطالعها فِي تَشتت واضطَراب
"وإذا كانت لغتك الوحيدة ياسيد سالم هي الأرقام لا المودّة والرحمة والحب ، فأعلم أن الأرقام بين يديّ أنا أيضًا ، فإن كان أخي قد تنازل عن إرثه، فأنا لم أتنازل، وأرثي كله ما زال قائمًا يَنتظرني فَقط لِلمطالبه بِه وَحين أحصل عَليه سأتنازل عَنه لِأخي بِكل بَساطه هَكذا "
كَانت أَنفاسها المُتسارعه هُو كُل مَا يُمكن لـ "موسى" سَماعُه بَينما هُو كَان مَذهولاً وَصامتًا رُبما لِكثرة كَلامها الذِي القَتهُ عَلى والدهُ كَسيلٍ مِن المَطر ، او رُبما لِأعجابه بِجرأتها تِلك
هَدأت " امنه" بَعدما أطلَقت تِلك الكَلمات أَخيراً ، ثُم جَعذت حَاجبيها بِتقطيبه مُشوشه لِأقترابُ "سالم" مِنها وَسماعه وَهو يَقول
" وهتحصلي على ورثك امتى ان شاء الله ، اديني وقت معين ورقم عشان احدد اذا كنت هوافق على الجوازه دي ولا مش هتيجي من وراها فايده"
اقتَرن حَاجبي " موسى" فِي ضِيق وَفكه مُتصلب وَقد وَقف بِوجهه فَور أَن تَفوه بِطلبُه هَذا
" ده بجد !! انت عايزاها تديك سعر لبنتك هي جوازه ولا شروه ، انا كنت فاكر انك مش موافق علشان خايف عليها وبتحميها ، زي اي اب ، بيخاف على بنته وعلى مصلحتها "
"انا عارف مصلحة بنتي كويس ، مش هتيجي انت وتعرفني "
" بس انتَ عمرك مافكرت في مصلحتها في يوم واللي زيك ما بيهمهوش عياله اللي من صلبه اهم حاجه الفلوس ومصلحتك وبس ، واقف تبيع وتشتري فيها وعايز تقبض سعرها "
طَالعهُ " سالم " وَقد بَدا القَلق وَاضحًا عَليه
" موسى خللي بالك على كلامك وافتكر انك بتكلم ابوك "
دَعك " موسى" صِدغيه مِن عَاصفة الأَفكار التَي بَعثرت أثَاث عَقله تَحدث دُون أَن يَعي عَواقب حَديثُه يَضغط عَلى فَكُه الذيِ كَاد أَن يُكسر مِن شِدة الضَغط
" ودي المصيبه اللي مش عارف اخلص منها ، انت لعنه وحطت علينا كلنا "
"موسى ، كفايه "
لَم يَهتم لِطلب شَقيقتُه بَل تقدّم "موسى" نحوه بخطواتٍ بَطيئه فتراجع "والده" خطوةً وقد احتل القَلق مَلامحُه
" أي حركة متهوره منك لو طلعت ياموسى ، أنت عارف مين اول واحد هيتأذي ، لو عايزها تبات في قبرها النهارده اتحرك خطوه تانيه ياموسى "
نَقر "موسى" صَدر "والده" بحدّةٍ فِيما تَتسارع أَنفاسُه
" دايمًا بتهددني بيها ، هي الكارت الكسبان اللي كل ماتخسر تطلعه عشان تقش بي من جديد ، لو مكانتش هي موجوده كنت زماني اخدت حبيبه ومشيت من زمان ، بس قبل ما امشي كنت دفنتك هنا وانت واقف "
كَانت "حبيبة" تَشد بِِيدها ذِراعه في محاولةٍ يَائسة لجرّه إلىَ الوَراء
" موسى عشان خاطري أهدى ، ماتتهورش ، ماتقولش كلام تخلينا نندم عليه بعدين انت عارف هو ممكن يعمل معانا انا وانت ايه ويقدر يأذينا فيها ازاي "
لَم تَعي " حبييه " عَلى نَبرتها التِي أَضحت أَكثر انكِساراً وَلا عِباراتها التِي أتَخذت طَريقًا لعُنقها حَتى وَجهها أَضحى مُحمراً
التَفت اليِها "موسى" والأدرينالين يَزيد مِن هَيجان عَاصفتُه خَشيه عَليها ، لِيحاول كَبت غَضبُه يُطالعها بِنظرات هَادئه وَكانت هَي تَتطلع مِنه أن يَحميها كَما يَفعل دَومًا
لَم تَهدأ إلا عَلى يَداه اليُمنى التَي أَضحت تِطوقها كَأنها الغَريقه وَهو حَبل النَجاه ، يطبع قُبله عَلى جَبهتها بِحنان قَائلاً
" ماتخافيش ياحبيبه انا هديت خلاص "
ابتَسمت " امنه " عَلى علاقة الشقِيقان وَطريقة مُعاملته لشَقيقتهُ الصُغرى كَيف لَه أن يَرسم بَسمه مُزيفه بِهذه البَراعه ليِشعرها فَقط بِالأمان
اتجَه نَاحية البَاب لِيَهم بِالخروج وَما أن وَضع كَف يَدُه عَلى المِقبض جَاء صَوت " والدُه" مِن الخَلف وَهو يَقول
" اعمل حسابك لو مانفذتش اتفاقنا اللي اتفقنا عليه مافيش جواز حتى لو امنه رجعت ورثها "
اَخذ " موسى " نَفساً عَميقٍ صَافعاً البَاب خَلفُه ، بَينما
" حبيبه " وَقفت تَتسائل بِداخلها عَن اتفَاقهما مَعاً
ثُم تَحدث "سالم " يِوجه حَديثه لـ "امنه"
" قدامك شهر ، لو معرفتيش ترجعي ورثك وتكتبيه كله باسم مصطفى ، وقتها مش عايز اشوف وش اخوكي هنا تاني واعرفي ان حبيبه هيتكتب كتابها على غيره ، المقابله انتهت "
رَحل "سالم" بِخطواتٍ بطيئة، يَخلّف وَراءه صمتًا أشَد وقعًا مِن كلماتُه، صمتًا يَشبه اليَقين بِالفقد.
.. .. .. .. 🍁. .. .. .. ..
السَقف ..عَينا " حبيبه" تَرمش بِوهن مُنذ سَاعتين نَحوه ، مُستلقيه عَلى السِرير ويَداها عَلى احشائها ، لاَ تَفعل شَيئاً سِوى التَفكير وَمشاهدة السَقف بِنقوشاته المُزخرفه ، تُحاول أبعَاد تِلك الأفكَار المُوحشه وَمنعها مِن التَسلل الىَ عَقلها ، شَددت بِيديها عَلى الغِطاء لِتحشُر رَأسها فِي الوِسَاده تَتقلب يُمنه ويَسارها دُون جَدوى
" موسى "
أَجابها وَهو يَقترب مِنها بِجلوسه عَلى طَرف السِرير
" لسه منمتيش ياحبيبه "
"مش جايلي نوم .. مش عارفه انام بعد اللي حصل من ابوك النهارده في الحفله ، انا خايفه اوي ياموسى"
كَانت نَبرتها تَحمل أَسَى وَخوف حَقيقي ، لِيعقب بَعدها بِتنهيدة تَعب
" كده تخافي وانا معاكي "
"بس انا مش خايفه على نفسي انا خايفه عليك انتَ ، ياترى ايه الطلب المره دي اللي طلبه منك ياموسى علشان يوافق على جوازي من مصطفى "
لَمح دِموعها السَاخنه عَلى وِجنتيها لِتعقب
"ياترى هتعمله ايه تاني عشان نتقي شره المره دي مش كفايه اخر مره "
شَهقاتها تَأذيه وَدموعها تَحرقُه ، ابتَسم بِعينين اكتَسبت دِفئًا خَاصًا مَليئاً بِخليط المَاضي وَعبير الطفوُله وَعبق الحُب النَظيف ، يَمسح دِموعها مِن عَلى وِجنتيها بِرفق
" هــــــوش ، ماتفكريش في اي حاجه ياحبيبه "
اعتَدل بِجلستُه وأسنَد ظَهره لِلخلف لِتتنحى هَي جَانبًا حَتى يَأخذ رَاحتُه بِالجلوس ، رَفع يَدهُ اليُمنى يطوقها اليِه ، لَقد كَان يَحكم عِناقها وَكأنها سَتتسرب مِن بَين يَديه
" فاكره ياحبيبه واحنا صغيرين اليوم اللي كنا فيه في اسكندريه واخونا هارون الله يرحمه كان معانا وامي كانت لسه على طبيعتها ومكانتش زي دلوقتي "
أَومَأت بِرأسها دَلاله عَلى تَذكرُه وَهتف هُو
"امنا وقتها ندهت على هارون عشان تديله السندوتشات وهو طلع من المايه وسابك ورحلها وانا كنت يادوب قاعد على الشط مابعرفش اعوم وبخاف من المايه اوي اخري ابلل رجلي مش اكتر"
ابتَسمت بِأتساع لِتضرب صَدرُه بِخفه ويُمناه تُكفف دمُوعها
" ايوه يابارد ، وانا كنت بقعد اقولك ما تسبنيش مع هارون الله يرحمه لوحدي ، عشان بيقعد يغرقني ويرش عليا مايه كتير "
طَالعها بِنظرات هَادئه وَهي مَازالت بِداخل أَحضانُه
" اليوم ده عمره ما هيتمسح من قلبي كنت مضطر اسيبك معاه ، كنت بخاف ، بس كانت عيني عليكي
فَجأه الموج خَطفك مِن عيني ، كُنتِ بتتخبطي في المايه وهارون كَان طلع عشان يفطر وكنا الصبح بدري ومكانش في ناس كتير لسه نزلت الشط ، لما شوفتك بتغرقي قلبي كان بيغرق معاكي وقتها عقلي اتشل ، ونزلت المايه زي المجنون كل اللي شايفه ايدك وانتِ بتغرقي قدامي ، مسكت إيدك، والموج شدّنا لتحت، بس والله حسّيت ساعتها إن الموت وهو ماسك إيدك أهون عليا من الحياة من غيرك ، معرفش وقتها طلعتك ازاي ولا هو ايه اللي حصل ، وازاي ايدي بقت تتحرك وتعوم ، ممكن لو كنت لوحدي وانتِ مش معايا كنت غرقت ، ومن لحظتها عرفت انا ايه اللي خلاني اقاوم واطبش في المايه واعوم واعمل كل اللي اقدر عليه عشان تعيشي ياحبيبه ، ووقتها بقيت عارف إنك مش أختي وبس، إنتِ عمري كله طول ما أنا عايش... إيدك في إيدي، والموج لو قام علينا ألف مرّة... أنا اللي أغرق، وإنتِ تطلعي"
لَم تَعي عَلى يَدها التي أَضحت تِطوقهُ أَكثر كَأنها كَأس عَلى وَشك الأنكِسار وَهو يُحاول جَاهداً عَدم إفلاتُه
" ايوه يا موسى بس اللي انتَ قولته ده خلاني اعيط اكتر "
تَحدثت بِتذمُر تُقرب مَعصمُه مِن أنفَها تَمسح دِموعها بِكمُه ، انتَشل مِعصمُه مِن يَدها ، فَكمُه لَيس مِلكيه عَامه حَتى يَستقبل هَذا الكَم مِن القَذاره وَمُخاط الأَنف يَهتف مُشمئزاً
" انتِ يابت مقرفه زي أنس ، حد قالك ان كمي كان مناديل بيتكم "
ابتَسمت بِاتساع وَقد بَان عَلى تَقاسيمها الرِضا
" ما انا مش لاقيه مناديل ياموسى ، واسكت بقى شويه خليني انام "
مَالت تَستند بِرأسها عَلى صَدره ، يَتسلل اليِها حَنانهُ بِدفء ، كَان بِالنسبه لَها سَنداً لاَ يَميل ، اشتَد عِناقُه ليُحرك يَدهُ عَلى رَأسها وَكم كَان هَذا مُهدأ لَها ، لاَ أحد يَدرك أنَها تَهدأ عِند العَبث بِشعرها سِوى "موسى " فَهو مَرهم لَها مِن نوعٍ خَاص
مَالت تَستند بِرأسها عَلى صَدره ، يَتسلل اليِها حَنانهُ بِدفء ، كَان بِالنسبه لَها سَنداً لاَ يَميل ، اشتَد عِناقُه ليُحرك يَدهُ عَلى رَأسها وَكم كَان هَذا مُهدأ لَها ، لاَ أحد يَدرك أنَها تَهدأ عِند العَبث بِشعرها سِوى "موسى " فَهو مَرهم لَها مِن نوعٍ خَاص
انتَظر هِو حَتى تَأكد مِن أنهَا قَد غَاصت بِنومٍ عَميق
انسَحب مِن جِوارها كَظل يَتوارى يَغلق البَاب خَلفُه بِحذر ، هَبط الدَرج مُسرعًا يَرتدي سُترته السَوداء لَكن خَطواته ارتَطمت بِجسد "روز" زَوجة أَبيه مُترنحه تَحت وَطأة الشَراب تَتشبث بِطرابزين الدَرج ، تَجاهلها يَخطو نَاحية اليَسار لِتخطو مَعهُ قَائله بِتقطع
" موسى ، ايه ده اخيراً ظهرت "
القَت بِجسدها عَليِه ، تَطوق رَقبتُه بذِراعيها
"كده ما تقطعش معايا كيكة عيد ميلادي "
أشَاح بَوجهه عَنها، يَفك قَبضتها بِبرود، وَزفرة مُختنقة بالاشمِئزاز تَسللت مِن صدرُه مَع رَائحة فَمها
" ابعدي عن طريقي ياروز احسنلك ، وبلاش تعملي حركاتك دي عليا ، أنتِ لو شربتي المحيط مش هتسكري ، اللي زيك زي التعالب تنام بعين وتصحى بالتانيه "
وَقفت مُستقيمه رَافعه حَاجبيها بَعدما تَغيرت نَظرتها بِنظره أُخرى
" انت بتعمل معايا كده ليه ياموسى "
تَركها يَخبرها وَهو يَهبط الدَرج بِنبره عَاليه
" علشان انا مش هو ، ومشكلتك انك عايزاني ابقى نسخه منه "
أخبَرتُه وَهي تَراه يَفتح بَاب القَصر بِصوتٍ بَان بِه عَصبيتها
" كده، طيب ياموسى ، لو انتَ فعلاً مش زيه يبقى مش هتعرف تنفذ اللي ابوك طلبه منك ، وارهنك هتنفذه "
ازدَادت الحِده بِنبرتها
" وكله عشان خاطر عيون حبيبه والست امك اللي مش معبراك ، وبتكرهك عارف يعني ايه بتكرهك "
صَفَع "موسى" البَاب خَلفه بِقوه عِند نِهاية حَديثها يُفرغ ما تَبقّى في صَدره مِن صَبر، وانحَدَر بخُطوات مُتسارعة نَحو دَرّاجته ، لم يَكن يَعرف إلى أَين يُقيدُه الطّريق، كُل ما أَراده أن يَبتعد
وَأن يَخلع عن صَدره ثِقَل ذَلك المكان الّذي يَضيق عَليه كَقفص ضَاق بِأجنحة طَائر
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
يا ليتني أملك من العمر بقية تكفيني لأردَّ لمصطفى شيئًا مما فقد ، لكن أيّام المرء تُساق كما تُساق الريحُ بين أطراف الغيم، وأنا على يقين أن ما تبقّى لي أقل مما مضى
أفكّر كثيرًا لمن أتركه؟
مَن سيمد له يدًا حين تنوء به وحدته؟
لم تَأتي يا "آمنة" منذ أعوامٍ طوال، وما زلت أرجو أن تعودي إليه، لأنه بلاكي غريبٌ في دنياه، وأنا بِحُكم سِني سُأغادر قبله فَهذه هي سُنة الحَياه ليبقى هو بلا سند، يتيمًا مرتين .. مرة في موت والداه، ومرة في غيابك
أَمنه يا ابنتي، لستِ تدركين كم يحتاج إليكِ، ولا تعلمين أن قلبه الضعيف يتكأ عليك كما يتكأ الأعمى على عكازه
سامحيني إن خطَّ قلمي ما لم يجرؤ لساني على قوله، لكنني رجلٌ أنهكته السنين، وأدرك أن الحروف آخر ما تبقّى لي من الحياة، وما تبقى لي غَير هَذا الحبر أقاوم بِه الفَناء"
أَغلق " جِد مُصطفى " دَفترُه الأَصفر القَديم الذِي قَد دَون فِيه كَلماتُه حَالما سَمع صَوت طَرق عَلى البَاب حَيثُ استَقام مِن عَلى الكُرسي يَخفي دَفترُه وَهو يَتوجه لِفتحُه
" اسف ياجدي اني صحيتك من نومك ، بس الظاهر اني نسيت اخد معايا مفتاحي "
قَابل " الجد " اعتِذارت " مصطفى " بِرقرقه فِي عِينيه حِينَ رَأى " أمنه " تَدفع عَجلات شَقيقها لِلدخول ، ابتَسمت " امنه" نَحوه لِيطرف عَينهُ
لِيفَاجأها بِمُعانقته لَها تَشد عَليها بِقوه
" امنه ، حبيبتي انتِ جيتي من السفر امتى "
أَشَار "الجد" بِسُبابتُه خَلفه بِيدٍ مُرتعشه
" انا ، انا كنت لسه بكتبلك جواب عشان ترجعي من غربتك وتبقي مع مصطفى "
اجتَاح " امنه" الاستِغراب لَحديثُه وَلضمها هَكذا وَكأنهُ لَم يَراها مُنذ أَعوام عَلى الرَغم مِن غِيابهُا عَنه فَقط بِضع سَاعات ، فَصل " الجِد " العِناق يَبحث بِعينيه خَلفها
" امنه فين شنطك ، انتِ مش ناويه تقعدي معانا "
أَطلق " مصطفى " تَنهيده مُستاءه يُحرك عَجلاتُه نَاحية الدَرج لِيخرج عُلبة الدَواء مِن دَاخلها نَابسًا
" جدي انتَ اخدت الدوا بتاعك النهارده "
ابتِسامة " الجد " تَلاشت حَالما خَتم " مُصطفى " كَلماتُه لِيدرك أنهُ قَد نَسي أمر حَفيدتهُ وَانها هُنا بِالفعل
" تعالى معايا ياجدي "
امسَكت " امنه " بيِدهُ ليَتكأ عَليها ، تَوجهت نَاحية غُرفته تَغلق البَاب خَلفها تُساعده فِي الأستلقَاء عَلى السرير ثُم أتَت لهُ بِكوب مِن المَاء البَارد
" اتفضل ياجدي الدوا بتاعك "
رَفع بِمقلتِيه نَحوها وَقد بَدا مُتردداً وَحائراً ، لِتكمل كَلماتها
" لازم تاخد الدوا ياجدو علشان تبقى احسن "
أَومأ فِي ابتِسامه لِينصاع لَها ، يتَناول مِن يِديها حَبة الدَواء بِأصابع مُرتجفه ، لِتناوله بَعض المَاء
طَالع القَلق فِي عِينيها لِيُربت عَلى مَنكبيها بِقول
" ماتقلقيش انا مش ناسي الوعد اللي وعدتك بي
انا هاخدك معايا بكره المكتبه بتاعتي ونفتحها وتقري فيها زي ما انتِ عايزه ، مش هقولك لاء
الناس اصلها مابقيتش تقرا زي زمان "
شِبه ابتِسامه ظَهرت عَلى شَفتيها مُجبره ، والدمُوع تَملىء مِقلتيها ، تَجبرهما عَلى عَدم النِزول ، تَدثر
"الجِد " دَاخل فِراشُه
" ارتاح دلوقتي ياجدو ، انت تعبان ، بكره ان شاء الله هنعمل اللي انت عايزه "
انتَظرت بِجواره حَتى أغمَض عِيناه ثُم اتَكأت عَلى طَرف السِرير تَغوص بِمقلتيها بِين ثَنايا وَجهه هَامسه لِنفسها
" يا الله ، كيف مضي العمر بِجدي هَكذا
يُسقط عَقله ما حمله من صورٍ وصوتٍ وروائح، كما لو أنّ ذاكرته تُعاني نزيفًا لا يتوقف
أول لحظة خفق فيها القلب عند رؤية أحفاده أو أوّل انبهار بضوء العالم وألوانه، أو حتى وقع المطر على النوافذ ، كيف يمحى كل هذا من ذكرياتُه
أيعني خفوت العقل موت القلب؟ وهل الغياب عن التذكر خيانة للحياة ذاتها؟
غياب الذاكرة موتٌ يتسلل بلا نعشٍ ولا قبر
لكنه موتٌ بطيء، يجعلنا نشعر أن كلّ ما عشناه لم يكن يومًا لنا
كيف يمكن ان ينسى جدي يوماً ما اسمي او ملامحي ، أو الطَريق الى مَكتبته التي لَطالما قرأ لَنا بِها ، ذلك ليس مجرّد نسيان، إنما اقتلاع للجذور
أليس هذا أقسى ما يُبتلى به إنسان ، أن يخسر كلّ الألوان التي كان يراها في الحياة، أن يتحوّل كيانه إلى ورقةٍ باهتة لا ظلّ لها
نَهضت " امنه" لِتراه قَد نَام بِالفعل . أَغلقت البَاب خَلفها مِتوجهه نَاحية غُرفتها أَلقت بحَقيبة يَدها بِعَشوائيه لِينزلق مَا بِداخلها عَلى الأَرضيه ، شَردت أثناء تَغيير مَلابسها بَين زَحمة أفكَارها لِتتكأ عَلى المَنضده بِجانب النَافذه تَنظر لِلخارج وَلا تَعلم كَيف وَقع نَظرها عَلى موتور يَتحرك بِسرعه كَبيره عَلى الطريق
" أ .. ايه اللي ممكن اقدمهولك قصاد أنك ترجعلي سواري ، لو عايز فلوس انا ممكن اتصرفلك و "
" انا عايز حاجه تانيه قصاده "
" حاجه تانيه "
هَززت رَأسها تَطرد تِلك الذِكرى مِن عَقلها هَاتفه لِنفسها
"لِماذا خُفاش السوُء هَذا يَأتي وَيحشُر نَفسُه فِي عَقلي كَالجرثومه ، لِماذا يَأتي وَيقتحم ذَاكرتي "
لَامست مِعصمها بِيدها الأُخرى تَبتسم بِهدوء
" لابد أنني أَفتقد لِسواري فَبفقدانه كَأنني أفقَد أُمي لِلمره الثَانيه "
شَيء مَا نَقر عَلى زُجاج نَافذتها ، جَعلها تَرجع رَأسها نَحوه لِتجد طَائر اليَمام يَحمل بَين مُنقاره قَشه صَغيره وَقد اتَخذ مِن سُور نَافذتها بَيتٍ لهُ ، ابتَسمت وارتَفعت تَعتدل فِي جَلستها وَثنيت رُكبتاها تَتكأ عَليهما وَقد فَتحت النَافذه عَلى مِصرعيها
أَخرجت رَأسها وَيداها تُداعب رَأس الطَائر الذِي يَحتمي بِها
"رائع هُناك مَن يَحتمي بي فِي هذا العالم "
ابتَسمت تُحادث الطَائر بِنبره هَادئه وَأناملها تَمسح عَلى رَأسه بِبطىء ، لِيقع بَصرها عَلى جَارها الذي يَشعل لِفافة تَبغُه لِتجبرها ذَاكرتها عَلى تَذكر مَا تَتعمد نِسيانُه
" بس انتَ ماقولتش ايه الحاجه التانيه اللي انت عايزاها عشان ترجعلي السوار بتاعي "
أنهَت حَديثها ثُم استَقام لِيتجَاوزها وَقد أَخرج قِداحتُه الفِضيه تِلك ثُم اقتَرب مِن النَافذه يَسدل سَتائرها
" قبل ما اقولك ، حطي في بالك انك لو عرفتي اللي انا عايزه هتنفذيه ، وهعتبرك شريكه واللعبه دي مافيهاش تراجع "
تَحدثت هَي بِنبره خَافته مُستهتره
"شريكه معاك !! انا مش فاهمه ، في ايه بالظبط"
مَع نِهاية سُؤالها لَمحت لَمعه حَاده تَطوي عَن الكَثير بِالأستمتَاع بِعينيه ، أَدركت هَي بَعدها أَن حَديثُهم هَذا سَيكون مُفخخًا بِالألغاز لِذا تَراجعت هَي بِقول
" ولو قولتلك اني خَلاص مش عايزه اعرف "
اعتَدل أَكثر وَقد دَس كَفيه فِي جَيب سِرواله ليُخرج السِوار يَقبض عَليه بَين أَناملُه لِيُكمل وَقد غَير نَظرتُه بِنظره أُخرى
" اعرفي ان السوار بقى ملكي "
تَعالت أَنفاسُها وَطالع هُو عَيناها التِي تَتأرجح بَينه وبَين السِوار فَتحدثت بِنبره هَادئه وَهي تَقضم شَفتيها
" ايوه بس انت كده بتستغل الفرصه "
أعَاد السِوار الىَ دَاخل جَيبه فَأخذ يَفتح قِداحتُه وَيغلقها ولاَ يَزال يَنظُر لَها بِنظرُه مِن تَحت رُموشه الغُرابيه
" وِهي الحياه ايه غير فرص وشوية اختيارات زي بالظبط لعبة الشطرنج واللي يرفض يحرك قطعه هو نفسه بيتحول لقطعه غيره يحركها "
قَطبت مَا بَين حَاجبيها بِأستغرَاب ، ليومَأ هُو بِرأسُه يُكتف سَاعديه بِهدوء ليُعقب
" لكن انا هديكي الاختيار عايزه تبقي مجرد قطعه ولا تبقي انتِ اللي بتلعبي وعشان ابقى عادل معاكي حق الاختلاف هيبقى دايماً مُباح "
اقتَربت مِنهُ وَقد عَقدت يَداها خَلف ظَهرها حَتى تَوقفت قِبالتهُ هَامسه بِداخلها
"هل يمنحني اختيارًا حقًّا... أم يتركني أتوهّم أني أختار "
دفع هُو بِثقله لِيصبح أَمامها فَظهر فَرق الطُول الذِي بَينهُم لَم تَكن قَصيره وَلكنه ُ كَان أطول مِنها يَديه لاَ تَزال مُتكتفه يَرتدي قِناعه وقفازيه الجلديين
"ماذا يقصد بكلمة حق الاختلاف دائمًا سيكون مباح ، هل أراد بها طمأنتي، أم كان يزرع في داخلي بذرة شك جديدة
هل يعني أنّه سيتقبّل اعوجاج آرائي كما هي، أم أنه سيُعيد تشكيلها على هواه حتى يخيّل إليّ أنني مختلفة، بينما أنا أسيرة اختياراته
لا ، لا عَلي الخروج مِن هُنا .. عَليّا الابتِعاد ..
لَكن خَطواته سَبقتها حِين اتَكأ على البَاب يُكتف سَاعديه يُطالعها بِنظرات مُتجمده تَتحدث لُغة الفِراغ لِتهمس بِداخلها
لماذا لا يمد يده بالسوار كما لو أنه لا يزن شيئًا
لا أحد يدرك أن هذا السوار ليس مجرد معدن يلمع... بل هو ذاكرتي، حياتي المختصرة في حلقة صغيرة ، ألا يعلم أنني أتنفّس فيه ملامح من رحلوا ، إنه آخر خيط يربطني بمن غابوا، أنفاسي تخرج منه وتعود إليه، كأنني أستنشق أرواحهم عَبرُه
بِالتأكيد قرأ قيمة السوار في عيني... واكتفى بأن يتركني أغرق في عجزٍ يعرفه"
" هتفضلي ساكته كده كتير "
سَأجاريه وأُغافله لِأخرج مِن هُنا وَكم اتمَنى أن أخرُج وَمعي سِواري
" بتقول ان حق الاختلاف دايماً مُباح ، لو اختلفت معاك هتتقبل اختلافي "
" الاختلاف هيبقى مسموح بأفعالك اللي دايماً هتبقى مربوطه بخطواتي انا "
" أهو يَظنُ أنني رُقعه فِي لعبتُه ، إنّه يهبني اللغة ويأخذ الفعل أيُّ عدلٍ هذا ؟
وإذا صرتُ شريكةً في شروطه، أأكون قد اشتريتُ السِّوار... أم بعته
ومن ذا الذي يربح لعبة كهذه إلّا مَن اخترع قواعدها "
تَحرك نَحوها ليُِتابع وَقد انحَنى صَوبها لِيصبح طولَها بِطوله
" ودلوقتي من غير تفكير كتير ، ايه قرارك ؟ "
رَجفه سَرت عَلى طول ذِراعها فابتلعت رِيقها بِأضطراب مِن نَبرتهُ تِلك ، لِتجد نَفسها تَخبرُه بِصوتٍ مُتردد
"وانا ماقدرش اني اوافق ادخل .. ادخل لعبه انا مش فاهمه قواعدها ، وادي لواحد معرفهوش حق التصرف فيا "
اقتَرب بِخطواته المُتباطئه نَحوها وَمع كُل خَطوه خَطاها كَان خَافقها يَفقد تَوازن نَبضاتُه حَتى تَوقف عَلى مَقربه شَديده مِنها فَأضحى هَمسُه يَصم الأُذن
" يبقى كده انتِ اختارتي وده الاختيار الوحيد اللي هنفذه "
حَبست أَنفاسها دَاخل رِئتيها لِتراهُ يَبتعد عَنها شَيئًا فَشيئاً ، وبين شدّ القلب وعناد العقل، انهَزم الصَمت، فَخرج مِنها الهَمسٌ
"استنى... أنا موافقة"
وَعند هَذه النُقطه قَد ارتَخت خَفقاتها فَهذا اليَوم مِن السَنه كَان عَلى غَير البَاقي
دَفعت رِيحٍ قَويه بِخصُلاتها القَاتمه مِما جَعلها تَفوق مِن شُرودها وَتهَفتت قَطرات المَطر عَلى يَديها وَمازالت أناملها تَمسح عَلى رَأسُ الطَائر بِبطىء ابتَسمت تُحادثهُ بِنبره هَادئه
" ايه رأيك تدخل اوضتي لحد ما المطره تقف .."
سَحبتُه مِن النَافذه بَين كَفيها وَأغلقت السَتائر رَفعت نَظرها نَحو السَاعه الحَائطيه حَيثُ بَندول السَاعه يُسابق الزَمن وَقد حَلت الثانيه صَباحاً بِالفعل
رفرف الطائر بجناحيه ليتملّص من قبضتها، يدور في أرجاء الغرفة بارتباك، فابتسمت وهي تلاحقه ببهجة عابرة، حتى تعثّرت قدماها بثنايا السجاد. انحنت تجمع ما تناثر من حقيبتها أسفل السرير، لكن عينيها وقعتا على ورقة سوداء مطوية بعنايه
مدّت يدها تسحب الورقة السوداء، وما إن انكشفت لها ملامحها المطويّة حتى عرفت هذا الشكل من قبل...
انهُ ذَاتُه ، رأته بين أصابعه وهو يحوّل الورقة العادية إلى تنّين بجناحين قصيرين
انعقد ما بين حاجبيها في حيرة وَهي تَتساءل
"كيف وصلت هذه الورقة إلى هنا؟ ومن أين تسلّلت بين مقتنياتي الصغيرة؟"
اعتَدلت بِجلستها وَهي تتفحّص الطيّات قَائله
"أهي صدفة أن أجد وَرقتُه هُنا ، أم أن الصدف لا مكان لها حين يكون هو اللاعب "
جَلست عَلى طَرف الفِراش تُفتش بَين طَيات الورق رُبما تَجد مِنهُ رِساله او شَيٍء مَا لَكنها لَم تَجد سِوا مُجرد نُقط صَغيره لَم تَفهم معناَها ، لِتزداد اسئلتها
"أي دلالة يُخفيها هذا التنين الورقي؟ وما الذي أراده حين دسّه بين مقتنياتي... أهو اللعبة الذي اراد ان العبها معُه ام انه رساله لا استطيع فك شفراتها بعد "
.. .. .. .. 🍁. .. .. .. ..
وَقف " نوح " يَدس اي شَىء فِي فَمُه يُقابله فِي المَطبخ لِيمنعُه " أنس " نَابسًا
" استنى يابني ما تطفحش دلوقتي هعملكم شوية مكرونه بالجمبري هتاكل صوابعك وراها "
طالعُه " نوح " ولَم يَتوقف عَن المَضغ قَائلاً
" الله اكبر ، ليه هي نجاح بطلع في الروح ولا ايه "
ابتَسم " أنس " يَلتفت نَاحية صَنبور المِياه
" ياشيخ حرام عليك ماتسيب الوليه في حالها "
دَندن "أنس" بنغمةٍ لا يدريها، والابتِسامة تلوّن مَلامِحُه ، أخرَج القَدر ووضعُه عَلى النَار وَكل شَيء حَوله يَرقُص عَلى إيِقاع مزاجهُ الرائَق ، تَحولت الدَندنه الىَ صَفير بِلحن لِعبد الحليم حَافظ
"بكره وبعده .. اللي وعدني هيوفي بوعده " أثنَى جَسدُه يَبحث بَين الأرفُف عَن كِيس البَاستا وَجسدُه يَتمايل مَع النَغمه التِي يَصدرها بِفمُه ، شَعر بِيدٍ وِضعت عَلى مَنكبيه مِن خَلفُه ، ارتَبك الصَفير وَتوقف وجاءه الصَوت مِن خَلفُه
" روح يابني ربنا يروق بالك دايمًا "
التَفت الأثنَان سَريعًا الىَ والدهُما الحَج " نصار " ليِتوقف " نوح " عَن ابتِلاع الطَعام ، ضَم " نصار "
مَا بَين حَاجبيه قَائلاً
" ليه يابني كده ليه وقفت اكل ، كمل اكلك يابني "
ابتَلع "نوح" مَا في جَوفه نَافيًا
" لا ياحج مافيش انا كنت بدوق بس .. عشان ده اكل بكره ..."
ابتَسم " نصار " بِحنان عَلى رَده ويُحذره
" ياواد انا مش نعيمه عشان تقولي كده ، كُل اللي انتَ عايزُه وانا بُكره هجيب تاني ، بس اوعى توقف اكل كده تاني بسرعه واللقمه بعد الشر تقف في زورك "
هَتف " أنس " بِلهجه سَاخره وَهو يَشير عَلى شَقيقه
" يقف في زوره ايه بس ياحج ، دي اللقمه ما بتعديش على البلعوم حته ده بيبلع ما بيمضغش "
" لا ياض عسل ، يخربيت الخفه "
هَكذا نَطق "أنس " وَهو يَقترب مِن والدهُ سَاخراً
" بس ايه اللي مصحيك لحد دلوقتي ياحج ، هي نعيمه مسهراك ولا ايه "
ابتَسم لهُ عَلى حَديِثه لِتملأ التَجاعيد حَول مِحجريه نَافيًا
" لا ، مسهراني ايه دي نايمه في سابع نومه انا بس قومت ادخل الحمام مش اكتر وبالمره اشوف ناقص قد ايه على الفجر "
انتَبه " نصار " الى " أنس " يَتفحص مَلامحُه
"بسم الله ما شاء الله .. قولي وشّك منوّر كده وشايفك بتطبخ ببال رايق "
ابتَلع " انس " رِيقه قَائلاً
" ابداً ياحج مافيش مبسوط بس شويه "
"الله يريح بالك ويشرح صدرك ، وأشوف الضحكة دي منوّرة دايمًا وشّك "
هَكذا دعا " نصار " لِأبنه وَهو يَرحل ، فأوقَفه
" انس " بِقول
" استنى ياحج رايح فين ، مش هتاكل معانا ده انا هعملكم بقى مكرونه اسباجتي بالجمبري منقيهم جمبريايه ، جمبريايه بس ايه تستاهل بوقك والله"
أَشار " نصار " عَلى مِعدتُه قَائلاً
" لا ما خلاص انا مابقيتش اقدر اكل بالليل انا لو اكلت بالليل الاكل يطبق على نفسي وافضل انهج ومعرفش انام ، كلوا انتوا بألف هنا وشفا اوعوا بس تنسوا تصحوا ادم عشان ياكل معاكم "
التَفت " نصار " يَبتعد عَنهم نَابساً
" يلا اما اروح اريح جنب نعيمه بقى تصبحوا على خير "
التَفت " نوح " الى شَقيقه بَعد مُغادرة والدُه يَشير اليِه بِالشوكه التيِ بَين أناملُه
" قولي بقى من ساعة ما جيت من الفرح وانت وش امك بيضحك لوحده حصل ايه "
هَز " نوح " رَأسُه اليِه بَاسمًا لِيُعقب
" هي سمر كانت هناك ولا ايه "
طالعهُ "انس" وَهو يُقطع الطَماطم بِحاجبان مُنعقدان
" هتموت وتعرف انت "
اتَجه " نوح " لِيشعل النَار فَوق المَوقد مِتوجهًا نَحو الخَزائن
" والله ولا هموت ولا حاجه ، انت اللي هتموت وتحكي وعينك باينه اهيه "
أَومأ لهُ " أنس " لِيتكىء عَلى طَاولة التَحضير يَنتظرُه أن يُكمل
" من الاخر كده روحت فرح ام محمد يلا مع امك "
قَطب " نوح " حَاجبِيه سَائلاً
" ام محمد مين "
" يسطا ام محمد بطيخه يسطا اللي ساكنه على اول الشارع جنب مقلة الواد اشرف لِبه"
ضَرب " نوح " عَلى جَبينُه
" ايوه ، ايوه افتكرت ام محمد بطيخه اخو نوران الجامده "
طَالعهُ " انس " وَاردف
" أيــــوه ، هي دي عقبال عيالك كده ،فرحها كان النهارده "
أشَار " انس " بِكفه مِن خَلفه
" هات بصلايه من وراك كده وقشرها"
اسَتدار " نوح " يَلتقط حَبة مِن البَصل يَقشرها بِتنهيده
" يابخت الجامد اللي اخدها "
" ياعم عيب ياعم اعتبرها امك ياعم "
هَكذا أخبرهُ " أنس " ليغَمز " نوح " لهُ يَشير بِيديه بِحركه دَائريه
" يــاريــت تبقى امي وانا اكره .. المهم سيبك كمل وبعدين "
" المهم يلا دخلت الفرح انا وامك لاقيتلك سمر كانت مخنوقه وبتاع وقاعده زهقانه وهتموت وتروح البيت ، راح العبدلله طلع السوبر مان اللي جواه وقال انا هروحها "
رَفع " نوح " زُجاجة الميَاه يَرتشف مِنها القَليل مِن المَاء وَهو يَقول
" روحتها على فين يسطا طلعتوا على اقرب شقه ولا ايه "
سَألُه ليِنظر لهُ " أنس " نَظره مُتهكمه بَعدما سَبُه نَابساً
" ايه يسطا ..اللي بتقولوا ده يسطا .. في ايه .. هي هَوت منك ولا ايه ، انت فاكرها من الشمال اللي تعرفهم "
أَومَأ " نوح " ليُكمل تَقطيع البَصل دمُوعه بَدأت تَهطل بِسبب مَادة الكَبريت فِيها
" يسطا فكك ماقصدش ، بس كُر يلا أم الشريط وسِفه ارحم فضول اخوك التعبان أخدتها فين "
غَمز " أنس " بِطرف عِينيه بِبسمه وَاسعه
" أخدتها المدرسه .."
.. .. .. .. 🍁. . .. .. .. ..
أَعوذُ بِالّٰله مِن الشَيطَان الرَچيم
بِسم اللّٰه الرَحمٰن الرَحيم
هَكذا شَهقت السَيده " نعيمه " حِين استَيقظت مِن نَومها ، تَضع يَدها عَلى قَلبها مِن كَثرة ضَرباتُه طَالعها " نصار " بِنظرات مُستاءه لِتبتلع هَي غَاصتها
" مالك يا ام لقمان خير ، شوفتي كابوس ولا ايه "
فَتحت السَيده " نعيمه " شَفتاها رَاغبه فِي الحَديث
وَلكنها لَم تَقل سِوا
" مـــــوســــى .. "
نَهضت والتَوتر بَدأ يَضرب عَلى مِعدتها ، تَبحث بِعينيها عَن حِجابها ، أَردف "نصار" يُحاول ايقافها لَكنها نَظرت نَحو بَاب غُرفتها قَائله بِصوتٍ هَادىء
" موسى جه يانصار ، انا طلعاله فوق السطوح ، حساه مش بخير "
ابتَسم بِسخريه يَتجاوزها فَتبعت هَي خَطواته وَحاورها يَتحدث بِنبره مُستفهمه
" يانعيمه عرفتي منين بس انه جه وكمان فوق السطوح موسى لو كان جه كان زمانه مع العيال بره دلوقتي "
تَمتمت وَكأنها أضحَت مِلوله مِن حَديثُه
" كل مره بتقول كده وبطلع انا الصح ، موسى ده ابني وانا الوحيده اللي بحس بي مافيش غيري "
ابتَعد عَنها يَعود بِأدراجُه نَحو فِراشُه لِتستَغل الوَضع تَتحرك نَحو الخَارج تَغلق البَاب خَلفها لِيسخر هو مِنها قَائلاً
" لما تدوري عليه وماتلاقيهوش اوبقي تعالي سايبلك مكان جنبي "
قَضمت شَفتاها صَافعه البَاب خَلفها لِتصعد الدَرج بِحذر حَتى صَعدت الى السِطوح ، فأختفى الدفء مِن جَسدها واحتَل البَرد القَارص أطرَافها وأَناملها التي أضحَت مُحمره ، تَبحث عَنُه بِعينيها ، فِي كُل رُكن فيه ..
تنَهدت ، وَفي صَدرها ارتِجاف صَغير كَاد يَفضح خَيبة إحسَاسها
التَفتت نَحو البَاب رَغبه فِي النِزول ، وَقبل أن تَعود أَدراجها جَفلت لِصوت سقوطٍ خَفيف مِن الأعلّى
رفَعت رَأسها، وابتِسامة هَاربة سَبقت كَلماتها
"أنا برضه بقول إحساسي ما يخيبش أبداً "
رفعت بَصرها، فوجدته فوق الغيّة، يَطل عَليها بِضحكه ردّ علّى ابتِسامتها
"حسّيتي بأيه يانعيمه المره دي "
تَقدّمت نَحو السِلم الخَشبي، مَدت يَدها بتردّد، ثُم سَحبتها خَوفًا مِن الخَشب نَفسه يَفضح ثُقلها
هزّت رأسَها بمرارةٍ دَافئة
" بيك ياروح نعيمه ، وانزل بقى هنتكلم وانت فوق كده "
ضَربت بِكف يِدها الأَخر
" مش عارفه انا ايه غيتك في الاماكن العاليه دي
تفضل تتنطط فوقيها زي النسناسه اللي في جنينه انيسه ، فاكرها ياولا لما كنت بوديك هناك زمان وتفضل تبص عالنسناس لما كان بيتنقل من شجره لشجره ، وتبقى هتموت وتنط زيه "
" انتِ ما بتنسيش أبداً ، ايه رأيك بقى ان النسناسه دي سبب اساسي خلاني احب الباركور كده "
زَفر " موسى " تَحت أَنفاسُه فِي رَاحه لِيرخي قَبضتُه وَهو يَهبط مِن الغِيه بِقفزاتُه المُعتاده لِتردف هَي بِقلق
"باركور ايه وزفت ايه بلا خيبه ، لما تتقطم رقبتك بعد الشر هبقى اعمل ايه انا وقتها "
طَالعتُه بِقلق وَهو مَازال يَقفز الى الأَسفل
" بالراحه ، بالراحه لا تقع "
وَقف أَمامها يَبتسم ابتِسامه دَافئه
" مايقع الا الشاطر يا نعناعه .."
فَتحت السَيده " نعيمه " ذِراعيها وَهو يَقترب مِنها ليِعانقها جَانبيًا ، تَحدثت مُغمضة العِينين تَستمتع بِسلامُه بِقربها
" مالك يانن عين امك ، فيك ايه "
هُو أَفلت يَدها ، حَاول التَظاهر بِأنهُ بِخير وانهُ لَيس مُستاءاً لَكن يَبدو أن السَيده " نعيمه " تُجيد الكَشف عَليه كَما يَكشف الطَبيب عَلى جِروح مَرضاه
" هتخبي عليا برضوا ، ايه اللي جابك في نص الليل ياموسى تقعد في وسط غية الحمام غير ان اكيد قلبك مليان زي ما كان بيحصل زمان "
تَنهيده ثَقيله حَاده غَادرت ثِغر " موسى " فَمسح بِأبهامه بَين حَاجبيِه وَتحدث
" مافيش ياامي ، مافيش ، حسيت بس اني محتاج اكون هنا ركبت المكنه ومعرفش جيت ازاي
اول ما جيت حسيت اني بقيت مرتاح، ماتشغليش بالك بيا "
تَعرف دُون شَك، أنَ كَلمات قلبُه لَن تَرى النُور أبدَاً، مَهما حَاولت أن تَقترب مِن صَمتُه، تَقف عَاجزة أمَام صَخرة مَجهولاته الدَاخلية ، لِذا عَادت إلىَ طَريقتها القَديمة، التي زَرعتها فِي قَلبُه مُنذ صِغره، حِين كَانت تَبتكر ألف وَسيلة لِتخرج مِنهُ مَا يَرفض لِسانه نُطقه
" الـلـــه ، شايف القطه ، اللي قدامك دي ياموسى "
قَطب " موسى " حَاجبيه يَقترب مِن السور ، لِترفع السَيده"نَعيمه " سُبابتها تَشير عَلى السَطح مُقابلها
" اهيه يابني اللي على سطح ام ابراهيم اللي قدامنا "
أَومأ وَنظرُه مِصوب نَحو الصَندوق فَوق سِور خَشبي مُتهالك
"من أول ما ولدت صغارها، عرفت القطة إن حياتها اتقلبت ، نومها بقى أقل، وأكلتها توفرها لعيالها ، وكل تفكيرها بقى في دفى صغارها وأمانهم
تبص عليهم كل شوية، تعدهم واحد واحد، خايفة يزحلق واحد منهم أو يتوه وهي مش واخدة بالها
ولما الجو يعكّر أو المطر ينزل ، تاخدهم في حضنها ، وتخبيهم من أي شر
هَزز رَأسُه لِترخي السَيده " نعيمه " بِجزعها عَلى السور تُكمل مُسترسله
"وبعدين ييجي اليوم اللي قلبها يتشقلب
اليوم اللي لازم تخلي صغارها يجربوا العالم، يجروا ويلعبوا بعيد عنها لأول مرة
تقعد تبص عليهم من بعيد، عينها عليهم ، قلبها بيبقى مليان فرح وخوف مع بعض، وهي عارفة إن جناحها مش هيفضل الحماية الوحيدة ليهم
ساعتها لازم قلبها يبقى صخرة، ما يتهزش بدمعة ولا برجفة، رغم إن كل خلية فيها عايزة تخليهم جمبها "
لِلحظه خَاطفه تَجمعت طَبقه زُجاجيه عَلى عَيناها
ثُم نَبست
"عارف ياموسى دي بتبقى أصعب لحظة تمر على أي أم...
اللحظة اللي العيال فيها لازم يواجهوا الدنيا لوحدهم، من غير حضنها اللي كان كل الدنيا بالنسبة ليهم
يَعلم دُون شَك لِماذا قَصت لهُ قِصة القِطه ، فَهي تَحمل عَلى عَاتقها ذَنب مَا يَحملُه
قَبض حَاجبيه لِسقوط دَمعتها عَلى وِجنتيها ، الوُجوم جَعل مَلامحها تَبدو ذَابله لِلغايه وَهي تَهتف
" انا وامك زي ما انت عارف توأم كنا دايمًا سوا بس هي كانت عكسي في كل حاجه ، انا كنت برضا بالقليل بس هي مكانتش بترضا وناقمه دايماً على حياتنا ، كان دايمًا نفسها تعيش عيشه غير عيشة اهلها ، كان جدك الحج "نعمان" اللي هو ابويا لي صاحب اسمه الشيخ "غنيم" وطبعاً انت عارف كويس مين الشيخ غنيم
تردّد " موسى" فِي مَسح دَمعتها، ثُم حَسم الأَمر بيدٍ حَنونة وَصوتٍ نَافد الصَبر..."
" عارف يانعناعه ، عارف جدي الشيخ غنيم ابو ابويا كويس وعارف برضوا كل اللي هتقوليه لأنك حكتهولي قبل كده اكتر من مية مره وحافظ كل كلمه هتقوليها فمالوش لازمه الكلام اللي هتقوليه تاني ووجع القلب "
قَابلت كَلماتُه بِأصراراً قَاطع
" لاء .. هتسمعه للمره الالف كمان ياموسى ، لحد اما اشوف نظرة اللوم في عنيك دي من ناحيتي تروح خالص وتعرف اني ماليش ذنب في كل اللي حصل انت فاهمني ياموسى "
أومَأ "موسى" بِرأسه إيماءةً ثَقيلة، لا تَحمل مِن الصِدق إلا قشورًا وَاهية ، كَان صَمته أشبَه بِرداءٍ يَتدثّر بِه، يَخفي خَلفُه تَحفظاً لا يُريد أن يَفضحه، وكأنّه يَرضيها بِالموافَقة البَكماء
" قولي يانعناعه ماله جدي ابو ابويا "
" وقفت لحد فين انا نستني ياموسى .. اه .. اه افتكرت
المهم جدك الشيخ غنيم ده كان عايش في سينا بس بالرغم من كده كان هو وابويا دايمًا مع بعض في كل حاجه ودايمًا كنا بنروح نزوره وهو كان ييجي يزورنا كنا وقتها لسه عايشين في اسكندريه ، بس ياخساره رغم طيبة الشيخ "غنيم" كان عنده ابن منغص عليه عيشته وموريله المرار الطافح وصدق اللي قال .."
تَنهدت بِحزن جَامح لِترفع مِقلتاها نَحوه
" يخلق من ضهر العالم فاسد ، بس الشيخ غنيم كان صابر عليه ده مهما كان ابنه الوحيد ، كان دايمًا ييجي يحكي لابويا قد ايه سالم ابنه مبهدله معاه وكل شويه يطلعه من الاقسام ولأنه شيخ ولي هيبته في سينا الظباط كانوا بيحترموه وبيعملوله حساب في الحاجات الصغيره الغلط اللي ابنه كان بيعملها ، بس سالم ابنه ماتعظش بالعكس بقى بيتمادى اكتر وبقى بيشتغل صبي
مع بتوع السلاح شويه ، والمخدرات شويه حتى التهريب ماسابهوش ، ومره واحده الشيخ غنيم مالقهوش ومابقاش سالم ابنه يسأل على الشيخ غنيم .. سنه في التانيه لحد ما بقاش يعرفله طريق
في الوقت ده ابويا الحج نعمان الله يرحمه عمل حادثه مره واحده ومات ، وامي مكانتش عارفه تصرف علينا ازاي ، والشيخ غنيم وقتها طلب منها
ان احنا نروح نعيش عنده في سينا وهو هيقوم بمصاريفنا ونبقى تحت عنيه وحمايته وحصل كده فعلاً ، بقيت ارعى الغنم معاه وكانت نازلي أمك ماترضاش ابداً وتقول انها نفسها تطلع من اللي احنا فيه بأي طريقه ، مع انها كانت حياه هاديه وجميله ويعلم ربي قد ايه انا كنت سعيده فيها
وكبرنا تحت جناح الشيخ نعمان لحد ما امي توفاها الله وقتها كان عندي ١٩ سنه تقريبًا
الشيخ غنيم مارضاش يخلينا نعيش في دار لحالنا وصمم اننا نعيش معاه في داره وهو راجل كبير عايش لوحده وروحنا وعيشنا معاه ، وبقيت انا ونازلي تحت العيون متشافين ، بس نازلي غيري ، نازلي كانت شايفه نفسها حبتين تهتم بلبسها وبشكلها اوي غيري خالص ، كان كل ما يجيلها عريس على قد حاله كانت ترفضه عشان دايمًا كانت بتقول انها عايزه العريس الغني اللي ينتشلها من اللي هي فيه ، وفي يوم لقينا عربيات سودا فخمه متفيمه وقفت قدام بيت الشيخ غنيم ونزل منها سالم ابنه
على قد فرحة الشيخ غنيم برجوع ابنه على قد ما قلبه اتقبض .. منين الغنى ده كله وبودي جاردات ماشيه وراه والوشم مدقوق على ايديه ، القلوب اتقبضت من شكله ما بقاش مننا بس هيئته بهرت نازلي وشافت في العريس اللي بتتمناه وتحلم تعيش معاه
يقوم بقى ايه سالم ابوك يشوفها وتعجبه ، والشيخ غنيم اللي هو جدك قاطع ابوك لما عرف مصدر فلوسه منين ، مع انه كان دايماً بيدعيله بالهدايه ، بس للأسف لقاه مش بس بقى مجرد صبي لاء ده بقى كمان معلم كبير في التهريب ومشغل تحت ايده صبيان
ابوك سالم اضايق ان الشيخ غنيم مارضاش يستقبله ولا يروح معاه في القصر بتاعه وقاله انه هيفضل عايش لحد ما يسترنا ، والشيخ غنيم فَضل انه يربينا انا واختي بالحلال
سالم ابوك مشي غضبان ، عمري ما هنسى اليوم ده ابداً كان عامل زي الشيطان وعمري ما هنساه وهو قاعد بره في الصاله لما قاله
" انتَ بتفضل بنتين مش من صلبك على اللي من دمك "
جدك وقتها قاله ان البنتين دول انضف منه ومن اللي بيعمله وانه لقى فينا العوض عنه ، سالم معجبهوش الكلام وزي ما يكون اخد كلامه واتحداه بي ، وبقى يقرب من نازلي اكتر ويقابلها من وراه ، انا لما عرفت نصحتها كتير بس كانت دايمًا مابتقبلش مني اي نصيحه ، لحد ما ضحك عليها وغواها وهربت من بيت الشيخ غنيم وكسرت قلبه وقلبي بهروبها ، لما راحتله واتجوزها وراحت عاشت في القصر اللي في القاهره ، لبست زي ما اتمنت وأكلت وشربت وعاشت العيشه اللي بتتمناها لحد اما ابوك زهق منها وبان على حقيقته
وبقى بيضربها كل يوم ويحبسها وكان يتلذذ اوي لما يلاقيها رايحه تشتكي لابوه وهي مضروبة زي ما يكون بينتقم من ابوه فيها ، الشيخ غنيم حاول يطلقها منه كتير لما رجعت ندمانه بس ماعرفش
كان سالم بييجي ياخدها ويجرجرها من شعرها قدام جدك ، وجدك كان يقف قدامه بس هو طلبها في بيت الطاعه ، ويأذيها اكتر عشان عارف ومتأكد انه كل ما يأذيها هيأذي أبوه فيها ودي كانت متعته
وانا وقتها كنت اتجوزت " نصار " كان يعرف الشيخ غنيم وشافني هناك وعجبته ولاقيته بيتقدملي واتجوزت في دار جنب دار الشيخ غنيم
وقتها كان معايا لقمان كان عنده ييجي سنه وقتها
كانت نازلي تيجي تبكي لينا بالساعات وتصعب على الكل
لحد ما ابوك اتمسك في قضيه وهرب بره مصر وسابها حمدنا ربنا انه اخيراً بعدها عنه وقولنا تبدأ حياتها من جديد بس الظاهر ان مافيش فايده ، لاقيت نفسها حامل في نفس الشهر اللي ابوك هرب فيه ، الشيخ نعمان قال انه العيل ده هديه من ربنا وانه هيربيه بس سالم في ناس بلغوه ان مراته حامل ويوم ولادتها ولدت في بيت الشيخ غنيم
وانا كنت بولدها لاقينا في ستات دخلوا علينا وخطفوا الواد من حضنها ، بقينا مش مصدقين اللي بيحصل البيت اتقلب والشيخ غنيم بقى يمرح
وراهم رمح ، ولاقيت امك بتصرخ من تاني ولاقيت المولى عز وجل بيكرمها بالتاني وطلعتوا اتنين توأم ، اخدتك بين ضلوعي وقطعت حبلك السري بأيدي ، وبعدها بأيام سالم بعت لامك انها لو عايزه تربي ابنها هيعرف يوصلها
الشيخ غنيم خبى على الكل ان نازلي جابت توأم علشان سالم مايعرفش ونازلي اديتك ليا وقالتلي انك معايا هتعيش نضيف ، وانها لازم تسافر عشان تقدر تحافظ على ابنها التاني من بطش ابوه واللي هيربي عليه ، وابوك كان حاطط عيون كتير على بيت الشيخ غنيم اخدتك انت ولقمان ونصار رجع بلده اللي هي السويس وفضلنا عايشين فيها
نازلي وصتني اني ماجيش ابداً سينا ولا اخطيها برجلي وجينا هنا واستخبينا من ابوك علشان ما يعرفش انه لي ابن تاني السنين عدت وانت بقيت تكبر قدامي انا اللي سميتك بأسم موسى وانا اللي ربيتك
فضلنا هنا ١١ سنه حياتنا كانت هاديه وبسيطه
لحد ما جه اليوم اللي جاتلي في رساله ان الشيخ غنيم تعبان ولازماً اجيله عشان عايز يشوف حفيده وبالرغم من ان الشيخ غنيم منبه عليا اني مهما يحصل مارجعش سينا ، ونازلي واخده عليا عهد اني ماخطيهاش مره تانيه الا من غبائي صدقت وروحت بيك ياموسى ، ورجالة سالم شافوا الشبه اللي بينك وبين هارون اخوك انتوا فوله واتقسمت نصين
وبلغوا سالم باللي شافوه وعرف انه عنده توأم
وقتها الحكم كان اتحكم فيه وخلى حد من صبيانخ يشيل الليله ويرجع مصر تاني وبقى بيهددني بعيالي لحد .. لحد
لَم يَستطع رُؤيتها تَكبت شَهقاتها وَهو واقَف يُشاهد
بَتر حَديثها
" نعيمه ، بلاش نتكلم في الموضوع ده اللي حصل ده كان مكتوب أنتِ مالكيش اي ذنب فيه ، سواء وادتيني لجدي او لاء ده كان قدري "
وَكأن " موسى " قَد اقتَلع جُزئه مِن دَاخل والدتُه ، حِين تَركها تَنزف لِذلك الضِلع المَفقود ، زَاد نَحيبها وَهي تَهتف
" لاء ، انا السبب ان ابوك يعرف ان لي ابن امك نبهت عليا اول ما ولدتك ، مكنتش بتكلمني غير كل فين وفين عشان تطمن عليك ، لو مكنتش بغبائي روحت مكانش رجالته شافوك ، كنت زمانك عايش عيشه طبيعيه ، كنت هتعيش نضيف ، مكنتش هتبقى مذلول لي كده ، انا السبب ياموسى
انا السبب"
هُو رَبت بِيدهُ عَلى ظَهرها ، يَضمها اليِه بِحنان ، لِتغمض عَيناها عَل مَدمعها يَجف
" ياريت البكى كان بيرجع اللي فات يا امي ، كنا فضلنا نبكي عمرنا كله ، بس كل حاجه بتحصل ربك لي حكمه فيها ، وانا لما رجعت عرفت حكمة ربنا "
هَمهمت لهُ لِتنبس
" تقصد حبيبه اختك "
أَومَأ يُربت عَلى مَنكبيها بِحنان وَهو يَردف
" بالظبط لو مكنتش انا رجعت كانت هتعيش ازاي وسطهم ، انتِ عارفه كويس بابا وهارون الله يرحمه كانوا بيعاملوها ازاي ، دي كانت زمنها قتلت نفسها وقتلت كل اللي في البيت ياشيخه "
أَردف سَاخراً جُملته الأَخيره دُفعه وَاحده لِيلمح طَيف ابتِسامتها ، فَصل " موسى " العِناق حِين شَم رَائحة الطَعام القَادمه مِن الأَسفل وَأنفُه لَم يَخطىء
حَيث لَمح " لُقمان " يَتخطى عَتبة السَطح وَبيدُه أطبَاق الطَعام وَكذلك بَقية أَشقائه وَالأبتِسامه تُكاد تُمزق وَجهه حِين رَأه
" اه، انا قولت برضوا السطح نور ليه"
ابتَسم " موسى " ليِقترب مِن "لقمان " يَضمه الى أحضَانه
" ده بس عشان انتوا طلعتوا عليه "
وَحالما أَنزل " أنس " طَبقه عَلى الأَرضيه اجتَاحت
رَائحة المعكرونه بِالروبيَان ، والبُهارات ثِقوب أنفُه
" الله ، ايه الريحه الحلوه دي ، هات ياعم هات "
ابتَسمت السَيده " نعيمه " تَشير لِأنس بِأصبعها
" واد يا ادم هات الكبرتايه من ورا العشه عشان نقعد عليها "
"يلا ، يلا كله يقعد بسرعه قبل ما الواد نوح يخلص على الطبقه كلها "
↚
" امنه .. "
استَدارت نَحوه تَضع الوَرقه بِداخل جَيبها بِارتباك
" مالك يابنتي ، حصل حاجه وانتِ جوه المكتبه
ضايقتك"
تَحركت لِلداخل ليِتبعها " الجد" بِخطواتُه وَعيونه المُستفسره لَها حَتى تَوقفت
" انا .. انا اصل ياجدي مش.. مش مصدقه اني لاقيت عندك كتاب القهوه السوداء لأجاثا كريستي ، من فرحتي طلعت بره المكتبه مره واحده مش عارفه طلعت ليه "
"حسنًا .. فأنا الأَن أُريِد أَن أَصفَع نَفسي دَاخليًا لِتأتأتي أَمَامُه .. لا أريِده أن يَشُك بِأي شَىء تَجاهي"
ابتَسم لَها وَاستَدار نَحو مَكتبُه وَأخذت هي مَقعداً لَها أمَامُه لِيمَرر لَها قِدح حَليب الكَاكاو السَاخن
" انا عارف انك بتحبي شاي الزيزفون زي والدك الله يرحمه ، بس للاسف من ساعة ما مشيتي وانا مابقيتش اجيب منه ، بس اوعدك من هنا ورايح هيبقى عندي دايمًا في المكتبه وفي البيت كمان "
ارتَفع ثِغرها فِي شِبه ابتِسامه لِتجيب
" يـــاه ياجدو معقوله لسه فاكر انا افتكرتك نسيت زي ما نسيت كل ... "
سُحقاً .. لقد اندفعت الكلمات من قعر فمي دون إذني
مَاذا قُلت أنا تَبًا لَكِ أمنه ، تَباً لكِ
تَدحرجت مِقلتيه السَوداء نَحوها نَابساً بِبسمه مُتفهمًا
" هو لحد دلوقتي فاكر مش عارف بقى بعد كده لما الايام تعدي هبقى فاكر ولا لاء بس كل اللي اعرفه انك لسه زي ما أنتِ ، ماتغيرتيش ابداً يا امنه ، لسه لحد دلوقتي بتعشقي كتابات أجاثا كريستي "
ضَحكت وَهي تَومأ لهُ وَحالما أَرادت الأرتِشاف مِن قَدحها تَوقفت لِما قالُه
" بس انا معنديش كتاب القهوه السوداء ، ده كتاب نادر جداً ، حاولت اجيبه بس ماقدرتش "
حَسنًا .. لقَد بَدأت مِعدتي تؤلِمني حَقًا
" مَ.. مُحال ! هَل يُعقل "
لاَ بُد أنهُ نَسي أمرهُ تَمامًا ، كَما نَسي أمر عَودتي مِن السَفر لَيلة البَارحه
أَردفت " أمنه " مِن بَين ضَحكاتها حَتى ظَهر صَف أسنَانها
" اكيد ياجدو كنت جايبُه وناسيه ، انا حتى هقوم اجيبهولك دلوقت "
ارتَدى نَظارتُه الطبِيه وَسط عَقده لِحاجبيه مُشيراً
" هاتهولي .."
تَحركت نَحو قِسم الجَريمه والعِقاب وَتتبعها هِو بِخطواته ، لِتفتش كُل رُكن بِه ، هُنا وَهناك وَكأنُه قَد تَبخر كَما يَتبخر المَاء ، طَالعت "امنه" عَيناه
لِـ " جدها " بِأستغراب تُؤكد لهُ
" جدو ، الكتاب .. اقسم لك ان الكتاب كان هنا "
أَشارت بِيدها عَلى الرَف مُردفه
" انا حطاه بأيـد "
"مَهلاً .. لا .. حِين وجدت الوَرقه المطويه عَلى شَكل التِنين حَملتُه بَين أَصبعي وَأنا أُمشط خَطواتي لِلخارج وَدون وَعي مِني وَضعتُه عَلى الطَاوله بِالقرب مِن البَاب "
زَفرت فِي رَاحه تَضرب بِيدها عَلى جَبينها وَسط ابتِسامتها النَاعمه
" اسفه ياجدو ، انا نسيت انا محطتهوش هنا "
مَشطت خَطواتها نَاحية الطَاوله ، لِتتلاشى ابتِسامتها بِبطىء حِين وَقعت عَيناها عَلى الكِتاب لِتجدُه كِتاباً أخَر يَتحدث عَن الجَريمه والغِموض ليِلتقطه الجِد بَين
أصَابعه قَائلاً
" ده كتاب لغز الأختفاء لچووفين تاي مش لأجاثا كريستي "
تَحركت بِهمجيه وَقد تَملكها الجِزع
" مستحيل لقد وضعته هنا بنفس المكان "
التَقطت حَقيبتها تُسارع بِخطواتها نَحو البَاب لِيلتقط
" الجد " مِرفقها يُديرها نَحوه
" مالك يا امنه وشك اتخطف كده ليه "
" انا ، انا افتكرت اني نسيت العيش في الفرن ومصطفى نايم مش هعرف اكلمه "
بَلعت غَاصتها تُقبل يَدهُ المُتجعده مُغادره المَكان تَوجهت نَحو الشَارع لِتهرول بِكل سُرعتها
" هَل .. هل يُعقل بِأنني كُنت أَتوهم عِند رؤيتي لِكتاب القَهوه السَوداء "
" لا .. انا لست مَوهومه فَقد رَأيت الكِتاب وَلمست أَناملي صَفحاتُه "
" فَقد كَان الطَبعه الأُولى ، وقد كَان مَختومًا بِأهدائها عَليِه فَأنا أحفَظ اهدائاتِها عَن ظَهر قَلب "
وَصلت أَخيراً ..
وأَغلقَت البَاب خَلفها وَهي تَلهث مُتجهه نَحو غُرفتها تُحدث نَفسها
تِلك الوَرقه مِن لَيله أَمس أَين وَضعتها
تَحركت والأدرينالين يَزيد مِن هَيجان عَاصفتها .. تَبحث عَنها بَين الكُتب .. دَاخل حَقائبها .. حَتى أَدراج المَكتب لَم تَكُن لَها أثر
جَلست عَلى طَرف السِرير بِذهن مُشتت تَلقي بِالوساده عَلى الأَرضيه مِن فَرط عَصبيتها حَتى تَذكرت حيِن وَضعتها أَسفل الوِسَاده
جَالت عَيناها فَوق الفِراش، تَتحسّس المَكان بِارتباك، مَدّت يَدها أسفَل الوِسادة... لاَ شَيء، لِتتراجع أنفَاسها فِي صَدرها تُعيد تَرتيب أَفكارها لِلحظات وَهي تَدعك صِدغيها ، قَبل أن يَقع بَصرها مُجددداً عَلى الشَراشف
" مَهلاً لَحظه ، لَم تَكن هَذه نَفس الشَراشف التٌي نِمت عَليها البَارحه ، فَهذه مُطرزة الأَطراف وَالأُخرى مَلساء
" بتكلمي نفسك يا أمنه "
أستَدارت مُنتفضه لِصوت شَقيقها لِتجده يَقف جِوارها
" متى أتى هو لِهنا.. الهذه الدرجه كُنت شَارده "
نَفضت رَأسها المَلىء بِالفوضى لِتسألُه
" مصطفى مين اللي غير الملايات دي "
" انا .."
قَبضت حَاجبيها بِاستغراب لِيفك هو عَقدة حَاجبيها بِرده
" مالك مستغربه ليه ، مش معنى اني قعيد مش هعرف اغير ملايه ولا اعمل اكل ..ولعلمك بقى انا اللي ماسك قسم تنضيف الغرف والمواعين "
نَمت ابتِسامه حَقيقيه عَلى ثِغرها ، وَلكن ابتسامتها تَلاشت تَماماً حِين سَألتُه
" مُصطفى .. كان في ورقه كده على شكل تنين صغير ، ولونها اسود "
" ايه ده هي بتاعتك ، انا لاقيتها مرميه في الارض قولت اكيد مش محتاجاها "
أشَار بِأصبعُه إلىّ الزَاوية، حَيثُ تَقبع سلّة المُهملات
" وَرميتها في الزبـا..."
تَحركت نَحو السَله قَبل حَتى أن يَنهي حَديثُه ، ليِمنحها هُو أحدَى ابتِسامتُه اللطيِفه وَغادر الغُرفه يَغلق البَاب خَلفُه
وَحين عَثرت " أمنه " عَليها قَامت بِفك طَياتها لِتقرأ مَا بِداخلها بِتمعن لِتجدها مُجرد نِقاط صَغيره ، اتَجهت نَاحية النَافذه وَقد قَامت بِأزاحة السَتائر تَرفع بِها نَحو أَشعة الشَمس قَبل أن تَتصبغ أَشعتها لِلون البُرتقالي لِترى خَيوطٍ رَفيعه تَصل بَين الثُقب وَالأخر
بَينما تَسللت أشَعة الشَمس عَلى الوَرقه ، سَقط بَصرها عَلى كَلماتُه الجَانبيه
"حين تتلاقى الخيوط، يُستدعى الطريق المخبوء"
"مَ..مَاذا ؟ "
أنزَلت الوَرقه بِملل ، لَم يَستوعب رَأسها كَلماتُه بَعد
لِتخرج الوَرقه الأُخرى تَضعها صَوب الشَمس لِتقرأ
مَا بِداخل ثَناياها مره أُخرى
" حينَ يَهزم اللَيل نَفسُه فِي مُنتصفه ، عَلى بُعد مَئتان وَخمسون مَيلاً مِن ضِباب المَدينه ، أُسدلت السِتاره عَلى عَقد رَاحل ، لِتولد حِكاية فِي مَطلع الثَلاثينيات ، كَانت لَها أربَعة فِصول، فُقِد مِنها فَصل وَاحد "
وَضعت الوَرقتين عَلى المَكتب تُمرر بَصرها بَينهما
ثُم أخرَجت وَرقه تِدون بِها كَلماتُه لَعلها تَفهم شَيئًا
دَعكت صِدغاها مِن عَاصفة الأَفكار التّي بُعثرت أَثاث عَقلها جَلست عَلى حَافة المَكتب بِذهن مُشتت ، تُحاول رَبط الأَجزاء بِبعضها ، أو تَكوين جُمل مِن كَلماتُه ، وَلكنها فَشلت
" مَ.. مَا مَعنى تِلك الثِقوب ، وَما يَقصد بِحينَ تَتلاقى الخِيوط .."
وَضعت رَأسها المَلىء بِالفوضى بَين يَداها بِيأس ، لِتجحظ مِقلتَاها
" ثِقوب .. وتتلاقى الخيوط.. كَيف لم أفهم ذلك مِن قَبل .."
أَتت بِالوَرقه مِن جَديد لِتشبِك الثِقوب بِالحبر لِتجد أنها قَد شُكلت عَلى هَيئة دَائره ، دائره لاَ مَعنى لَها
أو رُبما هَي لَم تَفهم مَغزاها بَعد ، لِتعود الى نُقطة الصِفر مِن جَديد
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
جَلس "آدم" إلى جوار " موسى " فِي الحَافلة الصَغيرة تَفصل بَينهُما حَقيبته ، امتَزجت أصوَات الرُكّاب مَع صَرير العَجلات، فِيما ظلّ "آدم" يتأمّل الطريق بصمتٍ عميق سُرعان مَا قَطع " موسى " صَمتُه بِقول
" ماقولتليش بقى انت رايح لدكتور الجامعه بتاعك في المكتب بتاعه ولا هتقابله فين "
طَالعهُ " ادم " بِضجر لِيجد نَفسُه يَجيب عَلى سُؤاله
بِسؤال أَخر
" موسى.. انت جاي معايا ليه "
ضَحك بِسخريه عَلى سُؤاله ، ثُم بَدى أنزِعاجُه بِقول
" مين قال اني جاي معاك ، انت في طريقي مش اكتر .. بس قولت نركب الميكروباص سوا "
أَبدى " ادم " عَدم صِدقه لِحديثه
" لا والله وعلى كده بقى رايح فين "
امتَدت يَداً مِن الخَلف تَحمل نِقوداً
" خد يابني اديله اتنين ورا "
مَد " موسى " يَدهُ يَلتقط مِن السَيده النِقود أثنَاء قَوله
" رايح اشوف الكافيه ياسيدنا ولو مش مصدقني حتى اسأل لقمان انا قولتله يحصلني على هناك بعد ما يخلص مشواره اللي رايحله دلوقت "
رَد عَليه " ادم " وَهو يُتابع مَا يَفعله مِن عَد النِقود
" وماروحتش بالماكنه بتاعتك ليه "
" يابني ما انت عارف نوح اخد الماكنه وقالي انه رايح مشوار مهم ومحتجها معاه ، شوفت بقى انك ظالمني "
نَاول " موسى " لِلرَاكب أمَامُه وَهو يُطالع " ادم " بِقول
" اديلوا اتنين ورا بعد اذنك "
ثُم رَمق "ادم " بِضجر
" في اي اسئله تاني ياسيدنا "
لَم يَرق لـ " ادم " حَديثُه حَيثُ عَلق عَلى قَول شَقيقُه
" موسى ، انت ليه بتستغباني "
اتَكأ " موسى" بِمرفقه عَلى الكُرسي المُتحرك بِقُربه
نَافيًا
" ماقدرش ، حد برضوا يستغبى واحد معدل ذكاءه اعلى من معدل ذكاء اينشتاين "
لَاحظ " ادم " لَمعه طَفيفه أنبَثقت مِن قَاع بَحريه
" في واحد زمان قالي مابروم على مابروم مايلفش
اصلهم مابرومين على بعض هيلفوا ازاي "
مَسح " موسى " عَلى أَرنبة أنفُه بَاسمًا
" عارفه اللي قالك كده ده ، لاء وحافظه كمان "
ثُم هَرش بِسُبابته أَسفل رَأسُه لِيُعقب
" زي ما حافظك بالظبط يا ادم "
التَفت " موسى " إليِه ، تَرتسم الجِديه علّى قَسماتُه كَما لَو أُطفَئت كُل مَلامح العَبث
" مش ناوي تقولي الواد سعد ليه حطك في دماغه
وكل مايشوفك يعمل معاك مشاكل ، مع انكم كنتم اكتر من الاخوات "
بَلل " ادم " حَلقُه يَستمع الىّ كَلِمات " موسى " بِحذر
" على فكره انا مُمكن اعرف بطريقتي اللي حصل بينك وبينه .. وكمان بين .. بين ابو سعد "
رَفع " ادم " نَظارتُه بِسبابتُه وَقد بَدى عَليِه ارتِباكُه
حِين جَاءت سِيرة ذَاك الرَجل فَهو يَمقتُه وَيمقت سِيرته
فَهو اعتَاد إخفَاء كُل شَيء دَاخلُه ، فَرتَدى سِكونًا مُصطنعًا خَشيه أَن يَلتقط "موسى" خَيطاً مِن سِره
مُتجاهلاً النَظر فِي عِينيه
" موسى ، انا عارف انك بتحاول تبص في عنيا وتقرا حركات جسمي كويس ، عايز تعرف كل كلمه هقولهالك هخبي عليك ولا هقولك الصدق ، بس ياموسى "
لَمح " موسى " ارتِجافه خَفيفه فِي بُؤبُؤ عِينيه بِرغم مُحاولته أخفَاءُه ، فعلِم في صمتٍ أنّ الكَلمات القَادمة لَيست سِوى سِتارٍ يَخفي مَابِداخله
" عَلى جَنب يَسطا "
أَنزلقت العِباره مِن بَين شَفتي الرَاكب أَمامهُما
لِتتبدد مَعها الغَيمه الثَقيله التّي خَيمت بَينهُما
هَبط الرَاكب وَاعتلت فَتاه مَكانُه لِتشغل المَقعد الخَالي ، أَخرج " موسى" نقوده يَستأذن بِصوتٍ خَافت
" لو سمحت اديلوا اتنين "
أجابتهُ بِنبرة بَارده ، وَعيناها لاَ تُفارقان سِطور هَاتفها المُضيء
" اوبقى ادفع وانت نازل "
عَقد "موسى" حاجبيه من نَبرتها البَاردة، ثُم مَالت نَظراته تلقائيًا نَحو شَقيقُه وَكأنه يَبحث عَن تَفسير
تَلقّى "آدم" النَظرة بابتسامةٍ جَانبية، وحين رَفع "موسى" حاجبيه مُشيرًا بعينيه نَحو الفَتاة، التَقط "آدم" الإشارة ، ثُم ظَهرت شِبه بَسمه عَلى ثِغره نَابسا
"تيجي نبدأ.."
ارتَسمت عَلى مَلامح "آدم" ابتِسامة مُستمتعة، فَرَكَ كفّيه طلبًا لدفءٍ مَفقود، وهَمَس
"موافق... بس على إيه.."
أَرضا "موسى" فِضوله
"اسمها..."
هَزّ "آدم" رأسُه مُعلنًا قبوله، لكنّه تَدارك سريعًا وهو يُلقي شَرطه الوَحيد
"ماشي، بس لو انا اللي عرفت اسمها صح ماتسألنيش تاني عن أي حاجة تخصّ سعد وتسبني براحتي "
مَال "موسى" بِأتجاهه ، بِصوتٍ خَفيض وكأنّهما يحيكان سِرًا
"ولو انا اللي قولته صح ... هتقولي على كل حاجة اتفقنا .. هبدأ انا الاول "
هَتف " موسى " وَهو لا يَزيح بَصرُه مِن عَلى الفَتاه
" العربيه دي اخر محطه ليها الاربعين من ناحية اليهوديه ، مش من ناحية الترعه ،وطالما ركبت من منطقة الزراير يبقى اكيد مش هتنزل قريب.. على الاقل هتعدي على الملاحه ، وباللبس الغالي والنضيف ده مافتكرش انها هتروح منطقة الاربعين الشعبيه بلبسها ده "
أَطبق "آدم" جِفنيه، مُستسلماً لِعبير الفَتاه الذِي تَسرَّب الىّ ثِقوب أَنفُه وفِي أرجَاء الحَافله
"ريحة بارفنها من نوع Dior J'adore وده معناه انها في حالة حب مابيتحطش الا لو البنت رايحه تقابل حد قريب اوي من قلبها "
مدّت الفتاةُ يَدها إلىّ دَاخل حَقيبتها وأخرَجت مِرآةً صَغيرة، تُصلح زِينتها وتُعيد رَسم لَون شَفتيها ، التَفت " موسى" الىّ شَقيقه وَهنا ابتَسم بِاستمتاع
" دي رايحه تقابل ياسيدنا "
نَقل " ادم " نَظرُه الىّ الفَتاه يَرفع نَظارته مَن عَلى ارنَبة انفُه هَامسًا
" مش ، مش يمكن رايحه تِقابل خَطيبها "
أَخرجت الفَتاه سَاعه مِن عِلبه أَنيِقه ، ثُم عَطرت غُلافها مِن الخَارج بِرذاذٍ خَفيف لِيُتبعها " ادم " بِتعقيب
"الساعه شكلها غالي يبقى اكيد اللي رايحه تقابله ده شاب غني ووسيم والنهارده عيد ميلاده
وفي اتنين شباب اغنيا بس في الملاحه
وهما اللي وسيمين مهند سلامه وفارس عز الدين
مهند مسافر الامارات مع والده الايام دي
وفارس دايماً بيحب يقعد في كافيه المحروسه اللي في الملاحه بما انه بتاع عمه وهو اللي بيديره
اخر مره نزل صوره على الانستجرام
كان منزل صوره وظاهر فيها ايد حبيبته بس ومكتوب عليها حرف ال N وجنبها قلب اراهن ان دي ندا خطيبته "
كَان " موسى" يَدعي الأنصَات ، لَكن نَظراتُه الأنترتيِكيه كَانت تَتأرجح بَين الفَتاه وَالطريِق ثُم ثَبتها فِي الأَخر عَلى أَظافر الفَتاه هَاتفًا
" تؤ .. دي مش ندا .."
التَفتت " الفتاه " نَحو السَائق تَطلب مِنهُ التَوقف
مَال ثَغر " موسى " فِي ابتِسامه وَكأنه تَأكد مِن شَىءً مَا بِداخلُه ، مَال رَأسُه نَحو " ادم " بِصوتٍ خَفيض
" البنت نزلت قبل الكافيه بخمسه متر تقريباً ، معنى كده انها مش عايزه تقف قدام الكافيه وحد يشوفها نازله من ميكروباص "
نَاولت الفَتاة السَائق أجرتُه عَبر النَافذة وَهي تَتأهّب لِلنزول
" واحد من الزراير "
فَأكمل " موسى " مسرعًا وَعينيه مَازالت تُتابعها
" بتبص شمال ويمين وهي متوتره لحد يشوفها وهي نازله من المكروباص ، واكيد شخصيه زي شخصية فارس يوم ما يخطب هيخطب واحده على الاقل في مستواه ، ومن اخر مره دخلت عنده على الانستجرام لاقيت بنت بتعمله اغضبني على اي صوره بيحط عليها حرف ال N او اسم ندا ولما دخلت عندها لاقيت ان اليوزر نيم بتاعها بأسم شاهي ، يعني باختصار دي شاهيناز اللي فارس بيخون ندا معاها "
" اتفضلي "
تسلّمت الفَتاة مَا تبقّى مِن النقُود، وانطَلقت الحَافلة بخطًى مُتثاقلة، بَينما رَفع "موسى" يَده يُلوّح لهَا مُبتسمًا
" باي باي ياشاهيناز "
جَحظت عَينا الفَتاه وَقد انعَكس الأستَغراب عَلى ثَنايا وَجهها
" انتَ عرفت اسمي منين "
مَضت الحَافلة تَاركةً خَلفها سؤالًا مُعلّقًا في الهَواء، لِترتسم ابتِسامه عَلى ثِغر "موسى" يَلتفت بِرأسُه
لِشقيقه ، لِيطرق " ادم " جَبهتُه سَاخراً مِن نَفسُه وَمن يَقينُه الذِي خَذلُه، لتُصبح اللَحظة شاهدًا جَديدًا عَلى أن كفّة اللعبَه قَد رَجَحت لِمصلحة "موسى"
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
كَان أَول ما فَعله "لقمان" هُو مُهاتفة "شيماء"، التّي تَوترت حِين أَبصَرت اسمُه يَتوهّج عَلى شاشَة هَاتفها وَسط جَلَبة المَكان ، وَضجيج مُجفف الشَعر يَمتزج بضحكَات الزَبائن وأحاديثهُنّ المُتقطعة، فِيما تَصاعدت رائَحة مُثبت الشَعر مُمزوجة بِعبق الأصبَاغ النفّاذة
زَفرت بضِيق وهي تَكتم رَنّة الهاتف بكفّها، تُحاول الحِفاظ عَلى ثَبات يَدها بَينما تُشكل حَاجب أحدَى السَيدات
اقتَرب مِنها "سمير"، العَامل فِي المَحل، يُلوِّن صَوته بِنبرةٍ نِسائيه وَهو يَمضغ عِلكتُه بِبطء ، يُصدر فَمُه طَقطقة خَفيفة ، مُطلقًا عبارته بنَبرة مُتصنّعة تُحاكي رِقّة النسَاء
"ماتردي بقى ياشيماء ، صـــدعــت مِن كتر الرنات ياحبيبتشي "
نَبست " شيماء " بِصوتٍ أَشد مِن الهَمس بَعد أن التَفتت أَنظار الجَميع نَحوها
" ارد فين انتَ كمان ، انتَ عايزه يسمع صوت الاستشوار ، والزباين ويعرف اني بشتغل في كوافير "
تَمتمت صَاحبة المَحل مِن خَلفها ، تَعقد حَاجبيها بِنفاذ صَبر وَهي تَقترب مِنها
" وماله يابت شغل الكوافير واحنا بنعمل حاجه عيب ولا حرام "
أطلَقت " شيماء " تَنهيده خَافته وأَصابعها تُتابع مُهمتها بِخفه عَلى مَلامح الزبُونه فِي رَسم الحَاجب
" حرام ايه بس يامدام ، ما انا شغاله اهوه وزي الفل اعمل ايه بس في دماغه الناشفه محكم راسه والف سيف ماشتغلش ، ويوم ما وافق اشتغل كان عايزني اشتغل بتاعت كول سنتر "
تَمتمت " المدام " وَهي تُمشط خَطواتها لِلداخل
" كول سنتر .. كول سنتر ايه هما اللي بيشتغلوا كول سنتر دول لاقيين ياكلوا "
طَرفت " شيماء " بِنظرها نَحو " سمير " الذي يَتناول طَعامُه بِلا مُبالاه
" ولا ياسمير الواد الغني اللي قولتلي عليه انه عاوز رقم تليفوني لسه مكلمنيش لحد دلوقتي "
لَمحت " شيماء " تَوقفه عَن المَضغ حِينما نَطقت بِذلك
" ما انتِ ياشوشو اللي محبكاها حبتين ، هو اداني رقمه قالي انه عايزك تكلميه تقومي انتِ تقوليله اديله رقمي خللي هو اللي يكلمني ، مش لعبه هي ياشوشو الراجل مستنيكي تكلميه بفارغ الصبر ياحبيبي ، مش على بعضه من ساعة ما شافك وانتِ بتحطي ميكب في فرح اخته في التجمع ياقلبي "
خَرجت شَهقه مِنها تَلتفت نَحوه وَقد تَوقفت يَدها عَن العَمل
" انت اتجننت ياواد انت ، ولا جرا لمخك حاجه اكلمه ده ايه ، لا ياحبيبي هو لو عايزني هيكلمني غير كده يبقى لاء "
نَبست بِكلماتٍ مُتسارعه أثنَاء رَنين هَاتفها لِتجدُه
"لقمان" مُجدداً زَفرت بِضيقٍ
" يـــــوه يا لُقمان بقى "
وبينما كانت "شيماء" تَكتم رنين الهاتف
كَان "لقمان" فِي الضَفة الأُخرى مِن المَدينة يَقطع رحلتُه فِي سِكونٍ مُهيب هُناك حَيثُ يُطوى الصَخب خَلف الزُجاج المُعتم، وتُستقبله الوجوه بالاحترام والأبواب تُفتح أمَامُه
" اتفضل يافندم ، وصلنا "
نَزل "لقمان" مِن السَياره يَضع هَاتفه بِداخل جَيبه لِيتبعهُ نَحو مَدخل الحَديقه ، أشَار لهُ السَائق بِيديه بِالدخول الى دَاخل الڤيلا ليستقبلهُ الخَادم
بِابتسامه بَسيطه
" اتفضل يافندم في الصالون ، ثواني عامر بيه هيكون في استقبال حضرتك "
هَزز "لقمان " رَأسُه يَعقد حَاجبيه شَارداً بعسليِتيه فِي زَوايا المَكان الفَاخره ، حينَ جَحظت مِقلتاه ليِلمح يَداً تَسحبهُ مِن مَعصمُه دَاخل المَكتب
" اي ده في ايه .. وبتسحبيني وراكي كده ليه "
التَقطت " نورا " انفَاسها بِقول
" ارجوك ، ارجوك يامستر لقمان ماتقولش لبابا ان ليلاس كانت واقفه وانا بحاول انط من فوق السور ، ارجوك ماتجيبش سيرة ليلاس اصلاً خرجها من الموضوع "
نَبست بِكلماتٍ مُتسَارعه أثنَاء اغلاَق البَاب خَلفها ، أشَار عَليها بِأصبعُه مُستفسراً
" مش انتِ نورا أو نور اللي كانت عايزه ترمي نفسها والبنات والشباب كانوا بيجبروكي انك تعملي كده "
عَبست أثنَاء قَوله نَافيه
" لاء ، هما ما أجبرونيش ولا حاجه الحكايه مش كده خالص ارجوك ماتودنيش في داهيه يامستر ، بص بابا نازل دلوقتي ولما يسألك ايه اللي حصل قولوا انك لاقتني لوحدي كنت عايزه انط من فوق السور وانت انقذتني "
تَرجتهُ بِعينيها قَبل لِسانها تَردف
" وانا والله ، والله كمان مره يامستر هقول لحضرتك على كل حاجه في المدرسه "
حَدقتيه تَدحرجا تَستبيح ثَنايا وَجهها الرَاجيه سَائلاً
" وليه عايزاني اغير كلامي ، لو خايفه منهم ماتخافيش انا لما اقول لباباكي هو هيتصَـر "
وَضعت سُبابتها المُرتعشه عَلى شِفاهه بَاتره لِحديثُه
" لاء ، لاء هما مالهمش ذنب حرام تظلمهم ، انا ، انا بس مافيش وقت احكيلك بابا زمانُه نَازل دِلوقتي
بس مع اول فرصه هشوفك فيها اوعدك اني هقولك على كل شىء "
التَقطت "نورا" صَوت خُطى أبيها تَقترب، فَرفعت بَصرها إلى عَسليتيه، تَقرؤُ فيهما إصرارًا عَلى حَديثُه، فَنَبَست تُحذّره قبل أن يَنطق
" طيب اسمع بقى يامستر.. انت لو جيبت سيرة ليلاس واللي كانوا معاها انا هكذبك وهألف حكايه اخليك تبقى انت الجاني بدل ما تبقى البطل فيها
تَقدمت خَطوه نَحوه ، عَيناها البُندقيتان تَتسعان رَجاءا وَصوتها يَحمل مِن اللِين مَا يَكفي ليِكسر جِبال تَردُده
" او ..او تسمع كلامي وترأف بحالتي وماتجبرنيش اني اعمل كده وتديني فرصه احكيلك كل شىء بكره في المدرسه "
أَدارات كَعبها نَحو البَاب تُغير نَظرتها بِابتسامه تَزامُنًا مَع دِخول أبِيها الىّ الدَاخل الذي رَحب بِه عِند رؤيتُه
" مستر لقمان ، طبعاً انا بتأسفلك جداً اني ماقدرتش اجيلك بنفسي وبعت السواق يجيبك "
أشَار " عامر " لهُ بيِديه لِلجلوس
" اتفضل اقعد "
جَاء صَوت "ليلاس" مِن الخَارج ، تُجفف عَرقها ، بِسبب تَأدية تَمارينها الريِاضيه ، أتَت " حُسنيه "
تُمشط خَطواتها مُسرعه
"داده حُسنيه ، داده حُسنيه .."
" افندم يا انسه ليلاس "
أَشارت بِعينيها عَلى بَاب المَكتب
" مين جوه مع بابي "
" ده المستر اللي أنقذ انسه نورا في المدرسه "
شِبه بَسمه مَاكره ظَهرت عَلى ثِغرها ، لِتلمح "لقمان" يَخطو عَتبة المَكتب وحَالما انتَبه عَلى وجُودها استَمر بِالنظر لَها أثنَاء سَيره ، غَمزت لهُ مُبتسمه لَكنهُ أَبعد عَسليتاهُ عَنها مُتجهاً لِلخارج ويَتبعهُ كُلاً مِن "نورا " و " والدها " لِتوديعه
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
إن الحَافله عَلى وَشك الوصُول الىّ وَجهتهما وَحينَ وَصل نَزل كُلاً مِن " موسى وادم " الىّ مَقصدهما يَسيرون مَعاً جَنبٍ الى جَنب الىّ جَنب خُطاهم تَتناغم فِي صَمت ، بِينما شَفتي " موسى" تَبسمت لهُ فِي مَكر وَلم تَتزحزح حَدقتيه عَنه لِقطع
" ادم " صَمتُه
" خلاص بقى .. ماتفضلش كل شويه ، كل شويه تبصلي كده .. عارف .. انا عارف ان انت اللي كسبت وانت اللي خمنت اسمها "
ضَم " ادم " حَقيبتُه الىّ صَدرُه مُتابعًا
" وبعدين ما اكيد يعني ، اكيد انت اللي هتكسب عشان انت اصلاً اللي معلمني ازاي اقرا اللي قدامي"
دسَّ "موسى" يَديه فِي جيِبيه، وأخَذ يَبطئ خَطوه قليلًا قَبل أن يَستدير بِجسده، فَيمضي أمَام "آدم" بِخطواتٍ مَعكوسة، ظَهره إلىّ الطَريق وَوجهه إلىّ
"ادم" هَاتفاً
" مش شرط عشان انا اللي علمتك يبقى لازم اكسبك .. ياما تلامذه اتفوقت على اساتذتهم .."
" بس .. بس انتَ مش أي استاذ .. انت استاذي واخويا وكل حاجه ليا ياموسى "
ابتَسم " موسى " يَبتعد عَن طَريقُه يُبلل شَفتاه ، يَبحث عَن نَبره لا تَبدو بِصيغة الأَمر بِالنسبه لهُ
" ادم ، انا عارف انك مش عايز تحكي اللي بيحصل بينك وبين سعد وانا مقدر ده ومش عايز اضغط عليك بس عايزك توعدني وعد "
أَخذ " ادم " نَفساً عَميقاً ، يَشرع فِي فَتح حَقيبتُه
مُتجاهلاً حَديثُه ، وَقف " موسى " أمَامُه وَقد تَغيرت مَلامحُه بِجديه
" ادم .. بصلي يا ادم ماتبصش الناحيه التانيه "
اشَاح " ادم " بِبصره عَنه مُتعمداً ، لِيأتيه صَوت "موسى" الذِي يُصاحبه نَبره جَديده عَليه
" طيب اسمع يا ادم ، انا حاولت معاك كذا مره وانتَ اللي مش عايز تخليني اقف في كتفك ، ومخلي واحد زي سعد ده يلطش فيك في الرايحه والجايه هو لحد دلوقتي لسه بيتعافى من اللي حصله ودراعه لسه في الجبس مش عارف بعد ما يفك الجبس هيعمل معاك ايه ولا ممكن يفكر يأذيك ازاي "
رَكل "موسى" الحَصى بِعصبية، فَارتجف "آدم" خَطوة إلىّ الوَراء ، فَهتف "موسى" بِنبره مُبطنه بِالضيق
" ما هو مش معقول يا ادم ماتكونش واثق في اخوك اللي واقف في ضهرك ومايتمناش ليك الأذيه ، وانا اللي يفكر يأذيك انت بالذات يا ادم اكله بسناني وانت عارف "
ظهرت علامات التوتّر على وجه "آدم"، نَفَسُه يَخرج متقطّعًا. أما "موسى"، فابتلع غيظه في محاولةٍ يائسة لترويض عصبيّته، ليخرج صوته أهدأ مما يَغلي بداخله
" انا اسف يا ادم ، لو كنت خوفتك مني حقك عليا يا اخويا ، بس عشان خاطري ، لو في يوم حبيت تحكي اوعدني انك تيجي تحكيلي ، وانا اوعدك انك هتلاقيني دايمًا بسمعلك وجنبك "
" توعدني يا ادم .."
رَد عَليِه " ادم " بِما هو بَعيداً عَن طَلبُه يَشير الىّ المَبنى خَلفُه
" مَ..مكتب دكتور الجامعه بتاعي هنا .. انا طالع "
فَهم " موسى " رَدُه ذَم عَلى شَفتيه يَهزز رَأسُه بِالموافقه
" ماشي يا ادم ، على راحتك ياسيدنا .."
تَحرك " موسى " تَحت انظَارُه وَما ابتَعد عنهُ حَتى التَقط صَوته مِن الخَلف بِصوتٍ مُرتفع حَتى يَصل اليِه
" او..اوعدك .. اوعدك ياموسى "
توقّف "موسى" لبرهة، ارتسمت على وجهه ابتسامة عابرة، ثم واصل خطاه دون أن يلتفت، مُلقيًا جوابه وهو يمضي قُدمًا
" هستناك يا ادم .."
.. .. .. .. 🍁. .. .. .. ..
دَلفت " أمنه " الىّ غُرفتها تُعدل فِي جَديلتها تَتكىء عَلى طَرف الفِراش ، وَلم تَجد مَهرب مِن عَقلها الذِي أَرغمها عَلى تَذكر تِلك الأحجَيه
مَ..مَاالذي يَعنيه خُفاش السُوء بِتلك الدَائره المُكونه مِن الثِقوب ، وَبجُملته عَلى الوَرقه الأُخرى
" حينَ يَهزم اللَيل نَفسُه فِي مُنتصفه ، عَلى بُعد مِئتان وَخمسون مَيلاً مِن ضَباب المَدينه ، أسدَلت السِتاره عَلى عَقد رَاحل ، لِتولد حِكايه فِي مَطلع الثَلاثينَات ، كَانت لَها أَربعة فِصول ، فُقد مِنها فَصلاً وَاحد "
رُبما أَنا أُفكر كَثيراً لَيس إلا ، رُبما كَلماتُه مُجرد خَرفشات عَلى وَرق لِيثير فِضولي وَقد نَجح ذَلك الخُفاش بِأثارتُه
زَفرت هَي لِتنفض عَن عَقلها تِلك الأسئله الكَثيفه دُون اجابه ، لِتدلف الىّ الحَمام تُحضر حَوض الأستِحمام عَلها تُرخي جَسدها وَتريح عَقلها مِن تُرهاته
سَكبت زُجاجة العود التّي تَعشق رَائحتها بِأكملها
فِي الحَوض لِتنتعش بِرائحتها المُنعشه ، أن عَقلها مُهلك مِن سَير الأَحداث هَذه
استَلقيت لِيسقط جَسدها أَسفل المَاء دُونٍ عَن رَأسها ليِعود عَقلها لِلتفكير مُجدداً بأخيها وكيفية مُساعدته لاتمام زَواجه تَهمس لِنفسها
" لكِن … مِن أَين أَفتَح هَذا الجُرح المُلتَئِم عَلى خَوف؟ وَكَيف بَعد تِلك السِّنين الَّتي انسَلَّت مِن عُمري كَالرَّمل مِن بَين الأَصابِع أَمد يَدي اليَوم لِأُطالِب بِحَقّي مِن عَمّي؟
كَيف أُواجِه رَجُلاً يَحمِل فِي صَدرِه مِفتاح السِّر الثَّقيل عَن مَصير أَبي وَأُمّي؟ أَعلَم أَن عَينَيه سَتَقذِفانِني بِالقَسوَة، وَأَن كَلِماتِه سَتتحَول سِياطًا عَلى ظَهري، وَمَع ذَلِك … ما عاد فِي العُمر مُتَّسَع لِلهُروب
الأَيّام تَتَساقَط مِن تَقويمي كَأَوراق ذابِلَة، وَها قَدِ ابتَلَع يَومان مِن الشَهر كَطَرف حُلم لَم يَكتَمِل
فَكَيف إذَن؟ كَيف أُلقِي بِنَفسي فِي عاصِفَة المُواجهَة، وَأَنا لا أَملِك مَظلَّة سِوى عَزيمَتي المُرتَجِفَة "
تَنهدت " امنه" بِقلة حِيله تَغسل شَعرها وَجسدها مِن الرَغوه لِتنهض تَرتجف بَرداً بَحثاً عَن المَنشفه
لَقد أصابها الخِدر والنِعاس بِسبب الميِاه الدَافئه التّي كَانت فِيها ، كَانت الاضاءه خَافته ، وَحالما دَخلت الىّ غُرفتها جَفلت تَقبض عَلى قَبضة مَنشفتها لِرؤية جِدها يَجلس عَلى مَكتبها
" جدو بتعمل ايه هنا "
لَم يِوليِها اهتِمامًا كَالذي تَمنحهُ عَيناها لهُ وانشغل بِتقليبه بِالأوراق المُبعثره أمَامُه يَتنقل بِعينيه بَينهما هَي تَحركت نَحو الخِزانه تَناولت احدَى فَساتينها لِتسارع بِارتدائه
"بتدور في ايه بس ياجدو ، وايه الورق اللي قدامك ده ، لو بدور على حاجه قولي عشان اساعدك "
لَمحتهُ يَمينًا يَقبض عَلى المِقبس قُرب المَكتبه لِيُضاء جَانبُه بِدرجة أَصفر خَافت تَبثُ الرَاحه لِعينيه ، لِتراهُ يَعبث بِالورق الأَسود عَلى هَيئة تِنين ، التَقطتهُ مِنه عَلى الفَور
" جدو الورق ده مش بتاعك دي حاجه تخصني انا"
أَشار بِكف يَدهُ عَلى الوَرق قَائلاً بِنبره مُرتعشه
" القهوه السودا ، كتاب اسود ، والورق برضوا اسود"
جَعذت حَاجبيها بِعدم فِهم تَنظر الىّ الأوراق نَابسه
" قهوه سودا ايه ، انت عايز تشرب قهوه ياجدو ،
تحب اعملهالك ونقعد شويه في البلكونه "
نَبس بِصوته المُنخفض وَقد بَدا عليِه التَعب وَعدم التَركيز
" القهوه السوداء ، متين وخمسين ميل وانا امشيها ليكي بالخيل ياعفت "
" عفت !!. ماذا يَقصد .. أيَراني جِدتي الأن ، سُحقاً
لَقد بَدأ يَفقد ذاكرتُه مَرةٍ أُخرى "
ادَعيت " امنه " الهِدوء والثَبات وَقد استَشعرت رِكود الجو وَنعيق البُومه الذِي اختَرق مُنتصف اللَيل اقتَربت مِنهُ وَأمسَكت بِيدُه كَي تَعيدُه الى غُرفته وَحينما اطمئنت عَليه وَاصبح في سَباتٍ عَميق ،عَادت اخذَت الشِريطه والمِشط لِتضفر شَعرها الطَويل
"غريبٌ أن يُذكر جَدّي مع القهوة السوداء وخطوات المئتان وخمسون ميلاً، وتُذكر جَدّتي عِفّت في السياق نفسه؛ كأنهما كانا يقرآن رواية القهوة السوداء معًا، ويتسامران ليلًا على فنجانٍ من شاي الزَّيزفون."
تَنهدت بِحنين يَعصف مَا بِداخلها
"ليتني عاصرت تلك الحقبة التي امتزج فيها الحب بالكتب، وازدهرت فيها حكايات أجاثا كريستي...
أجاثا كريستي، القهوة السوداء، وخطوات المئتان وخمسون ميلاً... كيف لم أنتبه لذلك؟
" أيُكمن سِر جُملة ذاك الخُفاش فِي تِلك الروايه "
صحيح أنني لم أملك الكتاب يومًا، لكنني ما زلت أذكر حين قرأت روايتها عبر إحدى المنصات الاجتماعية، على الأرجح تطبيق اقرأ"
لم تنتبه إلى يديها وقد توقفتا عن الضَّفر، تعصران الجديلة بين الأنامل
امتدّت يَدها نحو الحاسوب، تعيد قراءة الروايه
ظلّت تتصفح السطور بشغفٍ واضح، حتى اصطدمت عيناها بجملةٍ عند منتصف الليل. التقطت الورقة السوداء ،تأرجحت نظراتها بين الجملتين
"عند منتصف الليل ـ حين يهزم الليل نفسه في منتصفه"
تردّدت الكلمات في ذهنها كجرسٍ مُلح
كرّرتها مرارًا حتى شعرت أن رأسها سينفجر من ثِقل المعنى
وفجأة دوّى صوت الساعة على الجدار، يعلن منتصف الليل ، العقرب استقرّ عند الرقم اثني عشر حدّقت في الساعة لحظةً، ثم التقطت القلم وسجّلت الرقم 12
عادت للروايه ، تتفحّص كل جملة بعينٍ قلقة. توقفت عند:
«على بُعد مئتين وخمسين ميلاً».
ابتسمت " امنه " فَهذا وَاضح وِضوح الشَمس فِي كَبد السَماء
" الرقم 250"
ثم تابعت تَقرأ كَلماتُه المُتبقيه
"أسدلت الستارة على عقدٍ راحل، لتولد حكاية في مطلع الثلاثينات"
رفعت يدها إلى جبينها بِتفكيرٍ مُرهق
عقد راحل… أي عقد انقضى من القرن العشرين؟ مطلع الثلاثينات… نعم، 1930
مَهلاً لحظة، أليست هذه هي السنة التي كتبت فيها أجاثا كريستي القهوة السوداء؟
انفرجت شفتيها ببسمة خاطفة وهي تدون الرقم الثالث
" 1930"
لكنّها توقّفت عند السطر الأخير، تقرؤه مرارًا كأنّ الحروف تُلحّ عليها
"كانت لها أربعة فصول، فُقد منها فصل واحد"
عَقدت حاجبيها، تُحاول تَفكيك المعنى.
"أَيُقصد بالفصول فصول السنة؟ ولكن… كيف يُمحى فصل من الطبيعة؟ كيف يُختزل العام إلى ثلاثة"
سَرت رعشة شكٍّ في عقلها، فانتقلت الفكرة إلى ضفّةٍ أخرى
"أم أنّه يقصد فصول رواية القهوة السوداء؟ تلك التي عُرفت بثلاثة فصول فقط… وقيل إن أجاثا كريستي همّت أن تجعلها أربعة، ثم تراجعت، فمحَت الأخير "
تنهّدت، وكأنّ الخيط بدأ يتضح
"أربع ناقص واحد… إذن ثلاثة"
ابتسمت في خفوت، تُدوّن الرقم بترتيبٍ جديدٍ ضمن سلسلتها، وكأنّ قطعة أخرى من الأحجية استقرّت أخيرًا في مكانها
تأمّلت ما كتبت بالترتيب
"12-250-1930-3"
وضعت القلم بجانب الورقة، تنهّدت بضيق، وضربت كفها على جبينها
" حسنًا…هذا لغزٍ آخر .. ماذا تعني هذه الأرقام "
انجذبت نحو النافذة، دفعتها لتتلقف وجهها نسمات الفجر. لم تُدرك كم من الساعات التهمها الليل، حتى بدأت خيوط الشمس تشق السماء. لكن عقلها لم يهدأ والفضول ينهشها
عادت تتأمل الورقة الثانية
" الدائرة السوداء المرسومة… أهي دائرة فعلًا؟ أم رقم؟ ربما صفر، لا خمسة
"ولأنه أعطاني تلك الورقة أولًا، فلعلّ الصفر يجب أن يتصدّر السلسلة"
رفعت القلم وكتبت من جديد
"012-25019303"
حدّقت بالرقم مطوّلًا، خَفق قَلبها حَتى شَعرت بِاضطرابُه
"هل يمكن… أن يكون رقم هاتف؟ هل يريدني أن أتواصل معه "
جذبت الهاتف بِاصابع مُرتجفه وهي تضغط الأرقام واحدًا تلو الآخر الرنين اخترق سكون الغرفة، يملأ أذنها بانتظارٍ متوتر
في اللحظة التي همّت أن تغلق الخط، ارتعش قلبها على وقع صوتٍ يخرج من الجانب الآخر، هادئًا، وايضًا واثقًا
"أتأخرتي… بس المهم إنك وصلتي"
↚
غُصن رُمَان
ابتَلعت " امنه " ريِقها وَقد أَضحت حَواسها فِي قَمة
أرتِخائها ، تَستمع بِوضوح لِنقر حَبات البَرد عَلى زُجاج النَوافذ وَحركة السَتائر حَتى الحَفيف وَرقاص السَاعه ، بَينما صَوته يَحتجز انتِباهها وَكأن لاَ مَهرب لَها مِن صَوته
"تَ.. تَأخرت .. وَلكن عَلى مَاذا ؟
هَ..هَل كَان يَتوقع اتِصالي ؟
نَبست بِصوتٍ خَفيض بِه الأستِغراب وَالتَوجس مِن القَادم ليُجيبها هُو
" عليا .. "
طَقطقت قِداحتهُ وَصلت الىّ أُذنيها عَبر السَماعه ، وَثُقل الدُخان يَنساب مِن بَين حُروفه
" واه .. متوقع اتصالك "
ارتَابها شَىٍء مِن التَوتر حَالما سَمع هَمسها لِنفسها
" سُحقاً لَي فَبعض الأصوَات تُولد مِن الصَمت لا مِن الكَلام
فَذلك الخُفّاش الأشعَث لَم يَحتج إلىّ أُذنَين لَقد اقتَنص هَمسي قَبل أن يَكتمل فِي حَنجرتي "
" بتحبي الرمان "
"بَ .. بحب ايه "
"الرُمــــــان .."
تَرددت فِي الأيِماءه لَكنها فَعلت وَقد شَعرت بِسُخريته عَندما حَكت لَها نَبرتُه السَاخره
" انا مش شايفك ، انا بس سامعك ولازم تتكلمي عشان اعرف ردك "
" أيِـ .."
كَادت أن تَجيبُه وَلكنهُ فَصل حَديثها أَثناء رَدها لِيَردف
"بس خليكي حذره في جوابك قبل ما تجاوبي لازم تفرقي اذا كِنتِ بتحبي الرمان نفسه ولا حبيباتُه "
قَطبت حَاجباها وَقد تَشكلت عُقده غَاضبه هُناك
هَامسه بِداخلها
" انَا لاَ أفهم ، مَا الذِي يُريد ايِصالهُ لي بِتلك الكَلمات المُلتفه ؟ أَليسَ الرُمان هُو ذَاتُه حَباتُه
تُراودني فِكرة إغلاَق الهَاتف
الفِرار بِعقلي مِن فَوضاه، لَكن يدايّ لا تُطاوعني متيبستَا عَلى أُذني، كَأن قيودًا مِن هَواء ثَقيل تُكبّلني عَن الحَركة "
" اكيد عايزه تقفلي المكالمه دلوقتي "
أردَفت تَهمس فِي تَفاجؤ مِما قَالُه وَقد سَرت رَعشه خَفيفه عَلى طُول ذِراعِيها
" كَيف لهُ أن يَقرأني هَكذا أَأنا كِتاباً غُلافهُ شَفافاً
وَصفحاتُه لاَ تَعرف السَتر بِالنسبه لهُ "
فَقدت " امنه " القُدره عَلى الأجَابه ، إِذ تَأخرت فِي الَرد عَليِه لِبضعة دَقائق لِتدرك أنهُ مَا زَال عَلى الهَاتف
" ياترى لسانك بلع حروفه ولا ايه "
" اكيد لاء ..ليه بتقول كده "
" سَاكته من وَقت ما كلمتيني ، مش سامع غير صوت أنفاسك من اول المكالمه "
أَطلقت تَنهيده مُنهكه مِن حَديثه
" انا هقفل .."
أَتاها الرَد بِلا مُبالاه وَقد بَان الاستِمتاع فِي حَديثُه
" اقفلي ، بس خليكي فاكره ، اللحظه اللي هتقفلي فيها هبيع السوار بتاعك فيها ومش هتعرفي ترجعيه تاني "
لِما لا اليِذ بِالفرار فَحسب ؟ هَل لِفُقداني لِلسوار حَقاً
أم انهُ لَدي الفِضول لِأرى نِهاية هَذه اللَعبه
أجفَلت " امنه " عَلى حَديثُه وَهو يَردف
" شايف انك لسه ماقفلتيش ..وبِما انك لسه معايا على الخط وماقفلتيش ، هَـــا بقى قوليلي بتحبي الرمان ولا حبيباته "
هُو أَردف أثَناء تَحركُه بَينما هَي تَلتقط صَوت خَطواتُه وَنبست
" حبيباته .."
" تَباً لي ، لاَ أُصدق أَنني أختَرت الأجَابه بَدلاً مِن أغلاَق الهَاتف
وَلكنهُ غَريب ، غَريب لِلغايه ، هَو يَستمر فِي قَول أَشياء مُبهمه مَحقونه بِالألغَاز وَالأحَاجي المُفككه
وَهذا مَا يَثير فِضولي بِأتجاهُه ، أُريد أَن أعرف المَزيد عَنه
" تعرفي إن الرمان ساعات بيبقي وراه اسرار محدش بياخد باله منها"
" اسرار مره واحده وياترى ايه هي اسراره "
سَألتهُ تَصفع نَفسها دَاخليًا لِتهدج صَوتها ، تُريد أن تُجاريه بِحديثُه المُبهم
"الرمان بيخبّي أسراره وكل حباية فيه حكاية… اللي يِفَرّق بين صوت الحبّة وصوت القشرة، هو اللي هيفهم "
مَاذا يَعني بِكلامُه هَذا ؟ هَل لِلرُمان أَصوات .. يَجب عَليا التَفرقه بَينهُم ، رُبما يَتعمد تَشويشي فَقط وَلكني سَأحاول تَشويشه ، لا أُريده أن يَنتصر عَلّي بِلعبُه بِالكَلمات المُبهمه
تَنفست " أمنه " وَزفرت بِراحه قَائله
"يمكن القشرة أوقات بتصون، والحبّة تفسد
او يمكن الرمان ما بيتكلمش أصلاً، يمكن إحنا اللي بنحط في ودانه اللي عايزين نسمعه"
انكَمشت أَنَاملها دَاخل كَفها وَقد اهتَز الكَثير فِي دَاخلها وَبُعثر بِشكل عَشوائي هَامسه بِداخلها
" فَليدهسني عِجل سَمين ..
مَ.. مَاالذي تَفوهت بِه لِلتو ، انَا حَتى لا أدرك مَعنى لِكلامي
اغمَضت عِينيها بِقوه ، صَافعه نَفسها دَاخلياً
"تَباً لَكِ أمنه جَاريتهُ بِغموضه ..فَماذا أن سَألك مَاذا تَقصدين ؟ وَأنتِ نَفسك لاَ تَفهمين "
كَانت ابتِساماتهُ المُتلاعبه تُنذرها بِحديثُه السَاخر
" مش هقولك تقصدي ايه عشان ماحرجكيش ، بس اللي عايزك تعرفيه انك هتعرفي قصدي قريب
بس اوعي تستعجلي الرمان عمره ما بيتفتح بغير اوانه "
أَغلقَ الهاتِف، فَتسَعت مِقلتـاها كَمَن ضُبِطَ مُتلبِّسًا بِدهشَته، ثُمَّ تَسرَّبت عَلى ثَغرِها ابتِسامَةٌ باهِتة، كَأنَّها اعتِرافٌ مُوارَب بِهزيمَةٍ صَغيرة لِكلماته عن ألا يُحرجها
نَهضت مِتوجهه نَاحية السِرير بِخطواتٍ مُتخدره لِجلوسها المِطول عَلى طَرف المَكتب وَفي سكونٍ داخليٍّ مُتصدّع، هَمست لِنفسها…
" حَديثُه .. لِأولِ مَره أَجدُ نَفسي أَنزَلقُ في حَوارٍ يَتَلوَّنُ كَالسِّحر، مَع رَجُلٍ يَختَبئُ خَلفَ أَلغازٍ لا تُشبِه سِوى مَتاهه. كَلامُه يَسري كَتيارٍ يَستفز نَبضي، وَمَع ذلِكَ يُغرينِي … كَمن يُحاوِل فَك طِلسم كتبَ عَلى جلدِ مَخطوطٍ قَديم.
لِماذا أَمسكتُ بالهَاتف؟ لِماذا لَم أُسقِط الخَيط قَبلَ أَن يَلتفَّ حَولي؟ الغُموضُ يَبتَلِعُه إِلى الحَدِّ الَّذي أَعمى عَينيَّ عَن مَكنونِه "
القَيت " امنه" جَسدها لِاكناف الفِراش لِشدة انهَاكها جَسديًا وَعقليًا ، تَسدل جِفناها لَعل الأَصوات التِي فِي عَقلها تَهدأ
.. .. .. .. 🍁. .. .. .. .. .. ..
ادخَل " موسى" هَاتفُه بِداخل جَيبُه يُبعثر خُصلاتُه بِيُسراه ، ثُم اتَجه دَاخل المَقهى خَاصتُه لِيُقابله
" نوح " بِبسمه سَاخره
" ايه ياسطا سايبنا نظبط ام الكافيه لوحدنا وواخدلك انت جنب وواقف على جنب "
احتَك بِكتفُه وَهو يَتجه نَاحية الحَائط لِيُعقب
" حاسس ان احنا قربنا نشوف عيالك يسطا "
بَلل " موسى " شَفتاه وَابتعد عَنهُ يَتجه نَحو البَراميل لِيرفع احَداها فَوق كَتفهُ
" تشوفلي عيال مره واحده من مكالمه تليفون ، طب قول للقمان الكلام ده .. هو اللي قرب يتجوز مش انا "
أودَع " أنس " سِكّينَةَ المَـعجونِ في صُندوقِ الطِّلاء، وأردف فيما كانَ يَسحَبُ بأنامِلِه على الجِدار
" لا يسطا بلاش نشوف خلفة شيماء فلتر عشان مش عايزين عيال متفلترين "
ضَحك " نوح " بِصوتٍ عَالي فِيما كَان يُقطع القِطع الخَشبيه بِالمُنشار اليَدوي
" عليا الطلاق قولت كلمة حق يسطا ، البلد مش ناقصه فلاتر "
تَناول " لُقمان " حِفنه مِن المَسامير بِجانبُه أثنَاء
حَديثُه
" ما تبس يلا انت وهو ، وبلاش القاعده تبقى عليا الله يكرمكم عشان الواحد خلاص على اخرُه "
دَق " لُقمان " المُسمار " بِداخل الحَائط طَالباً
" ادم ، ناولني مسمار صُلب مِن عندك الله يكرمك"
التَقط " ادم " حِفنه مِن المَسامير عَلى الطَاوله سَائلاً
" هو انت وشيماء متخانقين "
استَقبل "لُقمان" سُؤالهُ بِصَمتٍ مُطبق، فانتَزع "نُوح" الكَلامَ عَنهُ وهَتفَ
" انا مش عارف البت دي بيجلها قلب تتخانق معاك ازاي .. مش كفايه انها لاقت واحد عبيط زيك يرضى بيها "
كَرر " لقمان" طَلبُه بِانفعال يَضع المَطرقه عَلى المَقعد بِجواره
" انا مش قولتلكوا فككوا مني ياجدعان ، والله ما طايق نفسي ولا طايقك يانوح انت بالذات ففكك مني يسطا الله يكرمك "
تَوقف الجَميع عَن العَمل حَالما لَمحوا الانفعَال وَاضحًا عَلى وَجه " لقمان " فَأردف " انس"
" خلاص يسطا اهدى نوح بيهزر معاك عادي ما انت عارفه ، بلاش القفش ورقم تمانيه اللي ظهر على وش امك ده "
مَسح "موسى" بِكفه عَلى عُنقه بِتعب ، ثُم اتجَه إِلى السَخان الكَهرَبائي، وَوصَلهُ بِالمِقبَس، ليُعِد الشَاي
" جايبلكم بقى شوية شاي معايا من العراق ، هتحلفوا انكوا مش هتشربوا تاني "
انتَقل بَصرُه نَحو " ادم " طَالباً
" ادم ، انت ايدك نضيفه افرش الكراتين دي في الارض عشان نقعد عليها "
جَلس الجَميع فِي دَائرة مُتقابلة، بيِنما كَان "موسى" يَصُب الشَاي فِي الأكوَاب وَيناولها إليِهم واحدًا تلو الآخر ، ارتَشف " لقمان " مِن كُوبِه بِاشمئزاز
" يــع ، يسطا ايه القرف ده يسطا ، ما تشربنا شاي طبيعي ، تسمع عن شاي العروسه ابو نشاره ده "
تَناول " ادم " كُوب الشَاي الخَاص بِه وَقد رَاق لهُ
" تسلم ايدك ياموسى "
" بالف هنا يا ادم "
قَالها " موسى" وَهو يَنقر بِسبابته عَلى كِتفي
" نوح" قائلاً
" خش شويه ياسيدنا ، خليني اقعد "
ثُم أشَار بِعينيه عَلى " ادم " بِشبح ابتِسامه"
" شايفين الذوق ، مش زيكم الذوق ما يعرفش طريق اهاليكم ، يابني انت وهو ، هو في حد يعرف يشرب شاي شجر الاكاسيا "
حَرك " انس " رَأسُه وَهو يَرتشف مِن قِدحُه
" يادي ام الشجر الاصفر ده يسطا اللي واكل دماغك "
" اه واكل دماغي ، خليك في حالك "
استَدار " لقمان " لِشقيقه فَرمقهُ " موسى " بِأصرار عَلى مَا سَأل
" مش هتقول بقى مالك يالقمان متعكنن من ساعة ما جيت من المشوار اللي قولتلي انك رايحه ومن اول ما رجلك خطت الكافيه وانت ساكت "
حِين سَمع " لقمان " سُؤاله شَعر بِأن الكَون يَضيق مِن حَوله وَقبل أن يَدلي بِاعتراضُه سَمع " نوح " يَقول
" ماتنجز يابني وقول في ايه احنا هناكلك "
هَز رَأسُه مِوافقاً بِالأجابه
" فاكرين البت اللي روحت المدرسه وانقذتها وعملت فيها الواد باتمان اللي بتجري وراه النسوان
والبطل الهمام اللي مافيش منه اتنين في الشام "
هَز الجَميع رَأسُه بِالأجابه لِيُعقب
" اهي البت دي بقى ابوها جابني بيته علشان يعرف مين اللي كان عايز يخليها تنط من فوق سطح المدرسه ، وانا رايح وفارد نفسي بقى هقول الحقيقه وان البت الملزقه ليلاس اللي جاتلي الچيم ووقفت الحاره على صباع رجل ، البت دي المفروض تبقى اختها اساساً هي اللي كانت بتحرضها انها ترمي نفسها وبتاع ، لاقيتلك البت نورا ولا نور مش فاكر اسمها ايه حتى ، جاتلي وقالتلي اقول ان مافيش حد كان عايزها تخليها تنط ، وان هي اللي كانت عايزه تنط بمزاجها "
ابتَسم " انس " قَبل أن يَوقف حَديثُه
" طيب ما انت مالك يسطا ان شالله يولعوا كلهم على بعض "
أستَدار لهُ وَهو يَخبرُه
" ما انا قولت كده يسطا وقولت هقوله الحقيقه ويولعوا كلهم سوا ، بس بنت ال ... حطتني بين اختيارين يا اما اقول ان مكانش في حد بيحرضها انها ترمي نفسها يا اما هتشيلني انا الليله دي كلها وبكده هاروح في ستين داهيه والوظيفه هاتروح مني ، فاضطريت اقبل عشان خاطر شيماء ، شيماء لو عرفت اني ما اخدتش الشغلانه دي هتزعل اوي
وانا مش عايز ازعلها وعايز احققلها كل اللي نفسها فيه ، وشغلانه زي دي هترفعنا لفوق وده اللي خلاني اسكت "
انتَبه لـ " موسى " الذِي حَدثهُ بِرفق
" وطبعاً لَما تروح المدرسه مش هتقدر ترفع عينك فيهم عشان مشوا كلمتهم عليك "
أَردف " لقمان " بِقلق غَلفهُ
" الله ينور عليك يسطا ، وبالذات البت اللي اسمها ليلاس دي .. غمزتلي حتة غمزه وانا طالع من عندهم ، حسستني ان انا ولا حاجه .. العيال عيال الاغنيا دول ، بيمشوا كل حاجه تحت رجليهم وانا مش كده ، وخلاص الساعه دلوقتي بقت سته الصبح واول حصه ليا الساعه تسعه ، ومش عارف همشي مع العيال ولاد اللذين دول ازاي "
دَلك " نوح " جَبينُه ليِنهَض
" يسطا محلوله وعهد الله محلوله ، ده انتَ اللي فيه ده مايجيش ذره في اللي حصلي النهارده وعهد ربنا "
انتَقلت الانظَار عَليه لِيمسك هُو طَرف الحَديث يَشير بَعينيه الىّ " موسى "
" يسطا لما قولتلك انا عايز المكنه بتاعتك اعمل بيها مشوار النهارده كان معايا ميعاد مع بت اسمها
ليان بت من بتوع ايچيبت في التجمع الخامس روحت يسطا وانا لابس الطقمايه السودا والسلسله الدهب وفاتح القميص لحد سُرتي "
أشار " نوح " عَلى أَسفَل مِعدتُه ، لِيرى انظَار الجَميع عَلى مِعدتُه انتَبه عَلى مَوضع سُبابته يَرفع
يَدهُ لِلأعلى قَليلاً وَهو يُصحح
" لا مؤاخذه يارجاله ، اقصد هنا ..
ابتَلع " نوح " مَا فِي حَلقُه لِيردف
" ام هند يسطا .. لاقيتلك البت ايــــــه
فــلقــه ، عليا الطلاق فورتيكه يسطا منك لي ، فلقة قشطه تقول للفلتر قوم وانا اقعد مكانك "
نَظر لـ " لُقمان " وَهو يَردف
" لا مؤاخذه يا لقمان "
ايمَاءه بَسيطه صَدرت مِن "لُقمان" مَع شِبه ابتِسامه
" لا ياحبيبي خد راحتك "
" المهم البت شوفتها من هنا وقلبي وقع من هنا ، خدود ايه حمرا على بيضا على شعر اصفر امها لبنانيه وابوها مصري ، قعدنا شويه لاقيتها بتطلب
حاجات كده باللبناني والمكان يسطا هناك غالي ، وانا خايف على الالفين وخمسميه بتوع الجمعيه اللي معايا
اخذَ يِعد عَلى اصَابعه مُتمتماً
" وانا يسطا شغال احسبها وبتاع ، لاقيتلك الويتر بيقولي تشرب ايه ؟ روحت بالع نفسي وبكل ثقه وبتاع قولتله شاي بالنعناع "
القعده يسطا قربت تخلص والبت كل مشاكلها الحزينه ان ضافرها اتكسر وهي حزينه عليه وانا كل اللي هممني في القاعده وشاغل دماغي الكلام هيرسي على ايه ، ما انا خايف على فلوس الجمعيه اللي كنت مخبيها في الجلابيه "
ضَحك " موسى " عَلى طَريقتُه بِالحديث لِيردف
" وبعدين يسطا عملت ايه طلع الحساب كام "
قَضم " نوح " عَلى شَفاهه نَافياً
" سييك من الحساب يسطا ، انا كنت مسلم امري للذي لا يغفل ولا ينام وقولت هي حبسه ولا اكتر ، بس قبل ما اعرف الحساب والويتر جاي عليا لاقيت ابوها قعد في النص ما بينا
لاقيته بيسلم علينا وبيبوسها من خدها وبتاع بيقولها وحشتيني
أشَار بِيدُه بِحركه دَائريه
" وانا قاعد يسطا كده ومافيش اي احترام ليا خالص "
نَبس " انس " يَعقد حَاجبيه بِاستفسار
" يابني انت مش بتقول انه ابوها "
أجَابُه " نوح " يَرفع سُبابتهُ بِالايجاب
" طب وهو ده مبرر عشان يبوسها ده انا الواد بتاعها ومحاولتش ابوسها "
رَد " لقمان " سَاخراً بِضحكه مَكتومه
"لا في دي عندك حق "
" ام هند يسطا منك لي .. فضلت بقى اشد وارخي مع الراجل واجيب التيت ابن عم الشريط واتسأل بالسين وارد بالجيم ، والالف والباء تعبوا معايا بصراحه ، مابقيتش عارف اجيبه منين ويجيلي منين وبيقولي انه بنته بتاخد خمسين الف جنيه في الشهر "
قَاطعهُ " انس " سَائلاً
" ليه بتغسل كلى ولا ايه "
أشَار " نوح " بِيده فِي وَجهه
" ياعم دي لو بتشتريها مش هتاخد المبلغ ده كله"
ضَحك " ادم " عَلى حَديثُه بِينما تَحدث " لقمان " سَائلاً
" ياعم كنت سيبه وامشي وقلبظ دماغك منه "
" حاولت يسطا عليا النعمه بس ماعرفتش اخوك فقري لاقيت ابوها بيقولي اضمن مستقبل بنتي ازاي منك"
اشَار " موسى " ضَاحكاً
" كنت قولتله ياسيدنا هاروح اسجلهالك في الشهر العقاري "
ضَحك الجَميع بَينما " نوح " رَد يَضع كَفه عَلى جَيب سِرواله
" المهم حطيت ايدي على فلوس الجمعيه اللي في جيبي وقولتلهم داخل الحمام وبتاع وفلقت منهم ورجعت معايا فلوس الجمعيه الحمدلله
وطلعوا كانوا عاملنلي كامين ولاد ال.. عايزين يلبسوني جوازه اكمني قايلهم اني غني وبتاع .. الراجل ابن ال.. كان ناقص يمضيني على سروالي الابيض الداخلي .. بس اخوك سداد وعرف يصد الهجمات "
وَضع " موسى " كوب الشَاي بِالمنتصف بَعدما انتَهى مِنه
" المهم جيت ترمي شباكك عليهم ، قالوا يشقوا الشبكه اتنين .."
رَد " نوح " عَليه وَهو يَشير بِرأسِه بِالأيجاب
" حصل ياخويا .. حصل كنت فاكرهم مليانين طلعوا مصديين اكتر من العبدلله "
امتلئ المَكان بِأصوات ضَحكاتهم العَاليه بَينما
" ادم " نَبس مِن بَين قَهقهاته لِتخرج كَلماتُه بِشكل مُتقطع "
" ياريتني كنت ، كنت زيك ، واقدر افلسع كده من اي حد عايز يستغلني ، كل دكتور اول ما يلاقيني بعرف احل اي قضيه وبطلع الاول على الدفعه كل سنه ، يقولي اشتغل معاه في الضل من غير ما حد يعرف "
صَمت الجَميع واتَجهت الأنظَار نَحوه ، لِيردف
" ادم " بِنبره حَزينه
" مافيش ولا دكتور فيهم ، عايز يقول لحد انه بيشتغل عنده محامي عنده نسبة توحد ومش طبيعي ، علشان سمعة المكتب بتاعته ، بس كلهم عايزني في الدرى ، محدش عايز يقول ان ادم بيشتغل معاه ، كلهم كده "
قَضم عَلى شَفتاه يَشد عَلى قَبضتُه ، يَشعر بِحرقه فِي أنفُه وَعيناه لِكتمُه دمُوعه وَأردف
" عاوزين احل القضايا اللي بتجيلهم من غير ما حد يعرف اني بشتغل معاهم وهما اللي اسمهم يلمع في السما وانا افضل طول عمري في الدرا وبس "
اقتَرب مِنهُ " موسى " بِحذر ، مَع مُراعاة عَدم لَمسُه
" بلاش تحبس دموعك يا ادم لو عايز تبكي ابكي
مافيش حد غريب ما بينا "
لَقد هَطلت دِموعه بِغزاره الأَن
سَاد الصَمت بَينهم وَهم يَتبادلون النَظرات، حَاول "أنس" أن يَتحدث لَكن "موسى" بَتر حَديثُه بِنظرة عَيناه فَتنهّد "نوح" فِي ضِيق وَهو مُتمتمًا
" ما خلاص بقى يا ادم في راجل بيعيط "
عَقد " موسى " يَده خَلف ظَهره واقتَرب مِنهُ أكثَر
" مش عارف انا مين اللي اخترع إن الرجالة ما بتعيطش والله
إحنا مش حجر، إحنا لحم ودم وقلب بيتخنق من كتر الكبت .. الدموع مش عيب، العيب الحقيقي إنك تقع وتسيب نفسك مرميه
الدموع عمرها ما كانت نهاية الرجوله يانوح الدمعة اللي تنزل وتتمسح بإيدك التانية قبل ما حد يشوفها، دي علامة قوه مش ضعف
الرجولة مش إنك ما تضعفش، الرجولة إنك تضعف دقيقة وتقوم بعدها تكمل
وَجه " موسى " حَديثُه لـ " ادم "
أوعى تفتكر يا ادم إن اللي بيستغلك أو بيكسر عزيمتك أذكى منك بالعكس
همّ أضعف منك بكتير، بس اتعودوا يركبوا على اللي عنده موهبه زيك والله
امشي في طريقك، وإوعى تدي لحد مفاتيح قلبك ولا دموعك وطظ في أي لقب وأي كرسي وأي شهادة مش شايفة قيمتك ياخويا "
شِبه بَسمه طَفيفه ظَهرت عَلى ثِغر " لقمان " وَمد يَدهُ بِهدوء لِيمسح دِموع شَقيقُه لَكن تَوقفت يَدهُ فِي مُنتصف الطَريق حِينَ انتَفض " ادم " مُبتعداً
" خلاص ياعم ادم امسح دموعك انت ، وبالله عليك ما تزعل نفسك ، عشان انت بالذات زعلك غالي عندنا كلنا "
جَلس " نوح " عَلى الكُرسي الخَشبي بِجواره
" ما خلاص بقى ياعم ادم بدل ما اروح ادمدملك دماغ امه دلوقتي المحامي ولا الدكتور بتاعك ده "
دَحرج " انس " مِقلتاه صَوبه
" ما بلاش انتَ يانوح بدل ما تاخد علقه زي بتاعت سعد المره اللي فاتت "
ابتَسم الجَميع ، وارتَسمت الضَحكه عَلى شِفاه "ادم" وَفي تَلك اللحظَة ، أدرَك "آدم" أن الدموع التي أفلتت لم تكن ضعفًا
بل كَانت جسرًا أعَاد إليِه إخوتُه عبورَه، ليذكّروه أن وَحدته وَهم، وأنهُ مَهما تَاه وَضاع، سَيظل بَينهم قلبٌ وَاحد يَنبض لَهم جميعًا
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
سَماء " القاهره " حَزينه بِلونها الشَاحب والسُحب قَد تَبعثرت هُنا وَ هُناك لِتسبح فِي الفَضاء بِبُطىء انهُ طَقس " حبيبه" المُفضل فَهي تَكره الشَمس السَاطعه
" ماما .. انا حضرتلك الفطار "
أَردفت بِها " حبيبه " أثنَاء وَضع الصِينيه عَلى الطَاوله لِتوجه " والدتها " ابتِسامه مُرحبه نَحوها
فَبادلتها " حبيبه " بِواحده أكثَر تَودداً
لِتزيح السَتائر السَوداء وتَتسلل أشِعة الشَمس الخَافته الىّ الغُرفه تُبدد شَيئاً مِن وَطأة الظَلام الذِي خَيم طَويلاً
" لا ، بس عيني عليكي النهارده بارده صاحيه بتضحكي ووشك منور يا امي "
اومَأت " والدتها " اليِها بِابتسامه حَنونه تَستعد لِلنهوض مِن عَلى الفِراش ، وَقبل أن تَنهض استَوقفتها " حبيبه " بِالوقوف امَامها بِوجه بَشوش
" والله ما انتِ قايمه خليكي ياماما مكانك .. انا هجيبلك الاكل لحد السرير ، ده انا ما بصدق اشوف ضحكتك الحلوه دي كل فين وفين "
" للدرجه دي انا بقيت نكديه وبقت توحشك ضحكتي ياحبيبه "
أحضَرت " حبيبه " الطاوله المُتحركه وَجلست عَلى
طَرف الفِراش مُقابلها وَنفيت
" لا ، ماقصدش والله "
دَفعت " حبيبه " بِطبق البَيض المَسلوق أَمامها لُتعقب
" انا بس اقصد انك بقيتي بتفكري كتير ودماغك دايمًا مابتوقفش تفكير ، عشان كده تلاقيني مابشوفش ضحكتك كتير "
شَرعت " والدتها " بِحشو مِعدتها بِالطعام وَحينَ انتَهت ، بَدأت " حبيبه " في جَمع الأَطباق الفَارغه
وَهي تَنبس
" ايه رايك النهارده الشمس يادوبك طالعه وده الجو اللي بحبه انا وانتِ
وَضعت " حبيبه " الاطباق جَانباً
"تيجي بعد ما انزل الاطباق ناخد فناجين القهوه السخنه اللي انا محضراها ، ونتمشى شويه في الجنينه نشربها تحت "
اطلَقت " والدتها " تَنهيده يَائسه تَحتسي أخر قَطراتٍ مِن قِدح الشّاي
" معنديش مانع طالما اخوكي مشي ، وانا وهو مش تحت سقف واحد ، بعادُه عني بيخليني اتنفس واحس اني بقيت احسن "
كَانت " حبيبه " تَمسح الطَاوله ، وَحين سَمعت كَلماتها تَوقفت تُعاتبها
" ليه كده ياماما ، ده موسى بيحبك ، ليه بتكرهيه
الكُره ده كله ، ده متحمل القعده في القصر ده ومتحمل تحكمات بابا وشغله وقرفه عشانك "
مَقلتي " حبيبه " البُندقيه فَتشتها لِتثير ارتِباكها
" ماتبصليش كده ياحبيبه ، انتِ ماتعرفيش حاجه"
"ومش هَعرف… مش هَعرف أبداً ليه الكُره ده ساكن في قلبِك ناحية موسى، إلا لو إنتِ اللي قلتيلي
إيه اللي عمله موسى يستاهل كل العذاب ده
ليه حاطّة عُمره على كفّه وبتحمّليه وزر السنين اللي فاتت؟ ليه بتعذبيه… وبتعذبيني معاه؟
ليه مانسيبش القصر ده ونفلت من بابا ونعيش بعيد، حياة نضيفة، حياة موسى يقدر يوفّرها لنا من تعبه وعرقه؟ ليه سايبه بابا يمسك بخناق موسى عشان عارف إنك عمرك ما هتقدري تسيبي القصر… وإنك مربوطة فيه كأنه سجننا الأبدي وابويا هو السجان "
أَشاحت " والدتها " بِوجهها عَنها وَرمت بِكأس القَهوه السَاخن جَانبًا لِتعبر عَن غَضبها ، تَأوهت
" حبيبه " مِن القَهوه السَاخنه التّي اصطَدمت بِكف يَدها ، وَلم تَلتفت لَها وَالدتها بِل تَابعت
" عشان كل ما وجعه يزيد قدّامي، أحس النار اللي في قلبي بتبرد ، كل تنهيدة بيمدّها، كل نظرة انكسار في عينه بتروّيني .. مش بس بارتاح لاء
انا بحس ان روحي بتهدا ، بحس إنّي بشفي ناري منه، يمكن وجعي يخف من اللي عمله "
وَضعت " حبيبه " أنَاملها عَلى مَوضع الحَرق بِملامح مُتألمه
" بقالك سنين بترددي نفس الكلام ، مابسمعش غيره وبقالي سنين ماشوفتش منه غير انه بيعاملك احسن معامله كان ممكن يقول انا مالي زي هارون الله يرحمه ومايبصش في وشنا ، كان ممكن يسيبنا ويبعد ومايهمهوش بقى اذا كنتي هتنتحري ولا بابا يموتك ولا يطردك ، بس انتِ مش لاقيه حاجه تقوليها ، غير انه كرهك لي عماكي ، عماكي حتى انك تشوفي ان بنتك ايدها اتسلخت من القهوه اللي دلقتيها عليها "
حَاولت " والدتها " التَظاهر بِأنها لَم تَتأثر بِحديثها
وَحينَ غَادرت ابنَتها ، قَبضت عَلى المِلاءه
لِلحظه خَاطفه تَجمعت طَبقه زُجاجيه عَلى عَيناها وَاغمَضت عَيناها عَل مَدمعها يَجف
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..
وَقف الشَباب أمَام المَقهى يَستعدوا لِلرحيل ، تتشَابك الأصوَات مَع صَرير المُحرك الذِي أيقَظهُ "موسى" وَهو يُثبّت خُوذته بِأحكام
" ايه يانوح واقف كده ليه مش هاتروح معانا "
طَالع " نوح " عَقارب سَاعتُه يَجيبُه نَافيًا
" لا انا هستنى بشر ، زمانه جاي
انا قولتله يجيب التروسيكل بتاعه ويلم الكراتين والكراكيب دي كلها "
أومَأ لهُ "موسى" بِرأسُه، وأصَابعهُ تَضغط بِثبات عَلى مَكابح دراجتُه
" طيب ياسيدنا عملت خير"
لَمح " نوح " ابتِسامة " موسى " الجَانبيه تَنخفض تَدريجِيًا ، فَاقترب مِنه هَامسًا بِأذُنه
" يسطا مش عايزين ننسى بشر يسطا معانا ده عيل غلبان وعهد الله ، عايزينه يطلع معانا بمصلحه "
عَادت ابتِسامة " موسى " لَهُ يَضغط بِقدمه عَلى المَكابح بِقوه
" ياسيدنا عارف انك هتقول كده ومن غير ما تقول والله حاطه في دماغي "
اخرَج " موسى " النِقود مِن جيبه يَضعها بِداخل كَفُه قَائلاً
" خد ياسيدنا ، اديلوا المبلغ ده وخلي يلم الدنيا دي كلها ، وقولوا يعمل حسابه انه معانا في الكافيه بس اول ما نفتحه ، معانا بقى على اي وضع تمام "
اشَار " نوح " بِالأيجاب بَينما هَتف " موسى " الى
" لقمان "
" لقمان تعالى ورايا هوصلك للمدرسه عشان ما تتأخرش وانت يا انس روح ادم على البيت واطلع على شغلك
جَلس "لقمان " خَلفه يَعتدل بِجلستُه استِعداداً لِلطريق بينما غَادر كُلاً مِن "انس" و"ادم" يُتابع
"نوح " خَطواتهم المُبتعده بِعينيه وَما أن ابتَعدوا حَتى لَمح مَن يَقترب مِنه بِخطواتٍ تَحمل دِفئًا مَألوفًا وَشوقًا واضحًا لاَ يُخفَى
" ازيك يانوح "
أرجَع رَأسُه لِلخلف مُتكتف فِي ضِيق لِيُجيبها بِنبره جَاهد لِيجعلها هَادئه
" ازيك انتِ ياوفاء ، بتعملي ايه هنا وعرفتي اني هنا ازاي "
أردَف وَانقبِض قَلبها مِن نَبرتُه الوَاضحه بِعدم التَرحيب بِها
" انا ، انا كنت هنا في مستشفى التأمين لسه اول مره ليا في نباطشية الممرضين وانا طالعه شوفت انس وادم طالعين على الشارع عشان يركبوا ولاقيتك واقف بالصدفه ، فقولت يعني
بَللت حَلقها بِريقها الجَاف
" اجي اسلم عليك وبالمره اسألك مابتردش عليا ليه بقالك فتره وكل ما اتصل بيك حد من اخواتك يرد عليا ، وبعد الشر يعني حد فيهم قالي انك مت"
مَسح بِأرنبة أنفُه عَلى سُبابته وَقد شَعرت بِتهربُه مِن الاجَابه لِذلك سَألت بِدموع تُجاهد اخفَائها
" انتَ مابقيتش تحبني زي الاول يانوح "
تَبسم سَاخراً ، يَميل بِرأسُه يُسره ليُجيب بِنبره مُستفزه
" هو انا كل ما غيب عنك شهرين تلاته ولا مردش عليكي اول خمستاشر مره ابقى مابحبكيش ياوفاء ..
فَتحت ثَغرها لِتجيبُه وَلكنه قَاطعها وَعلى ثِغره تِلك
الابتِسامه الجَانبيه
" يابت والله بحبك ، طمني قلبك ده .. وزي ما انتِ شايفه انا مشغول قد ايه مع اخواتي يعني مابلعبش وربنا عالم اليومين دول الدنيا مزنقه معايا اوي ومحتاج قرشين ومش عايز اقولك تفتكري اني عايز منك حاجه "
تَبسم حَتى تَجعدت أطرَاف جِفنيه وَكأنهُ قَد أوصَلها لِلمصب
" والله يانوح انا مابقاش حيلتي حاجه اخر مره بعتلك الغويشتين بتوعي ، وقولت لماما انهم اتسرقوا مش عارفه اساعدك ازاي تاني مع اني والله نفسي اساعدك "
اتَكأ بِكتفُه الأَيمن عَلى البَاب وَقد كَان فِي قِمة الوَداعه
" وانا قولتلك هاتي فلوس ياوفاء ولا عايز منك حاجه انتِ كده بتشتميني ، ليه بس كده يا وفاء تزعليني منك ، وعلى الغويشتين ياستي هرجعهملك بلاش كل شويه تفكريني بيهم "
ظَهر القَلق فِي مِقلتيها حِين بَدا انزِعاجه مِنها لِتردف مُسرعه تَنزع الخَاتم الوَحيد مِن أصبعها
" والله ابداً ما اقصد يانوح ، انا بس بحاول اقف جنبك مش اكتر وتعرف قد ايه انا شايله همك ، حتى .. حتى عشان تعرف اني نيتي خير خد الخاتم ده ماما جابتهولي في عيد ميلادي فك بي ضيقتك دلوقتي وان شاء الله لما تفتحوا الكافيه والامور تتعدل ابقى رجعهولي "
تَنهد وَقد رَاق له رَدها كَثيراً
" اه ياختي وترجعي تقولي فين الغويشتين وفين الخاتم ، مع اني مابطلبش ياوفاء ، انتِ اللي بتيجي تديني "
أخفَى ابتِسامتُه التّي كَادت تَطفو عَلى السَطح
وَلمحت شَيئًا فِي عِينيه بَدا رِضاه بِهما
" والله ابداً مش هقولك كده تاني وبعدين مش انت دايماً بتقولي ان احنا الاتنين واحد ، خد بقى ما تكسفش ايدي "
" يــــاه ، ياوفاء لو مكنتيش تمصممه "
مَد يَده يَضع الخَاتم بِداخل جَيب بِنطاله الخَلفي اثنَاء حَديثُه
" يلا بقى روحي دلوقتي وانا اول ما اخلص شغل الكافيه هكلمك على طول "
اتَى " بشر " يَركن التروسيكل خَاصتهُ جَانبًا يَلقي التَحيه
" ازيك ياوفاء "
أومَأت لهُ بِأبتسامه وَهي تُغادر
" ازيك انتَ يابشر "
وَحينَ رَحلت اتَجه " بِشر " الى صَديقُه وَقد بَدا عَلى تَقاسيمُه الغَضب
" انت مش قولت انك سيبت البت دي يانوح "
هَز كِتفيه بِلا مُبالاه
" اعملها ايه هي اللي بتشوفني عنيها تطلع قلوب "
" لا ياراجل ، يعني مش انت اللي فضلت تجري وراها بالشهور لحد ما عبرتك "
استَدار " نوح" وَتبسم بِزاويه اوسَع وَكأنهُ رَاضي جِداً عَما حَدث
" اه انا ، بس في الاخر جت زيها زي غيرها وبقت تجري ورايا كمان "
" البت دي طيبه يانوح مش زي اي حد عرفته ، سيبها في حالها وخليها تشوف نصيبها وبعدين دي جارتك يا اخي والجيره ليها حق عليك "
كَانت نَبرتهُ حَاده كَما كَانت مَلامحهُ أيضًا ، لِيهدىء
" نوح " مِن رَوعه قَليلاً
" خلاص ياعم اهدى مش هكلمها تاني ، انا عارف انها هي اللي بتيجي تدي لامك الحقنه وجارتكم وبتاع "
رَبت عَلى كِتفُه بِحده
" بس مش عايزك تنسى ان انا صاحبك اللي مالكش في الدنيا غيره "
.. ... .. .. 🍁. .. ... .. ..
"العيال اللي جوا المدرسة دول يا لقمان، شايفينك مش أكتر من لعبة جديدة، هيلعبوا بيها، يضحكوا شوية عليها ، وبعدين أول ما يلاقوك اتكسرت هيملّوا منك وهيرموك زي أي حاجه اتكسرت ومابقاش ليها لازمه
بس هنا الفرق... الشاطر مش اللي يستنى مصيره، الشاطر هو اللي يقلب الطرابيزه عليهم قبل ما يحسّوا إنهم مسيطرين
واجههم بعيون ثابتة، خليهم يحسوا إنك شايفهم على حقيقتهم، وإنك قادر تشوف اللي جواهم بنفس خبثهم ، وخليهم من اول مره يحسوا انهم مش قدك "
زَفر " لقمان " أثنَاء دِخوله لِلمدرسه بَعد تَوديع "موسى" وَحديثُه ذَلك لاَ يُبارح عَقلُه ، تَحرك بِثقه دَاخل المَبنى ليِرى ثَلاث فَتيات يَشرن نَحوه وَيتحدثن فِيما بَينهن ، وَلكنهُ التَفت اليِهُن نَظر لِبرهه ، ثُم ابتَسم لَهن بِزيف
" بيقولوا ان المستر الجديد باباه فران ومن حي من الاحياء الشعبيه اللي في السويس "
قَلب عَيناهُ بِضجر يُحاول تَمالك نَفسُه ، أكمَل طَريقُه يَصعد الدَرجات التّي أَمام البَاب الرَئيسي لِقسم المَبنى الثَانوي ، وبِكُل تَأكيد لَم يَسلم مِن هَمسات الطُلاب أثناء سَيرُه بِالرواق ، وَبات يَشعر بِالأشمئزاز مِن نَظراتهم تِلك
أَسرع يُتابع خُطاه نَحو قَاعتُه، قاعة فَريدة بِمظهرها، أَشبه بِمسرحٍ صَغير ، لَم يَكُن مُجرد حُجره مَدرسيه ، المَدرجات تُرتّب بِحلقاتٍ نِصف دائريّة تُطوّق المَكان، تَرتفع خَمس دَرجات مُتتاليه تُعطي كُل طالب مَجالاً للنَظر مُباشرة نَحو المَنصّة. السَقف مُقبّب تُضيئه نَوافذ عُليا تُلقي أَشعة شَمس مُتناثرة كَخيوطٍ مُغبرّة فَوق المَقاعد.
يَدخُل الطُلاب مِن بَابٍ عَريض أَعلى المُدرج، بَينما يَدخُل "لقمان" مِن بَابٍ جانبيّ أَسفل القاعة يَؤدّي مُباشرةً إِلى مَكتبُه. مَكتبٌ وُضِع على مَنصّة صَغيرة ترتفع دَرجتَين، وَخلفه سَبّورة الكترونيّة عَريضة كَلوحٍ مُضيء يَملأ الجِدار. كُل التَفاصيل تَجعل المَكان يُوحِي بِمهابةٍ مَسرحيّة
بَدأ الطُلاب بِالدخول واحداً تِلو الأَخر ، لِتقع مِقلتاه
عَلى " نورا " مِن بَينهم أَومَأت لهُ بِرأسها ، وابتَسم هُو لَها يِشير لَها بِالجلوس
دَخلت " نورا " الصَف وَجلست فِي أول كُرسي مِن جَانب البَاب بِالأعلى
التَفت " لقمان" وَما بَدأ بِالكتابه عَلى السَبوره الألكترونيه حَتى سَمع صَوت يَدين عَلى الطَاوله
لِدرجة أغلَقت " نورا " مِنهُما عَيناها ثُم فَتحتهما بِبطىء وَياليتها لَم تَفعل لِتجد " ليلاس " تَقف أمَامها وَخلفها جَماعتها المُكونه مِن ثَلاث فَتيات وَشابين لِتردف
"What a beautiful morning that began with seeing Noura Karem, where is the nearest road to hell, please?"
"ياله من صباح جميل بدأ برؤية نورا كارم، أين أقرب طريق للجحيم من فضلكم"
ضَحك الطُلاب عَلى حَديثها ، بَينما رَسمت " نورا " ابتِسامه زَائفه عَلى وَجهها والخَوف يَملىء تَقاسيمها مُعتذره
" صباح الخير ياليلاس ، اسفه مكنتش اعرف انك عايزه تقعدي هنا النهارده "
تَدخل " لقمان " بَينهما مُسرعًا بِقول
" خليكي يانورا رايحه فين انتِ جيتي هنا الاول يبقى ده مكانك "
تحرّكت نُورَا وهي تَتحدث ، واضعةً الأقلامَ في جوف حقيبتها
" معلش يامستر لقمان انا اصلاً ما بعرفش اشوف من قدام خليني اقعد ورا احسن "
ابتَسمت " ليلاس " بِسخريه كَما هُو المِتوقع مِنها
جَالسه عَلى المَقعد وَمقلتيها الرُماديه لا تُفارق عَينا
" لقمان " قَائله مُتحديا ايَاه
" صباح الخير يامستر "
" اللي زيك الخير بيتقلب شر لمجرد ان شوفنا وشوشهم "
أَخذت تُداعب بأطراف أَصابِعها خُصلات شَعرها، تَلوِّيها وتُرسِلها من بَين أناملها، ثُم التَفتت إِليه قائلة
"بجد .. طيب ليه تِخلّي يومك يِتعكَّر لمَّا عينيك تِقع عليّا؟ قدِّم استقالتك وابعد خالص… وانت مش هتشوف وِشي تاني"
زَفر " لقمان " بِملل يَتجاهل حَديثها الأخير ، يَعود الى السبوره الألكترونيه خَاصتُه
لُترفع " ليلاس " قَدمها عَلى الطَاوله تَضع قَدم فَوق الأُخرى تَعلن تَحديها لهُ فِي العَلن أَمام الجَميع
... .. .. .. 🍁. .... .. .. ..
امنه ..
" اصحي بقى يا امنه ، بقالك كتير اوي نايمه "
عَقدت حَاجباها لِيدٍ تَهز كَتفاها بِخفه ، لِتنفرج رِموشها تُطالع الأَرجاء فِي خمول
" ليه ، هي الساعه كام دلوقتي يامصطفى "
نَبست وَحلقها مُتخدش مِن العَطش ، تَتوجه نَحو أبريِق المَاء تُبلل جَفاف لِسانها
" احنا خلاص داخلين على العصر وجدك لحد دلوقتي ماتغداش مش راضي يتغدا من غيرك "
أَومَأت لهُ أثنَاء شُربها لِلماء ، وَقد انتَبهت لِلهاتف بِجوارها حِينها عَادت لَها ذَاكرتها
" مُكالمتُه ، والوَرق الأَسود عَلى هَيئة تَنينٍ صَغير ،
وَحديثُه المُبهم عَن الرُمان "
زَفرت عَندما خَرجت مِن الحُجره لِتجلس فِي مَقعدها بَعدما القَت التَحيه عَلى جَدها لِتجد عَلى الطَاوله خُبز إيِطالي مُحمّص مَع زَيت الزَيِتون وَالأعشَاب، وَشوربَة كَريم مَشروم سَاخنة، وَسلطة جَرجير بِالبارميزَان
" كلي بقى وقوليلي رأيك يا امنه انفع ابقى طباخ شاطر ولا لاء "
نَبس " مُصطفى " وَهو يُحرك عَجلات كُرسيه أَمامها بَينما " الـجد" كَان يُحرك حِساءُه بِبطء ، لِتبدأ هَي بِتقطيع الخُبز مُردفه
" ريحة الاكل تجنن ، حقك عليا المفروض كنت حضرت معاك الغدا بس راحت عليا نومه ، معرفش نمت النوم ده كله ازاي"
فَرت ضِحكه خَافته مِن " مصطفى " يَنفي بِرأسُه
يَرتشف مِن العَصير مَا يَروي عَطشهُ لِلفواكه الحَمراء
" تعملي معايا ايه بس يا امنه ، ده الاكل وتنضيف البيت ده الحاجه الوحيده اللي بتسليني ما انتِ عارفه لا بروح ولا حتى باجي "
حَمحمت مَع تَباطىء مَضغها لِقطع الخُبز حِين نَبست لهُ تِهون عَليه وِحدتُه
" خلاص هانت يامصطفى كلها ايام وتتجوز انت وحبيبه وتملالك البيت اطفال تنشغل بيهم ومايبقاش عندك وقت خالص من كتر شقاوتهم "
تَبسم لَها فِي ايِماءه يُطالع الفَراغ ، مِقلتيه شَارده تَلمع وَكأن ذِكرى شَيئًا مَا اضَاءتهما
" اتمنى يا امنه ، اتمنى .. بس زي ما انتِ شايفه الراجل ابو حبيبه ده مش عايز يجيبها لبر ، وانتِ لو معرفتيش ترجعي ميراثك من ..
وَضعت يَدها عَلى فَخذُه بِرفق ، تُطالعه بِنظره مُطمئنه لَعلها تَنساب اليِه
" هاخده .. ميراثي هاخده مش عايزاك تكون قلقان يامصطفى "
رَفعت يَدها عَن فَخذُه ، تُقلب بَقايا الحِساء
" عدى من الشهر تلات ايام ، ولسه معانا سبعه وعشرين يوم ، عايزاك تعرف اني هعمل كل اللي في جهدي عشان اشوفك مبسوط وسعيد "
لاَحت شَفتاها تَبتسم لِرؤيه " مصطفى " سَعيد وَراضي هَكذا مِن حَديثها ، لِتنتبه لِجدها يُطالعها بِنظرات مُختلفه ، نَظرات جَعلتها تَرتبك لِوهله
" في حاجه ياجدو انت كويس .."
لِينبس لَها " الجد " بِاستغرَاب سَائلاً
" انتِ مين .."
زَفرت " امنه " بِملل ، تُطالعه لِتشعر بِنظراتُه لَها تُقيدها
بِحبلٍ غَير مَرئي واقترابُه نَحوها جَعلها تَقبض عَلى الزُجاجه أمَامها ، نَبس " مصطفى " وَهو يُطالعها فِي ارتِباك
" امنه ، قومي هاتي الدوا بتاع جدو من اوضتك ، هتلاقيه على التسريحه أنتِ اخر مره حطتيه هناك "
تَحركت " امنه " دَاخل غُرفتها
تحرَّكت "آمنة" داخِل غُرفتها بخُطى مُضطربة، تُقلب الأشياء بِعَجلةٍ مُرتبكة بحثًا عن الدَواء فَتَّشت فوق الطاولة، وَفتحت الأدراج مرارًا، لكن العُبوة لم تكُن هُناك. التَفتت يَأسًا، حتى وقَع بَصرها على الفِراش، حيث استقر الدواء على مَلاءته كأنَّه وُضع عَمدًا. لَم تَشغَل بالها بِالتفكير في السبب، بل أَلقَت بجَسدها المُرهَق فوق السرير تَستجدي لحظة هدوء
لم يَطُل سُكونها، إذ ارتفعت عيناها مُصادَفةً إلى السقف، فإذا بها تَرتطم بمَشهد أربك كيانها. حُروف مُشوَّشة ارتُسمت فوق البياض، كأنها خُطّت على عَجَل، تتوارى وتَظهر في ضباب البصر. تَسارعت أنفاسها، وغَاصت يدها في الفراش تُحاول التثبّت من واقِعها. نهضت دفعةً واحدة، تقف فوق السرير، تُحدّق بجُنون، تُقرب عينيها أكثر حتى انجلت الكلمة واضحة، كأنها أُريد لها أن تُكتَشف في تلك اللحظة وحدها:
"حُبّةٌ من رُمّانٍ قديم… تُخفي بين تجاعيدها قلوبًا هشّة ما زالت تنبض، وما زالوا يُفتّشون عن يدٍ تُنصت."
وبجوار السُطور، بَرز رَمز صغير لِغُصن رمّان، غامق المَلامح، كأنما أُضيف عمداً ليؤكّد أنها ليست مُجرّد كلمات.
تجمّدت أنفاسها، والذهول يُسقِط الدَفء مِن أطرافها؛ تُحدّق مُرتابة، عاجزة عن استيعاب كيف ظهرت تلك العِبارة هُنا، فوق سقف غُرفتها بالذات… لِتعلم أنَها رِسالة وُجّهت إليها وحدها .
↚
رَمشت " امنه " تُطالع الكَلمات مِرارا وتكرارا
"لابُد أنَّه هو، ذاتُ الخَط، ولونُ الحِبر، وتلك الحِدّة في التِواء الأحرف وتشابُكها.
"لا أفهَم... ما الذي يُريد هذا الخفّاش المُظلم أن يُوصِله إليّ؟ كلماتُه مُشفّرة، مغلقة عليّ كمفتاحٍ ضاع مِنه قفلُه."
لَم تَعد "امنه" قَادِرة عَلى حِمل جَسدِها، فَجلست فَوق السَّرير مُتربِّعة، تَرفع بَصرها مُرتجِفة، جُفونها تَتسع في صَمتٍ مُثقَل تُحدِّث نَفسها هامِسة
"وَلكن... كَيف يَكون ذلِك؟ هَل اقتَحم غُرفتي في غَفلتي وخَطّ جُملتَه؟ لكِن لَو فَعل، ألا كُنت سأنتبِه؟ نَومي خَفيف كَجَناحِ فَراشة... كَيف لم أَشعر؟"
تَسارَعَ نَبضُها ، وحينَ سَرت إلى ذاكِرتها تِلكَ اللّحظة، كادَت القُشعريرة تُسقطها
"مَهلاً... الآن تَذكرت، يَوم كُنتُ في مَكتبة جَدّي... لقد أزاح الكِتاب وأَبدله بآخر، كَيف لم ألحَظ ذلك؟ وكيف استطاع أن يَفعلها؟ لم تَكن سِوى ثَوانٍ معدودَات، وَهو لَم يَكُن بِالجوار وإذا بِالكتاب قد تبدّل مِن بَين الأَرفُف "
ارتجف صَوتُها وهي تُهَتف، والفُضول يَنهش تَفكيرها
"ماذا يُخفي؟ وماذا يُريد أن أَكتشِف ذاك الخُفاش ذَا الرِداء الأَسود ؟
أسرَعت "آمنة" تَلتقط دَفترها العَتيق، كَمن يَخشى أن يَتبخر صَدى كلماتُه قَبل أن تُمسكه.
وَضعت القَلم بَين أصابِعها المُرتجفة ، تِدون عَلى صَفحاتُه الصَفراء جُملتُه
" حَبه من رُمّانٍ قديم... تُخفي بين تجاعيدها قلوبًا هشّة ما زالت تنبض، وما زالوا يُفتّشون عن يدٍ تُنصت 🍒"
سَطّرت كلماتُه في دَفترها، وأتبَعتها برَسم غُصن رُمّان، يُشبه تمامًا ما رأتْه يعلو السَقف. ثُم أغلَقت دَفترها ، تَتساقط مِنهُ أورَاقه الصَفراء كَأنها هَاربة مِن ثُقل الذِكريات لامستَها بِأنامل مُرتجفة، قَبل أن تَهمس بِخفوت
"لهذا اخترعوا الكُتب... ليحفظوا لحظةً واحدةً من الانطفاء قبل أن يبتلعها النسيان "
تَوقفت مَكانها تُطالع السَقف فِي شِرود مَره أُخرى ، وَلكنها جَفلت لِصوت شَقيقها مِن خَارج حُجرتها جَعلها تَضع الكِتاب فِي الدَرج مُسرعه وَتهم بِالخروج مُنتشله الدَواء مِن عَلى الفِراش
" امنه لاقيتي الدوا ولا لسه وتعالي افتحي الباب "
" ايوه .. لاقيتُه"
وَحالما خَرجت أعطَت الدَواء لـ " مصطفى " بِينما هَي تَحركت نَاحية البَاب حِينما سَمعت رَنينُه ، لِتجد
" حبيبه " أمَامها بِأعين زُجاجيه تُحاول جَاهده مَنع البُكاء
" حبيبه .. انتِ بخير "
ارتَفع ثِغر " حبيبه" فِي شِبه ابتِسامه لُتجيب بِنفيٍ وَقد كَان بِعيونها مَا كَان بِركود المُستنقعَات
" لاء .. انا مش بخير "
دَفع " مصطفى " كُرسيه لِلأمام وَقد بَدأ القَلق يَتملكُه
" في ايه ياحبيبه .. مالك .. ادخلي .. واقفه ليه "
قَضمت عَلى شَفتاها ، تَقبض عَلى حَمالة حَقيبتها وَهي تَهم بِالدخول لِتُلاحظ "امنه" احمِرار كَفيها
وَملامحها المُتألمه ، لِتسحبها مِن يَدها
" تعالي معايا ياحبييه .. عايزاكي "
هَي أفلَتت يَديها وَلكنها استَمرت بِالسير خَلفها ، وَحالما وَصل الىّ بَاب غُرفتها طَلبت " امنه " مِن شَقيقها الانتِظار بِالخارج بَعد الحَاحاً مِنها ، اغَلقت البَاب واستَدارت تُطالع " حبيبه " مُبتسمه لَها
" لازم نعقم الحرق اللي في ايدك قبل ما يلتهب اكتر من كده ياحبيبه "
أردَفت " امنه " بِكلماتها اثنَاء أحضَارها لِبعض المُعقمات والقُطن
" ممكن بس ترفعي كُم فستانك شويه "
تَوجهت نَحو " حبيبه " لِتراها جَالسه عَلى طَرف السِرير وَحالما ابتَسمت لَها ، أشَاحت بِوجهها لِتتنهد
" حبيبه "بِقلة حِيله قَائله
" انا اسفه ، بس مش عايزه اول مقابله بينا بعد الحفله تشوفي فيها دموعي "
طَالعت " امنه " البُقعه الحَمراء التّي تَكونت عَلى يَديها ، تَقضم شَفتاها وَاضعه يَدها عَليها لِتشعر بِأنكماشها
" انا اسفه ، وجعتك ياحبيبه"
" بتتأسفي على ايه ، اذا كان اللي حرقتني اصلاً ما عتذرتش ، وانتِ اللي بداويني تعتذري "
شَرعت "آمنة" تُمرِّر قِطعة قُماشٍ بَاردة عَلى مَوضع الحَرق، فَتراجع الاحمِرار قَليلًا تَحت لمسَتها، ثُم أتَبعت ذَلك بطبقةٍ رقيقةٍ مِن الزَيت، قَبل أن تُحكم تَغطية المَنطقة بِالضمَاده
" خلاص ياستي خلصنا اخيراً "
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁
انتَهى اليَوم الدِراسي ، لِتنزل " نورا " مُسرعه الىّ الأسفَل يَسكُنها تَوتر يَتماوج مَع ارتِباكٍ خَفي ، تُمشط خَطواتها نَاحية البَوابه الرَئيسيه لِلخروج ، لَكن أَوقفها صَوت فَاستدارت لِترى " لقمان " يَتجه نَحوها وَهي تَدعي الله بِداخلها إلا يَسألها عَن شَىء
تَوجه نَحوها وَعيناه تَجولان فِي الأرجَاء وَهو يَرمق كُل مَن يَمُر أَو يَقترب مِنهم بِنظراتٍ قَاتله تَجعلهُم يُخافون مِنه لِدرجة أنَها شَعرت بِرهبه مُنه لِلحظات ، فَسألتهُ بِنبره مُرتجفه
"ف..في حاجه يامستر"
أَجابها وَقد نَظر اليِها أَخيراً
" لا ابداً ، انا بس شوفتك بتلمي حاجتك بسرعه
وبتحطيها في الشنطه ، ووقع منك القلم ده "
انتَشلتهُ منِهُ ، وَتحركت وَتركتهُ ، استَدارت لِتراه يَقف بِهدوء ، وَحين عَادت تَنظر لِلأمام تَأوهت لِشىٍء صُلب قَد اصطَدم بِها
" ا .. انا مخدتش بالي "
رَمى " كريم" حَقيبتُه المَدرسيِه يُعبر عَن غَضبُه وِبجانبهُ " ليلاس " التّي تَقف مُتربعه تَرمُقها بِنظرات مَليئه بِالأحتِقار
" كده تخبطي في ولاد الناس ، نعمل ايه احنا دلوقتي في حالته النفسيه اللي هتدهور بِسببك دي "
وَكزتها " ليلاس " بِاصبعها فِي كِتفها بِقسوه لِتتراجع
" نورا" لِلخلف مِن شِدتها
" انا شايفه انك لازم تعتذري لكريم على خبطتك
اللي توجع دي "
حَاولت " نورا " ان تُتابع سَيرها فَوجدت " كريم " وَقف أَمَامها وَقد تَحولت مَلامحهُ الى مَلامح أشَد
قَسوه ، ضَاقت عَينا "نورا " بِهلع ، وَتقهقرت لِلخلف بِذُعر تَمكن مِنها وَهي تَرى ابتِسامته التّي تَمقُتها أَشد المَقت
" افتكر ان كريم هو اللي ظهر قدام نورا فجأة .. يعني هو اللي لازم يعتذر مش هي "
ذاك الإحساس حين يَرتجف الجَسد مِن البَرد، ثُم يُلقي عليك أَحدهم غِطاء دافئًا... تلك القشعريره المحببه لأنفسنا هي ما اصابتها حين وجدت "لقمان" الذي توسطهما يُدافع عَنها ، منتظراً ما سيفعله هؤلاء وَلم يَنتظر كَثيراً حِين وَجد "ليلاس" تَقدمت نَحوه
" ما بلاش انت يامستر تدخل في المواضيع اللي مالكش فيها ، اقعد في حالك وكُل عيش "
قَالتها "ليلاس" فَتقدم "كريم" خَطوه نَحو "نورا"
لِتتراجع هَي بِلا وَعي حتى استقرت خلف "لقمان" وَكأنها أَخيراً وَجدت مَا يَحجبها عَن أعيُنهم لَم يَمهلهُ "لقمان" فُرصة لِلاقتراب أكثَر، فَاعترض طَريقُه ، ثُم أدَار رأسُه نَحو "ليلاس" وهو يَنطق بِسُخريه لاَذعه لا تَخطئها الأُذن
"العيش ده انا اللي بأكلهولك ، اصل انا ابن فران"
مَدت "نورا" كَفها تَتشبّث بِطرف قَميص "لقمان" من الخَلف، فارتجف في داخله للحظةٍ لم يتوقّعها، والتَفت إليها بنظره خَاطفه، يَلمح في عَينيها خوفًا تَستجدي الأمَان
تَجمّع الطُلاب حَولهم، يَرفع كُلٌّ مِنهُم هاتِفه ليُسجِّلوا ما سيحدُث مِن شِجارٍ بَدا وَشيكًا. تَفحّصت "ليلاس" المَشهد بِعينٍ مُترقِّبة، وحين رأت "ليلاس" الجَميع يُصوّر، مَدّت يَدها تُمسك بِيد "كريم" وتَجذبه إلى الخَلف تَوجه حَديثها " للقمان "
" لا ، عجبتني يابن الفران بس خليك فاكر اني نبهتك وقولتلك كل عيش "
ارتَسمَت على وَجه "لقمان" ابتِسامة ساخِرة.
" انتِ ليه محسساني اني باكل كرواسو "
هَزّت رَأسها مُلوِّحة بالتَّهديد.
" هنشوف .. بس ماترجعش تندم بعدين "
تَراجعت "ليلاس" ومِن خَلفها "كريم" وسَحبَت الجَموع أنفُسها بالتدريج، فاغتنَمت "نورا" الفُرصة وتَحركت مُسرعة، يَتبعها خُطى "لقمان"
" نورا ، استني انتِ كويسه "
أدارت وَجهها إليه، تَطفُر الدُّموع مِن عَينيها وتَفيض بلَومٍ مُرّ.
" ايه اللي خلاك تدخل بس ، انت مالكش ذنب في كل ده ، باين عليك طيب وغلبان ، انت ما تعرفش ليلاس ولا تعرف كريم ، ياريتك ما ادخلت ، ياريتك كنت سيبتني انط ساعتها وكنا نخلص "
تَركتهُ تَحت نِداءاته، لم تَقف ولم تَلتف، بل أسرعت تَدلف إلى السيّارة وتُغلق البَاب وراءها، تاركةً إيّاه واقفًا يَتأمّلها بِحَيرة لا يَملك لَها جَوابًا.
.. .. .. .. 🍁. .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁
جَلس " ادم " فِي قَاعتُه عَيناهُ تُفتشان بَين المَقاعد عَنها وبَين الوُجوه ، ثُقل صَدرهُ حِينما لَم يَجدها ، زَفر يُطالع عَقارب سَاعتهُ بِملل ، وَما ان أُعلن خِتام المُحاضره ، غَادر القَاعه ليِقع بَصرُه عَلى " هنان" بِالخارج تَتكىء عَلى سَطح سَيارتها
تَنعم بِحديثها مَع شَاب يَقف بِجانبها ، وَقف يُطالعها لِلحظاتٍ عَلى بُعدٍ ، وَضحكاتها تَتسرب الىّ أُذنه وَكأنها تُضاعف ضِيقه ، شَد قَبضتُه عَلى كُتبه وَهو يِواصل سَيرُه
التَفتت " هنان "لِلخلف وَما أن وَقع بَصرها عَليه تَحركت نَحوه مُسرعه تُناديه بِصوتٍ مُرتفع عَل يَصل اليِه وَحين تَوقف هَتفت بِصوتٍ لَاهث
" ايه يا ادومه .. كل ده مش سامعني ده انا الجامعه كلها سمعت صوتي يا اخي .."
عَقد حَاجبيه لما قالتهُ مُشيراً لِنفسُه
" أنتِ تُقصديني انا بِأدومه .."
ابتَسمت لهُ لِيرتبك ، لَيس مِن عَادتها الابتِسام لهُ بِبساطه هَكذا . هُناك شَىءٍ مَا بِها قَد تَغير
" ايه .. شيفاك مستغرب اني ناديتك بِأدومه مش ادم ، اصل بصراحه بقى عندي ابن اختي برضوا اسمه ادم ومش بقولوا غير ادومه "
أردَفت " هنان " أثناء تَفقدها لِحقيبتها بِينما هُو جُزء بِداخله قَد خُدش وتَمتم
" ابن اختك !! "
تَوقفت عَن البَحث لِترفع مِقلتاها نَحوه ، تَخرج صِوره فُوتوغرافيه مِن مَحفظتها
" بص ، ده ادومه ابن اختي ، شايف زي القمر ازاي .. تحس انه شبهك نفس العيون الرمادي كده "
تَبسم فِي ايِماءه حَرجه يَضم كُتبه اليِه ، تَاركاً ايِاها لِيرحل ، تَحركت لِتتبعهُ وَاضعه المَحفظه جَوف حَقيبتها ، وَرؤيتها لهُ يَسرع فِي خَطوته
" ادم استنى ، انت مشيت ليه انا مش بكلمك "
تَبعتهُ " هنان " لِتسير بِجانبُه
" انا قولت حاجه ضايقتك طيب "
نَفى بِرأسُه وَكله تَساؤل عَن سَبب سَيرها بِجانبُه
" انتِ ، انتِ بتيجي ورايا ليه "
جَحظت مِقلتاها لِسؤاله تَستدير نَحوه وَسط صَدمتها
" انا.. انا كنت جايه اديك دعوة عيد ميلادي هو كمان يومين "
قَضم شَفتاه فِي حَرج ، يَتفادى النَظر اليِها ، وَهي تَمد كَفها لهُ بِالدعوه قَائله
" لو حابب تجيب اي حد معاك براحتك "
ظَل يُطيل النَظر إلىّ الدَعوة دُون أن يَمد يدُه، فبَادرت هَي بِسحب كَفه بِرفق تَودع الوَرقة بَين أصابعُه
"خدها ولو مش عايز تيجي ماتجيش ، بس خدها
عشان لو غيرت رأيك "
انتَفض " ادم " مِن لَمستها ، تَرى الذُعر عَاريًا فِي عِينيه ، ابتَلعت " هنان " ريِقها بِصعوبه وَقد صَدمها رَد فِعلُه
" انا ، انا اسفه انا مش عارفه انا عملت ايه ، لو مش حابب تيجي خلاص "
تَمالك " ادم " نفسه يَتجنب النظر لها وَهو يَرفع نظَارته مِن عَلى ارنَبة انفُه
" انا ، انا مش بحب حد يلمسني"
زَفرت " هنان " وَهي تَومأ بِرأسها بِراحه
" انا مكنتش اعرف "
أشَارت بِسُبابتها لِلخلف ،تَبتعد عَنهُ بِخطواتها
" انا همشي بس لو مش حابب تيجي ، خلاص مش مشكـ
أومَأ بِرأسُه ايِماءه خَفيفه لِليسار يَبتر حَديثها
" لو معايا فلوس هاجي .."
تَوقفت" هنان " تُطالعهُ وَقد تَشكلت عُقده مِستغربه
مِن رَده ، لِيُعقب هُو
"علشان .. علشان ده عيد ميلاد ولازم لما اروح عيد ميلاد نجيب هديه .. عيب لما مانجيبش هديه "
ابتَسمت بِارتباكٍ وَاضح تَخبرهُ بِمشاعر مُختلطه لِبرائتهُ وبساطتهُ التّي سَحبتها مِن زِحام التَعقيدات ، كَأنهُ يَبصر الدُنيا بِعيونٍ لَم تَلوث بَعد
" بس انا مش عايزه هديه "
رَمشت تُطالعه فِي ارتِباك تَقضم شَفتيها وَنبست
" كفايه انك تيجي "
اعَدل مِن وَضع حَقيبتُه عَلى جَسدُه ، يَضم كُتبه الىّ صَدرُه بِقوه يَخبرها وَهو يُطالع الأَرضيه
" عيب .. عيب لازم نجيب هديه ، ووعد لو معايا فلوس هاجي "
انعَكست فِي عَيني " هنان " لَمعه دَافئه ، اشبَه بِخيط فِضول شَفيف يَدعوها لِتعرفهُ أكثَر ، تِجاه ذَاك الصِدق الطفُولي الذِي يَكسو كَلِماتُه
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁
رَفعت " حبيبه " كَف يَدها تُطالعه لِتجبر شَفتيها عَلى الابتِسام
" شكراً ليكي يا امنه تعبتك معايا .."
ابتَسمت " امنه " لِلطفها لِتُعيد الزَيت الىّ الخِزانه
" شُكراً ليه ، مش المفروض واحنا في الحفله انتِ قولتيلي ان احنا باين علينا هنبقى صحاب ولا رجعتي في كلامك "
هَزت " حبيبه " رَأسها اثنَاء كَتمها لِصوت رَنين هَاتفها ، ثُم اقتَربت " امنه " مِنها وَهي تَهتف
"طيب يبقى بتشكريني ليه بقى طالما بقينا صحاب "
نَبست وَقد أَدارت جَسدها عَنها لِتلتقط المِشط الخَشبي مِن جَانبها تُحاول أن تَفتح مَعها حَديثًا
" امبارح اخدت دش ومن كتر التعب نسيت اسرح شعري "
تَقدمت "امنه" لِتجلس أمَامها عَلى الأرض وَسط استِغرابها
" ايه رأيك ياحبيبه تسرحيلي شعري "
أومَأت " حبيبه " وَهي تَلتقط مِنها المِشط الخَشبي ثُم أردَفت
" انا عارفه انك بتعملي كده عشان تطلعيني من الموود اللي انا فيه "
قَسمت " امنه " شَعرها لِنصفين وَهي تَغمض عيِنيها
" مين قالك .. كل الحكايه ان انا زي ما انتِ شايفه شعري تقيل وطويل وما صدقت الاقي حد يسرحه بدالي "
ابتَسمت " حبيبه " وَاثنَاء بِدأها لِتهذيب شَعر
" امنه" رَن هَاتفها مُجدداً لِتقوم بِكتم الصَوت مَره أُخرى ، التَفتت لَها " امنه " بِقول
" لو حابه اطلع بره عشان تردي ..
قَاطعتها " حبيبه " وَهي تَنفي بِرأسها
" لا لا ابداً ، خليكي دي صاحبتي وعشرة عمري ، انا اصل رنيت عليها كتير ومكانتش بترد روحت بعتلها مسيچ قبل ما اجي اني مضايقه ومخنوقه وهي اول ما فتحت شافتها ومن ساعتها كل شويه تتصل وعايزه تيجي في المكان اللي انا فيه بس انا كنت جيت هنا خلاص .."
شَفتا " امنه " قَد تَقوست لِلأعلى لِكلامها الأَخير تَقترح عَليها
" طيب ما تبعتلها اللوكيشن وخليها تيجي "
هَززت " حبيبه " رَأسها نَافيه
" لا مش هينفع انتِ ماتعرفهاش وبجد هتصدعك "
مَدت " امنه " كَف يَدها بِالهاتف
" بالعكس مش هتصدعني ولا حاجه وبعدين انا ماليش حد هنا ، ومحتاجه اني اكون صحاب وطالما هي صحبتك يبقى اكيد هتبقى صحبتي انا كمان "
وَافقت " حبيبه " وَقد أرسَلت لِصديقتها المَوقع ، وَأمسكت بِالخُصلات لِلأعلى لِكي لاَ تَتألم " امنه" تُحاول قَدر المُستطاع أن تَكون حَنونه عَليها ثُم نَبست
"مش عارفه ايه اللي خلاكي تيجي على بالي يا امنه لما صحبتي ماردتش عليا ، حسيت اني هحس بالراحه معاكي هنا ، وماحبيتش اتصل بمصطفى عشان كل ما احكيله بيحس بالعجز اكتر
وبيضايق اكتر مني لما بيلاقيني مضايقه وانا مش ببقى عايزه اضايقه "
قَضمت " امنه " شَفتاها تَنتظرها أن تُكمل ، صَمتت لِثوانٍ وَقد أَردفت وَهي تَبدأ بِتهذيب الجُزء الأخر
" حتى موسى اللي ماليش في الدنيا غيره بضطر ساعات اخبي عنه حاجات ، علشان بجد هو شاف من الدنيا كتير ، موسى ده مش اخويا وبس لاء ، ده ابويا وصاحبي وحبيبي وكل حاجه ليا في الدنيا "
شَردت وَقد صَنعت اَكاليل مِن خُصلاتها
" لو يطول يبقى مكان امي مش هيتردد لحظه ، وجوده محسسني اني مش عايزه حاجه تاني من الدنيا ،علشان كده بضطر اخبي عليه علشان مش عايزاه يشيل هم على همه وهو فعلاً مش ناقص "
اتَسعت حَدقتا " امنه " التي أُلجمت عَن الحَديث بَينما هَي قَد فَرغت مِن التَصفيف دُون أن تَنتبه، رُبما لأنّ حَديثها أخذهَا بعيدًا، حَتى نَسيت مَا كَانت تفعلُه
" نفسي اوي اتجوز انا ومصطفى ونبعد عن هنا خالص عن بابا وماما ومرات ابويا واشيل حملي من على كتاف موسى عشان يشوف حياته بقى "
نَاولتها " امنه " الشِريطه وَصمت أَطبق عَليها لِتكمل شَاعره بِابتسامتها
" ويتجوز واشوفله اولاد وابقى انا عمتو الحربايه
مع اني عمري ما هبقى حربايه حتى لو مراته كانت حربايه "
فَاقت " حبيبه " مِن شِرودها لِتجد انها قَد أنهت تَصفيف شَعر " امنه " ثُم أخبَرتها بِدهشه
" اي ده .. ما اخدتش بالي .. مش عارفه ازاي ما اخدتش بالي اني خلصت تسريح شعرك يا امنه"
نَهضت " امنه " لِتجلس جِوارها عَلى طَرف الفِراش تَمسح بِقايا دِموع " حبيبه " العَالقه بَين اهدَاب عَيناها ثُم نَقرت جَبينها تُطمأنها
" كل واحد في الدنيا دي عايش وشايل همومه جواه ، وحاسس ان همومه هو اكبر هم في الدنيا
بس بكره المشاكل تتحل والهموم صدقيني هتنزاح
وزي ما موسى بيحاول يسعدك ، انا كمان بحاول اعمل كل اللي اقدر عليه علشان تتجمعي انتِ ومصطفى في بيت واحد في يوم ، وقتها بس هتعرفي ان كل اللي فات ده مجرد ذكريات اليمه هتتنسي ، علشان الذكريات الحلوه بدأت خلاص "
جَحظت مِقلتا " حبيبه " وَلم تَبدي اهتِمامًا بِما قَالتُه وَقد نَال مِن " امنه " الارتِباك لِمقلتاها التّي تُلاحقها وَهذا مَا جَعلها تَسأل
" مَ..مَا بِك ، هَل قُولت شَيئًا خَاطىء "
شَفتا " حبيبه " تَبسمت بِمكر وَلم تُزحزح مِقلتيها عَنها
" غريبه .. موسى برضوا بيفضل ينقرني بصباعه كده على قورتي نفس اللي عملتيه بالظبط"
ابتَسمت " امنه " بِأستغراب لِحديثها ثُم قَطع حَديثهما صَوت نَقر البَاب لِتهتف " حبيبه " بِحماس
" دي اكيد ليلاس جت "
.. .. .. ..🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..🍁
مَضى يَومان مُنذ آخَر لِقاء بَينهُما، فَوجد "أنس" نَفسُه واقفًا أسفَل بَيتها، وَكأن القَلق سَاق خُطاه رَغمًا عنهُ. تَجاهلت سمر" رَسائلُه، لَكن قَلبُه ظَل يَطرق أبوَابه رَغبة فِي الاطمِئنان عَليها
حَتى لَمحها تَطلّ مِن الشُرفة، تَجمع المَلابس عَن الحِبال. انسَاب فِي دَاخلُه سِكونٍ خَفيف، لَم يدرِ مِن أيِن ؟ حِين رَأها بِخير ارتَسمت شِبه بَسمه عَلى ثِغرُه
لِتقع عَينا "سمر" عَليه، حَالما نَظرت لِلأسفل ، مَرت ثَوانٍ قَليله تَشابكت فِيها نَظراتهُما ، ارتَبكت "سمر" عِندما جَاءت كَلمات "والدتها " لِمسمعها
" ســـمـــر .. كل ده بتلمي الغسيل "
سَحبت "سمر " مَا تَبقى مِن المَلابس بَين ذِراعيها عَلى استِعجال ، ثُم أسرَعت إلىٌ الدَاخل. تَشكلت عُقده مِن بَين حَاجبي "أنس" لِدخولها المُفاجىء
وَهو يَأخُذ نَفسًا عَميقًا ، حَتى جَفل عَلى ذِراعي شَقيقُه " نوح " وَهو يَضعها عَلى مَنكبيه ، يُحاوطه
بِقوه
" ايه عينك يسطا .. راشقه في بلكونة الجيران "
رَفع "أنس" يَدُه ليُحرّر كَتفيه مِن قَبضة ذِراع شَقيقُه الثَقيلة
" يسطا .. خضتني يسطا فكرتك حد تاني "
سَار " نوح " بِجواره وَهو يَهتف
" لا الحد التاني على اول الشارع الاولاني لسه جاي من عنده دلوقتي غرقان لشوشته في توضيب الصيدليه بتاعته مع العمال "
فَتح " انس" فَمه فِي تَفاجؤ نَابسًا
" ياسطا انا مش قصدي على طه يسطا ، انت بتقول ايه بس "
وَقف " نوح " عَلى عَتبة بَيتهم يُعيد تَأكيد مَا قالُه
" لا يسطا ، ورب العز واللي خلقني وخلقك قصدك عليه ، خايف طه يشوفك وانت واقف تحت بلكونتها يسطا ، علينا احنا الكلام ده "
حَاول "أنس" التَهرب مِن الحَديث، وأشَار بِعينيه نَحو الدَرج"
" اطلع يانوح ، اطلع يسطا الله لا يسيئك عايزين ننام شويه صاحيين من امبارح ، انت باين عليك فاضي "
وَلكن قَاطعهُما صَوت " نجاح " القَادم مِن النَافذه السُفليه
" واد يانوح ، واد يا انس "
مَسح " نوح " عَلى وَجهه بِنفاذ صَبر ، بَينما قَضم
" انس" شَفتاه مَانعاً ضِحكتُه مِن الخُروج نَابسًا
" قابل ياسطا ، قولتلك اطلع فضلت واقف ترغي في المرغي وتحكي في المحكي "
" ياواد تعالى انت وَهو في ايه هو انا حاكلكم ده انا حتى جيبالك عَروسه ياواد يانوح "
اردَفت بِها " نَجاح " أثناء تَمسكها بِالقضبان الحَديديه لِلنافذه السُفليه لِيُجيبها " نوح " بِنفاذ صَبر
"ياوليه ، ياوليه حد قالك اني عايز عروسه ياوليه"
أَردَفت " نَجاح " وَهي تَحاول اقنَاعُه
" ياواد دي نجفه دي لهطة قشطه "
أَشار بِيدهُ بِلا مُبالاه
" شُكراً انا عامل دايت "
مَدت كَف يَدها مِن بَين القُضبان تَسحبهُ مِن أُذنه
بِحده
" ياواد مش لما تعرف هي بتشتغل بأيه الاول "
قَبض عِينيه بِقوه يُحاةل تَحرير أُذنه مِن بَين أنَاملها
" اكيد بلمبتين هتشتغل بأيه طيب "
تَدخل " انس " بِحديثهما
" سيبي ودن الواد يانجاح ، صرصور ودنه هيطلع في ايدك يامفتريه "
حَررتهُ " نجاح " مِن بَين أنَاملها ليِهرول كُل مِنهما لِلأعلى
بَينما "سمر " القَت المَلابس مِن بَين ذِراعيها عَلى السِرير وَهي تُطالع السَيده "وداد " التّي سَحبتها لِلكلام وَلم تَتوقف عَن الحَديث لَكن
تَركيز " سمر " لَم يَكُن مَعها ، بَل التَف شِريط تِلك الذِكرى حولها حيِن قَفزت الىّ دَاخل سُور المَدرسه مَع " أنس " ليُعانقها فَتملكها الدِفء ، حَالما تَذكرت
" انا مش عارفه ازاي وافقتك اني انط من على السور وندخل جوه المدرسه "
طَرف " انس " بِعيناه نَاحية المَبنى وَقبل أن تَنبس بِبنت شِفه ، أمسكَها مِن يَديها أخذاً أيَاها
لِلداخل ، وَقد عَقدت حَاجباها لِتصرفُه نَابسه
" أنس ، احنا بنعمل ايه هنا تبقى مصيبه لو حد شافنا ، هيقولوا علينا ان احنا بنسرق المدرسه وهانروح في داهيه "
تَرك يَدها ، واستَدار يَومأ لَها
" نسرق المدرسه مره واحده ، ايش ياخد الريح ، دي المدرسه واللي جواها عايز اللي يبوسهم ويحطهم جنب الحيط "
أشَار بِيدهُ لَها
" تعالي ورايا بس وبطلي خوف مكنتيش كده واحنا صغيرين "
أومَأت لِحديثُه وَهو يَراها تَبتسم مَع نَفسها حِين تَذكرت تِلك الجِدران ، دَلف " انس " الىّ احدى الحُجرات المَدرسيه بِدهشه
" اهوه فصلنا اهوه ياسمر ٣/٢ فاكراه "
نَبست لِتنظُر لِلأعلى لِأرقام الفَصل المُعلقه عَلى البَاب ، وَكأنها تُفتش بَين ذِكرياتها ، ليَراها تَبتسم ابتِسامه صَغيره
" طبعاً فكراه .. وهو ده يتنسي "
دَلف " انس " يُفتش بَين المَقاعد حَتى وَجد ضالتُه
المَقعد الذِي نَقش عَليه حُروف اسمَائهُم حِين كَانوا صِغاراً فَصاح بِقول
" اهيه لاقيتها .. التخته اللي كنت بنقعد عليها انا وانتِ واحنا صغيرين "
جَحظت عَيناها وَهي تَقترب مِنها بِذهول
" لاء .. بِتهزر "
" وحياة ربنا .. حتى بصي ده خط مين "
ابتَسمت وَهي تُمرر أنَاملها فَوق الكَلمات بِحنينٍ وَاضح بِعينيها تُمرر انظَارها عَلى اسمَائهم فِي وَهن
" عمري ما هنسى لما كنا صغيرين كانوا بيقعدوا البنات جنب بعض والولاد في صف لوحدهم وانا وانت فضلنا نعيط طول اليوم علشان نقعد جنب بعض وابله كريمه بتاعت العربي عشان تخلص مننا
قعدتنا سوا ، فاكر يا انس "
أَومأ لِيطلق تَنهيده مِرتاحه
" فاكر طبعاً ، في حاجات ماينفعش ننساها حتى لو عدى عليها عمر بحاله "
تبادَلوا نَظرات مازِحة قبل أَن يتزاحَما على ذاك المقعَد الصغير، المقعَد الذي كان يومًا يتسِع لطفولتِهما.
ومَا إن جَلسا حَتى أطلَق المقعَد أَنين خَافت قَبل أَن يَنكسِر تَحت ثٓقلهِما. تدحرَجا إلىّ الأَرض وَسط مُوجة ضحِك لا يشبِه إلا ضحكتِهما القَديمة، وَقد أَعادتهُما اللحظَة لِطفلين لا يَعرفان أَن العُمر قَد مَضى
أجفَلت " سمر " عَلى حَديث السَيده " وداد " وَهي تُناديها
" بت ياسمر ، بتضحكي على ايه يابت هو انا قولت حاجه تضحك "
تَوجهت " سمر " نَحو غُرفتها وَحينما دَخلت اعاده
" والدتها " سؤالها
" يابت هو انا مش بكلمك تقومي تسيبيني وتمشي"
جَلست "سمر " عَلى الفِراش والبَسمه لَا تُفارق شِفاهه سَائله
" هـــا ، انا معاكي كنتي بتقولي ايه بقى "
اقتَربت مِنها " والدتها" تَجلس مُقابلها عَلى الفِراش
" كنت بقولك ياروح امك على هاشم ، هتعملي معاه ايه ، عايز ينزل كمان شهرين يكتب الكتاب على طول ، ايه رأيك "
تَلاشت ابتِسامتها ، واتَسعت مِقلتيها حِين عَلمت بِما يُريده " هاشم " مِنها
" مالك يابت اتاخدتي كده ليه ووشك اصفر "
وَقبل ان تُجيب عَلى سُؤالها ، وَصل رَنين الهَاتف الىّ سَمعها لِتجدُه رَقمًا دَولي ، رَفعت الهَاتف لِتجيب حَتى سَمعت صَرخاتُه تَملىء
" كنتِ فين ياعجله انتِ ، باعتلك الف رساله على الواتساب قافله النت ليه ، كده تخليني اتصل بيكي مكالمه دوليه "
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..🍁
تَناهى لِ " حبيبه " صَوت صَديقتها مِن الخَارج
" هي حبيبه كويسه .."
لِيطَمأنها " مُصطفى " بِقول
" اطمني هي بخير .. ادخليلها جوه في الاوضه ياليلاس اللي في الوش دي على طول "
وَما ان دَلفت الىّ دَاخل الغُرفه حَتى صَاحت بِـ "حبيبه"
" ما انتِ كويسه وزي القرد اهوه اومال شغاله تبعتيلي ڤويسات وانتِ بتعيطي من الحربايه امك ليه .."
أنهَت " ليلاس " حَديثها بِنبره مُرتفعه نِسبيًا لاَ تَأبه
لِأصحاب المَنزل وَلا لِأحتمالية أن يَتضايق سُكانه
لِتغمض " حبيبه " عَيناها ثُم تَنهدت تِوجه حَديثها
"لِأمنه "
"مش قولتلك بلاش نجيبها دي صداع لوحدها دي ،
طيب على الاقل سلمي الاول على امنه وبعد كده نتفاهم "
تَبسمت " ليلاس" تَلقى السَلام عَليها
" اهلاً .. امنه انا ليلاس صاحبة عمر البت دي وكنا مع بعض في المدرسه "
عَقدت " امنه " حَاجبيها بِاستغراب بِسبب ارتِدائها لِملابس الثَانويه ، وَهي تَعلم بِأن " حبيبه " قَد أنهَت تَعليمها السَنه المَاضيه بِالفعل ، تَحركت "ليلاس" تَتجه نَحو المِرآه تِلون عَيناها بكُحل بَسيط .. تَشعُر بِعَيناها تَصبح غَائره وَأكثر سَوداويه وَعُمقًا عِندما تَخُط أَطرافها بِكُحل تَقليدي نَابسه
" طبعاً انتِ دلوقتي مستغربه ازاي كنا مع بعض في المدرسه وهي مخلصه كليه وانا لابسه لبس الثانوي صح .."
ابتَلعت " امنه " رِيقها وَهي تَشعر بِأحراشٍ تَنهش فِي صَدرها وَلكنها نَبست
" بصراحه اه .. "
وَضعت " ليلاس " مُلمع الشِفاه تُطالعها مِن زَاويه انعِكاسها بِالمرأه
" دي قصه كبيره مختصرها ان انا كل سنه من وانا في اعدادي بحاول اسقط نفسي عشان مانجحش وافضل فتره طويله في المدرسه "
" طيب وليه بتعملي كده .. "
هُما نَظرا الى بَعضُهما لِتتمنى " امنه " ان تَبتلعها الأرض أو تَتبخر فِي الهَواء ، لَقد اندَفع بِها فِضولها
وَهي لاَ تُريد أَن تَتدخل بِما لاَ يَعنيها ، لِتتقدم " حبيبه" امَامها تِوضح لَها
" لا ، ابوس ايدك ما تفتحهاش علشان دي لو اتفتحت مش هتسكت وهتفضل بقى تحكيلك على كل اللي حصل معاها لحد ما دماغك تورم "
استَأذنتها " حبيبه " تَتقدم نَاحيه بَاب الحُجره وَهي تَنبس
" احنا لازم نمشي بقى ، الليل ليل وانا اتأخرت على ماما اوي ..
كَادت " امنه " أن تُفرق شَفتيها لِتعترض الا ان "ليلاس" وَقفت أمامَها نَابسه
" بصي انا عارفه حبيبه عايزه تمشي ليه ، بس سيبك منها هاتي رقمك وخدي رقمي ، انا حبيتك اوي باين عليكي طيبه ومش خبيثه ، اصل بيبان على الوشوش ، ولو احتاجتي اي حاجه رني عليا مش اكتر"
هَتفت بِها "ليلاس" ، وهي تُبادل "آمنة" الأرقام كأنّها تُلقي خَيطًا في مَاءٍ راكِد، تَنتظر ما سيُعيده التيار.
وما إن غادَروا الغُرفة، حتّى بَقي الصَمتُ يُطارد خُطاهم في المَمر، كأنَّ المَكان يَحفظ صدى كلماتٍ لم تُقال بعد.
تَلفّت "مصطفى" ناحيتهم، عَيناه تَسألان ما لم يَستطع اللّسان نُطقه، فَبادرت "حبيبة" تَخفي ارتجافَ صوتها وتُطمئنه بِابتسامةٍ مُتعبة
"أنا بخير يا مصطفى... هبقى اكلمك في التليفون."
لكنّ نَبرتها لم تُقنع حتى الصمت الذي رافقها إلى الخارج ، سَكنت الغُرفة بَعد رَحيلهِم، كأنَّ الصَوت تَوارى خَلف الأبواب تاركًا في الهَواء أثَرًا لا يُمحى.
امتزج عِطر "ليلاس" الثَقيل بِدُخان الشاي البَارد على الطاوله ، وفي الخارج، كان الليلُ يَهبط ببطءٍ على المدينة، يُطفئ الألوان، ويُخفي معه بقايا هذا اللِقاء … وكأنَّه لم يَكن
نَظرت "آمنة" نَحو السَقف مَره أُخرى لِتعيد قِراءة كَلماتُه ، لَكنها لَم تَجد لَها أثَر مِن الأساس ، وكَأنها لَم تَكن مَوجوده بِالفعل ، جَحظت عَيناها وَبعثر اثَاث عَقلها فَكيف لهُ بِمحو كَلماتُه وَهي لَم تُغادر غُرفتها مِنذُ الصَباح البَاكر
.. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. .. 🍁.. .. .. .. 🍁
جَلس مَعاً كُلاً مِن "لُقمان" وَ"نصار" و "موسى"
أَمَام الفُرن فِي أحدَى زَاوياه المُطله عَلى الشَارع الرَئيسي يَتنعمون بِأشعة الشَمس الدَافئه فِي قَلب الشِتاء كَهمسة دِفء تُقيم صُلحاً بَين الجَسد والرَعشه ، جَلسا عَلى مَقعديهُما وَقد تَوسطتهما طَاوله .. هَتف " موسى " سَائلاً
" خير يا حاج .. لُقمان قالي انك عايزني "
أَدار " نصار " وَجهه لِلجانب الأَخر طَالباً مِن فَتى القَهوه المُقابله لهُ
"وحياتك يامحمود تجيب اتنين قهوه عالريحه هنا"
وَجه " نصار " حَديثُه لِ " موسى " سَائلاً
" مش لسه بتشربها عالريحه برضوا "
تَبادل " لقمان " الأنظَار مَع " موسى " الذِي قَال
" لا ، طالما طلبتلنا قهوه عالريحه ياحاج يبقى الموضوع كده كبير وعايزله قاعده "
ضَحك " نصار " بِخفه لِيضع العَامل القَهوه عَلى الطَاوله مُبتعد عَنهم ، شَعر "موسى " مِن نَظرات "نصار" أنهُ يَمنع نَفسُه مِن قَول شَىءٍ مَا وَلكنهُ نَطق بِالنهايه
" شوف ياموسى .. انت عارف يعلم ربنا يابني انك عندي زيك زي لقمان بالظبط ، وعمري في يوم ما أثرت معاك في شىء ولا فرقتك عنه ، انتَ بالنسبالي السند انتَ واخواتك بعد ربنا سبحانه وتعالى .."
أَطلق " موسى " صَوتًا بِالموافقه ليِرجع بِظهره لِلخلف ليُكمل " نصار " حديثُه
"ومن يوم يابني ما ربيتك وانت عارف اني مابدخلش حاجه حرام بيتي ولا اكلتك بقرش حرام"
انحَرف ثِغر "موسى " فِي ابتِسامه شِبه سَاخره ، وَادار وَجهه نَحو " لُقمان " الِذي أشَاح بِنظراتُه عَنهُ
ثُم أَومأ " موسى " وَهو يَهتف
" فهمتك ياحج ، انا فهمت انت عايز تقول ايه ..
لو على فلوس الكافيه جيبتها منين ، فانا كنت مستني سؤالك ده من بدري وعارف انك هتسألهوني .. بس مكنتش عارف انك ممكن يدخل قلبك الشك اني ادخل على اخواتي فلوس حرام في يوم "
بَدا " موسى " مُستاءٍ لِلغايه ، كَما ان أكتافُه تَبدو مُنهكه مِن حِملٍ ثَقيل هَاتفًا
" من اول ما رجعت قصر ابويا من وانا عيل صغير وعرفت انك مش ابويا الحقيقي ولا نعيمه تبقى امي وانت نبهت عليا وعرفتني اني مافيش جنيه من ريحة فلوس ابويا سالم هتدخل بيتك في يوم ، وانا قدرت ده ، ليه دلوقتي جاي ياحج تقلبها في دماغك تاني "
تَمتم " نصار " مُتقدماً نَحوه بِمقعدُه الخَشبي دَاسًا يَديِه فِي جِيوب جِلبابُه
" علشان المره دي الهديه تقيله وكبيره ، الكافيه ده اكتر من مليون وشويه ياموسى ، وانت من اخر سفريه كنت معرفني اني مافيش في جيبك اللي يكفيك لدرجة اني طلعت من بيتي وحطيت في ايديك اللي قدرني عليه المولى عز وجل .."
زَفر " نصار " مَا بِداخلُه مِن ضِيق ثُم وَاصل
" يبقى قولي ايه اللي ممكن يخليك تجيب اكتر من مليون وشويه في كام شهر ياموسى ، نَور ابوك يابني عشان دماغي ضلمت من كتر التفكير "
هَمس لهُ ، لِيدحرج " موسى " مِقلتيه نَاحيه
" لقمان " الذِي هَتف مُدافعًا
" اسمحلي ياحاج اقولك ان موسى مهما يحصل عمره ما هيدخل علينا قرش حرام في يوم ، ومن غير ما اعرف هو جابهم منين انا واثق فيه ، زي ما انا عارف انك انت كمان واثق فيه .."
هَب " موسى " مِن مَكانُه وَهو يُفرق بَين شَفتيه لِيتحدث
" لا يالقمان .. لا انت ولا الحج واثقين فيا ، لو كنت واثق فيا زي ما بتقول مكنتش خليت الحاج يسألني سؤال زي ده بما انك انت اللي قولتلي انه عايزني يبقى انت اكيد كنت عارف هو عايزني في ايه .."
ثُم طَالع "الحج نصار " يُوجه حَديثُه لهُ
" واطمن ياحاج نصار ، كل الحكايه ان جدي الحاج غنيم باع حتة ارض في سينا واداني فلوسها اعمل بي المشروع اللي كان نفسي فيه طول عمري ده غير شقايا وتعبي السنين اللي فاتت ، وانا قولت اتلم انا واخواتي وندارى في المشروع اللي طول عمرنا بنحلم بي ، ويشهد عليا رب العالمين شغل ابويا ده انا بعمله غصب ، وشايل روحي على كتفي ، بس ماقداميش اختيار تاني .. كل املي ان اختي حبيبه تتجوز عشان تبعد عنه ، وامي في يوم ترضا عني عشان اطلع من تحت جناحه ، ومكانش العشم ياحاج نصار ، يابويا .. ياللي مربيني .. تشك في تربيتك ليا في يوم "
فَرق " لقمان " شَفتيه لِيتحدث لَكن " موسى " قَاطعُه وَتَركهم مَتخبطين بَين افكَارهم يَحدقون بِه وَهو يَتوجه نَاحية مُوتوره الذِي يَقبع عَلى بُعد أمتَار مِنهُم ، حَاول " لقمان " اللِحاق بِه وَلكنهُ أدرَك
أن " سعد " و " والده " وَمعهم ثَلاث رِجال لِكُل مِنهم بِنيه ضَخمه يَقتربون مِن " الحج نصار"
وَقف " والد سعد " بِالمُنتصف وَخلفه ابنُه وَمن مَعهُ
يَستند عَلى عُكازه بِيديه الأثنَتين وَقد بَانت نِيتهُ الحَاقده مِن نَظراتُه نَابسًا
" الا يعني يانصار فات على كسر عيالك لدراع ابني يوم واتنين وعشره وانا مش راضي اقل بأصلي ومستنيك تيجي وتجيب عيالك تبوسوا الايادي يمكن ارضا عنكم ونتصافى
لَمح " هيما " شَقيق " بِشر " مَا يَحدث لِيهرول مُسرعًا نَاحية الشَارع الرئيسي ليِرى " موسى "
وَهو يَصعد عَلى موتوره قَائلاً
" مــــوســــى ، مـــوســى الحق ابوك الحاج نصار ، الحاج منعم وسعد ابنه راحولوا ومعاهم رجاله وناويين عالشر "
بَينما وَقف " لقمان " أَمام وَالدهُ يَرُد بَدلاً عَنهُ
" غريبه !!
مع ان احنا كنا مستنينكم تيجوا تبوسوا الجزم ، وبرضوا مكناش هنتصافى "
" لما الكبار ياحبيبي يتكلموا العيال الصغيره يسكتوا "
أَردف بِها " الحاج منعم " وَهو يَقترب رافِعاً عُكازه
لِيدفع بِه " لقمان " لِلخلف وَلكن كَتف " موسى " كَان الأسرَع، تلقّى الضَربة بَدلاً عنه بثباتٍ، قابضًا عَلى طَرَف العَصا بكفِّه يَنبس بِصوتٍ هَادىء
" الكبار ياحاج .. عمرهم ما كانوا بالسن ، عندك انت اهوه اكبر مثال .. كبير سناً بس اقل مقاماً "
تَقدم " لقمان " خَطوه لِلأمام بِجوار " موسى " يَحجبان وَالدهُم عَن الأعيُن سَتراً وَوقاء لهُ كَأن الجَسدين اتَحدا ليُشكلا دِرعاً وَاحداً لِأبيِهم ، ابتَسم
" نصار " عَلى فَعلتهما وَقد شَعر بِالفخر بِابنائه هَامسًا لِنفسُه
" واللاه وربيت يانصار "
رَكل "سعد" حصاةً عند موضع قدمه، لتتوقف أمام حذاء "موسى" قبل أن تَبلغ والدَه.
لِترتسم عَلى وَجه " سعد " ابتِسامه سَاخره
" اهوا انتوا بتفكروني بالمثل اللي بيقول اللي جيبه فاضي يعوضه بالكلام "
رَمق " سعد " والده الذيِ رَفع رَأسُه بِتعالٍ لِيُعقب
"وطالما عاملين فيها رجالة يا ولاد نصّار، ما تورونا الجدعنة بقى ، و تشَخّللوا جيوبكم وسدّوا الدين اللي عليكم قبل ما نهدّ الفرن على دماغكم ودماغ اللي رباكم
ولا إنتوا فالحين بس في الرد على اللي مسلفينكم ومخلّينكم تاكلوا عيش في قلب الحاره بفلوسهم "
ليُعقب "نعيم " عَلى حَديث ابنُه
" افتكر ان انا كده عملت بأصلي ، واعمل حسابك يانصار قدامك حل من الاتنين يا الدفع يا الحبس "
ارتَسمت عُقدة دهشة بَين حَاجبي "موسى" و"لقمان" عَلى وَقع الكلِمات التّي تَسلّلت إلىّ أُذنيهما، فالتَفتا في آنٍ واحد، لِتقع أنظارهُما عَلى والدهُما، وَقد لَمح
" موسى " بِأنهُ قَد انحَنى شَيئًا مَا فِي مَلامح رَوح والدُه ، كأنّ النورَ انطفأ في عينيه دفعةً واحدة.
لم ينطق الأب بحرف، فقط اكتفى بنظرةٍ طويلةٍ غامت فيها الملامح وتاهت الملامة
سقطت الكلمات كحجرٍ في بئرٍ ساكن، وابتلع الصمتُ ما تبقّى من وجوههم
↚
في بادئ الأمر، اكتفى ذاك الخفّاش بأن يسلبني سِواري ، أما الآن، فهو يحاول أن يلتهم ما تبقّى من خلايا عقلي.
أين جُملته التي كانت تُزاحم السقف منذ لحظات؟
كيف انمحت آثارها، وأنا لم أبرح مكاني؟
لم تُفتح النافذة، ولم تمسّ الجدران يدٌ غيري...
فأي يدٍ خفيّة امتدّت إلى الحبر وسرقته من عينيّ؟
أيمكن أن أكون قد توهّمت؟ ربما... لم أستيقظ بعد،
وربما العالم كلّه لا يزال حُلمًا يُعيد تشكيل نفسه على مهل .. يتبدّل فيه المعنى كما تتبدّل الظلال على الجدار حين تَنطفىء الشَمعة.
عقدت "آمنة" ما بين حاجبيها، كمن يُحاول أن يُمسك خيط الوعي قبل أن ينزلق من بين أصابعها.
"مَهلاً... لحظة..."
"لقد دوّنت كلماته داخل صفحاتي، قبل أن تُمحى
مِن عَلى السَقف هذا الصباح "
اندفعت نحو الدرج، كأن خيوطًا خفيّة تشدّها إلى الداخل ، تُفتّش بين الأوراق بصدرٍ يعلو ويهبط كبحرٍ فقد طريق السكون ، حتى عثرت على دفترها الأصفر القديم.
فتحته بأصابع مرتجفة، تقلّب صفحاته بعجلة،
والورق يتنفّس بين يديها رائحة العُمر القديم.
حتى وقعت عيناها على السطور
قرأتها في صمتٍ يُشبه الغرق أكثر مما يُشبه السكون
"حَبه من رُمّانٍ قديم... تُخفي بين تجاعيدها نَجاةٍ لِقلوبٍ هشّة ما زالت تنبض، وما زالوا يُفتّشون عن يدٍ تُنصت 🍒"
"ها هي كلماته... لو كانت وَهمًا ، أَكان لِيترُك أثَراً عَلى الوَرق .. لكن ما معنى تلك العبارة الغامضة التّي تُغلق باب الفهم وتفتح ألف بابٍ للريبة"
ظَلت " امنه " تَخط كَلماتُه مِراراً وَتكراراً حَتى تَجمد قَلمها أَخيراً عَن النَبض حِين نَزف حِبرُه
مَررت أَناملها بَين خُصلاتها الأَماميه لِتُعيدها لِلخلف وَهي تَخرج تَنهيده مُنهكه بِداخل صَدرها كَادت أن تَلتهمها ثُم سَمعت خَطوات أحدَاً مَا بِالخَارج ، لِيقع بَصرها عَلى جِدها يَصنع القَهوه عَلى الطَاوله بِيدٍ مُرتجفه ، مَشطت خَطواتها نَحوه وأمسَكت بِيد البَراد قَبل أن يَنسَكب
" خللي بالك ياجدو ، القهوه هتقع من ايدك "
أشَارت بِعينيها بِأتجاه الشُرفه نَابسه
"اسبقني انت على البلكونه وانا هجيبلك القهوه لحد عندك "
أَومَأ بِأبتسامه وَاهنه يَتوجه بِخطواتُه نَحو الشُرفه
يَجلس عَلى المَقعد وَهو يَنظُر لِلمباني القَديمه امَامُه المُغطاه بِالأشجار
حَملت " امنه " الصِينيه تَخطو فِي المَمر بِتباطؤ لِتلقط أُذناها صَوت جِدها يَهمس لِنفسه
" فينك ياعفت كنتِ شوفتي جمال السما معايا "
قَضمت شَفتاها تَميل بِجسدها نَاحية الطَاوله لِتضع الصِينيه تُدَحرج مِقلتاها لِلسماء لاَ يُمكنها تَمييز لَون السَماء وَلكن وِفقًا لِمعرفتها فَلا بُد أنَها الأَن تَرتدي الرُمادي
جَلست " امنه " بِجواره تَرتشف مِن فِنجانها ، لِتلمحه مِن زَاويتها يَبتسم فِي شِرودٍ وَهو يَشرب مِن الفِنجان ، نَبست مُتبسمه
" افتكرت ايه ياجدو خلاك تضحك كده "
زَفر وهُو يَخلع نَظارتُه مُدلكَاً صِدغيه فِي استِياء ، يَشير لِلمبني المُقابل
" شايفه العماره اللي قدامنا دي "
أَومَأت لِتبادلهُ النَظرات لِيُعقب
" اهي العماره دي بقى كان بيقف فيها شاب غلس ويقعد يبصبص لعفت وهي لسه بنت ، وانا وقتها كنت اتغاظ واضايق لما اجي البيت هنا عندهم واقفل عليها كل الشبابيك والببان ، وافضل ازعق فيها واقولها الشبابيك دي تتقفل ، مش عايز اشوفك لا بتبصي من الشباك ولا الاقيكي فاتحه باب "
ابتَسمت " امنه " تَسند ذقنها عَلى مَفاصل يَديها
" ياجامد انت ياجدو ، كنت بتغير عليها اوي كده"
" طبعًا عفت قبل ما تكون حبيبتي ومراتي فهي بنت خالتي ومتربين سوا "
استدار يمنحها ظهره، يمدّ يده نحو جهاز التَسجيل ، يُقلب الشريط بين أصابعه ثم يُدخله في مكانه برفق.
ثبّت للحظة، يتأكّد من الاسم المكتوب على الغلاف يِؤكد لِنفسُه
" ايوه هو ده شريط المطربه نجاة "
ثم ضغط الزرّ لتنبعث من السماعة أنفاس الأغنية
" الا انت فيها ايه الدنيا ديا .. الا انت .. كل غالي يهون عليا .. الا انت .. وابتساماتي واهاتي الا انت"
أَردف " الجد " اثنَاء استِماعه لِلأُغنيه يُغمض عَيناه بِاستمتاع .. عِندها ابتَسم لِتظهر الخمسة اسنَان التىّ بَقيت لَديه وَهو يَخبرها بِصوتٍ هَاديء
" اللــــــه ، المطربه نــجاة دي جَميله اوي ، وعفت
جدتك كانت بتحبها اوي اوي ، بتحب صوتها الرايق ، وابتسامتها الهاديه "
استَدارت "امنه" نَحوه لِترى مَلامحهُ المُفعمه بِالحيويه ، وَشىء مِن البَهجه
" تعرف ياجدو اني ناسيه شكل جدتي ، مش فاكره ملامحها خالص "
رَد عَليها مُسرعاً
" شوفتي نجاة اهي كانت كلها نجاة ، شبهها في رقتها وفي جمالها وعنيها السودا الكحيله "
فَرت ضِحكه مِنها تَستميل عَليِه
" طيب ليه ياجدو ما اخدتهاش لما اتجوزتوا وطلعتوا من هنا طالما جاركم الغلس ده كان بيعاكسها "
طَالع الأَرجاء فِي ابتِسامه خَافته يَصنعها عِندما يُقابل أيامٍ مِن الذِكريات الحِلوه
" جدتك عفت كانت وحيدة امها وابوها ولما ابوها مات مابقاش ليها غير امها اللي شرطت عليا اني لو هاخد بنتها اجي واعيش معاهم هنا ، وقتها جاردن سيتي كانت من المناطق القليله الراقيه اوي ، وعمايرها كانت قديمه وواسعه وكبيره بس للأسف كله اتهد وفضل الحي بتاعنا بعاميره اللي من ايام الملك واشجاره اللي على الجانبين "
مضى "الجد" بخطواتٍ وئيدة نحو السور، وتناول مِرَشَّ الماء الصغير، يسكب منه على أوراق الزرع
لتنحدر الخيوط الشفافة على الأوراق اليابسة فتستعيد شيئًا من عافيتها
ابتسم، والتفت نحوها بعينٍ يسكُنها الضَحك ثُم أَردف
" تعرفي يابت يا امنه مين الشاب الغلس اللي كان بيعاكس جدتك عفت وهي صغيره "
وَضعت فِنجان القَهوه عَلى الطَاوله ، تَقترب مِنهُ
بِتساؤل
" مين ياجدو "
رَفعَ إصبَعَه المُمتلئ بخُيوطِ العُمر، يُشيرُ إليها بأصابِعٍ مُرتجِفة
" يبقى جدك سليمان ابو ابوكي ، وامك مَا بين كل شباب حي جاردن سيتي ، قلبها مادقش إلا لأبن سليمان اغلس واحد فيهم "
ضَحكت تِهز رَأسها وَهي تُسايره مَا بَين دَهشه وَفرحه تَنطق مِن بَين ضَحكاتها
" بس بابا مكانش غلس ياجدو "
أَومأ يُؤكد عَلى كَلماتها
" الشهاده لله لاء .. ابوكي مكانش زي جدك الغلس ولا كان زي عمامك حتى بعد ما ابوه عزل وراح سكن في ڤيلل بره جاردن سيتي وبقى عنده ثروه كبيره .. ابوكي مكانش بيرتاح الا هنا عند جده وجدته وطبعاً كان بييجي عشان يشوف امك "
تَلاشت ضَحكات " امنه " بِبطء حِين تَذكرت عَمها ، ارتَجف خَافقها وَهي تُغمض عَيناها تَتنفس بُعمق ، تَدخل كَثيراً مِن الهَواء فِي صَدرها عَل زَفيرها يَخرج كُل ذَرة غُباراً أسوَد تَهمس بِداخلها
"عمي... وعمّاتي...
لا أعلم كيف سأواجههم. مجرّد ذِكرهم يهزُّ ما بين ضلوعي كوترٍ مُرتجف لا يثبت على نغمة
كيف أذهب إليهم أُطالب بحقي، وأنا لا أملك حتى ثبات النظر في أعينهم؟ وكأن وجهي وحده جريمة تنتظر الحُكم
لا أريد أن أخذل أخي، لكنّ الخوف يثقلني.
كل الطرق تؤدّي إلى الألم ، الذهاب إليهم مُرّ، والبقاء كما أنا أمرّ
استَيقظت " امنه " مِن شِرودها عَلى اقتراب جِدها مِنها يِوجه اليِها نَظرات حَانيه لِتبادلهُ النَظرات ، لِتمتد يَدهُ يَمسح دَمعه سَالت عَلى وِجنَتيها دُون أذنٍ مِنها
" انا اسفه .. بس انا مش عارفه اعمل ايه ياجدو "
شَهقه خَرجت مِنها رَغماً عَنها وَقد ازدَاد بُكائها ، عِندما ضَمها بِذراعيه وَرائحتُه المُلتصقه عَلى مَلابسُه مَلأت أنفَها
" بتتأسفي ليه يا آمنة؟
لو في حد لازم يعتذر، فده أنا ومصطفى.
احنا اللي رميناك في الاختبار ده من غير ما نسألك إذا كنتِ جاهزاله ولا لأ.
بس يابنت بنتي انا عارف إنك قوية، بس القوة من غير ثقة بتفضل ناقصة، وده اللي ناقصك دلوقتي.
رجّعي لنفسك الإيمان بيها، لأنك لو صدّقتي إنك قادرة، هتعرفي تواجهِي ظلم عمّك واخواته من غير ما ترتجفي .. ورث أبوكي لازم يرجع، مش بس عشانك...عشان مصطفى كمان "
هُو أبعد خُصلاتها عَن وَجهها وَتجاعيدُه الطَريه رَبتت عَلى مَنكبها وَأردف
" اللي بيحصل قاسي، أيوه... بس أحيانًا القسوة بتبقى الطريق الوحيد اللي يفتح جواكي باب للفهم
بصي لنص الكوباية المليان يا آمنة، للفُرصة اللي ربنا بعتهالك جوّا الوجع ده ، فرصه انك تفهمي اللي بيحصل حواليكي وتصححي غلطات داراها عنك الزمن وانتِ فاهمه غلط "
صَنعت " امنه " لهُ مَلامح حَائره مِما قَالُه ، لِيضع يَدهُ خَلف ظَهرها يَقودها نَحو غُرفة شَقيقها يَفتح بَابُه مِوارباً بِبطىء لِتراه " امنه " غَارقًا بِنومه
" شايفه يا امنه .. شايفه اخوكي نايم مرتاح ازاي
هو ما نامش كده ولا ارتاح بالشكل ده الا لما انتِ جيتي .. كان الاول دايمًا يسألني سِؤال هنعمل ايه ياجدي لو فضلنا لوحدنا ، ومحدش سأل فينا ، وانا هعيش ازاي من بعدك "
اغلَق البَاب وتَبعتهُ "امنه " وهُو يتَحرك نَاحية غُرفتُه والابتِسامه لَا تُفارق مَحياه
" كنت وقتها اضحك واقوله لما المرض يشتد عليا ومافتكركش وديني جمعية الأورمان فيها هناك دار للعجزه وبالذات يقعدني في غرفة المطربه نجاة وهو يبقى ياخد الأوضه اللي جنبي "
هَي امسَكت بِيدُه لِيتكأ عَليها يَصعد عَلى فِراشُه نَابسه
" نجاة ايه بس ياجدي اللي يبقى ليها اوضه في دار الأورمان "
نَبس يَلتقط وِساده صَغيرة الحَجم يَضعها خَلف ظَهره يَستند عَليها
" انتِ فكراني بهزر ولا ايه ، نجاة عامله اوضه مخصوص للعواجيز اللي قلوبهم هشه زينا وبيدوروا على ايد تطبطب وحد يسمع لينا ، وعلى الاوضه من بره مكتوب اسم نجاة ووهباها لله ، ويابخته ومن نصيبه بقى اللي ييجي الدور عليه ويقعد فيها "
نَبست أثناء ضَحكاتها عَن طِيب خَاطر تَستمتع بِانبهارُه بِتلك الغُرفه
"يــــاه يــاجدو ، لِلــدرجــه دي مبهور بالأوضه دي"
" طبعًا .. ده كفايه أغصَان الرُمان اللي بتدخل بلكونة اوضتها .. وتلاقيها كل اول شهر تبعت حد من طرفها عشان يسقي اغصانها .. واللي في الأوضه يبعت السلام ليها معاه "
صَمت قَليلاً يَنطق اسمها بِجديه
" امنه .."
تَهدچ صَوته ،لِتقبض هَي عَلى ثَوبها تَصب اهتِمامها نَحوه
" نعم ياجدو "
شَعرت بِيده تَمسك خَاصتها يَدفعها لِلنظر لهُ
" توعديني لما مصطفى يتجوز هو وحبيبه توديني اوضة نجاة .. عايز اموت هناك يا امنه "
تَقدمت نَحوه وَأغصان ذِراعيها التَفتت نَحو جَسدُه
اقتَطفتهُ نَحو حُضنها ، فَقد كَان جَسدُه هَزيلاً وَلكن هَذا لَم يَكُن مُهمًا
" ماتقولش كده ياجدو .. بعد الشر عنك .. انت هتفضل عايش لحد ما تشوف ولاد ولاد مصطفى "
شَد هُو عَلى عِناقها رُبما أراد أن يَهرب داخلها أَو لَعلها هَي مَن رَغبت أَن تَختبىء فِيه ثُم هَمس بِصوتٍ مُتعب
" اسمعي كلامي يا امنه .. دي وصيتي ليكي يابنتي .. عايز اعيش اللي باقي من عمري في اوضة نجاة في دار الاورمان .. حققهالي يا امنه .. حققيلي وصيتي "
هَمس لَها وَهو يَفصل العِناق وَقد رَأت الأصِرار فِي عِينيه أصرَاراً يَشبِه الضَوء الأَخير قَبل الغُروب
لِتومأ لهُ بالأيجاب عَلى طَلبُه وَقد ارتَاح لِابتسامتها الحَانيه نَحوه ، يُغمض عِينيه لِيغوص فِي سَباتٍ عَميق كَمن وَجد أَخيراً سَلامهُ المُؤجل
تَحركت " امنه " بِخطواتٍ تَشبه التَسحب تَغلق البَاب خَلفها بِحذر تَتوجه نَحو غُرفتها وَلكن أوقَفتها ، كَلمات الأُغنيه التّي مَازالت تَتسلل مِن الشُرفه ، وصوت "نجاة" ينساب كنسمةٍ تحمل بين طيّاتها دفء القلوب
مدّت يدها لتُغلق الجهاز، لكنّ الكلمات أوقفتها، شدّتها من أعماقها لتستمع أكثر
" طول ما انت جنبي روحي وقلبي ..في دنيا تانيه
مالهاش وجود .. وان غيبت عني هحس ان ولا ليا دنيا ولا ليا وجود "
تراجعت "آمنة"، وجلست على الكرسي الهزّاز،
تدفع جسدها إلى الأمام ثم تعيده ببطءٍ
وأغمضت عينيها، وتركت للموسيقى أن تُداعب جدار قلبها ، تَهمس بِداخلها
" كيف انزلقت السنوات من بين أصابع الزمن هكذا؟ لم يَعُد جدي كما كان يومًا، ذاك الرجل الذي كان وجهه يفيض بالحياة ..غابت خُصلاته البنيه الداكنة التي كنت أُمشّطها في طفولتي بمشطٍ خشبي صغير، وحلّت محلّها فراغات تلمع تحت الضوء كأثرٍ صامتٍ للعمر.
عيناه الغائرتان الآن تُشبهان بئرين جفّ ماؤهما،
وجلد وجهه صار خريطةً من التجاعيد، كل خطٍّ فيها يروي فصلاً من صمته الطويل.
ذقنه التي كانت تفوح منها رائحة الصابون القديم،
اشتعلت بياضًا حتى بدت كثلجٍ حطّ على أرضٍ متعبة.. يداه اللتان كانتا تُمسكان بالأشياء بثقة ترتجفان اليوم في كل حركة، واستَبدل الزمن قوّتهما برعشة حنين
ما أقسى أن يفعل بنا العمر هذا ، نبدأ بفيضٍ من الحيوية، نركض نحو الحياة كمن يملكها، ثم ذات صباحٍ، نصحو فلا نجد إلا أصداءنا القديمة
مُعلّقة في ملامحنا المنطفئة
أغمَضت عَيناها تتنفس بعمق
" كنتُ أقضي مع جدي معظم وقتي، رغم صِغَر سِنّي ، كان أول من فتح لي باب المعرفة، ودفعني برفقٍ نحو عالم الكتب ، يأتي إلى البيت محمّلًا بحكاياته، يُحدثني عن الأدباء الذين ملأوا الدنيا فكرًا، ويروي لي القصص قبل النوم بصوته الهادئ
وحين كبِرت، بدأ يمنحني أعزّ ما يملك .. كتبه القديمة، تلك التي ما زالت تحتفظ برائحة أصابعه بين صفحاتها.
لم أنسَ يومًا بريق عينيه وهو يقرأ، كان يضيء المكان كشمعةٍ تُحبّ الحياة
وحين رحل والداي، لم يتركني للفراغ،
احتواني انا وأخي، وتحمّل عنّا أثقال العالم دون أن يُظهر وهنه.
لكن يبدو أن الحياة تُعيد ما تأخذه على طريقتها،
تستردّ منّا ما تهبه حين تملّ الانتظار
الآن صار جدي يتحدث عن الرحيل، يبتسم كلما ذكر الموت ، يقول إنه يريد أن يقضي ما تبقّى من عمره في دارٍ هادئة كَـ "دار الأورمان " قرب أغصان الرمّان
لكني لا أستطيع أن أقبله .. كيف أترك يده بعد أن ..
مَ ..مهلاً لحظه ..
صَمتت فِي شِرود وَقد تَغيرت مَلامحها الى التَرح
هل قال " اورمان .. رمان .. نجاة "
.. .. .. ..🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁.. .. .. ..🍁....
إنه الرفض... أن تمتلك الشجاعة لتقول لا، ولو مرة.
ذلك ما يعيشه "موسى" الآن، بِثقلٌ يشبه كتم الأنفاس
كان الطريق طويلًا أمام " موسى " ، والموتور يعلو صوته كلّما زاد من سرعته.
لم يكن يرى شيئًا بوضوح، فقط خط الإسفلت الممتد تحت العجلات، وصوت أنفاسه داخل خَوذتُه
إذ به يشرُد في الطريق ، تتزاحم الكلمات في رأسه
وأصواتٌ تتداخل، ووجوهٌ تتبدّل وصوت "نصار" يسأله بحده وَهو يَجلس عَلى الأريكه اسفل نَافذتُه
" كنت هتعملوا ايه يعني ياموسى انت ولقمان لو كنتوا عرفتوا ان عليا دين ومديون للحج منعم "
تَرك الحاج "نصار" الأريكه ، يَلتفت اليهُما يَتبادل النَظرات مَع كِلاهما
" انت يالقمان ياللي بتشتغل شغلانتين عشان بس تقدر تلم نفسك وتتجوز هتحط ايدك في جيبك وتديني "
التَفت يِوجه حَديثُه لِموسى
" ولا انت ياموسى اللي عشان تفتح مشروع عمرك بيعت جدك غنيم الارض اللي حيلته وتحويشة عمرك يادوب هتوضب بيها المحل عشان تقف على رجليك "
عاد " موسى " إلى واقعه مع أوّل نُقطة مطر لامست زجاج خوذته، لتيقظه من دوّامة الصوت في رأسه ، زَاد مِن سَرعتهُ أكثَر يَميل رأسه قليلًا، يحاول أن يُسقِط عن ذهنه بقايا الكلمات ، لكنها كانت عالقة بِداخلُه وَهو يَرد عَلى حَديث " نصار " والدُه
" كنا احنا هنتصرف ، على الاقل مكنتش هشتري الكافيه "
رَد " لقمان " يَدعم حَديث شَقيقُه
" وانا مكنتش هتجوز دلوقتي على الاقل "
تَبسم " نصار " فِي وَهن مِن كَلامهُما يَلتقط
جِلبابُه يُربت عَلى منكبيهما بِكف يَدِه
" لا رجاله ياعيال نصار .. صحيح عرفت اربي "
أخذَ يُكابر بِحديثُه مَعهما
"بس الكلام ده لما تلاقوني مش لاقي ااكلكم ولا البسكم ، ولا لما منعم يحجز عليا زي ما قال ، لكن طول ما انا بصحتي هفضل الحج نصار اللي بيصرف عليكم "
شَعر " موسى " بِالسوء مِن حَديثُه ، يُحاول تَمالك اعصَابُه
" انت مستني ايه ياحاج ، مستني لما تلاقيه بيحجز عالبيت ويطردنا منه كلنا ، ولا مستني لما يقفلك الفرنه ويقلبها مخزن للخرده "
" مــــوســـــى .."
جَاء صَوت السَيده " نعيمه " وَهي تَغلق البَاب خَلفها
تُمشط خَطواتها اليِهم ، نَابسه بِحده
" صوتك ياموسى مايعلاش على ابوك حتى لو حصل ايه ، نصار طالما ماحبش يقول ، يبقى هو ادرى كويس اوي باللي بيعملوا ، وانا معاه وهسانده في اي قرار ياخده وطالما هو مكانش عايز يقولنا فانا واثقه الف في الميه انه اكيد لي اسبابه ، اللي بالمناسبه هو مش مضطر يشرحها "
أَخذَ " موسى " نَفسًا عَميق يُحاول جَمع شَتات نَفسُه
" هو فعلاً مش مضطر يشرحها ، بس على الاقل يقولك هو كان واخد كام من منعم ومنعم كتب كام في وصلات الامانه اللي الحاج مضى عليها "
ازَاح " موسى " انظَارُه عَنهُ حَالما سَقطت مِقلتيه عَليه
" انا مضيت على ٦٠٠ الف جنيه بس ياموسى "
جَلس " لقمان " بِمنتصف الأَريكه يُكمل مَا لَم يَتفوه بِه شَقيقُه
" لا ياحج الوصلات اللي انت ماضي عليها بمليون ونص مش ب ٦٠٠ زي ما قولت "
صَدمه أَو رُبما دَهشه حَلت عَلى مَلامح " نصار " لَم تَتحملهُ قَدماه ، اسندهُ " موسى " حَتى جَلس عَلى الأَريكه ، لِتجحظ مِقلتاه واهتَز شَعرُه البُني الذِي اختَلط بِبياض الشِيب ، بَينما مِقلتاه السَوداء ذَابله اصَابها التَخضرُم
هَز بِرأسُه " للِقمان " نَافياً مُستمراً بِالنظر لهُ
" بس ، بس انا يابني ما بصمتش غير على اللي اخدته
انا ما اخدتش منه غير ٦٠٠ بس وربي العالم "
نَهض بِعكازه لِيمنعهُ " موسى " مِن المَضي قَدماً
" رايح فين بس ياحج "
أشَار لهُ بَعينيه كَي يَتنحى جَانبًا
" ابعد عني ياموسى دلوقت .. انا لازم اروحله .. ده نصاب ازاي يخليني ابصم على اضعاف المبلغ اللي اخدته منه "
" وبعد ما تروحله هيحصل ايه ، مش هيحصل حاجه غير انك هتقل من نفسك قدام الخلق من تاني يابويا
اللي زي منعم ده كلنا عارفينه لا لي دين ولا مله ، الجنيه اهم حاجه عنده ، واذا كنت فعلاً مش عايز يتقل منا اكتر من كده قدام اهل الحاره سيبني انا ولقمان نتصرف "
صَمت " نصار " لِثواني وَهو يَقضم شَفتاه عَائداً لِلأريكه بَينما " موسى " لَحقُه بِخطواتٍ مُسرعه
يَقبض عَلى يَداه
" هــــا ياحج ، قولت ايه .."
أَشَار "نصار" بِعينيه بِنظره مُنكسره
" اللي تشوفوا يابني .."
ازدَاد ارتِطام قَطرات المَطر كَنبضٍ مُضطرب بِزُجاج خَوذته لِيعود الىّ وَاقعُه يَضغط عَلى المِقبض بِقوه لِتتضاعف سُرعتُه وَكأن المَطر يَغسل الطَريق وَلا يَستطيع أن يَغسل مَا عُلق فِي صَدرُه
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..🍁
ابتَسمت " امنه " بَعدما تَوجهت الىّ غُرفتها وَكأنها قَد بَدأت بِفهم الكَلمات ، جَلست عَلى المَكتب تُحلل كَلماتُه بِهدوء وَقد أخرَجت دَفترها القَديم ثُم هَمست لِنفسها وَهي تُمرر القَلم عَلى السِطور
حَبه من رُمّانٍ قديم...
تأمّلت " امنه " الكَلمة الأولىّ
" حَبه ..
انعقد حاجباها بخفوتٍ وهي تهمس لنفسها
"غريب... لِمَ قال حبّة؟ أليست رُمّان جمعًا؟"
أمالت رأسها جانبًا، تُقلّب الفكرة في ذهنها كمن يختبر ثِقلها
"لا... ذَاك الخفّاش لا يزرع كلمةً عبثًا، أعرف ذلك."
صَمتت لَحظة ، تُصغي لِرجفة خَفية بَين الحِروف
يُمسك عَقلها بخيطٍ دَقيق بَين الشكّ واليَقين
"حبّة... واحدة... ربما قصد بها الوحدة، أو..."
جَحظت عَيناها كَمن لَمح خيط ضوءٍ في عتمة الفهم
"واحد "
بَللت حَلقها تَقبض عَلى الدَفتر تَتذكر كَلمات جِدها
" بييجي عامل كل يوم واحد في الشهر يسقي اغصان الرمان ويوصل سلام اللي موجود في الاوضه لنجاة "
وَضعت القَلم بَين أسنَانها تُحدق بِالفراغ بَعدما زَادت عُقدة حَاجبيها
" أيعني بالحبه رَقم واحد ؟ والرمانات هي الأيام..."
زَفرت " امنه " فِي ضَجر تُطالع الأرجَاء فِي اختِناق
لِشدة مَللها هَامسه
" تَركني ذاك الخُفاش لِعاصفة أفكَاري ، وَلكني لَن أرفع راية الأستسلام بعد .. "
أخَرجت القَلم مِن بَين اسنَانها تُدحرج مِقلتيها نَحو الوَرق تِدون مَاتوصلت اليه
" يوم واحد ..
صمتت لحظة، وعادت للورقة
" رمانٍ قديم..."
تسللت بسمة صغيرة على شفتيها، وكأنها التقطت الخيط الثاني
"رمان... الأورمان ، لا فرق كبير بين النطقين، أهي مصادفة؟ لا اعتقد البته بأنه يؤمن بالمصادفات"
اطلَقت تَنهيده خَافته لِتتكيء عَلى المَقعد خَلفها وَهي تَفرك جَبينها تُكرر كَلماتُه
" تُخفي بَين تَجاعيدها نجاةٍ لِقلوبٍ هَشه .."
رفعت رأسها فجأة، كأن الضوء انسكب في رأسها دفعة واحدة
"التجاعيد... إذًا هو لا يتحدث عن ثمرة، بل عن دار العجزة... دار الأورمان وَلابد بِأنه يَقصد بِكلمة نَجاة هي غُرفة المُطربه نَجاة .."
كتبت بخطٍ سريع
" يوم واحد .. غرفة نجاة .. دار الأورمان .."
قَرأت الشَق الأخيِر مِن جُملته
"مَازَالت تَنبض .. وَما زَالوا يِفتشون عَن يَدٍ تَنصت.. مَا هَذه الكَلمات بِربُه "
أطلَقت تَنهيده خَافته وَهي تَردف
" لا أُصدق ان خُفاش السوء هَذا يَسكُب الزَيت بِأسراف عَلى نَار فِضولي ، وَماذا يَقصد بِاليد التي تَنصت ، اهناك يَدٍ تَنصت ؟ اليَد تَلمس .. تُطبطب .. تِواسي .. او تَروي
انتَفضت تَعيد اخر مَانطقَت بِه
" تَروي ..
تَرددت كَلمات جِدها الى ذِهنها
"بييجي عامل كل أول شهر يسقي أغصان الرمان..."
" ان اللُغز يَكمن بِه هُو .. أيُعقل بِأن اليَد التّي تَنصت يَقصد بِها نَفسُه أهو العَامل الذي يَأتي ليِروي الأغصان اول يومٍ بِالشهر "
التَقطت القَلم بَين يَديها وَقد تَشابكت جَميع الخِيوط وَهي تِدون
" اول يوم بالشهر .. بدار الاورمان .. بغرفة نجاة .. العامل الذي يروي الاغصان .. "
هل أراد أن ألقاه هناك؟ في دار الأورمان؟ في غرفة نجاة .. أول الشهر؟"
انزلقت نظرتها نحو الهَاتف لِتجد فِي التَقويم بِأن الغَد هو اليَوم الأول بِالشهر "
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁
زَفر "ادم " لِيرمي بِرأسُه عَلى الوِساده بِأنهاك يُطالع السَقف بِملل وَاضح مِن تَنهيدتهُ ، التَقط " نوح"
لِفافة تَبغِه مِن عَلى الكُومود بِجواره يَشعلها سَائلاً
" مالك ياعم ادم ، مش طايق ريحة شرابك ليه في الليالي كده "
شَرد " ادم " بِصوت " هنان " وَلم تُفارق نَظراتُه السَقف حِين أخبرتُه
" عيد ميلادي بعد يومين لازم تيجي يا ادم "
تَحرك " نوح " نَحو مِقبص المَروحه المُعلقه بٓالسقف يَضغط عَليه اثنَاء سُؤاله
" ولا يا ادم ما تعرفش يلا ابوك وامك ولقمان وموسى كانوا قافلين على نفسهم الباب ليه النهارده عالمغربيه كده ومش مخلين حد يدخل عليهم "
نَظر " ادم " لِجانبهُ الأَخر دُون رَد لِيلقي " نوح " حَقيبتهُ التّي التَقطها مِن عَلى الطَاوله
" ماترد يسطا مالك .. بكلم امي من الصبح "
تَبعثر مَا بِجوف الحَقيبه عَلى الأَرضيه لِينتفض
" ادم " أثَر رَميتُه
" انت .. انت بتعمل ايه يانوح .. كده كده رميت كل حاجتي على الارض "
تَلاشت ابتِسامتُ " نوح " فِي تَفاجؤ وَهو يَثني جَسده لِيلتقط ظَرف بِلون السُكر
" اي ده يلا الظرف الفخم ده اللي في شنطتك ده "
انتَفض " ادم " يَمد كَفه لِينتشلُه مِن بَين أصابِعه
لَكنهُ رَفع ذَراعُه لِلأعلى بَينما " ادم " بَلل حَلقُه وَنظره عَالق عَلى الظَرف
" اديني الظرف يانوح بدل والله هاروح اقول للقمان "
لَاحظ " نوح " شِحوب وَجه " ادم " لِتتلاشى ابتِسامتُه
" طيب اهدى ، اهدى مالك يسطا قلبت كده ليه ، انا كنت بهزر معاك على فكره ، لاقيتك اتحولت مره واحده للدرجه دي الجواب ده يهمك"
جَلس " ادم " عَلى طَرف السِرير ، يَدحرج مِقلتاه نَاحية الظَرف الذي بِيدُه جَلس " نوح " امَامُه يُربع قَدميِه
" ايه يسطا ماتحكي هو انا هاكلك ، وبعدين لو بتحب قولي ده انا اخوك افطمك يسطا البنات تمشيها ازاي "
هَز " ادم " رَأسُه بِالنفي وَهو يَقضم شَفتاه
" ده مش جواب"
" اومال ايه ده يسطا الظرف ده "
أشَار " ادم " بِعينيه عَلى مِقبص المَروحه بِقلب الحَائط
" ماشي هقولك بس طفي المروحه وانا هقولك عشان انا سقعان "
ابتَسم " نوح " لهُ تِلك الابتِسامه المُتحمسه وَأردف اثناء اغلاقُه لِلمقبص
" بس كده يسطا انت تؤمر "
أغلَقها نَابساً يَعود أدرَاجُه طَالباً
" قفلتها اهوه ياسيدي قول بقى يسطا بدل عليا النعمه اسكعك قلم ارجعك بطن نعيمه تاني "
طَالعهُ " ادم " وَهو يَشد عَلى الظَرف بِيديه
" الظرف ده في دعوه "
تَكونت عُقده خَفيفه بَين حَاجبي " نوح " أثنَاء قَوله
" دعوه ..تقصد حد بيدعيلك فيه "
نَفى بِرأسُه يُوضح مَقصدُه
" يــــــوه ، يدعيلي ايه بس يانوح دي دعوة عيد ميلاد ، واحده زميلتي في الجامعه ادتني الدعوه دي وقالتلي اني لازم اجي عيد ميلادها ، بس لما قرأت وعرفت هتعمل عيد ميلادها فين عرفت اني مش هعرف اروح عشان هيبقى عايز فلوس وانا مش معايا فلوس "
أَومَأ " نوح " لهُ لِينهض فِي امتِعاض
" ليه يسطا هو فين العيد ميلاد ده "
" في لاڤيستا اللي في العين السخنه "
اقتَرب " نوح " مِنهُ وَقد تَملك الاندهاش مِن مَلامحُه
" يسطا انت بتهزر صح القريه دي غاليه فورتيكه مابيدخلهاش غير المُلاك بس يسطا انت عرفت البت دي ازاي ، وازاي مش عايز تروح "
"انا مش ، مش عايز اروح ، بس انا مش معايا فلوس"
عَرض " نوح " عليِه مُسرعًا
" يسطا انا معايا الفين وخمسمية جنيه بتوع الجمعيه اللي قبضتها هدهوملك نجيب طقمايه نخمس فيها انا وانت ، ونجيبلها بوكيه ورد "
قَضم " ادم " شَفتاه ليؤخذ نَفسُه سَريعًا
" بوكيه ورد !! .."
" يسطا لو مش عجبك هتصرفلك في فلوس نجيبلها سلسله كده صغيره وبتاع ان شالله ابيع الواد بشر التروسيكل بتاعه بس خدني معاك .. ايه رأيك "
طَالعه " نوح " لِيرى مَلامحهُ المُقتضبه لِيحثه عَلى الموَافقه
" هــــا .. قولت ايه يا ادم ياحبيبي "
اشتَرط " ادم " عليه
" بس بشرط يعني مش عايز لما تروح هناك تحرجني وتعملي مشاكل مع البنات اللي هيكونوا هناك ، اتـ .. اتفقنا"
ابتَسم " نوح " بِمكر
" ياباشا من غير ما تقول ده انت وصحابك البنات وحبايبك فوق راسي "
ورَغم موَافقة " ادم " ، كَانت عيناه تُخفيان ظلالَ تردّدٍ غامض، كَأن شيئًا فِي داخلُه لم يَطمئن بَعد
.. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. ..🍁
مَلامح نَصار المُتضايقه كَانت سَبب فِي ابقَائه عَلى الأريِكه اسفَل نَافذتُه طوال اللَيل ، مِقلتيه تِطالع الفَراغ فِي شِجون ، أتَت السَيده " نعيمه " تَضع صيِنيه الشَاي عَلى الطَاوله ، مَدت يَدها الىّ خَارج النَافذه لِتقطف أوراق النِعناع ثُم دَحرجت مِقلتيِها نَحوه أثناء وَضع أورَاق النِعناع دَاخل الكُوب لِتبتسم ابتِسامه تَبدو لهُ مُريحه
" الشاي بالنعناع اللي بتحبه يانصار ، انا عارفه انك مش هتنام النهارده وهتفضل طول الليل كده قاعد تحت الشباك طول ما بالك مشغول ، قومت انا بقى قولت ايه "
التَقطت القِدح مِن عَلى الطَاوله بَين كَفيها
" نقعد كده نشرب كوبايتين شاي انا وانت بالنعناع
ينسونا الهَم اللي حصل النهارده ده "
اطلَق تَنهيدة خَافتة مُدلكًا صِدغيه ، ليَردف بِنبره يَتخللها الأحبَاط
" غريبه يعني يانعيمه ما سألتنيش اخدت من منعم الفلوس ليه ، ولا صرفتها في ايه "
رَطبت حَلقها تَناوله القِدح السَاخن بَين كَفيه فِي لَيله بَارده كَهذه
" من غير ما اسأل انا عارفه انك لما اخدت الفلوس من اللي ما يتسمى منعم جيت على نفسك بالجامد اوي علشان تفدي حاجه مهمه كانت هتحصلنا ، اوعى ياراجل تكون فاكر اني هاجي احاسبك واقولك اخدت الفلوس ليه وصرفتها في ايه "
مَلامحهُ المُرتبكه أخَافتها ، حَيثُ نَظر لَها وَكأنهُ يَعتذر عَما فَعلُه هَاتفًا بِصوتٍ مُتحشرج
" حَقك عليا يانعيمه ، الديون قسمت ضهري ، كنت حاسب كل حاجه بالورقه والقلم بس الغلا اللي كل يوم بنطلع فيه ، كل يوم نلاقي الحاجه غليت بسعر جديد ، الاسعار مش راضيه ترسالها على مرسا ، والضرايب عليت على الغلابه اللي زينا
وهو هو تمن رغيف العيش والدنيا بتغلى زياده لاقيت نفسي معنديش حل غير اني لازم اسدد الضرايب وادي للعمال فلوسها يا اما الفرن كان هيتقفل ، عرض عليا المساعده وانا مكانش في ايدي حيله ، اضطريت اوافق بس مكنتش اعرف انه هينصب عليا ويبصمني على اكتر من اللي اخدته يانعيمه ، مكنتش اعرف "
طَالعتهُ فِي ضَياع دُون التَفوه بِكلمه ، لَكنها ابتَسمت لهُ تُربت بِيدها عَلى مَنكبيه ، لِتنزل دَمعه دُون أذنٍ مِنها تَجبر شِفَاهه عَلى الابتِسام
" شوفت ، شوفت بقى انا ليه ما سألتكش عشان عارفه انك شايل حمل تقيل على كتفك "
اعتَدلت فِي جَلستها تُخبره بِمزاح
" الحاجه الوحيده اللي ممكن تخليني اسألك صرفتها في ايه ، لو الفار لعب في عبي من ناحيتك يانصار وحسيت انك شايفلك شوفه كده ولا كده واتجوزت عليا وقتها ورحمة امي هتحول ، اه انت عارفني مجنونه "
بَلع مَا فِي جَوفه لِتنال ابتسامتهُ مِنهُ ، لِيتشد عَلى عِناقها لهُ وَتلك الغَصه التّي في قَلبُه قَد اختَفت
" هي العين تقدر تشوف بعدك ، ده انتِ مُر الدنيا بِيحلى بيكي ياست الستات يا اصيله "
لَقد ضَمدتهُ السَيده " نعيمه " كَما دَومًا تَفعل فَعناقها لهُ
ضِمادتهُ ، بَينما كَلماتها هَي مَرهمُه نَابسه
" ايوه كده يانصار فك شويه ، مالهوش لازمه قلقك ، انت ربيت رجاله هيعرفوا يجيبولك حقك ، انا قلبي مطمن عشان عيالك هيتصرفوا وانت عارف لما موسى ولقمان يحطوا حاجه في دماغهم ، نام وارتاح يانصار زي ما انا مرتاحه "
فَصل هُو العِناق يَعتدل بِجلستُه أثنَاء تَقليبُه لِحبات سِبحتُه وَهو يَستغفر رَبُه نَابسًا بِصوتٍ بَان بِه كَسرتُه
" استغفر الله العلي العظيم .. انا حاسس اني اتكسرت
النهارده يانعيمه قدام ولادي ، حاسس اني اتقسم ضهري نصين وهما واقفين قدامي بيحاسبوني على اللي عملته زي العيل الصغير "
شَهقه خَرجت مِنها بِقوه وَهي تَضرب بِكف يَدها عَلى صَدرها
" ما عاش ولا كان اللي يكسر ضهرك يانصار ، ولادك مش قصدهم حاجه هما غرضهم يقفوا في ضهرك مش اكتر "
نَزلت مِن عَلى الأَريكه تَجلس أمَامُه بِابتسامتها الهَادئه
" عيالك بيحبوك يانصار ، وانتَ عارف ده كويس انت ياما خفت عليهم وكنت بتحميهم كتير ، سيبهم هما المره دي يقفوا في ضهرك عشان يصلبه ضهرك يابو الرجاله .. سيبها على الله يانصار سيبها على الله وفكها بقى ، والله بكره تشوف لهتفرج وتقول نعيمه قالت "
فَرك وَجهه بِكفيه أثنَاء قَوله
" يـــــارب ، الفرج من عندك ياحبيبي "
فَركت بِيدها فَخذُه فِي شِبه ابتِسامه
" ايوه كده فكها بقى واضحك "
اصطَنع الأبتِسامه لَكنها اردَفت اثنَاء توجها الىّ الخِزانه
" انا عارفه ايه اللي هيخليك تضحك وتفك .. "
أخرَجت قَميص نَومها الأَحمر تَميلُه بَين كَفيها يسَره ويُمنه
" ايـــه رَأيك بقى "
ابتَسم يَهز رَأسه بَعدم تَصديق مِن بَين ضَحكاتُه
" ياوليه احنا في ايه ولا في ايه دلوقتي بس "
مَشطت خَطواتها بِابتسامه واسِعه بِاتجاهُه تَضع القَميص عَلى جَسدها
" واحنا في ايه يانصار ما احنا زي الفل اهوه ، فاكر القميص ده يانصار ، قميص ليلة دخلتنا "
ابتَسم لهَا بِدماثة وَهو يَقترب مِنها يُدلك جِزع ظَهره يَتكأ عَلى عُكازه
" الا فاكر دي كانت ليله "
وَحينَ رَأت ابتسامتهُ الواسعه اتَجهت نَحو السِرير بِخطواتها المُتباطئه
" كويس انك فاكرها يلا بقى عشان ننام "
تَلاشت ابتِسامتهُ حِين سَمع كَلماتها بِدهشه
" ننام ايه يانعيمه انتِ مش هتلبسي القميص "
جَحظت مِقلتاها لهُ لِيردف مُؤكداً عَلى مَاقاله
" بالله ما هنام الا لما تلبسيه .."
" ياراجل احنا في ايه ولا في ايه "
مَد كَف يَدهُ بِالقميص وَهو يَهتف
" احنا في ايه ما احنا زي الفل اهوه يانعيمه ، يلا بقى هموت واشوفه عليكي "
ابتَسمت بِحرج تُطالع القَميص بَين يَديها بِصوتٍ هاديء
" ياراجل بس .. بس يانصار .."
" يلا بقى .. والله هموت واشوفه عليكي .. هشوفه بس "
اشَارت بِخنصرها بِوجهه
" هَتشوفه بس .."
ابتَسم لَها مؤكداً
" هشوفه بس .. "
ابتَسمت ابتَسامه واسِعه تَميل بِرأسها
" مِــــاشــي .."
جلست بجواره بَعدما ارتَدتهُ ، في صمتٍ دافئ، كأن كُلَّ ما أثقلهما من الهمّ تلاشى في تلك اللحظة ثُم قالت بخفوتٍ
"شايف .. لسه حلو زَيّ ما هو عليا ازاي "
ضحك "نصار" بخفّةٍ تعبُق بالحب
"هو الحلو بيتغيّر يا نعيمة "
.. .. .. ..🍁 .. .. .. .. 🍁.. .. .. .. 🍁.. .. .. .. 🍁.. .
انَها السَادسه صَباحًا ..
رَفعت " امنه " خُصلات شَعرها تَشد مِن عُقدة شَريطتها ، كَما أنَها تُحاول بِكل مَا لَديها أن تَتحرك بِداخل المَنزل دُون أيقَاظ أحَد حَتى تَتهيأ لِأعداد الفِطور ، غَادرت الغُرفه تَسير عَلى رؤوس قَدماها حَتى وَصلت لِلمطبخ ، فَتحت بَاب المُبرد بِهدوء
وَتسللت مِنهُ بِروده خَفيفه أخرَجت سَلة الخُبز الفِرنسي المَخبوز مُنذ الأَمس، مَا زَالت رائحتُه تَعبق بِالدقيق والزُبد. بِجانبهُ وُجدت زُجاجة صَغيرة مِن عَصير البُرتقال الطَازج، وَوعاء زُجاجي يَحتضن شَرائح الجُبن الأبيَض المَرصوصة بِعناية
وَضعت إلىّ جِوارها إناءً مِن الزَبادي بِالعسل وَبعض التوُت، وقطّعت شَرائح رَقيقة مِن الخِيار والطَماطم، ثُم صبّت فِي كوبٍ خَزفي مَزيج الحَليب والكَاكاو السَاخن، تُحرّكه بِملعقة صَغيرة بَينما يَعلو البُخار فِي سِكون المَطبخ
اصطفّت الألوَان عَلى الطَاولة فِي تَناغُم هَادئ؛ الخُبز، الجُبن، الفَاكهة، وَرائحة الشوكولا السَاخنه تَتسلّل بِبطء، تُعلن عَن صَباحٍ يَليق بِالسَكينة التّي تَسكن البَيت
ابتَسمت إلى ما صَنعتهُ بحب حتى جَفلت على صَوت دَقات السّاعة المعلّقة بجوف الحائط تُعلن تَمام السَاعه السَابعة صَباحاً ، التفتت تُطالع عَقاربها بِشرود، تُتابعُ حركتَها الرتيبة كأنّها تُحصي أنفاسَ الوقت لا دقّاته.
"ساعَةٌ أخرى انسلّت من بين يديّ... كيف مرّت بهذه السُّرعة؟"
أرخَت نظرتَها نحو المائدة، ثُمّ عادت بعينيها إلى الساعة، يتقافز في صدرها سؤالٌ يتلو الآخر.
"أأذهب ..أم أبقى "
أهو فعلًا ذاك العامل الّذي يُسقي أغصان الرّمان
وإن كان هو فَمن المؤكد أن المَوعد فِي السَاعات الأولى مِن الصَباح حين تفتح الأرض كفّيها لتستقبل الماء، ويغسل الضوء وجوه الأغصان النائمه
أأكون أنا من يسقي الوهم كلّ هذا الوقت؟"
تنفّست بِعمقٍ، كأنّها تُحاول أن تُبطئ دَوران العَقارب، هَامسه بِداخلها
"الوقت لا ينتظر أحدًا، وسيتسرّب من بين أصابعي كما تفعل المياه إن تردّدت...
عليَّ أن أقرّر هَل سَأذهب أَم سَأبقَى ، قبل أن تسبقني السّابعة إلى الثامنة...
تَحركت " امنه " تَنفض تِلك الأفكَار عَنها تَطرق بَاب شَقيقها بِخفه وَلكن الصَمت كَان جَوابها ، دَفعت البَاب بِرفق فَصدر عَنهُ صريرًا مُزعج وَقد طَرفت بِجفناها فِي صَدمه لِمدى فَوضويه الغُرفه ، أوراق
مُبعثره ، ومَلابس مُتكوره عَلى الأَريكه ، مَكتبهُ الذي يَعلوه أكوَاب قَهوه نِصف مُمتلئه وَاطباق مُتسخه كُل هَذه أشيَاء تُثير اشمِئزازها ، لاَ تَستطيع احتِمال مَنظر كَهذا عَيناها تَتألمان
"أحقًا بلغ به الحال أن يغرق إلى هذا الحد في فوضاه وبؤسه .."
دَخلت تَغلق البَاب خَلفها ، تَتقدم نَحو سَريرُه
" مصطفى ، مصطفى اصحى الفطار جاهز "
نَبست بِصوتٍ مُنخفض لَكنهُ لَم يَطرف بِجفنيه حَتى
" مصطفى ، كل ده نوم الساعه بقت سابعة يلا بطل كسل "
وَضعت يَدها على كَتفه تَهزُه بِهمجيه
" مصطفى الحق حبيبة بره "
ليُتمتم وَهو نَائم
" حبيبة ، انا بحبك اوي ياحبيبة "
ابتَسمت اثنَاء سَحبها مِنهُ الغِطاء بِصعوبه ، لِيفتح مِقلتيه يُطالعها فِي جِحوظ
" امنه .. في ايه يا امنه مصحياني بدري كده ليه
جدو حصله حاجه "
كَتمت ضَحكاتها لِأتسَاع حَدقتيه بِذهول
" جدو سليم وزي الفل كل الحكايه عايزين نفطر سوا النهارده ممكن تقوم بقى عشان خاطري "
وَافق وَسط تَذمُراته لِتساعدهُ هَي فِي الجِلوس عَلى مَقعدُه المُتحرك وَقد دَلف الىّ الحَمام ، أخذَت الأطبَاق والاكوَاب مِن عَلى المَكتب نَحو المَطبخ وَقد لَمحت جِدها وَهو يَفرُك عِينيه فِي نِعاس وَحالما انتَبه لَها تَبسم فِي اشرَاق لِتظهر لَها اسنانُه المُتبقيه
" ايه الفطار الملوكي ده يا امنه .."
نَالت مِنها ضِحكه خَافته لِتجلس عَلى الكُرسي تَشير بِيدها الىّ الأطبَاق
" من هنا ورايح الفطار هيبقى كده دايمًا ياجدو "
جَلس الجِد عَلى المَقعد المِجاور ليِنضم " مصطفى"
اليِهم بَعد دَقائق بَسيطه كَانت الطَاوله عَامره والحَديث يَدور خَافتاً بَينهُما ، واثنَاء تَناولها مِن الطَبق تَوقفت " امنه " عَن المَضغ حيٓن دَقت السَاعه الثَامنه نَظرت لِلعقارب بِتشتت وَاضح هَامسه بِداخلها
" هل حقًا لم يتبقَّ سوى ساعة؟ ساعة وتُروى الأغصان...؟
تنهّدت بخفوت، وعيناها لا تزالان مُعلّقتين بالعقارب. شعرت أن الوقت ينقص منها ليسَ بالثواني بَل بِالفُرص قَطع صَوت "مصطفى" لَحظة
شُرودها
" الا قوليلي يا امنه ، فاكره السوار بتاع ماما الله يرحمها اللي اخدتيه معاكي وانتِ مسافره "
أدَارت وَجهها نَحوه تَقبض عَلى أطرَاف الطَاوله بِاستغراب لِتراهُ وَهو يَسكُب الكَاكاو فِي قَدحُه لِيُعقب
" من ساعة ما رجعتي وانا مش شايفه في ايديكي يعني "
وَكأن كَلماتُه أيقَظت فِيها قَراراً خَفيًا ، إِذ نَهضت بِكُل لَباقة تُعيد المَقعد لمَكانُه ، بَينما تَطلع إِليها شَقيقها فِي تَساؤل
" قومتي ليه يا امنه اقعدي كملي اكلك "
لِتشير هَي بِخنصرها نَحو البَاب
" ا..انا لازم انزل دلوقتي نسيت السوار بتاعي مع ليلاس صاحبة حبيبة .. كانت بتقيسه ونسيته في ايدها .. هاروح اخده منها واجي على طول .."
اردَفت أثنَاء ارتِدائها لِفردة حِذائها ، وَحين انتَهت صَفعت البَاب مِن خَلفها عَلى استِعجال تَاركه وَرائها نَظراتهما المُستغربه دُون كَلمه
.. .. ..🍁 .. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁.. .. .. 🍁 .. .. ..🍁
كَان الصُبح مَا يَزال يَتهامس فِي الشوارع، أصَوات المَارة تَمتزج بِتلاوةٍ قَادمة مِن مِذياعٍ قَديم، والخَبّاز يرشّ دقيقُه عَلى الرَصيف كأنّه يَوقظ النَهار.
وَقف "لقمان" فِي صمتٍ عِند بَاب بَيت "شيماء " يُطالع الشَارع بعينٍ مُترقبة، يُحصي أنفَاسهُ مَع كُل آيةٍ تُتلى
خَرجت " شيماء " بِخطواتٍ مُسرعه تَحمل أكياسٍ مَا بَين يَديها لِيقوم بِمناداتها بِأسمُه بِصوتٍ عالٍ
" لُــقــمان .."
التَفتت لِتجدُه يَقترب اليِها ، حَتى تَنفست بِضيق
" هو انت ليه بتناديني بأسمك في الشارع يالقمان انا اسمي مش عجبك ولا ايه "
" ياسلام عايزاني انادي عليكي في الشارع بأسمك عشان كل من هب ودب يعرفه "
نَبس اثنَاء اقتِرابُه مِنها لِيلتقط سُؤالها الذِي حَمل نَبرة الأندِهاش
" لا والله .. وفيها ايه يعني لما اي حد يعرفه هو عوره"
وَحالما صَوب نَظرُه عَليها أشَاحت بِبصرها الىّ الجَانب الأَخر نَابساً
" بالنسبالي اه عوره .. وبعدين هو في ايه ياشيماء هو خدوكم بالصوت .. انتِ عارفه اني جاي الوم وعاتب قولتي ادب خناقه عشان يتلهي ومايفتحش بوقه بكلمه "
أومَأت لِيسير بِجانبها يَحمل الأَكياس بَدلاً عَنها وَقد رَفض مُساعدتها لهُ بِحمل وَاحد ، كَانا يَسيران هُو وَهي جَنبٍ الىّ جَنب وَقد كَان هَادئًا كَلحن حَزين
يَتم عَزفه امَام شَخصًا أصَم حَتى قَطعت هَي الصَمت
" هتفضل ساكت كده كتير يا لقمان عتاب ايه اللي جاي تعاتبهوني ده "
لَكن خَطواتُه تَوقفت عَن السَير حِين سَألتهُ
" انتِ ماعندكيش دم ، انا بقالي ٣ ايام بحاول اتصل بيكي وابعتلك على الواتس وانتِ مابترديش ، ورغم اني متأخر وعندي حصه بدري فضلت مستنيكي لحد ما تطلعي من بيتك بس عشان اطمن عليكي .. المشكله انك لما شوفتيني وشك اتقلب ،واتبدّل كأنك شوفتِ حاجة تخوّف، كأنّي بقى وجودي بيضايقك.
يا شيماء، لو إنتي مش طايقاني أو في حد مغصّبك عليا، قوليلي بصراحة
أنا اه بحبك، بس مستحملش فكرة إنك معايا غصب عنك
ساعتها، والله العظيم، هبعد من غير ما تبصي وراكي حتى بس عرفيني يابنت الناس ايه اللي جواكي وايه اللي مغيرك اليومين دول "
أدَارت رَأسها نَحوه ، تَبتسم لهُ وأصبَحت كَلماتها تَخرج مِنها بِهدوء
" ياحبيبي مين قالك بس اني مغصوبه عليك ، مين اصلاً يقدر يغصبني على حاجه انا مش عايزاها يا لقمان امي الست الغلبانه ولا اخويا اللي في اعدادي اللي اصغر مني ، كل الحكايه بس ان اليومين دول مشغوله شويه معرفتش ارد عليك ياحبيبي مش اكتر"
" يبقى تقوليلي ياشيماء ، ردي قوليلي انك متهببه مشغوله لكن ماتسبنيش قلقان كل ده وتخليني واقفلك قدام البيت زي عيال ثانوي"
بَللت حَلقها تَحك جَانب رَأسها بِسُبابتها
" حاضر هبقى اقولك .. فك بقى عشان خاطري "
فَرق شَفتاه وَقبل أن يَتحدث وَجد سَياره بِاللون الوَردي فَارهه مَفتوحة السَقف قَد وَقفت أمامُه تَصدر صَوتٍ عَال بِمكابحها لِتخرج " ليلاس " مِن السَياره
بتنورتها المَدرسيه القَصيره ولون الشفاه الأحمر الثقيل على شفتاها تَشير بِأصابعها لهُ فِي سُخريه
" هــاي يــامستر ، لاقيتك اتأخرت عن الحصه قولت اجي اخدك بنفسي من تحت بيتك "
عُقده حَاده ظَهرت بَين حَاجبي " شيماء" تَسألهُ بِحده
" مين دي يالقمان "
لمّا وقعت عينا "ليلاس" على الدِّبلة في إصبع "شيماء"، تجمّد صوتها لحظة، ثم أفلتت ضِحكه منها بدهشةٍ
" لاء ، ماتقوليش بقى اللي شبه وش القرد دي تبقى خطيبتك يامستر "
مِقلتا " لقمان " تَدحرجا نَحو " شيماء" ليلحظ احمِرار مِقلتيها تَشير لِنفسها بِسبابتها
" انا شبه وش القرد؟ دا انتِ يَابت القرد يشوفك يقول يا خسارة سمعتي"
صَنعت" ليلاس " مَلامح مُمتعضه وَمُقززه وَسط ابتسَامتها السَاخره
" اوه ، ســوفــاچ "
نَبست لِتلحظ استغرابًا فِي مِقلتي " شيماء" تُشيح بِبصرها عَنها ، ثُم طَالعت " لقمان " تَرفع إحدَى حَاجبيها تُشير بِرأسها فِي تَساؤل
" ايه اللي جاب سيرة سوهاچ .. انت قولتلها يالقمان ان ابويا من سوهاچ ولا ايه "
" سوهاج ايه بس ياشيماء "
تَخطاها لِيوجه حَديثُه لـ "ليلاس" مُحذراً
" حاولي تفتحي بوقك بكلمه تانيه يا ليلاس او تقلي ادبك على خطيبتي واوعدك لا هيهمني وظيفه ولا ان ابوكي يفصلني من المدرسه كله إلا شيماء .. فهماني طبعاً "
طَرفت " ليلاس " بِجفناها حَالما أظلَمت مِقلتيه ، لِتعقد " شيماء " حَاجباها تَسألهِ فِي تَشوش
" وظيفه !!
هو انت اتقبلت في المدرسه الانترناشونال يالقمان ؟ "
.. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁 .. .. .. .. 🍁
توقّفت "آمنة" أمَام البَوابة الحَديدية، تَنظر إلىّ اليَافطة المعلّقة أعلاَها
" دار الأورمان لِلعجزة والمُسنين "
الحرُوف كَانت بَاهتة، كَأنها شَاخت مَع مَن يَسكنون خَلف الجِدار
وَلجت الىّ دَاخل الحَديقه التّي كَانت تَمتد بِهدوءٍ مُريب ، تَتناثر فِيها أَغصَان الُرمان والمَقاعد الخَشبيه أسفَلها ، يَتحرك فَوقها الزَمن بِبطءٍ عَلى مَلامح العَجائز الجَالسيِن
بَدت الحَديقه وَاسعه يَشُقها مَمر مِن الحَصى الرُمادي وَعلى جَانبيه عَجائز يَسيرون بِبطء
تَوقّفت تَنظُر إليِهم بِشرودٍ ، تَتأمل ارتِجافة ألأيديٍ وَعيونٍ تُطفئها الأيَام ببطءٍ رَتيب
تَسللت فِكرةٌ غَامضة إلىّ صَدرها، وَكأنها طفلٌ يَخاف النِهاية لِتهمس بِدَاخلها ، بصوتٍ لا يَسمعهُ سِوى قَلبها
"أحقًا هذا ما يصنعه الزمن بنا... يُطفئنا ببطء، حتى لا نشعر أننا انطفأنا .. كم تغدر بنا الحياة حين تُربينا على الأمل، ثم تُسلّمنا للخذلان كما تُسلِّم الأم طفلها للنوم الأخير..."
جَفلت عَلى صَوت "مُمرضه" تَقف أمَامها تَعرض عَليها مُساعدتها
" تِحبي اساعدك في حاجه يا أنسه .."
بَلعت مَا فِي حَلقها بِتوتر مَلحوظ تَتلفت يَمنه وَيسره
" نعم .. انا أريد .. اعني .."
عُقده خَفيفه ظَهرت مَا بَين حَاجبي" المُمرضه" لِحديثها المُتقطع لِتصحح " امنه " كَلماتها مُسرعه
" ا.. اقصد كنت بسأل عن اوضة المطربه نجاة اللي فتحاهه هنا بأسمها للخير "
ابتَسمت "المُمرضه" بَسمه وَاسعه تَومىء بَرأسها لِلأمام
" اتفضلي معايا من هنا .. "
تَبعتها " امنه " لِتفرق بَين شَفتيها تَنوي الحَديث لَكن حَديث " المُمرضه " جَعلها تَومىء بِصمت
" بجد انا مش مصدقه اخيراً حد من عيلة استاذ سليمان افتكره ، ده كان لسه من يومين بيسأل اذا كان حد زاره ولا لاء ده بقاله سنتين محدش فكر يزوره في يوم ، وحالته النفسيه والصحيه وحشه جداً
زَمت " امنه " شَفتيها غَير مَصدقه مَا يَحدث هَامسه
" يا الهي .. في أي مأزقٍ هذا وضعت نفسي ، بعد لحظاتٍ سيتبيّن لذلك العجوز أنني لست من عائلته... عليّ أن أجد مبرّرًا سريعًا وأرحل قبل أن نصل إلى الغرفة، لكن... بأي عُذر سَأواجه تِلك الممرضة"
وَقبل ان تُفرق " امنه " شَفتاها كَانت " المُمرضه "
قَد تَوقفت أمَام الغُرفه تَضع يَدها عَلى المِقبض النِحاسي تَلتفت نَحوها
" انتِ اكيد حَفيدته فيكي شبه منه .."
أومَأت " امنه " لَها بِأرتباك بِالأيجاب ، لِتفتح
" المُمرضه" بَاب الغُرفه تَشير بِيدها لِلداخل
" اتفضلي ، بس ياريت ماترهقهوش كتير "
خَطت "آمنة" إلى الداخل بخطواتٍ مترددة، وَصوت البَاب خَلفها بَدا كأنه يَغلق عَليها تردّدها.
الغُرفة سَاكنة إلا مِن حَفيف الأورَاق خَلف الزُجاج المُمتد بِطول الحَائط
جَلس الرَجل فِي مَقعدُه المُتحرك، ظَهره إليِها، يحدّق فِي الأغصَان المُتمايلة خَارج النَافذة، تَتدلى مِنها حَبات رُمانٍ تَتلألأ تَحت الضَوء الخَافت.
تَرددت لِلحظة، تَتقلّب أنفَاسها مَا بَين الخَوف والفِضول، رَفعت يَدها بَخفوت، تَشير نَحو البَاب، وَصوتها بِالكاد خَرج مِن بَين شَفتيها
"انا .. انا اسفه هــو... الظاهر ان أنـا دخلت هنا غَلـط"
التَفت العَجوز نَحوها بِبطء، وَحين وَقعت عَيناها علّى تَفاصيِل وَجهه ، جَحظت مِقلتاها مِما تَراه ، تَسارعت أنفَاسها وَهي تَتقدم خَطوه لِلامام ، أثنَت قَوامها تَجلس أمَامُه تُمرر أصابِعها بِرفق عَلى خِطوط العُمر تُطالعه بِصمتٍ و الكَلمات على شَفتيها قَبل أن تنفلت مِنها مُرتجفه
"جدو سليمان ..."
.. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁 .. .. ..
رد عليا يالقمان ، هتاخد مرتب كام ؟
طَالعها فِي غَير تَصديق أثَر أحمِرار وَجهه لِيُجيب
" هو ده وقته ياشيماء "
لِتقهقه " ليلاس" اثَر انزِعاجُه مِن اسألتَها
" لا .. بجد يازين ما اختارت يامستر "
طَالعتها " شيماء " بِغيظٍ كَاد يَفضحها وَلكنها ابتَلعت غَضبها بِبُطء لِتردف بِهدوء عَكس العَاصفه بِداخلها
" متشكرين ياانسه .. بس طالما طلعتي بنت صاحب المدرسه اوبقي وصي على لقمان شويه في المرتب "
جَحظت عَين " لقمان " حَيث مَلامحهُ صَنعت أمَارات التَعجب مِن حَديثها
" شيماء ، ايه اللي بتقوليه ده "
رَفعت يَدها فِي وَجهه اشَاره لِلصمت
" استنى بس يالقمان "
" انا سايبك وماشي "
قَالها أثنَاء مِغادرته لِتصد " ليلاس " طَريقُه تَشير لهُ لِلصعود الىّ سَيارتها ، لِتظهر بَسمه جَانبيه تَحمل استفزَازاً حَقيقياً لـِ " شيماء " هَاتفه
" بعد اذنك ياشوشو هاخد المستر بتاعي منك شويه ، بس اوعدك اول ما اخلص هرجعهولك على طول "
جَذبته "ليلاس" من مِعصمه لتُدخله السيارة دون أن تُعير "شيماء" اهتمامًا، بينما "شيماء" حَملت الأكياس البلاستيكيه مِن يَدُه تُشير لهُ بِعينيها الىّ السَياره
"اه طبعًا، اركب معاها يا لقمان... وأول ما تخلص كلّمني"
عَدلت وضع الأكياس في يدها بِبرود ، وَكأنهُ لا يعنيها لم تلتفت نحوه وهو يَنظر إليها في حيرةٍ صامتة ثُم تابعت طريقها بخطًى ثابتة، لا شيء في ملامحها يشير إلى وجعٍ أو غيرة ، فقط تلك العملية الجافة التي تُشبه من يحسب المكسب قبل الشعور
.. .. ... 🍁 .. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁 .. .. ..
" انتِ مين .. وتعرفيني منين ..
فَرقت " امنه" شِفاهه لَكن العَجوز رَفع ابهامُه فِي وَجهها لِمنعها مِن الحَديِث
" استني .. استني ..انا .. انا حاسس اني شوفتك قبل كده .. فيكي .."
ابتَلع مَا فِي جَوفه بِصعوبه لِيُكمل
" فيكي شبه كبير من حد اعرفه"
نَبس "سليمان " فِي شِرود لِتزداد حِيرتها ، نَبرته بَدت لَها مُختنقه وَكأنهُ يَعود بِذاكرتُه لِشئً مَا
" جدو .. انا امنه بنت ابنك محمد الله يرحمه "
طَرف بِجفناه حِين نَطقت بِأسمُه لِيقبض بِيدهُ عَلى مَسند المَقعد
" امنه .. ازاي كبرتي كده .. وعرفتي طريقي منين
رجعتي امتى ، ووصلتيلي هنا ازاي يا امنه ، انتِ جايه هنا عشاني انا "
اسئلتهُ الكَثيره جَعلت الصَمت يطبَق عَليها والشِرود اختَطفها لِتكُون رَهينه لِأفكَارها
" هل أخبره أن قدومي كان محض صدفة؟
وهل تُصدق الصدف في أعينٍ أنهكها الانتظار؟
ربما يظنّ أنني آخر خيطٍ يمتدّ إليه من ماضٍ نسيه الجميع… فبمَ أبرّر وجودي إذًا؟
لا، سأُخفي الحقيقة، أُرمّمها بكذبةٍ صغيرة تريح قلبه ليظنّ ولو لحظة أن أحدًا ما ما زال يعبر إليه، أن الدنيا لم تُغلق أبوابها كلها في وجهه بعد"
" ا.. انا كنت مسافره ياجدو كنت بدرس بره ولسه راجعه واول ما رجعت دورت عليك .. لـ .
بَللت شَفتاها العلويه نَابسه
" لحد ما عرفت اوصلك .."
اختَطفها لِأحضانه بِقوته الوَاهنه يُمسد عَلى خُصلاتها بِأصابعهُ المُرتجفه
" انا مش مصدق اللي انا شايفه قدامي ده .. أنتِ يا أمنه اللي تدوري عليا من بين عمك وعماتك وولادهم انتِ الوحيده اللي تيجي تزوريني بعد اللي عملتوا فيكم انتِ وأخوكي مصطفى ومحوطش عليكم بعد ما محمد مات وسيبتكم لجدكم يربيكم "
مِقلتاها جَحظتا لِتفصل العِناق تَقبض عَلى قِلادتها بِأيدٍ مُرتجفه
" انتَ بتقول ايه ياجدو ، تقصد ايه بكلامك ده "
لَكنها طَرفت فِي تَفاجؤ حِينما سَمعتهُ يُبرر
" اقصد اني مشيت ورا كلام عمك وحرمتكم من ميراثكم ، واللي عملته فيكم عمك عمله فيا .. زي ما سمعت كلام عمك و حرمتكم من ميراثك انتِ واخوكي فيا وفي ابوكي ، عمك رماني هنا وحجر عليا يا امنه ، ومش معرف اي حد طريقي "
مَسح دِموعه التّي قَد هَبطت دُون أذنٍ مِنهُ ، يَلتقط أنفاسُه بَعدما أصبَحت مُسرعه
" كنت بدعي ربنا اني اشوفك انتِ ومصطفى قبل ما اموت مش مصدق ان ربنا استجابلي أخيراً وبعتك ليا عشان تنجديني من الوحده اللي انا عايش فيها ماتسبنيش هنا يا امنه ، ماتسبنيش خديني معاكي يابنتي ، واوعي تسيبي حقك انا ..
سَعل بِشده مِن وَسط كَلماتُه لِيُعقب
" انا .. انا عارف ازاي اخليكي ترجعي حقك "
شَد قَبضتهُ عَليها كَمن وَجد النَجاه بَعد الغَرق ، نَبست تَتألم مِن كَلامه بِأعين زُجاجيه
" ا.. اهذا صحيح .."
جَفلت " امنه " حَالما خَرج مِنهُ سِعال قَوي هَذه المَره يُحاول النِهوض مِن مَقعدُه وَهو يَضغط عَلى قَلبُه فِي تَألُم
" جدو مالك فيك ايه ، جـــــدو .."
تَحركت مُسرعه نَحو البَاب تَصرخ بِصوتٍ مُرتفع فِي المَمر
" دكتور ، عايزه دكتور "
استَدارت لِتجده مُلقي عَلى الأرضِيه وَقد تَحول وَجهه لِلأزرقاق
تَوجهت " المُمرضه " نَحوه بِهلع تُحاوط ظَهرُه بِقوه
" باين عليه اتعرض لنوبه قلبيه ممكن من الفرحه لما شافك حاولي تضربي على ضهره لحد ما اجيب العلاج بتاعه "
سَارعت " المُمرضه " لِأحضار الدَواء بَينما " امنه " كَانت تُمسد لهُ عَضلة قَلبه بِأحدى يَديها
" جدو ، خد نفس عشان خاطري ، اتنفس ياجدو عشان خاطري "
هممت في فَتح أزراره وَسط تَخبط انفاسُه ، لِتشعر بِاقتراب المُمرضه مِنها ، اثناء ضَغطها بِسلاسه عَلى جِهه قَلبُه لِتدخل حَبة الدَواء بِفمُه تَرفع رَأسُه نَحو كِتفُه
مَرت دَقائق حَتى استَعاد نَفسُه مِن جَديد لِتزفر
" امنه " بِراحه تَرفعه مَع " المُمرضه " مِن كَتفُه لِيستلقى عَلى السِرير ، وَبعد أن قَامت " المُمرضه"
بِتغطيتُه حَتى وَصلت الىّ اكتَافُه ، تَبسمت
" المُمرضه" نَحوها عَلها تَطمئن
" ما تقلقيش جدك اخد الدوا ونام مش هيصحى دلوقتي خالص ، حاولي تروحي دلوقتي وتعالي بكره ، وجودك جنبه مالهوش لازمه "
أَومَأت " امنه " اليِها دُون حَديث تَزفر فِي رَاحه لِتتراجع بخطواتٍ بطيئة، تُنصت لأنفاسها المبعثرة،
ثم أدارت وجهها نحو الزجاج الممتدّ، تتأمل ارتعاشة اغصَان الرُمان وهي تميل تحت نسمةٍ خفيفة.
الحَديقة سَاكنة، غير أن صوت الماء كان ينساب ببطءٍ من بعيد لِيقع بَصرها عَلى مَن يَروي الأَغصان ، كَانت لاَترى مِنهُ إلا ظَهرُه وَلكنها استَطاعت ان تُميز سُترته الجِلديه السَوداء تَمتمت بِصوتٍ خَفيض
" انه هو .. من المؤكد انه هو ، فهَي نَفسها ذَات السُتره السَوداء التي ارتَداها حِين رَأيتُه مِن قَبل"
انتَفضت لِتجري بِكل طَاقتها نَحو الحَديقه وَالأدرينَالين يَزيد مِن ضَربات قَلبها ، عَبرت المَمر لِتزيد مِن سُرعة رَكضها وَحالما وَصلت لِلحديقه لَم تَجدُه وَكأنهُ قَد أصبَح سَراب ، وَقفت تَلتقط أنفَاسها لِترى خَرطوم المَياه مُلقى عَلى الأرض والمِياه تَنساب بِبطء تَرسم مَساراً رَفيعًا عَلى التُراب ، التَفتت يَمنه ويَسره تَبحث عَنهُ بعيونٍ مُرتبكه وَلم تَجد سِوى الفَراغ ، مَشطت خَطواتها لِخارج الدَار حَتى عَبرت الطَريق لِتجلس عَلى المَقعد الرُخامي
كَانت الشّمسُ فِي كَبد السَماء يغلّفها ضوءٌ باهت يليق بشتاءٍ هادئ
امتدّت أمامها الحديقة الصغيرة، حيث يلتفّ جمعٌ من الصغار حول رجلٍ يرتدي زيّ باندا، يوزّع البَالونات الحَمراء
وَقع بَصرها عَلِيهم كَأن الزَمن التَفت إليِها شَردت فِي ذِكرى قَديمه مِن زَمنٍ بَعيد حِين تَذكرت وَهي طِفله تَركض بَين الألوَان، بِثوبٍ صيفيٍّ بَسيط، وشَعرٍ يَتطاير خَلفها، ووالدهَا يَبتسم مِن بَعيد، يَمدّ نَحوها بالونًا أحمَر وهو يَخبرها بِصوته الحَنون
"امسكيها يا أمونة قبل ما تطير "
ارتَجف قَلبها، وتَكوّر الدِفء فِي صَدرها ليِصير وَجعًا ممزوجًا بدمعةٍ ساخنة هَبطت مِن مِقلتيها
مَسحتها سريعًا، فتبعتها أخرَى، ثُم ثالثة، حَتى وَجدت نَفسها تَبكي فِي صمتٍ لا يُفسر الا بِالحَنين
شَعرت بِوخزه خَفيفه مِن اصَابع صَغيره عَلى مَنكبها ، رَفعت رَأسها بِبطء تَتبع عَيناها مَصدر اللَمس لِتجد طِفلاً يَنظُر اليِها بِابتسامه وَاسعه تَظهر صَف اسنَانُه الصَغيرة
تَجمع حَولها عددٌ من الأطفَال وضَحكاتهم تَملأ المَكان، والبَاندا يَقف أمامَها بِثباتٍ، يُمدّ يَده نحوهَا، ببالونةٌ حَمراء تَتمايل مع نَسمةٍ بَاردة.
أدَارت وَجهها نَحو البَاندا ، تُطالعه بِأستغراب لِيلحظ مَلامح مِحتاره عَلى وَجهها سَائله وَهي تَشير الى نَفسها
" البلونه دي ليا انا "
بَللت حَلقها تَترقب رَدُه ليِشير البَاندا لَها بِرأسه بِالأيجاب
عَقدت حَاجباها تَتلمس قِلادتها لِتأتي نَبره غَريبه مِن الأَسفل لِتجد الطَفل يَشد طَرف فُستانها
" خدي البلونه ياطنط وماتعيطيش "
اقتَربت تَنحني مُقبله وَجنتيه القُطنيه هَذا الفَتى تَعدا مَرحلة اللطَافه
" حــاضـــر .."
ارجَعت خُصلات شَعرها خَلف أُذنها وَلم تَستطع مَنع ابتِسامتها التّي تَميل الىّ الجَنب لِتنبس وَهي
تَمد يَدها لِلباندا وأخذَتها بِبُطء
" شـُـــكـــراً .."
أَمال البَاندا رَأسُه قَليلاً لِيشير لَها بِإصبعيِه عَلى فَمه كعَلامةٍ لِتبتسم
عَانقت نَفسها لِتبتسم حَتى بَرز صَف اَسنَانها ، أثنَاء رَحيلها تَرفع عَيناها نَحو البَالونه الحَمراء التّي تَرتفع قَليلاً بَين الحِين وَالأخر تَتمايل مَع الريَح كَما تَتمايل خُصلاتها وَشىء مَا فِي مَلامحها يَشبه الرَاحه
وَتحت رَأس البَاندا كَانت عَيناه تُتابعها بِصمت حَتى تَوارَت بين الأشجار
نَزع الرّأس الضّخم عن كتفيه، فَانكشف وَجهه المُبتسم، وعيناه الكَابولتيه تَلمعان كأنّهما تَقولان شيئًا لم يَجد لهُ كَلمات
ظَلّ يَنظر في الاتّجاه الّذي سارت فيه، إلى أن تَضاءل ظلّها وتلاشى تمامًا ، ليقَطع هدوءَ اللّحظة صوتٌ اتَى مِن خَلفُه
" اقلع بقى يا موسى بدلة الباندا دي، علشان الراجل صاحب المحل لو شافني مش لابسها هينفخني"
التَفت "موسى" نَحوه، وفِي عِينيه هِدوءٍ غَريب ثم ارتَسمت على شَفتيه ابتسامةٌ جانبيّة خفيفة، فيها شيءٌ من الرضا نَابسًا وَهو يَرمق الطَريق الذِي اختَفت فِيه
" تسلم ياصاحبي .."
شَعَر، لوهلةٍ عابرة، أنّهُ لَمس شَيئًا فِي دَاخلها… شيئًا خفيًّا انكَسر مُنذ زَمن، وَعاد يتحرّك للحظةٍ وَاحدة، ثُم سَكن مِن جَديد.
.. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁.. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁 .. .. ..🍁
وَقفت " ليلاس" بِالسياره فِي مَكان نَاءٍ فِي الصَحراء بَعد الكِيلو ١٠٩ بِطريق السِويس تَطرق بِأناملها عَلى المَقود وَقد ابتَسمت تَغمزهُ مُمازحه
" اللبس حزام الأمان بقى يامستر "
زَفر وَهو يُطالعها بِنفاذ صَبر
" مش هنخلص بقى .. بقالنا ساعه بقولك رايحين فين وانتِ مابترديش احنا بنعمل ايه هنا في وسط الصحرا ياليلاس "
التَقطت أُذناه كَصوت أطَارات تَأتي مِن مَكانٍ بَعيد
لِتضع نَظارتها السَوداء تَخبرهُ بِنبرتها المُشاكسه
" براحتك .. انا قولتلك اللبس حزام الامان وانت اللي ماردتش "
دَوى هَدير المُحركات مِن حَولهما فانطَلقت بِالسياره
دُفعه وَاحده ، فَرت شَهقه مِنهُ لِأندفاعها السَريع مَع أقتِراب تِلك السَيارات مِنها ، لِيهم فِي وَضع الحِزام بُسرعه يَقبض عَلى مِقبض البَاب وَهي تَقود بِيدٍ واحَده فَقط ، لِيراها تَتسابق مَع أحدَى السَيارات بِجانبها وَقد جَف حَلقُه
" بالراحه شويه الله يخربيتك .. وقفي العربيه دي"
" اسفه يامستر ، لكن ماقدرش اوقفها دلوقتي واحنا في وسط السبأ "
رَفعت كِتفاها لِلأعلى بِلا مُبالاه
" انا ماتعودتش عالخساره قبل كده "
أدَارت المَقود لليِسار عَلى أخرُه لِيتمايل جَسدُه عَلى اليَمين ، هَي لَم تَأبه لِلسيَارات المُنافسه لَها بَل كَانت تَتخطَاها يَمينًا وَيساراً يَتمايل جَسدُه مَعها كَزُجاجة مَاء مُضطربه ، لِيدير مُنافسها سَيارتُه لِليمين بِأقصى دَورانها حَتى وَقف أمَامها ، وَحالما ضَغطت هَي عَلى المَكابح اندَفع جَسد " لُقمان " الىّ الأَمام لِيعود للخَلف بَينما هَي فَتحت نَافذة السَياره لِتنظر خَلفها ، تُحدق فِي المِرآه الخَلفيه لِتجد سَيارتين قَد حَاوطوها عَمداً وَبقت هَي بِالمُنتصف صَكت عَلى أسنَانها هَامسه بِداخلها
" اتفقتوا عليا ياولاد ال... البوبي "
مدّت "ليلاس" يدها إلى الدرج الجانبي التقطت شريطة شَعرها السَوداء من داخله، أمسكتها بين شفتيها، بينما كانت أصابعها تجمع خصلات شعرها إلى أعلى، وعيناها لا تُفارق الطريق
" انتِ بتعملي ايه فهميني .. ومين دول "
ضغطت بقدمها على دواسة الوقود بقوة، فارتفع صوت المحرك تدريجيًا حتى صار هديره يملأ المكان، يتداخل مع هَدير السيارات الأخرى
"عارف لعبة عسكر وحرامية، اللي كنا بنلعبها زمان واحنا صغيرين دي ونستخبى من العسكر والجو البلدي ده لحد ما العسكري يمسكك "
اجابها وهو يُحاول أن يَضع عِينيه عَلى الطَريق رَغم ارتِباكُه
" عارفها .. مالها دي "
أمَالت رَأسها قَليلاً عَيناها تُتابع المَسافه بَينها وَبين السَيارات الأُخرى
"أهو إحنا بقى بنلعبها من وقت للتاني، وعلى حسب ما يقرروا في اللعبة مين اللي يبقى الحرامي ومين يبقى العسكر… والظاهر كده إنهم قرروا إن هما اللي هيبقوا العسكر المرة دي، وأنا الحرامي، واتفقوا عليا"
صَنعت مَلامح مُستعطفه تَرمقهِ بِها
" يرضيك يامستر يتفقوا عليا .. "
" وايه اللي هيحصل لو خسرتي "
غَيرت نَظرتها بِنظره أُخرى حَاده تَرفع حَاجبها الأيسَر
" ماتقلقش يامستر انا عمري مابخسر "
صَنع " لقمان " مَلامح مِتقززه مِن فِعلتها
" ما ان شالله تخسري ولا تكسبي انا مالي بالقرف ده كله ردي عليا لو خسرتي ايه اللي هيحصل "
قَال جُملته بِسرعه لِتجيبُه
" هياخدوا العربيه وموبايلاتنا وهانروح مشي "
ضَرب عَلى فَخذُه بِعنف
" يــانـهـارك أزرَق "
.. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁 .. .. .. 🍁 .. .. .🍁
لَاحت شَفتي "آمنة" تَبتسم فِي رِضا حِين رَأت شَجر اللاڤندر، وأثنَاء تَوجهها إليهِ لامَسها شُعورٌ دافئٌ بِالسكينة ، رَفعت أطراف أقدامها لِتقتطف بَعض الأزهَار، لكن قَبل أن تَمسها أحسَّت بثِقَلٍ خفيفٍ فوق كفِّها.
تَجمدت يَداها حين شَعرت بِهِ خَلفها، نَظرت إلى يَدها المرفوعة ، فإذا بكفِّه يُغلف كفَّها، واقتَربت شفتاه من أذنها
" ماحدش قالك ان السرقه حرام .."
كَان صَوته هَادىء لِلغايه يَصلح لِألقاء تَنهيده لِلنوم
لَكنها التَفتت مُسرعه وَقد دَخل التَوتر مِعدتها مُبعثراً احشَائها رَفعت بَصرها نَحوه كَان يُطالعها وَعيناه تَحتمي بِخصُلاته الأدعَجيه يَرتدي كِمامةٍ سَوداء تُغطى مُعظم وَجهه وَقلنسوه قَاتمه تُغطي فَروة رَأسُه ، لَم تَستطع قَطع تَواصل عينَاهم لِشعورها بِأن ذَاكرتها تَستيقظ لَكنني انزَلت مِقلتاها حَالما شَعرت بِدفء يُعانق يدهَا وَقد ادرَكت انَها مَا زَالت مَحبوسه بِداخل قَبضتُه
.jpeg)